الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة [هل تعمل "أن" المصدرية محذوفة من غير بَدَلٍ؟]

مسألة [هل تعمل "أن" المصدرية محذوفة من غير بَدَلٍ؟]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيين إلى أنَّ "أن" الخفيفة تعمل في الفعل المضارع النصب مع الحذف من غير بدل.
وذهب البصريون إلى أنها لا تعمل مع الحذف من غير بدل.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز إعمالها مع الحذف قراءة عبد الله بن مسعود ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة: 83] فنصب "لا تَعْبُدُواَ" بأن مقدرة؛ لأن التقدير فيه: أن لا تعبدوا إلا الله، فحذف "أن" وأعملها مع الحذف، فدل على أنها تعمل النصب مع الحذف، وقال طرفة: 1 أَلَا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الوَغَى ... وأن أشهد اللَّذَّات هل أنت مُخْلِدِي

فنصب "أحضر" لأن التقدير فيه: أن أحضر، فحذفها وأعملها على الحذف.
والدليل على صحة هذا التقدير أنه عطف عليه قوله "وأن أشهد اللذات" فدل على أنها تنصب مع الحذف.
وقال عامر بن الطُّفَيلِ: 1 فلم أَرَ مثلها خُبَاسَةَ وَاجِدٍ ... ونَهْنَهْتُ نفسي بعد ما كِدْتُ أَفْعَلَهْ

فنصب "أفعله" لأن التقدير فيه: أن أفعله؛ فدلّ على أنها تعمل مع الحذف، وهذا على أصلكم ألزم؛ لأنكم تزعمون أنها تعمل مع الحذف بعد الفاء في جواب الأمر والنهي والنفي [والاستفهام] والتمني والعرض، وكذلك بعد الواو واللام وأو وحتى فكذلك ههنا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنها لا يجوز إعمالها مع الحذف أنها حرف نصب من عوامل الأفعال، وعوامل الأفعال ضعيفة؛ فينبغي أن لا تعمل مع الحذف من غير بدل.
والذي يدل على ذلك أنَّ "أنَّ" المشددة التي تنصب الأسماء لا تعمل مع الحذف، وإذا كانت "أَنَّ" المشددة لا تعمل مع الحذف فأنِ الخفيفة أولى أن لا تعمل، وذلك لوجهين.
أحدهما: أن "أن" المشددة من عوامل الأسماء، و"أن" الخفيفة من عوامل الأفعال، وعومل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال، وإذا كانت أن المشددة لا تعمل مع الحذف وهي الأقوى فأن لا تعمل "أن" الخفيفة مع الحذف وهي الأضعف كان ذلك من طريق الأولى.
والثاني: أن "أن" الخفيفة إنما عملت النصب لأنها أشبهت "أنّ" المشددة، وإذا كان الأصل المشبه به لا ينصب مع الحذف، فالفرع المشبه أولى أن لا ينصب مع الحذف؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون الفرع أقوى من الأصل وذلك لا يجوز.
والذي يدل على ضعف عمل "أن" الخفيفة أنه من العرب من لا يعملها = من قول سيبويه؛ لأنه أضمر أن في موضع حقها ألا تدخل فيه صريحًا وهو خبر كاد، واعتد بها مع ذلك بإبقاء عملها" ا. هـ كلامه.
ويتخلص من هذين الكلامين كلام الأعلم وكلام ابن هشام أن في قول الشاعر: "بعد ما كدت أفعله" ثلاثة تخريجات: التخريج الأول: تخريج سيبويه، وحاصله أن الفتحة على لام "أفعله" فتحة إعراب، وأن الفعل المنصوب بأن المصدرية محذوفة، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
التخريج الثاني: التخريج الذي حكاه الأعلم ولم يبين القائل به، وحاصله أن الفتحة التي على لام "أفعله" فتحة بناء، وأن الفعل مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المحذوفة تخفيفًا، وقد ذكر المؤلف هذا التخريج.
التخريج الثالث: تخريج أبي العباس المبرد، وحاصله أن الفتحة التي على لام "أفعله" لا هي فتحة الإعراب ولا هي فتحة البناء، ولكنها فتحة منقولة من الحرف الذي بعدها والفعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة العارضة بسبب النقل.

مظهرة ويرفع ما بعدها تشبيهًا لها بما؛ لأنها تكون مع الفعل بعدها بمنزلة المصدر كما أن "ما" تكون مع الفعل بعدها بمنزلة المصدر، ألا ترى أنك تقول "يعجبني أن تفعل" فيكون التقدير: يعجبني فعلك، كما تقول "يعجبني ما تفعل فيكون التقدير: يعجبني فعلك، فلما أشبهتها من هذا الوجه شُبِّهَتْ بها في ترك العمل، وقد روى ابن مجاهد أنه قرئ "لمن أراد أن يتم الرضاعة" بالرفع، وقال الشاعر: 1 يا صاحبي فَدَتْ نفسي نفوسكما ... وحيثما كنتما لَاقَيْتُمَا رَشَدَا

