الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة [فعل الأمر معرب أو مبنيّ؟]

مسألة [فعل الأمر معرب أو مبنيّ؟]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيون إلى أن فعل الأمر للمُوَاجَهِ المُعَرَّى عن حرف المضارعة -نحو افعل- معربٌ مجزومٌ.
وذهب البصريون إلى أنه مبني على السكون.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه معرب مجزوم لأن الأصل في الأمر للمُوَاجَهِ في نحو: "افْعَلْ" لِتَفْعَلْ، كقولهم في الأمر للغائب "ليفعل" وعلى ذلك قوله تعالى: "فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" [يونس: 58] في قراءة من قرأ بالتاء من أئمة القرَّاء، وذُكِرَتِ القِرَاءةُ أنها قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- من طريق أُبَيِّ بن كعب، ورويت هذه القراءة عن عثمان بن عفان وأنس بن مالك والحسن البصري ومحمد بن سيرين وأبي عبد الرحمن السلمي وأبي جعفر يزيد بن القعقاع المدني وأبي رجاء العُطَارديّ وعاصم الجَحْدَريّ وأبي التَّيَّاح وقتادة والأعرج وهلال بن يِسَاف والأعمش وعمرو بن فائد وعلقمة بن قيس ويعقوب الحضرمي وغيرهم من القراء.
وقد جاء في الحديث "ولتَزُرَّهُ ولو بِشَوْكَةٍ" أي زُرَّهُ، وجاء عنه -صلوات الله- عليه أنه قال في بعض مغازيه: "لتأخذوا مصافّكم" أي خذوا، وقال -صلوات الله عليه- مرة أخرى "لِتَقُومُوا إلى مَصَافِّكم" أي قوموا، وقال الشاعر: 1 لِتَقُمْ أنت يابْنَ خير قريش ... فَتُقَضَّى حَوَائجُ المسْلِمينَا

................................................................... = مسرودتان: أراد درعين، والسوابغ: جمع سابغة، وهي الدرع أيضا، وفي القرآن الكريم ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: 11] أي دروعا سابغات.
والحوائج: جمع حاجة، على غير قياس، كأنهم جمعوا حائجة، وكان الأصمعي ينكر هذا الحرف ويدعي أنه مولد، قال ابن بري "إنما أنكره الأصمعي لخروجه عن قياس جمع حاجة، والنحويون يزعمون أنه جمع لواحد لم ينطق به وهو حائجة، وذكر بعضهم أنه سمع حائجة لغة في الحاجة، وأما قول الأصمعي إنه مولد فإنه خطأ منه؛ لأنه قد جاء ذلك في حديث سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي أشعار العرب الفصحاء، فمما جاء في الحديث ما روي عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن لله عبادا خلقهم لحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون يوم القيامة" ومما جاء في أشعار العرب الفصحاء قول أبي سلمة المحاربي: ثممت حوائجي، ووذأت بشرًا ... فبئس معرس الركب السغاب ثممت -بالثاء المثلثة-: أصلحت.
وقال الشماخ: تقطع بيننا الحاجات إلا ... حوائج يعتسفن مع الجريء وقال الأعشى: الناس حول قبابه ... أهل الحوائج والمسائل وقال الفرزدق: ولي ببلاد السند عند أميرها ... حوائج جمات وعندي ثوابها وقال هميان بن قحافة: حتى إذا ما قضت الحوائجا ... وملأت حلابها الخلانجا" ا. هـ. وقول الشاعر في البيت المستشهد به "فتقضى" هو بتشديد الضاد في هذه الرواية نظير ما أنشده ابن خالويه: خليلي إن قام الهوى فاقعدا به ... لعنا نقضى من حوائجنا رما وفي الرواية الأخرى "كي لتقضى" هو بالتخفيف من مثال رمى يرمى.
ثم إن قرأت هذا الفعل بالبناء للمعلوم في أي الروايتين كنت قد عاملت الفعل المعتل بالياء في حال النصب كما تعامله في حال الرفع فقدرت الفتحة على الياء ومن حقها أن تظهر، وإن قرأته بالبناء للمجهول كانت الفتحة مقدرة على الألف، وكان قوله "حوائج المسلمينا" مرفوعًا على أنه نائب الفاعل، ونرى لك أن تقرأ هذه القراءة.
والاستشهاد بالبيت في قوله "لتقم" حيث إن الشاعر استعمل أمر المخاطب بالفعل المضارع المقرون بلام الأمر، وهو الأصل.
وقد رجح ابن هشام في مغني اللبيب رأي الكوفيين في هذه المسألة، قال "وزعم الكوفيون وأبو الحسن أن لام الطلب حذفت حذفًا مستمرًا في نحو قم واقعد، وأن الأصل لتقم ولتقعد، فحذفت اللام للتخفيف، وتبعها حرف المضارعة، وبقولهم أقول: لأن الأمر معنى حقه أن يؤدى بالحرف، ولأنه أخو النهي ولم يدل على النهي إلا بالحرف، ولأن الفعل إنما وضع لتقييد الحدث بالزمان المحصل، وكونه أمرًا أو خبرًا خارج عن مقصوده، ولأنهم قد نطقوا بذلك الأصل كقوله "لتقم أنت.. البيت" وكقراءة جماعة "فبذلك فلتفرحوا" وفي الحديث =

