مسألة في إبراز الضمير إذا جرى الوصف على غير صاحبه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
...
8- مسألة: [القول في إبراز الضمير إذا جرى الوصف على غير صاحبه] 1
ذهب الكوفيون إلى أن الضمير في اسم الفاعل إذا جرى على غير مَنْ هو له نحو قولك "هند زيد ضاربتُهُ هي" لا يجب إبرازه.
وذهب البصريون إلى أنه يجب إبرازه، وأجمعوا على أن الضمير في اسم الفاعل إذا جرى على مَنْ هو له لا يجب إبرازه.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه لا يجب إبرازه في اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له أنه قد جاء عن العرب أنهم قد استعملوه بترك إبرازه فيه إذا جرى على غير من هو له، قال الشاعر:
1
وإنَّ امْرَأً أسرَى إليك ودونه ... من الأرض مُومَاةٌ وبيداءُ سَمْلَقُ
لمحقوقة أَنْ تستجيبي دعاءَه ... وأن تعلمي أن المُعَانَ مُوَفَّقُ
فترك إبراز الضمير، ولو أبرزه لقال "محقوقة أنت" وقال الآخر:
1
يرى أَرْبَاقَهُم مُتَقَلِّدِيهَا ... كما صَدِئَ الحديد على الكُمَاة
فترك إبرازه، ولو أبرزه لقال "متقلديها هم" فلما أضمره ولم يبرزه دلّ على جوازه، ولأن الإضمار في اسم الفاعل إنما جاز إذا جرى على من هو له لشبه الفعل، وهو مشابه له إذا جرى على غير من هو له، كما إذا جرى على من هو له؛ فكما جاز الإضمار فيه إذا جرى على من هو له فكذلك يجوز إذا جرى على غير من هو له.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجب إبرازه فيه إذا جرى على غير من هو له أنا أجمعنا على أن اسم الفاعل فَرْعٌ على الفعل في تحمل الضمير؛ إذ كانت الأسماء لا أصل لها في تحمل الضمير وإنما يُضْمَرُ فيما شَابَهَ منها الفعل كاسم الفاعل نحو "ضارب، وقاتل" والصفة المشبهة به نحو "حسن، وشديد" وما أشبه ذلك؛ فإذا ثبت أن اسم الفاعل فرع على الفعل فلا شك أن المشبه بالشيء يكون أضعف منه في ذلك الشيء، فلو قلنا إنه يتحمل الضمير في كل حالة -إذا جرى على من هو له، وإذا جرى على غير من هو له- لأدّى ذلك إلى التسوية بين الأصل والفرع، وذلك لا يجوز؛ لأن الفروع أبدًا تنحطُّ عن درجة الأصول، فقلنا: إنه إذا جرى على غير من هو له يجب إبراز الضمير؛ ليقع الفرقُ بين الأصل والفرع.
ومنهم من تمسك بأن قال: إنما قلنا يجب إبراز الضمير فيه إذا جرى على غير من هو له لأنا لو لم نبرزه لأدّى ذلك إلى الالتباس، ألا ترى أنك لو قلت "زيد أخوه ضارب" وجعلت الفعل لزيد ولم تبرز الضمير لأدّى ذلك إلى أن يسبق إلى فَهْمِ السامع أن الفعل للأخ دون زيد، ويلتبس عليه ذلك؟ ولو أبرزت الضمير لزال هذا الالتباس؛
فوجب إبرازه؛ لأنه به يحصل إفهامُ السامع ورفع الالتباس؛ ويخرج على هذا إذا جرى على من هو له؛ فإنه إنما لم يلزمه إبراز الضمير لأنه لا التباس فيه، ألا ترى أنك لو قلت "زيد ضارب غلامه" لم يسبق إلى فهم السامع إلا أن الفعل لزيد؛ إذ كان واقعًا بعده فلا شيء أولى به منه، فبان بما ذكرنا صحة ما صرنا إليه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما البيت الأول وهو قوله:
[20]
لمحقوقةٌ أن تستجيبي دعاءَه
فلا حُجَّة لهم فيه؛ لأنه محمول عندنا على الاتّساع والحذف، والتقدير فيه: لمحقوقة بك أن تستجيبي دعاءه1، وإذا جاز أن يُحْمَل البيت على وجه سائغ في العربية فقد سقط الاحتجاج به.
وأما البيت الثاني، وهو قول الآخر:
[21]
ترى أَرْبَاقَهُم مُتَقَلِّدِيهَا
فلا حجة لهم فيه أيضًا؛ لأن التقدير فيه ترى أصحاب أرباقهم، إلا أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] أي: أهل القرية، وقال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: 93] ومنه قولهم: "الليلَةَ الهِلَالُ" أي: طلوعُ الهلالِ؛ لأن ظروف الزمان لا تكون إخبارًا عن الجُثَثِ.
