مسألة: [منع صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز ترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر، وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش وأبو علي الفارسي وأبو القاسم بن برهان من البصريين، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز، وأجمعوا على أنه يجوز صرف ما لا ينصرف في ضرورة الشعر.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز ترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر أنه قد جاء ذلك كثيرًا في أشعارهم، قال الأخطل:
1
طَلَبَ الأَزَارِقَ بِالكَتَائِبِ إذ هَوَتْ ... بِشَبِيبِ غَائِلَةِ الثُّغُورِ غَدُورُ
فترك صرف "شبيب" وهو منصرف، وقال حَسَّان: 1 نصروا نبيهم وشدُّو أَزْرَهُ ... بِحُنَيْنَ يوم تَوَاكُلِ الأبطالِ فترك صرف "حنين" وهو منصرف، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: 25] ولم يُرْوَ عن أحد من القراء أنه لم يصرفه، وقال الفرزدق: 2 إذا قال غَاوٍ من تَنْوخَ قصيدةً ... بها جَرَبٌ عُدَّتْ على بِزَوْبَرَا = في أحمد ويشكر وبقم، قال ابن يعيش "السبب الواحد لا يمنع الصرف في حال الاختيار والسعة، وقد أجاز الكوفيون والأخفش وجماعة من المتأخرين البصريين كأبي علي وابن البرهان وغيرهما ترك صرف ما ينصرف، وأباه سيبويه وأكثر البصريين، وقد أنكر المنع أبو العباس المُبَرِّد، وقال: ليس لمنع الصرف أصل يردّ إليه، وقد أنشد من أجاز ذلك أبياتًا صالحة العدة ... وقد تأولها أبو العباس وروى شيئًا منها على غير ما رووه" ا. هـ. وقال ابن هشام "وأجاز الكوفيون والأخفش والفارسي للمضطر أن يمنع صرف المنصرف، وأباه سائر البصريين، وعن ثعلب أنه أجاز ذلك في الكلام" ا. هـ. وقال الرضي "وجوز الكوفيون وبعض البصريين للضرورة ترك صرف المنصرف، لا مطلقًا، بل بشرط العلمية دون غيرها من الأسباب؛ لقوتها وذلك بكونها شرطًا لكثير من الأسباب مع كونها سببًا" ا. هـ.
فترك صرف "زَوْبَرَ" وهو منصرف، ومعناه نُسِبَتْ إليّ بكمالها من قولهم: أخذ الشيء بزَوْبَرِهِ، إذا أخذه كله، وقيل: "بزَوْبَرَا" أي كذبًا وزورًا، وقال الآخر:
1
إلى ابْنِ أُمِّ أُنَاسَ أَرْحَلُ نَاقَتِي ... عمرو فَتُبْلِغُ حَاجَتِي أو تُزْحِفُ = ووجدت له قطعة أخرى عدتها اثنا عشر بيتًا يقولها في التنصل إلى خالد القسري عامل هشام بن عبد الملك بن مروان على العراق؛ من هجاء كان قد هجى به خالد، فاتّهم الفرزدق بذلك الهجو، وهذا البيت يقع سادس أبياتها، وأولها: ألكني إلى راعي الخليفة والذي ... له الأفق والأرض العريضة نورا والغاوي: غير الرشيد، ويروى "إذا قال راوٍ" ويروى "عاوٍ" بالعين المهملة -من العواء، وهو صوت الكلب، وبها جرب: أي فيها عيب من هجاء ونحوه، وقوله "عدت عليّ بزوبرا" أي نسب إليّ بكمالها، مأخوذ من قولهم: أخذ الشيء بزوبره، يريدون كله، جعل زوبر علمًا على هذا المعنى.
وقد نقل ابن جني عن أبي علي ما قد يفيد أن منع صرف زوبر في هذا البيت جارٍ على القياس، قال "سألت أبا علي عن ترك صرف زوبر، فقال: علقه علمًا على القصيدة فاجتمع فيه التعريف والتأنيث" ا. هـ.
