مسألة: [هل تقع "من" لابتداء الغاية في الزمان؟]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
ذهب الكوفيون إلى أنَّ "من" يجوز استعمالها في الزمان والمكان.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز استعمالها في الزمان.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز استعمال "من" في الزمان أنه قد جاء ذلك في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: 108] و ﴿أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ من الزمان، [و] قال الشاعر، وهو زهير بن أبي سُلْمَى:
1
لِمَنِ الدِّيَارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ ... أَقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ ومِنْ دَهْرِ
فدلَّ على أنه جائز.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: أجمعنا على أن "مِنْ" في المكان نظير مُذْ في الزمان؛ لأن مِنْ وضعت لتدل على ابتداء الغاية في المكان؛ كما أن مُذْ وضعت لتدل على ابتداء الغاية في الزمان، ألا ترى أنك تقول: "ما رَأَيْتُهُ مُذْ يَوْمُ الجُمْعة" فيكون المعنى أن ابتداء الوقت الذي انقطعت فيه الرؤية يوم الجمعة، كما تقول: "ما سِرْتُ مِنْ بَغْدَادَ" فيكون المعنى ما ابتدأت بالسير من هذا المكان، فكما لا يجوز أن تقول "ما سرت مُذْ بغداد" فكذلك لا يجوز أن تقول "مَا رَأَيْتُهُ من يوم الجمعة".
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: 108] فلا حجة لهم فيه؛ لأن التقدير فيه: من تأسيس أول يوم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مُقَامه، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] والتقدير فيه: أهل القرية وأهل العير، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 177] وكقولهم: الجودُ حاتمٌ، والشجاعة عنترة، والشعر زهير، أي: جود حاتم، وشجاعة عنترة، وشعر زهير، وكقولهم "بَنُو فَلَانٍ يَطَؤُهُمُ الطَّرِيقُ" أي: أهل الطريق، وقال الشاعر:
1
حسبت بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا ... وما هي -وَيْبَ غَيْرَكَ- بِالعَنَاقِ = وأن حمادًا الرواية لما رأى هذا البيت مطلع القصيدة ابتكر ثلاث أبيات جعلها مقدمة لهذا المطلع، أولها بيت الشاهد، وبعده: لعب الزمان بها وغيرها ... بعدي سوافي المور والقطر قفرًا بمندفع النحائت من ... صفوي أولات الضال والسدر فإن سلمنا صحة الرواية التي رواها الكوفيون وسلمنا مع ذلك صحة نسبة البيت إلى زهير فتخريجه على ما ذكره المؤلف.
والتقدير فيه: بُغَامَ راحلتي بُغَامَ عَنَاقِ، وقال الآخر: 1 لقد خِفْتُ حتَّى لا تزيد مَخَافَتِي ... عَلَى وَعَلٍ في ذِي المَطَارَةِ عَاقِلٍ والتقدير فيه: حتى لا تزيد مخافتي على مخافة وعلٍ، وهو من المقلوب، وتقديره: حتى لا تزيد مخافَةُ وَعِلٍ على مخافتي، كما قال الآخر: 2 كانت فريضةَ ما تقولُ كَمَا ... أن الزِّنَاء فريضةُ الرَّجْمِ
....................................................................................................................... = فقد أراد أن يقول "كأن لون سمائه أرضه" فقلبت، مثله قول القطامي "الإيضاح 78 والمعاهد 86":
فلما أن جرى سمن عليها ... كما طينت بالفدن السياعا
السمن -بكسر السين وفتح الميم- امتلاء الجسم بالشحم، وطينت: طليت بالطين، والفدن -بالتحريك- القصر المنيف، والسياع -بزنة الكتاب- الطين المخلوط بالتبن، وقد أراد أن يقول "كما طليت القصر بالسياع" فقلب، ومثله قول حسان بن ثابت يصف الخمر:
كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء
السبيئة: الخمر، وبيت رأس: بلد بالشام، ومزاجها: ما يخلط بها، وقد أراد أن يقول "يكون ما يمزج بها عسلًا وماء بجعل مزاجها اسم يكون وعسلًا وماء خبرها" فقلب، ومثله قول عروة بن الورد، وينسب للعباس بن مرداس السلمي:
فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوك إلا ما أطيق
فقد أراد أن يقول "فديته نفسي ومالي" فقلب، ومثله قول القطامي من قصيدته التي منها البيت السابق.
