مسألة: [هل يجوز نقل حركة همزة الوصل إلى الساكن قبلها؟]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز نقل حركة همزة الوصل إلى الساكن قبلها.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز.
وأجمعوا على أنه يجوز نقل حركة همزة القطع إلى الساكن قبلها كقولهم "مَنْ ابُوكَ، وكم ابِلُكَ".
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على ذلك: النقل، والقياس.
أما النقل فقد قال الله تعالى: ﴿الم، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: 1-2] فنقل فتحة الهمزة: "اللَّهُ" إلى الميم قبلها، وحكى الكسائي قال: قرأ عليَّ بعض العرب سورة ﴿ق﴾ فقال: "مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبًا الذي" [ق: 25] بفتح التنوين؛ لأنه نقل فتحة همزة "الَّذِي" إلى التنوين قبلها، وحكي أيضا عن بعض العرب "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ" [الفاتحة: 1-2] بفتح الميم؛ لأنه نقل فتحة همزة: "الْحَمْدُ" إلى الميم قبلها، وقرأ أبو جعفر يزيد بن القَعْقَاع المدني وهو من سادات أئمة القراء وهو أحد القَرَأَة العشرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [البقرة: 34] فنقل ضمة همزة "اسْجُدُوا" إلى التاء قبلها؛ فدلّ على جوازه.
وأما القياس فلأنها همزة متحركة؛ فجاز أن تنقل حركتها إلى الساكن قبلها كهمزة القطع في قولهم "من ابُوكَ، وكم ابِلُكَ" وما أشبه ذلك.
والذي يدلّ على صحة ما ذكرناه أنهم يقولون "وَاحِدِ اثنانْ" فيكسرون الدال من "وَاحِد" وأجمعنا وإياكم على أن كسرة الدال إنما كانت لإلقاء حركة همزة "اثنانِ" عليها لالتقاء الساكنين، ولا خلاف أن همزة "اثنانِ" همزة وصل، فدلَّ على صحة ما ذكرناه,
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز ذلك لأن الهمزة إنما يجوز أن تنقل حركتها إذا ثبتت في الوصل نحو: "مَنَ ابوك" في "مَنْ ابوك" و"كَمِ ابِلُكَ" في "كَمْ إِبلكَ" فأما همزة الوصل فتسقط في الوصل؛ فلا يصح أن يقال إن حركتها تنقل إلى ما قبلها؛ لأن نقل حركة معدومة لا يتصور، ولو جاز أن يقال إن حركتها تنقل لكان يجب أن يثبتها في الوصل فيقول: قال ألرّجُل، وذهب ألغلام، حتى يجوز له أن يقدر نقل حركتها، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: "أخذت عن ألرجل" بسكون النون وقطع الهمزة وبفتح النون على نقل الحركة كما يقال: "من أبوكَ، ومن ابوكَ" فلما لم يَقُلْ ذلك بالإجماع دلّ على فساد ما ذهبتم إليه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿الم، اللَّهُ﴾ [آل عمران: 1-2] فلا حجة لهم فيه؛ لأن حركة الميم إنما كانت لالتقاء الساكنين -وهما الميم واللام من "الله" وزعم بعضهم أن الساكنين هما الميم والياء قبلها، وهذا عندي باطل؛ لأنه لو كان التحريك في قوله: ﴿الم، اللَّهُ﴾ لسكونها وسكون الياء قبلها لكان يجب أن تكون متحركة في قوله: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2] فلما كانت ساكنة دلّ على أنها حركت ههنا لسكونها وسكون اللام بعدها؛ لا لسكونها وسكون الياء قبلها، وكانت الحركة فتحة على خلاف الأصل في التقاء الساكنين لأن قبلها ياء قبلها كسرة فلو كسر لأدّى ذلك إلى اجتماع كسرة قبلها ياء قبلها كسرة، والياء تعدُّ بكسرتين؛ فيؤدّي في التقدير إلى اجتماع أربع كسرات متواليات، وذلك ثقيل جدا فعدلوا عنه إلى الفتح لأنه أخفُّ الحركات.