فترك صرف "أناس" وهو منصرف، و"أم أناس" بنت ذهل من بني شيبيان، و"عمرو" يريد عمرو بن حجر الكندي، وقال الآخر: 1 أُؤَمِّلُ أَنْ أَعِيشَ وأَنَّ يَوْمِي ... بأَوَّلَ أَوْ بَأَهْوَنَ أَوْ جُبَارِ أَوِ التَّالي دُبَارَ؛ فإن أَفُتْهُ ... فَمُؤْنِسَ أو عَرُوبةً أو شِيَارِ فترك صرف "دبار" وهو منصرف، و"دبار" يوم الأربعاء، وما ذكره في هذين البيتين أسماء الأيام في الجاهلية؛ فأول: يوم الأحد، وأهون: يوم الإثنين، وجبار: يوم الثلاثاء، ودبار: يوم الأربعاء، ومؤنس: يوم الخميس، وعروبة: يوم الجمعة، وشيار: يوم السبت، وقال الآخر: 2 فَأَوْفَضْنَ عنها وهي تَرْعُو حُشَاشَةً ... بِذِي نَفْسِهَا والسَّيْفُ عُرْيَانُ أَحْمَرُ
فترك صرف "عُرْيَان" وهو منصرف؛ لأن مؤنثه عُرْيَانَة لا عَرْيَا.
وقال الآخر:
1
قالت أميمة ما لِثَابِتَ شاخصًا ... عَارِي الأَشَاجِعِ نَاحِلًا كالمُنْصُلِ
فترك صرف "ثابت" وهو منصرف، وقال العباس بن مرداس السُّلمِي:
2
فَمَا كان حِصْنٌ ولا حَابِسٌ ... يفوقان مرداس في مَجْمَعِ = وأدعج، فوجب في الالف والنون أن تكون صيغة المؤنث غير صيغة المذكر حتى يتم الشبه بين الفرع والأصل، فإن وجدت كلمة فيها الوصفية والألف والنون الزائدتان، وكان لها مؤنثان أحدهما على فعلانة بزيادة تاء التأنيث والآخر على فعلى بالألف المقصورة فإن هذه الكلمة تكون ذات وجهين، كل وجه منهما يرجع إلى لغة غير التي يرجع إليها الوجه الآخر، ومن أمثلة ذلك عطشان وغضبان، فإن جمهور العرب يقولون في مؤنثهما عطشى وغضبى، وعلى هذا يكون عطشان وغضبان، ممنوعين من الصرف، وبنو أسد وحدهم يقولون في مؤنثهما: عطشانة وغضبانة، وعلى هذا يكون عطشان وغضبان مصروفين، وشيء آخر في "عريان" يدلك على أنه مصروف، وذلك أن الألف والنون الزائدين لا يكونان مانعين من الصرف مع الوصفية إلا فيما كان أوله مفتوحًا كجميع الأمثلة التي ذكرناها، وعريان مضموم الأول، فأنت لا تحتاج في معرفة أنه لا يمنع من الصرف إلى جديد.
