مسألة: [هل تكون "إلا" بمعنى الواو؟]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
ذهب الكوفيون إلى أن "إلا" تكون بمعنى الواو.
وذهب البصريون إلى أنها لا تكون بمعنى الواو.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لمجيئه كثيرًا في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ الَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150] أي ولا الذين ظلموا، يعني ولا الذين ظلموا لا يكون لهم أيضًا حجة، ويؤيد ذلك ما روى أبو بكر بن مجاهد عن بعض القراء أنه قرأ: "إلى الذين ظلموا" مخففًا يعني مع الذين ظلموا منهم، كما قال تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيكُمْ إلى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: 6] أي مع المرافق ومع الكعبين، وكما قال تعالى: ﴿مَنْ أنْصَارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 52] أي مع الله، وكما قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوَالَهُمْ إلى أمْوَالِكُم﴾ [النساء: 2] أي مع أموالكم، وكقولهم في المثل: "الذّود إلى الذّود إبل" أي مع الذّود، وكقول ابن مُفَرِّغٍ:
1
شَدَخَتْ غُرَّةُ السَّوَابِقِ فيهم ... في وجوه إلى اللّمَام الجِعَاد
أي مع اللمام، وقال ذو الرمة:
1
بها كُلُّ خَوَّارٍ إلى كُلِّ صَعْلَةٍ
أي مع كل صعلة، وقال تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: 148] أي ومن ظلم لا يحب أيضًا الجهر بالسوء1 منه، إلى غير ذلك من المواضع، ثم قال الشاعر:
2
وكُلُّ أخٍ مُفَارِقَهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلَّا الفَرْقَدَان = واللمام: جمع لمة وتجمع أيضًا على لمم -بكسر اللام في المفرد وفي جميعه- واللمة: الشعر إذا نزل من الرأس فجاوز شحمة الأذن، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرس يقال له: ذو اللمة، والجعاد: جمع جعدة -بفتح فسكون- وهي أنثي الجعد، والجعد: ضد السبط، والسبط: المسترسل من الشعر، وجعوده الشعر هي الغالبة على شعور العرب، وعلي هذا يمدح الرجل بأنه جعد الشعر، تعني أنه عربي، فإذا أردت أن شعره مفلفل كشعر الزنج كان ذمًّا.
والاستشهاد بالبيت في قوله "إلى اللمام" فإن إلى ههنا تدل على معنى مع، وأقوى ما يدل على ذلك أن الرواية في اللسان "ل م م" "مع اللمام الجعاد" وإذا جاءت كلمة في إحدى الروايات مكان كلمة في رواية أخرى دلَّ ذلك على أن الكلمتين بمعنى واحد.
أي والفرقدان، والشواهد على هذا في أشعارهم كثيرة جدا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن "إلا" لا تكون بمعنى الواو لأن إلا للاستثناء، والاستثناء يقتضي إخراج الثاني من حكم الأول، والواو للجمع، والجمع يقتضي إدخال الثاني في حكم الأول؛ فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿الَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: 150] فلا حجة لهم فيه؛ لأن "إلا" ههنا استثناء منقطع، والمعنى: لكن الذين ظلموا يحتجون عليكم بغير حجة، والاستثناء المنقطع كثير في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ الَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: 157] معناه لكن يتبعون الظن، وقال تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: 20] معناه لكن يبتغي وجه ربه الأعلي، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ [التين: 5-6] معناه لكن الذي آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر، ثم قال النابغة:
1