قال الشاعر:
1
وشرُّ المنايا ميِّت وَسْطَ أهْلِهِ ... كَهُلْكِ الفَتَى قد أسلم الحَيَّ حَاضِرُهْ
أي منية ميت.
وقال الآخر:
1
وكيف تواصل من أصبحت ... خَلَالَتُهُ كأبي مَرْحَبِ؟
أي: كخَلَالة أبي مرحب، وقال الآخر:
2
أَكِلَّ عَامٍ نَعَمٌ تَخْوُونَهُ ... يُلْقِحُهُ قوم وتُنْتِجُونَهُ؟ = والاستشهاد بالبيت في قوله "ميت وسط أهله" فإن هذه الكلمة خبر عن قوله "شر المنايا" وأنت تعلم أن الخبر يجب أن يكون عين مبتدئة، وهذا الخبر ليس عين مبتدئة، فوجب أن يكون الكلام على تقدير مضاف يصح معه الكلام ويتم به للخبر ما وجب فيه، والتقدير: وشر المنايا منية ميت وسط أهله، هذا أصل الكلام، فحذف المبتدأ وأقيم المضاف إليه مقامة فارتفع ارتفاعه.
أي: إِحْرَاز نَعَم.
وقال الآخر:
1
كأن عَذِيرَهُم بجنوب سِلَّى ... نَعَامٌ قَاقَ في بلد قَفِارِ
أي: كأن عذيرهم عذير نعام.
والعذير: الحال، والحال لا يُشَبَّه بالنعام وقال الآخر:
2
قليلٌ عيبهُ، والعيب جمٌّ ... ولكنَّ الغِنَى ربٌّ غَفُورٌ = من الأسماء الدالة على الذات، ومن المقرر عند النحاة أن ظرف الزمان لا يكون خبرًا عن اسم الذات، وللتخلص من ذلك قدر المؤلف مضافًا هو اسم معنى يكون هو المبتدأ وأصل الكلام عنده: أكل عام إحراز نعم، وقد تبعه في هذا التقدير ابن صاحب الألفية، وقدره الرضي: أكل عام حواية نعم، وقوم يقدرونه: أكل عام نهب نعم، والخطب في ذلك سهل؛ فإن هؤلاء جميعا يسيرون في فلك واحد؛ وخلاصته أنه لا بدّ من تقدير مضاف يكون اسم معنى، وهذا أحد وجهين في هذا البيت، والوجه الثاني لأبي العباسي المبرد، وخلاصته أنه يتعين تقدير المضاف إذا كان اسم الذات الواقع مبتدأ مخبرًا عنه بظرف زمان ليس له تجد وحدوث مرة بعد مرة، أما إذا كان له تجدد وحدوث مرة بعد مرة فلا يلزم تقدير مضاف يكون اسم معنى، والكلام هنا من هذا القبيل، وانظر إلى قول ابن مالك في التسهيل "ولا يغني ظرف زمان غالبًا عن خبر اسم عين، ما لم يشبه اسم المعنى بالحدوث وقتًا دون وقت، أو تَنْوِ إضافة اسم معنى إليه، أو يعم واسم الزمان خاص أو مسئول به عن خاص، ويغني عن خبر اسم عنى مطلقا" ا. هـ.
أي: ولكن الغنى غنى رب غفور، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
والشواهد على هذا النحو أكثر من أن تُحْصَى؛ فعلى هذا يكون قد أجرى قوله "متقلديها" -وهو اسم فاعل- على ذلك المحذوف، فلا يفتقر إلى إبراز الضمير.
وأما قولهم "إن الإضمار في اسم الفاعل إنما كان لشبه الفعل وهو يشابه الفعل إذا جرى على غير مَنْ هو له" قلنا: فلكونه فرعًا على الفعل وجب فيه إبراز الضمير ههنا؛ لئلا يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع، ولما يؤدي إليه تركُ الإبراز من اللَّبس على ما بيّنا، والله أعلم.
= يربه" تعني أنه أصلحه، ومن ذلك قول الشاعر:
يرب الذي يأتي من العرف أنه ... إذا سئل المعروف زاد وتمما
ومعنى قول الشاعر "ولكن الغنى رب غفور" ولكن الغنى مصلح لفساد أموره ساتر لمساويه، وهذا معنى مستقيم من غير تقدير، والوجه الثاني: أنا نسلم جدلًا أن كلمة الرب على المعنى الذي تبادر إلى ذهن المؤلف، لكن لا نسلم مع ذلك أن الكلام يحتاج إلى تقدير المضاف، بل تقدير المضاف يفسد المعنى، وذلك لأن الشاعر يريد تشبيه الغنى بالرب الغفور، والمعنى على هذا أن الناس يرون عيوب الرجل الغني قليلة ولو كانت أكثر من زبد البحر، وذلك لأن غناه يغطي عليها ويسترها، وتأمل ذلك جيدًا، ولا تكن أسير التقليد.
9-