وقال الآخر: 1 فلتكن أبعد العُدَاةِ من ... الصلح من النجم جَارُهُ العَيُّوقُ وقال الآخر: 2 لتبعد إذ نأى جَدْوَاكَ عنِّي ... فلا أشقى عليك ولا أُبَالِي = "لتأخذوا مصافكم" ولأنك تقول: اغز واخش وارم واضربا واضربوا واضربي كما تقول في الجزم، ولأن البناء لم يعهد كونه بالحذف، ولأن المحققين على أن أفعال الإنشاء مجردة عن الزمان كبعت وأقسمت وقبلت، وقد أجابوا عن كونها -مع ذلك- أفعالا بأن تجردها عارض لها عند نقلها عن الخبر، ولا يمكنهم ادعاء ذلك في نحو قم؛ لأنه ليس له حالة غير هذه، وحينئذ فتشكل فعليته.
فإذا ادعى أن أصله "لتقم" كان الدال على الإنشاء اللام، لا الفعل" وهو كلام دقيق، وفيه كل ما ذكره المؤلف عنهم وزيادة، فاحرص عليه.

فثبت أن الأصل في الأمر للمواجهة [في نحو افعل] أن يكون باللام نحو لتفعل كالأمر للغائب، إلا أنه لما كثر استعمال الأمر للواجه في كلامهم وجرى على ألسنتهم أكثر من الغائب استثقلوا مجيء اللام فيه مع كثرة الاستعمال فحذفوها مع حرف المضارعة طلبا للتخفيف، كما قالوا "أيش" والأصل: أيّ شيء، وكقولهم "عِمْ صباحا" والأصل فيه: انْعِم صباحا، من نعم ينعم بكسر العين في أحد اللغتين، وكقولهم "وَيْلُمِّهِ" والأصل فيه: ويل أمه، إلا أنهم حذفوا في هذه المواضع لكثرة الاستعمال، فكذلك ههنا: حذفوا اللام لكثرة الاستعمال؛ وذلك لا يكون مزيلا لها عن أصلها ولا مبطلا لعملها.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنه معرب مجزوم أنا أجمعنا على أن فعل النهي معرب مجزوم نحو "لا تفعل" فكذلك فعل الأمر نحو "افعل" لأن الأمر ضد النهي، وهم يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره، فكما أن فعل النهي معرب مجزوم فكذلك فعل الأمر.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنه معرب مجزوم بلام مقدرة أنك تقول في المعتل "اغْْزُ، وارْمِ، واخش" فتحذف الواو والياء والألف كما تقول "لم يغزُ، ولم يرمِ، ولم يخشَ" بحذف [حرف] العلة؛ فدل على أنه مجزوم بلامٍ مقدرة.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إن حرف الجر لا يعمل مع الحذف فحرف الجزم أولى؛ لأن حرف الجر أقوى من حرف الجزم؛ لأن حرف الجر من عوامل الأسماء، وحرف الجزم من عوامل الأفعال، وعوامل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال، فإذا كان الأقوى لا يعمل مع الحذف فالأضعف أولى" لأنا نقول: قولكم "إن حرف الجر لا يعمل مع الحذف" لا يستقيم على أصلكم؛ فلا يصلح إلزامًا لكم؛ فإنكم تذهبون إلى أن "رُبَّ" تعمل الخفض مع الحذف بعد الواو والفاء وبل، وإعمالها بعد الواو نحو قول الراجز: [236] وبَلَدٍ عامِيَةٍ أَعَماؤُهُ ... كأن لون أرضه سماؤه = جدى، وكذلك أجداه: أي أعطاه، وفلان قليل الجدا على قومه، وقال أبو العيال الهذلي: بخلت فطيمة بالذي توليني ... إلا الكلام، وقلما تجديني وقوله: "لتبعد" أراد لتهلك فما في حياتك خير، ونأى: بعد، وقوله "فلا أشقى عليك ولا أبالي" يريد إن هلكك يذهب عني ما أنا فيه من الشقاء بحياتك.
ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "لتبعد" حيث أمر المخاطب بالفعل المضارع المبدوء بتاء المضارعة المقرون بلام الأمر، على نحو ما قررناه في شرح الشاهد السابق.