فترك صرف "مرادس" وهو منصرف.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إن الرواية:
[317]
يفُوقَان شَيْخِيَ في مَجْمَعِ
وشيخه أبُوهُ مرادس" لأنا نقول: بل الرواية الصحية المشهورة ما رويناه، على أنا لو قدرنا أنه قد روى رواية أخرى كما رويتموه فما العذر عن هذه الرواية الصحيحة مع شهرتها؟ وقال دَوْسَر بن دهبل القريعي:
1
وقَائِلَةٍ ما بَالُ دَوْسَرَ بَعْدَنَا ... صَحَا قَلْبُهُ عن آلِ ليلى وعن هِنْدِ
فلم يصرف "دوسر" وهو منصرف.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن الرواية:
[318]
ما للقُرَيْعِيِّ بَعْدَنَا = شواهد الرضي في شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "1/ 71" وشواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص81" والأشموني "رقم 992" وابن الناظم في باب الاسم الذي لا ينصرف من شرح الألفية، وشرحه العيني "4/ 365 بهامش الخزانة" وحصن: هو أبو عيينة، وحابس: أبو الأقرع، ومرداس: أبو العباس قائل هذا البيت، يريد أن أبويهما لم يكونا خيرا من أبيه، والاستشهاد به في قوله "مرداس" حيث منعه من الصرف وليس فيه إلا علة واحدة وهي العلمية، على نحو ما ذكرناه في شرح الشواهد السابقة، والرواية الأخرى -وهي "يفوقان شيخي في مجمع"- هي رواية أبو العباس المبرد، وقد قال ابن مالك "وللمبرد إقدام في رد ما لم يرو، مع أن البيت بذكر مرداس ثابت بنقل العدل عن العدل في صحيح البخاري ومسلم، وذكر شيخي لا يعرف له سند صحيح، ولا سبب يدنيه من التسوية فكيف من الترجيح" ا. هـ.
لأنَّا نقول؛ بل الرواية الصحيحة المشهورة ما رويناه، ولو قدرنا أن ما رويتموه صحيح فما عذركم عما رويناه مع صحته وشهرته؟ وقال الآخر: 1 وَمُصْعَبُ حِينَ جَدَّ الأَمْـ ... ـر أكثرُها وأطيبُها قالوا: ولا يجوز أن يقال إن الرواية: [319] وأنتم حين جَدَّ الأمر ... لأنَّا نقول: بل الراوية الصحيحة ما رويناه، ولو قدرنا ما رويتموه صحيحًا فما عذركم عما رويناه على ما بيّنّا؟ وقال الآخر: 2 وممن ولدوا عامرُ ... ذو الطَّولِ وذو العَرْضِ
فترك صرف "عامر" وهو ينصرف، ولم يجعله قبيلة لأنه وصفه فقال "ذو الطول وذو العرض" ولو كانت قبيلة لوجب أن يقول: ذات الطول وذات العرض، ولا يجوز أن يقال "إنما لم يصرفه لأنه ذهب به إلى القبيلة كما قرأ سيد القراء أبو عمرو بن العلاء "وجئتك من سَبَأَ بنَبَأ يقين" فترك صرف سَبَأ، لأنه جعله اسمًا للقبيلة حملًا على المعنى، وقال الشاعر: 1 من سَبَأَ الحَاضِرِينَ مأرِبَ إذ ... يبنون من دون سَيْلِهِ العَرِمَا = قول الشاعر، وهو من شواهد النحاة: تبين لي أن القماءة ذلة ... وأن أعزاء الرجال طيالها والقماءة -بفتح القاف بزنة الصحابة- قصر القامة، وطيالها: أي طوالها، ويروى بالواو أيضا، ومحل الاستشهاد بالبيت ههنا قوله "عامر" فقد جاء به مرفوعًا من غير تنوين، فدلّ على أنه منعه من الصرف مع أنه ليس فيه إلا علة واحدة وهي العلمية، والكلام فيه كالكلام في الشواهد السابقة، وسنتعرض لهذا البيت مرة أخرى في شرح الشاهد 327 الآتي:
فلم يصرف "سبأ" لأنه جعله اسمًا لقبيلة حملًا على المعنى، وقال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ﴾ [هود: 68] فلم يصرف ﴿ثَمُودَ﴾ الثاني؛ لأنه جعل اسمًا للقبيلة حملًا على المعنى، ثم قال الشاعر: 1 تَمُدُّ عليهم من يمين وأَشْمُلٍ ... بُحُورٌ له من عَهْدِ عَادَ وتُبّعَا وقال الآخر: 2 لو شَهْدَ عاد من زمان عَادِ ... لَابْتزَّهَا مَبَارِكَ الجِلَادِ = بالكسرة مع التنوين نحو قول الشاعر: أضحت ينفرها الولدان من سبإ ... كأنهم تحت دفّيها دحاريج فإن منعها شارع من الصرف يكون قد جاء بها على خلاف المعهود من أمثاله، وهذا هو المنع من الصرف مع عدم استكمال سبب المنع، ثم إن الكوفيين لا يقولون: إنه يجوز منع المنصرف من الصرف في سعة الكلام، بل يقولون: استساغ الشعراء لأنفسهم حين الضرورة أن يمنعوا المصروف من الصرف.
