الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: [ما يجوز من وجوه الإعراب في الصفة الصالحة للخبرية إذا وُجِدَ معها ظرف مكرر]

مسألة: [ما يجوز من وجوه الإعراب في الصفة الصالحة للخبرية إذا وُجِدَ معها ظرف مكرر]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

ذهب الكوفيون إلى أن النصب واجب في الصفة إذا كرر الظرف التام وهو خبر المبتدأ، وذلك نحو قولك: "في الدَّار زيد قائمًا فيها".
وذهب البصريون إلى أن النصب لا يجب إذا كرر الظرف وهو خبر المبتدأ، بل يجوز فيه الرفع كما يجوز فيه النصب.
وأجمعوا على أنه إذا لم يكرر الظرف أنه يجوز فيه الرفع والنصب.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على 117 أن النصب واجب النقل والقياس: أما النقل فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: 108] فقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ﴾ منصوب بالحال، ولا يجوز غيره.
وقال تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ [الحشر: 17] ووجه الدليل من هاتين الآيتين أن القُرَّاء أجمعوا فيهما على النصب، ولم يُرْوَ عن أحد منهم أنه قرأ في واحدة منهما بالرفع.
وأما القياس فقالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز إلا النصب، وذلك لأن الفائدة في الظرف الثاني في قولك: "في الدار زيد قائمًا فيها" إنما تحصل إذا حملناه على النصب، لا إذا حملناه على الرفع، ألا ترى أنه إذا حملناه على النصب يكون الظرف الأول خبرًا للمبتدأ، ويكون الثاني ظرفًا للحال، ويكون الصلة لقائم منقطعًا عما قبله؛ فيكون على هذا كلامًا مستقيمًا لم يُلْغَ منه شيء، بخلاف ما إذا حملناه على الرفع فقلنا "في الدار زيد قام فيها" فإنه تبطل فائدة في الثانية لنيابة الأولى عنها في الفائدة، وحمل الكلام على ما فيه فائدة أشبه بالحكمة من حمله على ما ليس فيه فائدة.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن الرفع جائز أنا أجمعنا على

أنه إذا لم يكرر الظرف أنه يجوز فيه الرفع والنصب، فكذلك إذا كرر؛ لأن قُصَارى ما نقدر أن يكون مانعًا تَكَرُّرُ الظرف؛ لأن "في" الأولى تفيد ما تفيده الثانية، وهذا لا يصلح أن يكون مانعًا، لأن الأولى وإن كانت تفيد ما تفيده الثانية إلا أن الثانية تذكر على سبيل التوكيد، والتوكيد شائع في كلام العرب مُسْتَعْمَل في لغتهم، وهذا لا خلاف فيه، وصار هذا كقولهم "فيك زيد راغب فيك" ولا شك أن "فيك" الأولى تفيد ما تفيده الثانية، ومع هذا لم يمتنع صحة المسألة، فكذلك ههنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: 108] وقوله تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ [الحشر: 17] فلا حجة لهم في هاتين الآيتين؛ إذ ليس فيهما ما يدل على أنه لا يجوز الرفع، وإنما فيهما دلالة على جواز النصب، ونحن نقول به.
وقولهم: "إنه لم يروَ عن أحد من القُرَّاء بالرفع فوجب أنه لا يجوز" قلنا: لا نسلم؛ فإنه قد روي عن الأعمش أنه قرأ ﴿خالدون فيها﴾ بالرفع، على أن هذا الاستدلال فاسد، وذلك لأنه ليس من ضرورة أنه لم يقرأ به أحد من القراء أن لا يكون كلامًا جائزًا فصيحًا.
ألا ترى أنه لم يأتِ في كتاب الله عز وجل ترك عمل "ما" في المبتدأ والخبر نحو "ما زيد قائم، وما عمرو ذاهب" إلا فيما ليس بمشهور، وإن كانت لغة مشهورة معروفة صحيحة فصيحة وهي لغة بني تميم، ثم لم يدل ذلك على أنها ليست فصيحة مشهورة مستعملة؟ فكذلك ههنا.
وأما قولهم "إنا لو حملناه على الرفع لأدَّى ذلك إلى أن تبطل فائدة الثانية لنيابة الأولى عنها في الفائدة" قلنا: هذا فاسد؛ وذلك لأنه وإن كانت الأولى تفيد ما تفيده الثانية إلا أن ذلك لا يدل على بطلان فائدة الثانية؛ لأن من مذاهب العرب أن يؤكد اللفظ بتكريره؛ فيقولون "لقيت زيدًا زيدًا، وضربت عمرًا عمرًا" فيكون المكرر توكيدًا للأول، وإن كان الأول قد وقعت به الفائدة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [هود: 19] فهم الثانية تكرير للتوكيد، والتقدير: وهم بالآخرة كافرون، في أحد الوجهين، ومع هذا فلا يقال إنه لا يجوز، فكذلك ههنا، ومن تدبر سورة "الرحمن" و "قل يا أيها الكافرون" علم قطعًا أن التكرير للتوكيد لا ينكر في كلامهم؛ لما فيه من الفائدة، وكثرة ذلك في كتاب الله تعالى وكلام العرب، وشهرته في استعمالهم، تغني عن الإسهاب والتطويل بالشواهد؛ إذ كان ذلك أكثر من أن يحصى، وأشهر من أن يظهر، والله أعلم.

34-

جارٍ التحميل