أي: ورُبَّ بلد، وإعمالها بعد الفاء نحو قول الشاعر: [240] فَحُورٍ قد لَهَوْتُ بِهِنَّ عِينٍ أي: فرُبَّ حورٍ، وإعمالها بعد بل نحو قول الراجز: 1 بل بلد ملءُ الفجاجِ قَتَمُهْ ... لا يَشْتَرِي كَتّانُهُ وجَهْرَمُهْ أي: بل رب بلد، فأعملتم "رب" في هذه المواضع مع الحذف، وهي حرف خفض وهذه مناقضة ظاهرة؛ فدل على أن حرف الخفض قد يعمل مع الحذف، على أنه قد حكى نَقَلَةُ اللغة عن رؤبة أنه كان إذا قيل له: كيف أصبحت، يقول: خيرٍ عافاك الله، أي: بخير، فيعمل [حرف] الخفض مع الحذف.
وكذلك أيضا مَنْعُكُمْ إعمال حرف الجزم1 مع الحذف لا يستقيم أيضا على أصلكم، فإنكم تذهبون إلى أن حرف الشرط يعمل مع الحذف في ستة مواضع، وهي: الأمر، والنهي، والدعاء، والاستفهام، والتمني، والعرض، والأمر نحو: ايتني آتك، والنهي: لا تفعل يكن خيرًا لك، والدعاء: اللهم ارزقني بعيرًا أحجَّ عليه، والاستفهام: أين بيتك أزرك، والتمني: ألا ماء أشربه، والعرض: ألا تنزل أكرمك، فأعملتم حرف الشرط مع الحذف في هذه المواضع كلها لتقديره فيها.

وقد جاء عن العرب إعمال حرف الجزم مع الحذف، قال الشاعر: 1 محمد تَفْدِ نفسك كلُّ نفسٍ ... إذا ما خِفْتَ من أَمْرٍ تَبَالَا والتقدير فيه: لتفد نفسك، فحذف اللام وأعملها في الفعل الجزم، وقال الشاعر: 2 فقلت ادْعِي وأدْعُ؛ فإن أَنْدى ... لصوت أن ينادي داعيان

أراد "ولأَدْعُ "وقال الآخر: 1 على مثل أصحاب البعوضة فَاخْمِشِي ... لك الويلُ حُرّ الوجه أو يَبْكِ من بَكَى = السعادات بن الشجري في مختاراته "ق3 ص6" وكل من ذكرنا من النحاة من سيبويه إلى آخرهم رووا "ادعى وأدعو إن أندى" ولكن ابن الشجري روى "ادعى وأدع فإن أندى" كما روى المؤلف، وأندى: أفعل تفضيل من قولهم "ندى صوت فلان يندى ندى -من مثال فرح يفرح فرحًا" إذا ارتفع وبعد.
ومحل الاستشهاد من البيت قوله "وأدع" فإن المؤلف أنشده على لسان الكوفيين على أن الشاعر أراد "ولأدع" بلام الأمر وبجزم الفعل المضارع بحذف الواو والضمة قبلها دليل عليها، وهذا يدل على أن العرب لا ترى مانعا من أن تحذف الحرف الجازم للمضارع وتبقي عمله، على خلاف ما ذهب إليه البصريون من أن ذلك لا يجوز، وأما النحاة الذين رووا "وأدعوا" ومنهم سيبويه -فإنهم يستدلون بهذه العبارة على أن الفعل المضارع ينصب في جواب الأمر بعد الواو، كما انتصب المضارع المقترن بهذه الواو بعد النهي في قول أبي الأسود الدؤلي، ونسبه سيبويه "1/ 424" إلى الأخطل: لا تنه عن عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم ومثل بيت الشاهد -في حذف لام الأمر وبقاء المضارع مجزوما بعد حذفه- قول الشاعر، وهو من شواهد ابن الناظم في شرح الألفية، وشرحه العيني "4/ 420". فلا تستطل مني بقائي ومدتي ... ولكن يكن للخير منك نصيب فإنه أراد: ولكن ليكن للخير منك نصيب، فحذف لام الأمر وأبقى المضارع -وهو "يكن"- مجزومًا كما كان واللام مقترنة به.