وقال الآخر: 1 عَلِمَ القبائل من مَعَدَّ وغيرها ... أن الجَوَادَ محمدٌ بنُ عطارِدِ وقال الآخر: 2 ولسنا إذا عُدّ الحصى بِأقِلَّةٍٍ ... وإن مَعَدّ اليوم مُودٍ ذَلِيلُهَا = الاستشهاد بهذا البيت هنا قوله "عاد" الأولى فإنه روي بالفتح من غير تنوين، وذلك يدل على أنه منعه من الصرف، والقول فيه كالقول في البيت السابق، وأما "عاد" التي وردت في البيت بعد ذلك فهي مجرورة بالكسرة الظاهرة بدليل الرويّ في البيت الثاني، فلا دليل فيه؛ لأنه جاء على الأصل.
وقال الآخر: 1 غَلَبَ المَسَامِيحَ الوَلِيدُ سَمَاحَةً ... وكَفَى قريش المُعْضِلَاتِ وسَادَهَا فلم يصرف "قريش" لأنه جعله اسمًا للقبيلة حملًا على المعنى، والحمل على المعنى كثير في كلامهم، قال الشاعر: 2 قامت تُبَكِّيهِ على قبره ... من لي من بعدك يا عَامِرُ
تَرَكَتْنِي في الدَّار ذَا غُرْبَةٍ ... قد ذلَّ من ليس له ناصرُ
وكان الأصل أن يقول "ذات غربة" فحمله على المعنى، فكأنها قالت: تركتني إنسانًا ذا غربة، والإنسان يطلق على الذكر والأنثى، وقال الأعشى:
1
لقوم فكانوا هُمُ المُنْفِدِينَ ... شرابهمُ قبلَ إنفادِهَا = على قبر رجل تبكيه، وقوله "تركتني في الدار ذا غربة" معناه أنها -وإن كانت في دارها وبين ذويها وأهلها- تشعر بالوحدة والغربة؛ لأنها ما كانت تجد الأنس في غير عامر المبكى، ثم علل ذلك بقوله "قد ذل من ليس له ناصر" ومحل الاستشهاد قوله "ذا غربة" فإنه كان ينبغي -لو أنه أجرى الكلام على ما يقتضيه اللفظ- أن يقول "ذات غربة" لأن الحديث على لسان امرأة، بدليل قوله "قامت تبكيه" لكنه -مع ذلك- أجرى الكلام على المعنى؛ فإن المرأة يقال لها "إنسان" أو "شخص" والشخص مذكر، فيجوز أن تجري عليه صفات المذكرين تبعًا للفظه، ويجوز أن تجري عليه صفات المؤنثات تبعا للمراد منه، أما أن المرأة يطلق عليها لفظ "شخص" فدليله قول عمر بن أبي ربيعة: فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر فقد قال "ثلاث شخوص" بغير تاء في ثلاث، وترك التاء في لفظ العدد يكون عندما يكون المعدود مؤنثا، ويدل لهذا أيضا أنه فسر ثلاث الشخوص بقوله "كاعبان ومعصر" والكاعب: المرأة التي كعب ثديها ونهد.
وفي بيت الشاهد قال "ذا غربة" أي أشخاص ذا غربة، وهذا ظاهر إن شاء الله.
