الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: [هل يجازى بكيف؟]

مسألة: [هل يجازى بكيف؟]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيون إلى أن "كيف" يجازى بها كما يجازى بمتى ما وأينما وما أشبههما من كلمات المجازاة.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز أن يجازى بها.
أما الكوفيين فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يجوز المجازاة بها لأنها مشابهة لكلمات المجازاة في الاستفهام، ألا ترى أن "كيف" سؤال عن الحال كما أن "أين" سؤال عن المكان، و"متى" سؤال عن الزمان، إلى غير ذلك من كلمات المجازاة، ولأن معناها كمعنى كلمات المجازاة، ألا ترى أن معنى "كيفما تكن أكن": في أي حال تكن أكن، وكما أن معنى "أينما تكن أكن": في أي مكان تكن أكن، ومعنى "متى ما تكن أكن": في أي وقت تكن أكن، ولهذا قال الخليل بن أحمد: مخرجها مخرج الجزاء، وإن لم يقل إنها من حروف الجزاء، فلما شابهت "كيف" ما يجازى به في الاستفهام ومعنى المجازاة وجب أن يجازى بها كما يجازى بغيرها من كلمات المجازاة.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: "إنما لم يجز المجازاة بها لأنها لا تتحقق بها؛ لأنك إذا قلت "كيف تكن أكن" فقد ضمنت له أن تكون على أحواله كلها وذلك متعذر؛ لأنا نقول: هذا يلزمكم في تجويزكم "كيف تكون أكون"؟ لأن ظاهر هذا يقتضي ما منعتموه؛ فكان ينبغي أن لا يجوز، فلما أجزتموه دلَّ على فساد ما ذهبتم إليه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز المجازاة بها لثلاثة أوجه: أحدها: أنها نقصت عن سائر أخواتها؛ لأن جوابها لا يكون إلا نكرة لأنها

سؤال عن الحال، والحال لا يكون إلا نكرة، وسائر أخواتها تارة تجاب بالمعرفة وتارة تجاب بالنكرة، فلما قصرت عن أحد الأمرين ضعفت عن تصريفها في مواضع نظائرها من المجازاة.
والوجه الثاني: إنما لم يجز المجازاة بها لأنها لا يجوز الإخبار عنها، ولا يعود إليها ضمير، كما يكون ذلك في مَنْ وما وأي ومهما، فلما قصرت في ذلك عن نظائرها ضعفت عن تصريفها في مواضع نظائرها من المجازاة.
والوجه الثالث: أن الأصل في الجزاء أن يكون بالحرف، إلا أن يضطر إلى استعمال الأسماء، ولا ضرورة ههنا تلجئ إلى المجازاة بها؛ فينبغي أن لا يجازى بها؛ لأنا وجدنا أيًّا تغني عنها، ألا ترى أن القائل إذا قال "في أي حال تكن أكن" فهو في المعنى بمنزلة "كيف تكن أكن".
غير أن هذا الوجه عندي ضعيف لأن "أيا" كما تتضمن الأحوال تتضمن الزمان، والمكان، وغير ذلك؛ فكان ينبغي أن يستغنى بها عن متى ما وأينما وغيرهما من كلمات المجازاة؛ فلما لم يستغنوا بها عنها دلَّ على ضعف هذا التعليل.
والتعويل في الدلالة على أنه يجوز أن يجازى بها الوجهان الأولان.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إنها أشبهت كلمات المجازاة في الاستفهام، وإن معناها كمعنى كلمات المجازاة" قلنا: لا نسلم أن معناها كمعنى كلمات المجازاة، وذلك لأنه لا تتحقق المجازاة بها، ألا ترى أنك إذا قلت "كيف تكن أكن" كان معناها: على أي حال تكون أكون، فقد ضَمِنْتَ له أن تكون على أحواله وصفاته كلها، وأحوال الشخص كثيرة يتعذر أن يكون المجازي عليها كلها؛ لأنه يتعذر أن يتفق شيآن في جميع أحوالهما، بل ربما كان كثير من الأحوال لا يدخل تحت الإمكان كالصّحة والسّقم والقوة والضعف إلى غير ذلك؛ فإن أحدهما لو كان سقيما والآخر صحيحا أو ضعيفا والآخر قويا لما كان يمكن السقيم أن يجعل نفسه صحيحا ولا الضعيف أن يجعل نفسه قويا، فأما متى ما وأينما فإنه تتحقق المجازاة بهما، ألا ترى أنك إذا قلت "أينما تكن أكن" فقد ضمنت له متى كان في بعض الأماكن أن تكون أيضًا في ذلك المكان، ولا يتعذر، وكذلك إذا قلت "متى تذهب أذهب" ضمنت له في أي زمان ذهب أن تذهب معه، وهذا أيضًا غير متعذر، بخلاف كيف؛ فإنه يتعذر أن يكون المجازى على جميع أحوال المجازي وصفاتها كلها لكثرتها وتنوعها، فبان الفرق.

وأما قولهم: "إن هذا يلزمكم في تجويزكم كيف تكون أكون بالرفع؛ لأن ظاهر هذا يقتضي ما منعتموه" قلنا: الفرق بينهما أنا إذا رفعنا الفعل بعد كيف فإنما نقدر أن هذا الكلام قد خرج على حال عَلِمَهَا المجازي؛ فانصرف اللفظ إليها؛ فلذلك صح الكلام، ولم يمكن هذا التقدير في الجزم بها على المجازاة لأن الأصل في الجزاء أن لا يكون معلوما؛ لأن الأصل في الجزاء أن يكون بإن، وأنت إذا قلت "إن قمتُ قمتَ" فوقت القيام غير معلوم، فلما كان الأصل في الجزاء أن يكون غير معلوم بطل أن تقدر كيف في الجزاء واقعة على حال معلومة لأنها تخرج من الإبهام وتباين أصل كلمات الجزاء؛ فلذلك لم يجز الجزم بها على تقدير حالٍ معلومةٍ، والله أعلم.

92-

جارٍ التحميل