أراد "لِيَبْكِ" وقال الآخر: 1 من كان لا يزعم أني شاعر ... فيدن مني تَنْهَهُ المَزَاجِرُ أراد "فليدن" فحذف اللام وأعملها في الفعل الجزم، وهذا كثير في أشعارهم، وإذا جاز أن يعمل حرف الجزم مع الحذف في هذه المواضع جاز أن يعمل ههنا مع الحذف لكثرة الاستعمال.
وكذلك أيضا منعكم إعمال سائر عوامل الأفعال مع الحذف لا يستقيم أيضا على أصلكم؛ فإنكم تذهبون إلى أن أن الخفيفة المصدرية تعمل مع الحذف بعد الفاء إذا كانت جوابا للستة الأشياء التي جوزتم فيها إعمال أن الخفيفة الشرطية مع الحذف، نحو: ايتني فآتيك، ولا تفعل يكون خيرا لك، واللهم ارزقني بعيرا فأحج عليه، وأين بيتك فأزورك، وألا ماء فأشربه، وألا تنزل فأكرمك، وكذلك تعملونها مع الحذف بعد الفاء في جواب النفي نحو: ما أنت صاحبي فأعطيك، وكذلك أيضا تعملونها مع الحذف بعد الواو نحو: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وبعد "أو" نحو: لأشكونك أو تُعْتِبَنِي، وبعد لام كي نحو: جئتك لتكرمني، وبعد لام الجحود نحو: ما كنت لأفعل ذلك، وبعد حتى نحو: سرت حتى أدخلها، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6] وإذا جاز لكم أن تعملوا أن الناصبة للفعل بعد هذه الأحرف مع الحذف وهي من عوامل الأفعال وإن الجازمة للفعل في المواضع التي بيّناها مع الحذف وهي من عوامل الأفعال جاز أن تعمل اللام الجازمة للفعل مع الحذف لكثرة الاستعمال وإن كانت من عوامل الأفعال.
= للأسماء، كما أن الجر لا يكون إلا في الأسماء، والجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، فليس للاسم في الجزم نصيب، وليس للفعل في الجر نصيب، فمن ثم لم يضمروا الجازم كما لم يضمروا الجار، وقد أضمره الشاعر، شبهه بإضمارهم رب وواو القسم في كلام بعضهم "ا.
هـ كلامه.

قالوا: ولا يجوز أن يقال "إنَّ نَزَالِ مبنيّ لأنه قام مقام فعل الأمر، فلو لم يكن فعل الأمر مبنيًّا وإلا لما بني ما قام مقامه" لأنا نقول: إنما بني نزال لتضمنه معنى لام الأمر، ألا ترى أن نزال اسم انْزِلْ، وأصله لتنزل، فلما تضمن معنى اللام كتضمن أين معنى حرف الاستفهام، وكما أن أين بنيت لتضمنها معنى حرف الاستفهام؛ فكذلك بنيت نزال لتضمنها معنى اللام.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه مبني على السكون لأن الأصل في الأفعال أن تكون مبنية، والأصل في البناء أن يكون على السكون، وإنما أعرب ما أعرب من الأفعال أو بني منها على فتحة لمشابهة ما بالأسماء، ولا مشابهة بوجه ما بين فعل الأمر والأسماء؛ فكان باقيًا على أصله في البناء.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنه مبني أنا أجمعنا على أن ما كان على وزن فَعَالِ من أسماء الأفعال -كنزال، وتراك، ومناع، ونعاء، وحذار، ونظار- مبني؛ لأنه ناب عن فعل الأمر فنزال ناب عن انزل، وتراك ناب عن اترك، ومناع ناب عن امنع، ونعاء ناب عن انع، وحذار ناب عن احذر، ونظار ناب عن انظر، قال زهير: 1 ولأنت أشجع من أسامة إذ ... دُعِيَتْ نَزَالِ وَلَجَّ في الذُّعْر

أراد انْزِلْ، وأنثها لأنها بمنزلة النَّزْلة، وقال الآخر: 1 عرضنا نزالِ فلم ينزلوا ... وكانت نزال عليهم أَطَمْ وقال الآخر: 2 فدعوا نزال فكنت أوَّل نازلٍ ... وعَلَامَ أَرْكَبُهُ إذا لم أَنْزِلِ

وقال الآخر: 1 تَرَاكِهَا من إبل تَرَاكِهَا ... أما ترى الموت لدى أَوْرَاكِهَا أراد "اتْرُكْهَا" وقال الآخر: 2 مَنَاعِهَا من إبل مَنَاعِهَا ... أما ترى الموت لدى أرباعها أراد "امنعها" وقال جرير: 3 نَعَاءِ أبا ليلى لكل طِمِرَّةٍ ... وجَرْدَاءَ مثل القَوْسِ سَمحٌ حُجُولُهَا = بالبيت ههنا قوله "فدعوا نزال" حيث أوقع لفظ "نزال" في موقع المفعول به لأنه أراد هذا اللفظ ولو أراد المعنى لم يجز له أن يوقعه في شيء من مواقع الإعراب؛ لأن الفعل وما هو بمعناه لا يقع في شيء منها، وقد بينا لك ذلك في شرح الشواهد السابقة.

أراد "انْعَ" وقال الآخر: 1 نعاءِ ابن ليلى للسَّماحة والنَّدَى ... وأيدي شمال باردات الأنامل 2 نعاءِ جُذَامًا غير موت ولا قتل ... ولكن فِرَاقًا للدَّعَائِمِ والأَصْل أراد "انْعَ جُذَامًا" وقال الآخر، وهو أبو النجم: 3 حَذَارِ من أرماحنا حَذَارِ = بنفسه، والمؤلف يريد أن يستدل بهذا ونحوه على أن الأسماء التي على وزن فعال الدالة على الأمر مبنية على الكسر في لسان العرب، وقد بينا علة ذلك في شرح الشواهد السابقة.