ومن الإجراء على المعنى ما أنشده ابن منظور "ب ك ى" قال: "وقول طرفة: وما زال عني مما كننت يشوقني ... وما قلت حتى ارفضّت العين باكيا فإنه ذكر باكيا -وهي خبر عن العين، والعين أنثى- لأنه أراد حتى ارفضت العين ذات بكاء، وإن كان أكثر ذلك إنما هو فيما كان معنى فاعل لا معنى مفعول، وقد يجوز أن يذكر على إرادة العضو، ومثل هذا يتسع فيه القول، ومثله قول الأعشى: أرى رجلا منهم أسيفا كأنما ... يضم إلى كشحيه كفًا مخضبا أي ذات خضاب، أو على إرادة العضو كما تقدم، وقد يجوز أن يكون مخضبا حالا من الضمير الذي في يضم" ا. هـ كلامه بحروفه.
وكان الأصل أن يقول "قبل إنفاذه" لأن الشراب مذكر، إلا أنه أنثه حملًا على المعنى؛ لأن الشراب هو الخمر في المعنى، وقال الآخر: 1 يا بئرُ يا بئرَ بني عَدِيِّ ... لأَنْزَحَنَّ قَعْرَكَ بالدُّلِيِّ حتى تعودي أَقْطَعَ الوَلِيِّ وكان الأصل أن يقول "قَطْعِي الولي" لأن البئر مؤنثة، إلا أنه ذكره حملا على المعنى، فكأنه قال: حتى تعودي قليبا أقطع الولي، والقليب الأغلب عليه التذكير، ولذلك قالوا في جمعه "أَقْلِبَةٌ" وأفعلة بناء يختص به المذكر في القلة كاختصاص المؤنث بأَفْعُلٍ في القلة، وقوله "ذو الطول وذو العرض" يرجع إلى الحي، فانتقل = شعري كيف ينفدون الشراب قبل إنفاده؟ ولكن العلماء الأثبات أعادوا الضمير المؤنث في قوله "قبل إنفادها" إلى أحد شيئين يصح مع كل واحد منهما اللفظ والمعنى؛ أما أحد هذين فقد ذكره أبو عبيدة، قال: فكانوا هم المنفدين شرابهم قبل أن تنفد عقولهم، يعني أنهم شربوا حتى أنفدوا ما عندهم من الشراب ولم تغب عقولهم، بل بقيت لهم يقظتهم وصحوهم وعلمهم بما يدور حولهم، وأما الثاني: فقد ذكره غير أبي عبيدة، قال: فكانوا هم المنفدين شرابهم قبل إنفاد دراهمهم، يريد أنهم مياسير وأن أموالهم زادت على ثمن ما شربوه، وكلا هذين الوجهين صحيح المعنى صحيح اللفظ، ويكون مرجع الضمير ملحوظا من السياق ومدلولا عليه به ولا يكون في البيت دليل على ما ساقه المؤلف للاستشهاد به عليه.
من معنى إلى معنى، والتنقل من معنى إلى معنى كثير في كلامهم كما قال الشاعر: 1 إن تميمًا خُلِقَتْ ملمومًا ... قومًا ترى واحدهم صِهْمِيما فقال "خُلِقَتْ" أراد به القبيلة، ثم قال "ملموما" أراد به الحي، ثم ترك لفظ الواحد وحقق مذهب الجمع فقال "قوما ترى واحدهم صهميما" والصهميم: هو الذي لا ينثني عن مراده، لأنا نقول1: نحن لا ننكر الحمل على المعنى في كلامهم، ولا التنقل من معنى إلى معنى، ولكن الظاهر ما صرنا إليه؛ لأن الحمل على اللفظ والمعنى2 أولى من الحمل على المعنى دون اللفظ، وجري الكلام على معنى واحد أولى من التنقل من معنى إلى معنى، فلما كان ما صرنا إلى أكثر في الاستعمال وأحسن في الكلام كان ما صرنا إليه أولى، وقال أبو دَهْبَلٍ الجمحي: [331] أنا أبو دهبل وَهْبٌ لِوَهَبْ ... من جُمَحٍ، والعزُّ فيهم والحَسَبْ
فترك صرف "دهبل" وهو منصرف، وقال الآخر:
1
أخشى على دَيْسَمَ من بُعْدِ الثَّرَى ... أبى قضاءُ اللهِ إلا ما ترى
فترك صرف "ديسم" وهو منصرف.