قفي قبل التفرق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا
أراد أن يقول "ولا يك الوداع موقفا منك" فقلب، وهو أشبه ببيت حسان، ومثله قول الشاعر وهو من أبيات سيبويه "1/ 92".
ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه ... وسائره باد إلى الشمس أجمع
أضاف مدخلا -وهو اسم الفاعل من أدخل- إلى الظل، ثم نصب "رأسه" به على الاتساع والقلب، وكان الوجه أن يقول: مدخل رأسه الظل؛ لأن الرأس هو الداخل في الظل؛ ومثله قول الراعي يذكر ثورًا:
فصبحته كلاب الغوث يؤسدها ... مستوضحون يرون العين كالأثر
الغوث: قبيلة من طيّئ، ويؤسدها: يغريها، ومستوضحون: فاعل يؤسدها، وأراد "صيادون مستوضحون" فحذف الموصوف وأبقى الصفة، والمعنى يغريها صيادون ينظرون هل يرون شيئًا، وقوله "يرون العين كالأثر" هو المقلوب، وأصله: يرون الأثر كالعين، ومثل ذلك كله قول ابن مقبل، وقد أنشده ابن منظور "هـ ى ب":
ولا تهيبني الموماة أركبها ... إذا تجاوبت الأصداء بالسحر
فقد أراد أن يقول "ولا أتهيب الموماة أركبها" فقلب.
وقد وقع القلب في شعر المحدثين؛ فمن ذلك قول أبي تمام الطائي:
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجنى أشتارته أيد عواسل
البيت في وصف القلم، واللعاب: الريق، وهو ماء الفم، والأفاعي: الحيات، والأري -بفتح الهمزة وسكون الراء- ما لزق من عسل النحل في جوف الخلية، والجنى -بوزن الفتى- العسل، وإضافة الأري إليه للتخصيص؛ لأن الأري يكون أيضًا ما لزق بجوف القدر من الطبيخ، واشتارته: أي استخرجته وقطفته، وأيد عواسل: أي قاطفة للعسل، وقد أراد أن يقول "لعابه لعاب الأفاعي" فقلب، والبصريون يخرجونه على التقديم والتأخير، ونظيره =
تقديره: كما أن الرَّجْمَ فريضةُ الزِّنَاءِ:
وأما قول زهير:
[232]
أَقْوَيْنَ من حِجَج ومن دَهْرِ
فالرواية الصحية "مُذْ حِجَج ومُذْ دَهْرِ" ولئن سلمنا ما رويتموه "من حجج ومن دهر" فالتقدير فيه أيضا: من مَرِّ حِجَج ومن مَرِّ دَهْرِ، كما تقول: مَرّت عليه السنُون، ومَرّت عليه الدهُورُ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كما بيَّنَّا في الآية، وقيل: إنَّ "من" ههنا زائدة، وهو قول أبي الحسن الأخفش؛ فإنه يجوز أن تُزَاد في الإيجاب، كما يجوز أن تُزَاد في النفي، ويحتج بقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: 4] أي يغفر لكم ذنوبكم، وبقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30] أي يغضوا من أبصارهم، ويحتج أيضًا بقول الشاعر:
[210]
ألا حَيِّ نَدْمَانِي عُمَيْرَ بْنَ عامر ... إذا ما تلاقينا من اليوم أو غَدَا
أراد اليوم أو غدًا، فكذلك ههنا: التقدير في قوله "من حجج ومن دهر" أي حججًا ودهرًا، فدلَّ على فساد ما ذهبوا إليه، والله أعلم.
= قول حسان بن ثابت:
قبيلةٌ ألأم الأحياء أكرمها ... وأغدر الناس بالجيران وافيها
أراد أن يقول: أكرمها ألأم الأحياء: ووافيها أغدر الناس، فقلب، أو قدم وأخر، ونظيرهما البيت المشهور وقد ينسب إلى الفرزدق:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد
فقد أراد أن يقول: بنو أبنائنا بنونا، أي مثلهم، فقلب، أو قدم وأخر، وقد أطلنا عليك في الاستشهاد لهذا الموضوع فَعِه ولا تَنْسَهُ.
55-