أراد "احْذَرْ" وقال رؤبة: 1 نَظَارِ كي أركبها نَظَارِ أراد "انْظُرْ" فلو لم يكن فعل الأمر مبنيًّا وإلا لما بني ما ناب مَنَابَهُ، وما ذكره الكوفيون على هذا فسنذكر فساده في الجواب عن كلماتهم في موضعه إن شاء الله تعالى.
أما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن الأصل في افعل لتفعل" قلنا: لا نسلم، قولهم "كما قالوا للغائب: ليفعل" قلنا: فكان يجب أن لا يجوز حذف اللام منه، كما لا يجوز في الغائب، قولهم "إنما حذفت في الأمر للمواجهة لكثرة الاستعمال" قلنا: هذا فساد؛ لأنه لو كان الأمر كما زعمتم لوجب أن يختص الحذف بما يكثر استعماله دون ما يقل استعماله- نحو: احْرَنْجَمَ واعْرَنْزَمَ، واعْلَوَّطَ، واخْرَوَّطَ، واسْبَطَرَّ، واسْبَكَرَّ- وما أشبه ذلك من الأفعال؛ لأن الحذف لكثر الاستعمال إنما يختص بما يكثر في الاستعمال، ألا ترى أنهم قالوا في "لم يكن": لم يَكُ؛ فحذف النون لكثرة الاستعمال، ولم يقولوا في "لم يَصُنْ": لم يَصُ، ولا في "لم يَهُنْ": لم يَهُ، لأنه لم يكثر استعماله، وقالوا في "لم أُبَالِ": لم = ونسبهما إليه، وحذار: اسم فعل أمر معناه احذر، واشتقاقه من الحذر، ووبار: أرض كانت من مساكن عاد بين اليمن ورمل يبرين، فلما أهلك الله عادًا صارت خرابًا لا يتقاربها أحد من الناس، ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "حذار" وهو اسم لفعل الأمر وواقع موقعه، وكان حقه السكون لأن فعل الأمر مبني على السكون، إلا أنه حرك للتخلص من التقاء الساكنين، وخص بالكسر لأنه اسم مؤنث والكسرة والياء مما يخص به المؤنث نحو قولك "أنت تذهبين" كسرة التاء في "أنت" دالة على المؤنث والياء في "تذهبين" دالة على المؤنث، وربما نونه بعضهم كما في قول الشاعر: حذار حذار من فوارس دارم ... أبا خالد من قبل أن تتندما فنوّن "حذار" الثانية ولم يكن ينبغي له ذلك، غير أنه اضطر إلى ذلك ليتم به الوزن.

أَبَلْ؛ فحذفوا الكسرة لكثرة الاستعمال، ولم يقولوا في "لم أوَالِ": لم أوَلْ، ولا في "لم أَعَالِ": لم أَعَلْ؛ لأنه لم يكثر استعماله، وكذلك قالوا في أي شيء": أيْشٍ -بالشين معجمة- لكثرة استعماله، ولم يقولوا في "أي سَيء": أيس -بالسين غير معجمة- لقلة استعماله، وقالوا "عِمْ صباحًا" في أنعم صباحا؛ لكثرته، ولم يقولوا "عمِ ْبَالًا" في انعم بالًا؛ لقلته، وقالوا "وَيْلُمِّهِ" في: ويل أمِّهِ، ولم يقولوا في "ويلخته" في ويل أخته؛ لقلته، فلما حذفت اللام وحرف المضارعة في محل الخلاف من جميع الأفعال التي تكثر في الاستعمال والتي تقل في الاستعمال دلَّ على أن ما ادَّعَوْهُ من التعليل ليس عليه تعويل، ثم لو قدرنا أن الأصل فيه ما صرتم إليه إلا أنه قد تضمن معنى لام الأمر، فإذا تضمن معنى لام الأمر فقد تضمن معنى الحرف، وإذا تضم معنى الحرف وجب أن يكون مبنيًّا.
ثم نقول إن علة وجود الإعراب في الفعل المضارع وجود حرف المضارعة، فما دام حرف المضارعة ثابتا كانت العلة ثابتة، ومادامت العلة ثابتة سليمة عن المضارعة كان حكمها ثابتًا؛ ولهذا كان قوله تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 10] معربًا، وقوله صلوات الله عليه "ولتزُرَّهُ" و"لتأخُذُوا" و"لتقومُوا" وما أشبهه معربًا لوجود حرف المضارعة، ولا خلاف في حذف حرف المضارعة في محل الخلاف، وإذا حذف حرف المضارعة -وهو علة وجود الإعراب فيه- فقد زالت العلة؛ فإذا زالت العلة زال حكمها، فوجب أن لا يكون فعل الأمر معربًا.
وأما قولهم "إن فعل النهي معرب مجزوم، فكذلك فعل الأمر؛ لأنهم يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره" قلنا: حمل فعل الأمر على فعل النهي في الإعراب غير مناسب؛ فإن فعل النهي في أوله حرف المضارعة الذي أوجب للفعل المشابَهَةَ بالاسم، فاستحق الإعراب، فكان معربًا وأما فعل الأمر فليس في أوله حرف المضارعة الذي يوجب للفعل المشابهة بالاسم؛ فيستحق أن لا يعرب؛ فكان باقيًا على أصله في البناء.
والذي يدل على ذلك أن لام التأكيد التي تدخل على الفعل المضارع في نحو "إن زيدا ليقوم" كما تقول "إن زيدا لقائم" لا يجوز دخولها على فعل الأمر، كما لا يصح دخولها على الفعل الماضي، وإن كان الماضي أقوى من فعل الأمر بدلالة الوصف به، والشرط به، وبنائه على حركة تشبه حركة الإعراب [و] بدليل أنه لا يلحق آخره هاء السكت، كما لا يلحق آخر الاسم المعرب، وإذا كان الماضي لا تدخله هذه اللام مع وجود شبه ما بالأسماء فلأن لا تدخل هذه اللام فعل الأمر مع عدم شبهٍ ما بالأسماء كان ذلك من طريق الأولى، وإذا ثبت أنها لا تدخله دلَّ على أنه لا مشابهة بينه وبين الاسم، وإذا لم يكن بينه وبين الاسم مشابهة كان مبنيًّا على أصله.