وهذا هو الجواب عن احتجاجهم بقراءة بعض العرب "مُرِيبِنَ الذي" فإن الفتحة في التنوين ليس عن إلقاء حركة همزة "الَّذِي" وإنما حركت لالتقاء الساكنين -وهما التنوين، واللام من "الَّذِي" وكانت الحركة فتحة على خلاف الأصل في التقاء الساكنين لأن ما قبل التنوين كسرة وقبل الكسرة ياء قبلها كسرة، فالياء تعد بكسرتين على ما بينا؛ فعدل في هذه القراءة عن الكسر لئلا يجمع في التقرير بين خمس كسرات متواليات، وعدل عنه إلى الفتح لأنه أخف الحركات، وإذا كانوا قد فتحوا "أين، وكيف" لئلا يجمعوا بين ياء وكسرة مع كثرة الاستعمال، ولا يوجد فيه من الاستثقال ما يوجد ههنا، فلأن يفتحوا ههنا كان ذلك من طريق الأولى، على أنه لا يجوز لأحد أن يقرأ بهذه القراءة لأنه لا إمام لها، وكذلك ما حكاه عن بعض العرب من فتح الميم من: "الرَّحِيمَ الْحَمْدُ لِلَّهِ" لأنها لا إمام لها، على أنه لا وجه للاحتجاج بها؛ لأن فتح الميم فتحة إعراب؛ لأنه لما
تكرر الوصف عدل به إلى النصب على المدح بتقدير أعني، كما قالت امرأة من العرب1:
[295]
لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ ... سَمُّ العُدَاةِ وآفةُ الجُزْرِ
النازلون بكل مُعْتَرِكٍ ... والطَّيِّبين مَعَاقِدَ الأَزْرِ
وهذا كثير في كلامهم، وقد بينا ذلك قبل:
وأما قراءة أبي جعفر ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [البقرة: 34] فضعيفة في القياس جدا والقُرَّاء على خلافها، على أنها لا حجة لهم فيها.
وذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الخلاف إنما وقع في نقل حركة همزة الوصل إلى الساكن قبلها، وههنا ليس ما قبلها ساكنا، وإنما هو متحرك؛ لأن التاء من "الْمَلائِكَةِ" متحركة، فهذا احتجاج على غير محل الخلاف.
والثاني: أن هذا لا تقولون به؛ فإنه لا يجوز عندكم نقل حركة همزة الوصل إلى المتحرك قبلها.
الثالث: أنا نقول: إنما ضمت هذه التاء إتباعا لضمة الجيم في "اسْجُدُوا" وذلك من وجهين؛ أحدهما: أن يكون قد نَوَى الوقف فسكنت التاء وضمها تشبيهًا بضمة التاء في قراءة من قرأ: ﴿وَقَالَتُ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: 31] بإتباع ضمة التاء ضمة الراء؛ لئلا يخرجوا من كسر إلى ضم كما ضموا الهمزة، ونحو هذا الإتباع قراءة من قرأ أيضا: ﴿جَنَّاتٍ وَعُيُونٌ ادخلوها﴾ [الحجر: 45] بضم التنوين إتباعا لضمة الخاء من: "ادْخُلُوهَا" وهذا كثير في كتاب الله تعالى وكلام العرب.
والثاني: أنه أتبع الضم الضم، كما أتبع الكسر في قراءة الحسن البصري: "الْحَمْدِ لِلَّهِ" فكسر الدال إتباعا لكسرة اللام، وكقولهم "منتن" بكسر الميم، والأصل فيه "منتن" بضم الميم، فكسروها إتباعا لكسرة التاء، ومنهم من يقول "منتن" بضم التاء، والأصل فيها الكسر، إتباعا لضم الميم، كقراءة ابن أبي عبلة: "الْحَمْدُ لُلَّهِ" بضم اللام والأصل فيها الكسر إتباعا لضمة الدال.
وعلى كل حال فهذه القراءة ضعيفة في القياس، قليلة في الاستعمال.
وأما قولهم "إنها همزة متحركة فجاز أن تنقل حركتها إلى الساكن قبلها كهمزة القطع" قلنا: قد بينا الفرق بين همزة الوصل وهمزة القطع بما يغني عن الإعادة؛ فلا يجوز أن تحمل إحداهما على الأخرى.
وأما قولهم "أجمعنا على أن كسرة الدال في قولهم واحد اثنان إنما كان لإلقاء حركة همزة اثنان، وهمزة اثنان همزة وصل" قلنا: إنما جاز ذلك ههنا لأن "واحد" في حكم الوقف كنحوه في العدد، و"اثنان" في حكم المستأنف المبتدأ به، وإذا كان في حكم المستأنف المبتدأ به كانت همزته بمنزلة همزة القطع، وإن كانت همزة وصل؛ لأن همزة القطع وهمزة الوصل تستويان في الابتداء؛ ولهذا يقولون "واحد إثنان" فيثبتون فيه الهمزة وإن كانت همزة وصل؛ لأن "واحد" في حكم الوقف، و"إثنان" في حكم المستأنف، ولذلك يقولون "ثلاثة اربعة" فيحذفون الهمزة من "أربعة" ولا يقبلون الهاء من ثلاثة تاء؛ لأن الثلاثة عندهم في حكم الوقف والأربعة في حكم المستأنف، وهم إنما يقلبون الهاء تاء في حالة الوصل، وإذا كانت في تقدير الوقف بقيت هاء، وإن ألقيت عليها حركة ما بعدها، كما تكون هاء إذا لم يكن بعدها شيء والله أعلم.
109-