فإذا صحت هذه الأبيات بأسرها دلَّ على صحة ما ذهبنا إليه.
وأما من جهة القياس فإنه إذا جاز حذف الواو المتحركة للضرورة من نحو قوله:
2
فَبَيْنَاهُ يَشْرِي رَحْلَهُ قال قَائلٌ: ... لمن جَمَلٌ رِخْوُ المِلَاطِ نَجِيبُ = شاعرًا عفيفًا، وقد قال الشعر في آخر خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأكثر مدائحه في عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، وفي هذا البيت الذي أنشده المؤلف شاهدان: الأول: في قوله "أبو دهبل" حيث منعه من الصرف مع أنه علم على وزن جعفر، وليس فيه إلا العلمية، وقياس أمثاله أن ينون ويجر بالكسرة، لكنه لما اضطر لإقامة الوزن منعه من التنوين وجره بالفتحة، هذا بيان كلام المؤلف، لكن يقال على هذا: إن كلمة "دهبل" في الأصل فعل ماضٍ، قال في اللسان "التهذيب: ابن الأعرابي: دهبل؛ إذا كبر اللقم ليسابق في الأكل" ا. هـ. وقال ابن دريد في الاشتقاق "ص129" "دهبل دهبلة؛ إذا مشى مشيا ثقيلا" فإذا كان "دهبل" في الأصل فعلًا ماضيًا فيجوز أن يكون الشاعر رجع به إلى أصله فحكاه كما تحكى الجمل التي يسمى بها نحو يزيد ويشكر، وعلى هذا لا يكون في البيت شاهد لما ذكره المؤلف، والشاهد الثاني: في قوله "من جمح" فإن هذا الاسم أحد الأعلام المعدولة عن فاعل، ففيه العلمية والعدل، فكان يجب عليه أن يمنعه من الصرف، لكنه لما اضطر إلى تنوينه صرفه، ولا يختلف النحاة في أنه يجوز للشاعر عند الضرورة أن يصرف الاسم الذي لا ينصرف.
فَلأَن يجوز حذف التنوين للضرورة كان ذلك من طريق الأولى، وهذا لأن الواو من "هو" متحركة، والتنوين ساكن، ولا خلاف أن حذف الحرف الساكن أسهل من حذف الحرف المتحرك، فإذا جاز حذف الحرف المتحرك الذي هو الواو للضرورة فلأن يجوز حذف الحرف الساكن كان ذلك من طريق الأولى؛ ولهذا كان أبو بكر بن السراج من البصريين -وكان من هذا الشأن بمكان- يقول: لو صحت الرواية في ترك صرف ما ينصرف لم يكن بأبعد من قولهم:
[333]
فبيناه يشري رحله قال قائل
ولما صحت الرواية عند أبي الحسن الأخفش وأبي علي الفارسي وأبي القاسم بن برهان من البصريين صاروا إلى جواز ترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر واختاروا مذهب الكوفيين على مذهب البصريين، وهم من أكابر أئمة البصريين والمشار إليهم من المحققين.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز ترك صرف ما ينصرف لأن الأصل في الأسماء الصرف، فلو أنا جوزنا ترك صرف ما ينصرف لأدّى ذلك إلى ردّه عن الأصل إلى غير أصل، ولكان أيضا يؤدي إلى أن يلتبس ما ينصرف بما لا ينصرف؛ وعلى هذا يخرج حذف الواو، من "هو" في نحو قوله:
[333]