وأما قولهم: "إنك تحذف الواو والياء والإلف من نحو: اغز، وارم، واخش، ما تحذفها من نحو: لم يغز، ولم يرم، ولم يخش" قلنا: إنما حذفت هذه الأحرف التي هي الواو والياء والألف للبناء، لا للإعراب والجزم، حملًا للفعل المعتل على الصحيح، وذلك أنه لما استوى الفعل المجزوم الصحيح وفعل الأمر الصحيح، كقولك "لم يفعل وافعل يا فتى" وإن كان أحدهما مجزومًا والآخر ساكنًا سوِّيَ بينهما في الفعل المعتل، وإنما وجب حذفها في الجزم لأن هذه الأحرف التي هي الواو والياء والألف جرت مجرى الحركات لأنها تشبهها، وهي مركبة منها في قول بعض النحويين، والحركات مأخوذة منها في قول آخرين، وعلى كلا القولين فقد وجدت المشابهة بينهما، وكما أن الحركات تحذف للجزم، فكذلك هذه الأحرف، فلما وجب حذف هذه الأحرف في المعتل للجزم، فكذلك يجب حذفها من المعتل للبناء؛ حملًا للمعتل على الصحيح؛ لأن الصحيح هو الأصل، والمعتل فرع عليه؛ فحذف حملًا للفرع على الأصل.
والذي يدل على صحة ما ذكرناه وأنه ليس مجزومًا بلام مقدرة أن حرف الجر لا يعمل مع الحذف، فحرف الجزم أولى.
قولهم "إنكم تذهبون إلى أن رب تعمل الخفض مع الحذف بعد الواو والفاء وبل" قلنا: إنما جاز ذلك لأن فيما بقي من هذه الأحرف دليلًا على ما ألقي وبيانًا عنه، فلما كانت هذه الأحرف دليلًا عليه وبيانا عنه جاز حذفه؛ لأن المحذوف بهذه المثابة في حكم الثابت، بخلاف حرف الجزم؛ فإنه حذف وليس في اللفظ حرف يدل عليه ولا يبين عنه، فبان الفرق بينهما.
وأما قولهم "إنكم تذهبون إلى أن حرف الشرط يعمل مع الحذف في ستة مواضع، وهي الأمر والنهي والدعاء والاستفهام والتمني والعرض" قلنا: الجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أنا لا نسلم حذف حرف الشرط في هذه المواضع، ولا أن الفعل مجزوم بتقدير حرف الشرط، وإنما هو مجزوم لأنه جواب لهذه الأشياء التي هي الأمر والنهي والدعاء والاستفهام والتمني والعرض، وهذا الوجه ذكره بعض النحويين، وليس بصحيح؛ لأنك لو حملت الكلام على ظاهره من غير تقدير حرف الشرط لكان ذلك يؤدي إلى محال، ألا ترى أنك إذا قلت: "ايتني آتك" كان الأمر بالإتيان موجبًا للإتيان، وإذا قلت: "لا تفعل يكن خيرًا" كان النهي عن الفعل موجبًا للخير، وإذا قلت: "اللهم ارزقني بعيرا أحجَّ عليه" كان الدعاء بالرزق موجبًا للحج، وإذا قلت: "أين بيتك أزرْك" كان الاستفهام عن بيته موجبًا للزيارة، وإذا قلت: "ألا