وَقَفَتُ فيها أُصَيْلَالًا أُسَائِلُهَا ... أَعَيَتْ جَوَابًا، وما بالرَّبْعِ مِن أَحَدِ = المفصل "ص284" والاستشهاد بالبيت ههنا في قوله "إلا الفرقدان" فإن الكوفيين زعمو أن "إلا" في هذا البيت حرف عطف بمنزلة الواو، وكأنه قال: كل أخ مفارقة أخوه، والفرقدان أيضًا، وقد حمل الشريف المرتضي في أماليه "2/ 88" على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ الَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ قال: إلا بمعنى الواو، والتأويل: خالدين فيها ما دامت السماات والأرض وما شاء ربك من الزيادة، واستشهد على ذلك ببيت الشاهد، وبقول الآخر: "وهو المخبل السعدي": وأرى لها دارًا بأغدرة الـ ... ـسيدان لم يدرس لها رسم إلا رمادًا هامدًا دفعت ... عنه الرياح خوالد سحم والمراد بإلا ههنا الواو، وإلا كان الكلام متناقضًا، ا. هـ. والذي رآه سيبويه في بيت الشاهد -وسيذكر المؤلف في الرد على كلمات الكوفيين- أن "إلا" ههنا اسم بمعنى غير، وهي صفة لكل، ولهذا ارتفع ما بعدها؛ لأن إلا التي بمعنى غير يظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية، ومن هنا تدرك أنه لا يجوز جعل إلا صفة لأخ المضاف إليه، إذ لو كانت صفة لأخ لكان ما بعدها مجرورًا فكان يقول "إلا الفرقدين" كما قال الآخر: وكل أخ مفارقه أخوه ... لشحط الدار إلا ابني شمام كما أنه لا يجوز لك أن تجعل "إلا" في بيت الشاهد استثنائية؛ لأنها لو كانت هي الاستثنائية لكان ما بعدها منصوبًا، لأن الكلام قبلها تام موجب، ونصب المستثنى بعد الكلام التام الموجب واجب كما تعلم.
إلا الأَََوَارِيَّ لأيًا ما أُبَيِّنُهَا ... والنُّؤْيُ كالحوض بالمظلومة الجَلدِ وقال آخر: 1 وبلدةٍ ليس بها أنيس ... إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ = يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت طال عليها سالف الأمد والبيتان من شواهد سيبويه "1/ 364" وشرح المفصل لابن يعيش "ص265" وانظر مع ذلك خزانة الأدب "2/ 76" وشرحنا على شرح الأشموني "الشواهد 21 و180 و271 و 476" وقوله "أصيلالا" أصله أصيلا -بالنون- فأبدل النون لامًا، وهو إبدال غير قياسي، والأصيلان: تصغير أصلان، الذي هو جمع أصيل، والأصيل: الوقت قبيل غروب الشمس، وأعيت: عجزت وضعفت، والأواري: جمع آرية أو آري، وهو محبس الخيل، وقوله "لأيا ما أبينها" يريد ما أعرفها وأتبينها إلا بعد لأي، أي بطء والنؤي -بالضم- حفيرة تحفر حول الخيمة لتمنع تسرب المطر إليها، والمظلومة: أراد بها الفلاة التي حفر فيها الحوض لغير إقامة، والجلد: الصلبة، والاستشهاد بالبيتين في قوله "إلا الأواري" فإن هذا من نوع الاستثناء المنقطع لكون المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، وهذا النوع يجوز فيه وجهان: الإبدال من المستثنى منه فيتبعه في إعرابه، على أن تتوسع في المستثنى منه فتجعله شاملًا للمستثنى، والنصب على الاستثناء قال الأعلم: "الشاهد في قوله إلا الأواري بالنصب على الاسثثناء المنقطع؛ لأنها من غير جنس الأحدين، الرفع جائز على البدل من الموضع، والتقدير: وما بالربع أحد إلا الأواري، على أن تجعل من جنس الأحدين اتساعًا ومجازًا" ا. هـ. وليس عجيبًا أن تجعل المستثنى من هذا النوع داخلًا في جنس المستثنى منه؛ فقد جرت عادة العرب في كلامهم أن يجعلوا الشيء من جنس غير جنسه توسعًا، انظر إلى قول أبي ذؤيب الهذلي: فإن تمس في قبر برهوة ثاويًا ... أنيسك أصداء القبور تصيح فقد جعل أصداء القبور أنيسًا وليست في الأصل من جنس الأنيس، ثم انظر إلى قول ابن الأيهم التغلبي: ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكلى وضرب الرقاب ثم انظر إلى قول عمرو بن معد يكرب وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع فقد جعل الضرب الوجيع تحية، وهو في الأصل من غير جنسها.