فبيناه يشري رحله قال قائل = والبيت في وصف رجل أضل بعيره ويئس من عوده فأراد أن يبيع رحله فبينا هو يبيع رحله؛ إذ سمع من يعرف البعير ليطلبه صاحبه، شبه حاله مع من يحب بحال صاحب هذا البعير، والاستشهاد بالبيت في قوله "فبيناه" فإن أصل هذه الكلمة "فبينا هو" بضم الهاء وفتح الواو، والعلماء يختلفون في حذفها: هل حذفت وهي متحركة مفتوحة أو سكنت أولًا ثم حذفت وهي ساكنة؟ أما الأعلم فزعم أن الشاعر سكن الواو، ضرورة، ثم حذف هذه الواو الساكنة ضرورة أخرى، فأدخل ضرورة على ضرورة وأما ابن يعيش والمؤلف فكذا أن الشاعر حذفها وهي مفتوحة، ومن أمثال هذا البيت قول الشاعر وهو من شواهد سيبويه "1/ 12":
بيناه في دار صدق قد أقام بها ... حينا يعللنا وما نعلله
قال الأعلم: "أراد بينا هو، فسكن ضرورة، ثم حذف، فأدخل ضرورة على ضرورة" ا. هـ. ونظيره قول الراجز، وأنشده سيبويه أيضا:
هل تعرف الدار على تبراكا؟ ... دار لسعدى إذه من هواكا
قال الأعلام: "أراد إذ هي فسكن الياء أولا ضرورة، ثم حذفها ضرورة أخرى بعد الإسكان، تشبيها لها بعد سكونها بالياء اللاحقة في ضمير الغائب إذا سكن ما قبله والياء والواو اللاحقة له في هذا الحال، نحو عليه ولديه ومنه وعنه" ا. هـ. وقال ابن يعيش بعد أن أنشد البيت المستشهد به ههنا: "إنما هو فبينا هو، فحذف الواو من هو وهي متحركة من نفس الكلمة، وإذا جاز حذف ما هو من نفس الحرف كان حذف التنوين الذي هو زيادة للضرورة أولى: ا. هـ.
فإنه لا يؤدِّي إلى الالتباس، بخلاف حذف التنوين، فَبَانَ الفرق بينهما.
والذي أذهب إليه في هذه المسألة مذهب الكوفيين؛ لكثرة النقل الذي خرج عن حكم الشذوذ، لا لقوته في القياس.
وأما الجواب عن كلمات البصريين: أما قولهم "إنما لم يجز ترك صرف ما ينصرف لأنه يؤدّي إلى ردّه عن الأصل إلى غير أصل "قلنا: هذا يبطل بحذف الواو من "هو" في قوله:
[333]
فبيناه يشري رحله قال قائل
خصوصًا على أصلكم، أن الواو عندكم أصلية لا زائدة كما هي على أصل الخصم زائدة:
قولهم "إنما جاز1 لأنه لا يؤدي إلى الالتباس؛ بخلاف ما هنا" قلنا: الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أنا لا نسلم أنه لا يؤدي ههنا إلى الالتباس؛ لأنك تقول "غزا هو" فيكون توكيدا للضمير المرفوع بأنه فاعل، فإذا حذفت الواو منه التبست الهاء الباقية بالهاء التي هي ضمير المنصوب بأنه مفعول نحو "غزاه" فإنه يجوز أن لا تمطل حركتها، قال الشاعر:
1
تراه كأن الله يَجْدَعُ أنفه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر
وكذلك الهاء أيضًا في سائر المنصوبات؛ فإنه يجوز أن لا تُمْطَلَ حركتُها في الشعر كضمير المجرور؛ فإنهم يسوُّون بينهما في ذلك، قال الشاعر: 1 له زجل كأنه صوتٌ حادٍ ... إذا طلب الوسيقة أو زَمِيرُ وقال الآخر: 2 أو مُعْبَرُ الظَّهْرِ يَنْأَى عن وَلِيَّتِهِ ... ما حجَّ ربُّهُ في الدنيَا ولا اعْتَمَرَا = المعطوف يشارك المعطوف عليه في تسلط عامله عليه، ولا يصح ذلك؛ لأن الجدع في لسان أهل هذه اللغة خاص بالأنف، فلا يجوز أن تقول: جدعت عينيه، ولا جدعت يديه، ولا جدعت أذنيه، وما أشبه ذلك، ولهذا كان قوله "وعينيه" عندهم مفعولا به لفعل محذوف تقديره "ويفقأ عينيه" وتكون جملة هذا الفعل معطوفة بالواو على جملة الفعل السابق، قال السيد المرتضى "أراد ويفقأ عينيه، لأن الجدع لا يكون بالعين، واكتفى بيجدع من يفقأ" ا. هـ. والمؤلف قد أنشد هذا البيت ليستشهد به على أن الشاعر قد يمطل حركة ضمير الغائب المتصل -أي يمدها فينشأ عنها حرف مد يجانس حركتها- وقد لا يمطلها، وبيان ذلك أنك تقول "أعطيته مما له عندي" فتمطل الهاء في "أعطيته" وفي "له" والأولى في محل نصب والثانية في محل جر -حتى ينشأ من ضمة كل منهما واو، ويجوز أن تكتفي بالضمة في كل كلمة منهما، وأن تمطل واحدة وتدع أخرى بلا مطل، كل ذلك جائز، وليس واحد من الوجهين بأولى من الآخر، وقد جمع الشاعر صاحب هذا الشاهد بين الوجهين في هذا البيت؛ فقد مطل الهاء في "أنفه" واكتفى بالحركة من غير مطل في "وعينيه".
وقال الآخر: 1 فما له من مجد تلِيدٍ، ومَالَهُ ... من الريح فضلٌ لا الجنوبُ ولا الصَّبَا وقال الآخر: 2 فإن يَكُ غثًّا أو سمينًا فإنني ... سأجعل عينيه لنفسه مَقْنَعَا وقال الآخر: 3 وأيقن أن الخيل إن تَلْتَبِسْ به ... يكن لفَسِيل النخل بعده آبِرُ
211- وقال الآخر: 1 أَنَا ابْنَ كِلَابٍ وابْنُ أوْس؛ فمن يَكُنْ ... قِنَاعُهُ مُغْطِيًّا فإني مُجْتَلَى وقال الآخر: 2 لأَعْلِطَنَّهُ وسمًا لا يُفَارِقُهُ ... كما يُحَز بحمَّى المَيسَمِ البَحِرُ وقال الآخر: 3 لي والدٌ شيخٌ تَهِضْهُ غَيْبَتِي ... وأظن أن نفاد عُمْرِهِ عَاجِلُ
والوجه الثاني: أنه يبطل بصرف ما لا ينصرف، فإنه يوقع لبسًا بين ما ينصرف وما لا ينصرف في نحو قوله:
1
قواطنًا مكة من وُرْقِ الحَمِي
وكذلك سائر ما لا ينصرف، ومع هذا فقد وقع الإجماع على جوازه، فكذلك ههنا.
فإن قالوا: الكلام به يتحصل القانون دون الشعر1، وصرف ما لا ينصرف لا يوقع لبسا بين ما ينصرف وما لا ينصرف؛ لأنه لا يلتبس ذلك في اختيار الكلام.
قلنا: وهذا هو جوابنا عما ذكرتموه؛ فإنه إذا كان الكلام هو الذي يتحصل به القانون دون الشعر، فترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر لا يوجب لبسًا بين ما ينصرف وما لا ينصرف؛ إذ لا يلتبس ما ينصرف وما لا ينصرف في اختيار الكلام، والله أعلم.
= من حق العربية عليه أن يقول: "تهيضه غيبتي" إلا أنه حذف الياء كما يحذفها لو أن الفعل كان مجزومًا، ونفاد عمره: ذهابه وزواله، ومحل الاستشهاد في البيت قوله "عمره" فقد اختلس كسرة الهاء -وهي ضمير الغائب العائد إلى والد- اختلاسًا، ولم يشبعها حتى تتولد عنها ياء، وهو نظير ما تقدم في شرح الشواهد السابقة.
71-