ماء أشربْه" كان التمني للماء موجبًا للشرب، وإذا قلت "ألا تنزل عندنا أكرمْك" كان العرض موجبًا للكرامة، وذلك محال؛ لأن الأمر بالإتيان لا يكون موجبًا للإتيان وإنما يوجبه الإتيان؛ والنهي عن الفعل لا يكون موجبًا للخير، وإنما يوجبه الانتهاء، والدعاء بالرزق لا يكون موجبًا للحج، وإنما يوجبه الرزق، والاستفهام عن بيته لا يكون موجبًا للزيارة، وإنما يوجبه التعريف، والتمني للماء لا يكون موجبًا للشرب، وإنما يوجبه وجوده، والعرض بالنزول لا يكون موجبًا للكرامة، وإنما يوجبه النزول؛ فدل على أن حرف الشرط فيها كلها مقدر، وأن التقدير: ايتني فإنك إن تأتني آتك، ولا تفعل فإنك إن لا تفعل يكن خيرًا لك، واللهم ارزقني بعيرًا فإنك إن ترزقني بعيرًا أحج عليه، وأين بيتك فإنك إن تعرِّفْنِي بيتك أزرك، وألا ماء فإن يك ماء أشربه، وألا تنزل فإنك إن تنزل أكرمك؛ فدلّ على أن هذا الوجه الذي ذكره بعضهم عن تعري الكلام عن تقدير حرف الشرط ليس بصحيح.
والوجه الثاني: وهو الصحيح -أنا نسلم تقدير حرف الشرط، وأنه حذف، وإنما حذف لدلالة هذه الأشياء عليه، فصار في حكم ثابت على ما بيَّنَّا في حذف رُبَّ.
وأما قولهم "إن إعمال حرف الجزم مع حذف الحرف قد جاء كثيرًا، وأنشدوا الأبيات التي رووها" فنقول: أما قوله: [350] محمد تَفْدِ نفسك كُلُّ نفس ... إذا ما خفت من أمر تَبَالَا فقد أنكره أبو العباس محمد بن يزيد المُبَرِّد، ولئن سلمنا صحته -وهو الصحيح- فنقول: قوله "تفد نفسك" ليس مجزومًا بلام مقدرة، وليس الأصل فيه لتفد نفسك، وإنما الأصل: تفدي نفسك، من غير تقدير لام، وهو خبر يراد به الدعاء، كقولهم: غفر الله لك، ويرحمك الله، وإنما حذف الياء لضرورة الشعر اجتزاء بالكسرة عن الياء، كما قال الأعشى: [247] وأخو الغَوَانِ متى يشأ يَصْرِمْنَهَ ... ويَصِرْنَ أعداء بُعَيْدَ وِدَادِ أراد "الغواني" فاجتزأ بالكسرة عن الياء، وقال الآخر: 1 فما وَجَدَ النَّهْدِيُّ وَجْدًا وَجَدْتُهُ ... ولا وَجَدَ العُذْرِيُّ قبل جَمِيلُ

أراد "قَبْلِي" وقال الآخر: 1 وطِرْتُ بِمُنْصُلِي في يَعْمَلَاتِ ... دوامي الأيدِ يَخْبِطْنَ السَّرِيحَا أراد "الأيدي".
وقال خُفَافُ بن نَدْبَةَ السلمي: 2 كنواحِ ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثتين عَصْفَ الإِثْمِدِ أراد "كنواحي" فاجتزأ بالكسرة عن الياء كما يجتزئون بالضمة عن الواو وبالفتحة عن الألف، فاجتزاؤهم بالضمة عن الواو كقولهم في قاموا "قامُ" وفي كانوا "كانُ" قال الشاعر: [245] فلو أن الأطِبَّاء كانُ حَوْلِي ... وكانَ مع الأطباء الأَسَاةُ إذا ما أذهبوا ألمًا بقلبي ... وإن قيل: الأطِبَّاء الشّفَاةُ أراد "كانوا" فاجتزأ بالضمة عن الواو.
= من قبائل العرب يرجع نسبها إلى قضاعة أيضا، فهي: عذرة بن سعد بن هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، ومن بني عذرة جميل بن عبد الله بن معمر صاحب بثينة، ومنهم أيضا عروة بن حزام بن مالك صاحب عفراء، ومنهم مجنون بني عامر صاحب ليلى، والاستشهاد في هذا البيت بقوله "قبل" فإنه يروى بكسر اللام وأصله "قبلي" فحذف ياء المتكلم مكتفيًا بالكسرة التي قبلها للدلالة عليها، ولو أنه قال "قبل" بضم اللام على حذف المضاف إليه ونيّة معناه لاستقام له الوزن وسلم من كل شيء، فقد كان متمكنًا من أن يأتي بالبيت على وجه لا ضرورة فيه، وذلك يدل على أن حذف حرف العلة لدلالة الحركة عليه أمر هين عندهم لا يرون به بأسا، وانظر الشواهد 245-254 التي مضت في المسألة 56 ثم انظر الشاهد 274 والشاهد 283 في المسألة 62.