أن تَحْمِلَا حاجةً لِي خَفّ مَحْمِلُهَا ... تصنعا نعمةً عندي بها وَيَدَا أن تَقْرَآنِ على أسماء ويَحْكُمَا ... مني السلام، وأن لا تُشْعِرا أحدا فقال "أن تقرآن" فلم يعملها تشببها لها بما، على ما بيّنّا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قراءة من قرآ: ﴿لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه﴾ [هود: 26] فهي قراءة شاذة، وليس لهم فيها حجة؛ لأن: ﴿تَعْبُدُوا﴾ مجزوم بلا؛ لأن المراد بها النهي، وعلامة الجزم والنصب في الخمسة الأمثلة التي هذا أحدها واحدةٌ.
أما قول طرفة: [368] ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى الرواية عندنا على الرفع، وهي الرواية الصحيحة، وأما من رواه بالنصب؛ فلعله رواه على ما يقتضيه القياس عنده من إعمال "أن" مع الحذف، فلا يكون فيه حجة، ولئن صحت الرواية بالنصب؛ فهو محمول على أنه توهَّم أنه أتى بأن، فنصب على طريق الغلط، كما قال الأحوص اليَرْبُوعِي: [117] مشائيمُ ليسوا مصلحين عشيرةً ... ولا ناعبٍ إلا ببينٍ غُرَابُها فجر قوله "ناعب" توهما أنه قال "ليسوا بمصلحين" فعطف عليه بالجر، وإن كان منصوبًا كما قال صِرْمَةُ الأنصاري: [115] بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابقٍ شيئًا إذا كان جائيًا فجر "سابق" توهما أنه قال "لست بمدرك ما مضى" فعطف عليه بالجر وإن كان منصوبًا، وهذا لأن العربي قد يتكلم بالكلمة إذا استهواه ضربٌ من الغلط فيعدل عن قياس كلامه وينحرف عن سَنَنِ أصوله، وذلك مما لا يجوز القياس عليه.
وأما قول الآخر: [369] ... بعد ما كدت أفعله فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه نصب "أفعله" على طريق الغلط على ما بيناه فيما تقدم، كأنه توهم أنه قال "كدت أن أفعله" لأنهم قد يستعملونها مع كاد في ضرورة الشعر، كما قال الشاعر: 1 قد كاد من طول البِلَى أن يَمْصَحَا

فأما في اختيار الكلام فلا يستعمل مع "كاد" ولذلك لم يأتِ في قرآن ولا كلام فصيح.
قال الله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71] وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 117] وكذلك = الشنتمري، وأنشده أيضًا ابن يعيش فيشرح المفصل "ص1033" ونسبه لرؤبة أيضًا، وأنشده رضي الدين في باب أفعال المقاربة من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "4/ 90" وذكر أنه لم يعثر عليه في ديوان رؤبة، وأنشده جماعة من شراح الألفية، وشرحه العيني "2/ 215 بهامش الخزانة" والربع: المنزل حيث كان، ويروى "رسم" وهو ما بقي لاصقًا بالأرض من آثار الديار، وعفا: يكون لازمًا بمعنى درس، تقول: عفا المنزل يعفو، أي درس، ومنه قول لببيد بن ربيعة العامري في مطلع معلقته: عفت الديار محلها فمقامها ... بمنى تأبد غولها ورجامها ويكون عفا متعديا كما في البيت الذي قبل بيت الشاهد، ومعناه محا آثاره، وانمحى: مطاوع "محاه يمحوه" ويروى "فامحى" بتشديد الميم، على أنه قلب النون ميمًا ثم أدغم الميم في الميم، ومحل الاستشهاد في البيت قوله: "كاد أن يمصحا" حيث اقترن المضارع الواقع خبرًا لكاد بأن المصدرية، ومذهب سيبويه أن المستعمل في الكلام إسقاط أن، وأن ذكر أن معها مما يجيء في الشعر للضرورة تشبيهًا لكاد بعسى، كما أن المستعمل في الكلام ذكر أن في خبر عسى، وأنها قد تسقط مع عسى تشبيهًا لعسى بكاد.
وأقول: قد وقع اقتران الفعل الواقع خبرا لكاد بأن في الحديث، وفي جملة من الشعر العربي، فمن ذلك ما ورد في صحيح البخاري في شأن أمية بن أبي الصلت "كاد أن يسلم" ويروى: "كاد الفقر أن يكون كفرًا" وفي حديث عمر بن الخطاب "ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب" وفي حديث جبير بن مطعم "كاد قلبي أن يطير" وأما الشعر فمنه بيت الشاهد، ومنه قول ذي الرمة: وجدت فؤادي كاد أن يستخفه ... رجيع الهوى من بعض ما يتذكر ومنه قول محمد بن مناذر، وهو من شواهد الأشموني: كادت النفس أن تفيظ عليه ... إذا غدا حشو ريطة وبرود ومنه قول الآخر، وهو من شواهد الأشموني أيضًا: أبيتم قبول السلم منا؛ فكدتم ... لدى الحرب أن تغنوا السيوف عن السل ومنه ما أنشده ابن الأعرابي: يكاد لولا سيره أن يملصا ومنه ما أنشده هو وغيره: حتى تراه وبه إكداره ... يكاد أن ينطحه إمجاره لو لم ينفس كربه هراره ومنه ما أنشده أبو زيد في صفة كلب: يرتم أنف الأرض في ذهابه ... يكاد أن ينسل من إهابه