وعلى ذلك أيضًا يحمل ما احتجوا به من قوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: من الآية148] ؛ فإن معناه لكن المظلوم يجهر بالسوء؛ لما يلحقه من الظلم، فيكون في ذلك أعذر ممن يبدأ بالظلم، وعلى ذلك أيضا يحمل قول الشاعر:
[158]
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
أراد لكن الفرقدان فإنهما لا يفترقان، على زعمهم في بقاء هذه الأشياء المتأخرة إلى وقت الفناء، ويحتمل أن تكون "إلا" في معنى غير، ولذلك ارتفع ما بعدها، والمعنى: كل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] أي لو كان فيهما آلهة غير الله، ولهذا كان ما بعدها مرفوعًا، ولا يجوز أن يكون الرفع على البدل؛ لأن البدل في الإثبات غير جائز؛ لأن البدل يوجب إسقاط الأول، ولا يجوز أن تكون ﴿آلِهَةٌ﴾ في حكم الساقط؛ لأنك لو أسقطته لكان بمنزلة قولك: لو كان فيهما إلا الله، وذلك لا يجوز، ألا ترى أنك لا تقول "جاءني إلا زيد" لأن الغرض في "إلا" -إذا جاءت قبل تمام الكلام- أن تثبت بها ما نفيته، نحو "ما جاءني إلا زيد" وليس في قوله: ﴿لَوْ كَانَ﴾ نفي فيفتقر إلى إثبات، ولو جاز أن يقال "جاءني إلا زيد" على إسقاط إلا مثلا حتى كأنه قيل جاءني زيد و "إلا" مزيد لاستحال ذلك في الآية؛ لأنه كان يصير قولك "لو كان فيهما إلا الله" بمنزلة لو كان فيهما الله لفسدتا، وذلك مستحيل.
وأما قراءة من قرأ: "إلى الذين ظلموا منهم" بالتخفيف، فإن صحت وسلم = جنسه، قال سيبويه بعد أن أنشد البيت "جعلها أنيسها" يريد جعل اليعافير والعيس أنيس هذه البلدة.
وقال الأعلم "الشاهد فيه رفع اليعافير والعيس بدلا من الأنيس على الاتساع والمجاز" ا. هـ. وإبدال المستثنى من المستثنى منه إذا كان في أصله من غير جنسه هو لغة بني تميم، يجيزون فيه النصب على الاستثناء والبدلية، أما الحجازيون فلا يجيزون فيه غير النصب على الاستثناء، وعليه قول الأسود بن يعفر، وهو من شعر المفضليات:
مهامهًا وخروقًا لا أنيس بها ... إلا الضوابح والأصداء والبوما
ويحتمل ذلك قول الكلحبة اليربوعي:
أمرتكم أمري بمنعرج اللوى ... ولا أمر للمعصي إلا مضيعا
فإنه يجوز أن يكون قوله "إلا مضيعًا" استثناء مما قبله فيكون قد وضع الصفة مكان الموصوف، وأصل الكلام: ولا أمرللمعصي إلا أمرًا مضيعًا، ويجوز أن يكون "مضعيًا" حالًا من الضمير المستكن في الجار والمجرور قبله.
لكم ما ادّعيتموه على أصلكم من أن إلى تكون بمعنى مع فليس لكم فيه أيضًا حجة تدل على أن "إلا" تكون بمعنى الواو؛ لأنه ليس من الشرط أن تكون إحدى القراءتين بمعنى الأخرى، وإذا اعتبرتم هذا في القراءات وجدتم الاختلاف في معانيها كثيرًا جدًّا، وهذا مما لا خلاف فيه، وإذا ثبت هذا فيجوز أن تكون قراءة من قرأ "إلى الذين" بالتخفيف بمعنى مع، وقراءة من قرأ "إلا" بالتشديد بمعنى لكن، على ما بيَّنَّا، والله أعلم.