واجتزاؤهم بالفتحة عن الألف نحو ما أنشدوا: [245] فلست بمدركٍ ما فاتَ منِّي ... بِلَهْفٍ ولا بِلَيْتَ ولا لَوَانِّي أراد "بلهفًا" فاجتزأ بالفتحة عن الألف، كما قال رؤبة: [283] وصَّانِي العجاج فيما وَصَّنِي أراد "فيما وصاني" فاجتزأ بالفتحة عن الألف.
واجتزاؤهم بهذه الحركات عن هذه الأحرف كثير في كلامهم، والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحْصَى.
ثم لو صح أن التقدير فيه "لتفد" كما زعمتم فنقول: إنما حذف اللام لضرورة الشعر.
وما حذف للضرورة لا يجعل أصلًا يقاس عليه.
وأما قوله.
[351] فقلت ادْعِي وأَدْعُ فإنَّ أندى فإنه قد روي: [351] ... ادعي وأَدْعُو إنَّ أندى بإثبات الواو في "أدعو" وحذف الفاء من "إن" فلا يكون فيه حجة، ولئن صح ما رووه فهو محمول على ضرورة الشعر كما بينا في البيت الأول، وهو الجواب عن قول الآخر: [352] ... أو يَبْكِ من بَكَى وعن قول الآخر: [353] فيدن مني تَنْهَهُ المَزَاجِرُ والذي يدل على أن ذلك مما يختص بالشعر أن أبا عثمان المازني قال: جلست في حلقة الفراء فسمعته يقول لأصحابه: لا يجوز حذف لام الأمر إلا في شعر، وأنشد: [353] من كان لا يزعم أني شاعر ... فَيَدْنُ مني تَنْهَهُ المَزَاجِرُ فقلت له: لم جاز في الشعر ولم يجز في الكلام؟ فقال: لأن الشعر يضطر فيه الشاعر فيحذف؛ فدل على أن هذا الحذف إنما يكون في الشعر لا في اختيار الكلام، بالإجماع.
وأما ما رووه عن رؤبة من قوله: "خيرٍ" فلا خلاف أنه من الشاذ النادر الذي لا يعرَّجُ عليه، ولهذا أجمع النحويون قاطبة على أنه لا يجوز في جواب من قال: "أين تذهب" أن يقال: زيدٍ، على تقدير إلى زيد، وفي امتناع ذلك

بالإجماع دليل على أنه من النادر الذي لا يلتفت إليه ولا يقاس عليه.
وأما قولهم "إنكم تذهبون إلى أن "أن" الخفيفة المصدرية تعمل مع الحذف بعد الفاء والواو وأو ولام كي ولام الجحود وحتى، وإذا جاز لكم أن تعملوها مع الحذف وهي من عوامل الأفعال كذلك يجوز لنا أن نُعْمِلَ اللام مع الحذف وهي من عوامل الأفعال" قلنا: الجواب عن هذا من وجهين.
أحدهما: إنما جاز حذفها لأن هذه الأحرف دالة عليها، فصارت في حكم ما لم يحذف، على ما بينا في حذف رب وحرف الشرط، بخلاف لام الأمر، فبان الفرق بينهما.
والوجه الثاني: أنه لو كانت اللام الجازمة للفعل محذوفة كما تحذف أن لكان يجب أن يُلْقَى حرف المضارعة فيقال "تفعل" في معنى لتفعل، كما بقي حرف المضارعة مع حذف أن بعد الفاء والواو وأو ولام الجحود ولام كي وحتى، فلما حذف ههنا حرف المضارعة فقيل "افعل" دل على أن ما ذهبوا إليه قياس باطل لا أصل له ولا حاصل.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أن ما كان على وزن فعال من أسماء الأفعال نحو نزال مبنيّ لقيامه مقام فعل الأمر، فلو لم يكن فعل الأمر مبنيا وإلا لما بني ما قام مقامه.
قولهم "إنما بني ما كان على فعال من أسماء الأفعال لتضمنه معنى لام الأمر، لأن نزال اسم انزل وأصله لتنزل" قلنا: هذا بناء منكم على أن فعل الأمر مقتطع من الفعل المضارع، وقد بينا فساده بما يغني عن الإعادة، ودللنا على أن فعل الأمر صيغة مُرْتَجَلَةٌ قائمة بنفسها باقية في البناء علي أصلها؛ فوجب أن يكون هذا الاسم مبنيًّا لقيامه مقامه على ما بينا، والله أعلم.

73-

جارٍ التحميل