سائر ما في القرآن من هذا النحو؛ فأما الحديث1 "كاد الفقر أن يكون كفرًا" فإن صح فزيادة "أن" من كلام الراوي، لا من كلامه عليه السلام؛ لأنه صلوات الله عليه أفصح من نطق بالضاد.
والوجه الثاني: أن يكون أراد بقوله "بَعْدَ ما كدت أَفْعَلَهْ" بعد ما كدت أفعلها، يعني الخَصْلَةَ.
فحذف الألف وألقى فتحة الهاء على ما قبلها، وهذا التأويل في هذا البيت حكاه أبو عثمان عن أبي محمد التوزي عن الفراء من أصحابكم، كما حكي أن بعض العرب قتل رجلًا يقال له مَرْقَمَةُ وقد كلفه وآخر أن يبتلعا جُرْدَانَ الحمار2 فامتنعا فَقَتَلَ مَرْقَمةَ، فقال الآخر "طَاحَ مَرْقَمَةْ" فقال له القاتل: "وأنت إن لم تَلْقَمَهْ" يريد: تَلقمُهَا، فحذف الألف وألقى حركة الهاء على الميم، وكما قال الشاعر: [372] فإني قد رأيت بدار قومي ... نوائبَ كنت في لَخْمٍ أَخَافَهْ يريد: "أخافُها" فحذف الألف وألقى حركة الهاء على الفاء، وهي لغة لخم، وحكى أصحابكم "نحن جئنَاكَ به" أي جئناك بِهَا، فحذف الألف وألقى حركة الهاء على الباء، فكذلك ههنا.
والوجه الأول أَوْجَهُ الوجهين، لأنه يحتمل أن يكون التقدير في قوله: [372] النوائب: جمع نائبة، وأصلها اسم الفاعل من "نابه ينوبه" إذا نزل به وعرض له، ثم أطلقوا النائبة على ما ينزل بالمرء من الحوادث والمصائب والمهمات، وفي حديث خيبر "قسمها نصفين: نصفًا لنوائبه وحاجاته، ونصفًا بين المسلمين" ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله "أخافه" بفتح الفاء وسكون الهاء فإن أصل هذه الكلمة "أخافها" بضم الفاء وبضمير المؤنثة العائد إلى "نوائب" فأراد الشاعر الوقف بنقل الحركة، فحذف الألف، ثم ألقى حركة الهاء على الفاء بعد أن أسقط حركة الفاء الأصلية، على مثل ما ذكرناه في شرح المثل السابق.
1 في ر "فأما من الحديث" وظاهر أن لفظ "من" مقحم.
2 ارجع إلى مجمع الأمثال للميداني "المثل رقم 568 بتحقيقنا "أبخل من ما در" فقد روى القصة وخرج الكلمة التي خرجه المؤلف.
ونظيره ما حكوه من قولهم "بالفضل ذو فضلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله به" بفتح الباء في "به" الثانية وسكون الهاء "وانظر أوضح المسالك في الكلام على ذو الموصولة" وقد روى هذه العبارة الفراء ينسبها لأعرابي من طيئ، وتخريج "به" الثانية أن أصلها "بها" بباء الجر المكسورة وضمير المؤنثة الغائبة العائد إلى الكرامة، وقد ألقى حركة الهاء -وهي الفتحة- على باء الجر بعد سلب حركة الباء، ثم حذف ألف "ها" ووقف بالسكون.

"وأنت إن لم تلقمه" تَلْقَمَنْهُ -بنون التأكيد الخفيفة- فحذفها وبقيت الميم مفتوحة، كما قال الشاعر: 1 اضرِبَ عنك الهُمُوم طَارِقَهَا ... ضربك بالسوط قَوْنَسَ الفَرَسِ

والتقدير "اضْرِبَنْ عنك الهموم" فحذف النون وبقيت الباء مفتوحة، فكذلك ههنا.
وأما قولهم "إنها تعمل عندكم مع الحذف بعد الفاء والواو وأو واللام وحتى" قلنا: إنما جاز ذلك؛ لأن هذه الأحرف دالة عليها، فتنزلت منزلة ما لم يحذف، فعلمت مع الحذف، بخلاف ههنا، فإنه ليس ههنا حرف يدل عليها؛ فلم يعمل مع الحذف، والله أعلم.
= في أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يقدر أم يوم قدر الاستشهاد بقوله: "لم يقدر" فإن الرواية بفتح الفعل المضارع على تقدير أنه مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المقدرة، وأصله "يقدرن" فحذفت النون وأبقى المضارع مفتوح الآخر للإشارة إليها.

78-

جارٍ التحميل