الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: [حاشى في الاستثناء، فعل أو حرف أو ذات وجهين]

مسألة: [حاشى في الاستثناء، فعل أو حرف أو ذات وجهين]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيون إلى أن "حاشى" في الاستثناء فعل ماضٍ، وذهب بعضهم إلى أنه فعل استعمل استعمال الأدوات، وذهب البصريون إلى أنه حرف جر، وذهب أبو العباس المُبَرِّد إلى أنه يكون فعلًا ويكون حرفًا.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه فعل أنه يتصرف، والدليل على أنه يتصرف قول النابغة: 1 ولا أرى فاعلًا في الناس يُشْبِهُهُ ... وما أُحَاشِي من الأقوام من أحد

وإذا كان متصرفًا فيجب أن يكون فعلًا؛ لأن التصرف من خصائص الأفعال.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنه فعل أن لام الخفض تتعلق به، قال الله تعالى: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: 31] وحرف الجر إنما يتعلق بالفعل، لا بالحرف؛ لأن الحرف لا يتعلق بالحرف، وإنما حذفت اللام لكثرة استعماله في الكلام.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنه فعل أنه يدخله الحذف، والحذف إنما يكون في الفعل، لا الحرف، ألا ترى أنهم قالوا في حاشى لله: حاش لله، ولهذا قرأ أكثر القراء ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ بإسقاط الألف، وكذلك هو مكتوب في المصاحف؛ فدل على أنه فعل.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه ليس بفعل وأنه حرف أنه لا يجوز دخول "ما" عليه؛ فلا يقال "ما حاشى زيدًا" كما يقال "ما خلال زيدًا، وما عدا عمرًا" ولو كان فعلًا كما زعموا لجاز أن يقال "ما حاشى زيدًا" فلما لم يقولوا ذلك دلَّ = بها، كما لم يحفظ دخول "ما" عليها، فقرر أنها لا تكون إلا حرف جر، لكن العلماء الثقات حفظوا الأمرين جميعًا: حفظوا دخول "ما" على حاشا في قول الأخطل: رأيت الناس ما حشا قريشًا ... فإنا نحن أكثرهم فعالا وحفظوا النصب به دون أن تلحقها "ما" نحو ما رواه أبو زيد قال: "سمعت أعرابيًا يقول: اللهم اغفر لي ولمن سمع حاشا الشيطان وابن الأصبغ" بنصب ما بعد حاشا والمعطوف عليه، كما حفظوا الذي حفظه سيبويه من الجر بها، وإذن يكون حال "حاشا" مثل حال "عدا، وخلا" كل واحد من هذه الثلاثة يكون حرفًا تارة، ويكون فعلًا تارة أخرى، وهذا مذهب أبي العباس المُبَرِّد، وهو الذي تؤيِّده جملة الشواهد الواردة في هذه المسألة، وقد تفطن لذلك موفق الدين ابن يعيش، فقال: "أما حاشا فهو حرف جر عند سيبويه، يجر ما بعده، وهو مع ما بعده في موضع نصب بما قبله، وفيه معنى الاستثناء، وزعم الفَرَّاء أن حاشى فعل ولا فاعل له، وأن الأصل في قولك "حاشى زيدًا" حاشا لزيد، فحذفت اللام لكثرة الاستعمال وخفضوا بها، وهذا فاسد؛ لأن الفعل لا يخلو من فاعل، وذهب أبو العباس المُبَرِّد إلى أنها تكون حرف جر كما ذكر سيبويه، وتكون فعلًا ينصب ما بعده، واحتج لذلك بأشياء، منها أنه يتصرف فتقول: حاشيت أحاشي، والتصرف من خصائص الأفعال، ومنها أنه يدخل على لام الجر، فتقول: حاشى لزيد، قال الله تعالى: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ ولو كان حرف جر لم يدخل على مثله، ومنها أنه يدخله الحذف، نحو حاش لزيد، وقد قرأت القراء إلا أبا عمرو ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ وليس القياس في الحروف الحذف، إنما ذلك في الأسماء نحو أخ ويد، وفي الأفعال نحو لم يك ولا أدر، وهو قول متين يؤيده أيضًا ما حكاه أبو عمرو الشيباني وغيره أن العرب تخفض بها وتنصب" ا. هـ باختصار يسير، ومثله قول الراعي: أن على أهوى لألأم حاضر ... حسبا، وأقبح مجلس ألوانا قبح الإله -ولا أحاشي غيرهم- ... أهل السبيلة من بني حمانا

على فساد ما ذهبوا إليه، يدل عليه أن الاسم يأتي بعد حاشى مجرورًا، قال الشاعر: 1 حاشى أبي ثوبان؛ إنَّ به ... ضَنًّا على المَلْحَاة والشَّتم فلا يخلو: إما أن يكون هو العامل للجر، أو عامل مقدّر، بطل أن يقال عامل مقدّر؛ لأن عامل الجر لا يعمل مع الحذف1 فوجب أن يكون هو العامل على ما بيَّنَّا.

وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنه يتصرف" قلنا: 128 لا نُسَلِّم، وأما قول النابغة: [165] وما أُحَاشِي من الأقوام من أحد فنقول: قوله "أُحَاشِي" مأخوذ من لفظ حاشى، وليس متصرفًا منه، كما يقال: بَسْمَلَ، وهلَّلَ، وحَمْدَلَ، وسَبْحَلَ، وحَوْلَقَ، إذا قال: بسم الله، ولا إله إلا الله، والحمد لله، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكذلك يقال "لبَّى" إذا قال: لبيك، و"أَفَّفَ" إذا قال: أفّة، وهو اسم للضُّجرَة، و"دَعْدَعَ" إذا قال لغنمه: دَاعْ دَاعْ، وهو تصويت بها، و "بأبأ الرجل بفلانٍ" إذا قال له: بأبي أنت، كما قال: 1 وإن تُبَأْبَأْنَ وإن تُفَدَّين

فكما بُنِيَتْ هذه الأفعال من هذه الألفاظ وإن كانت لا تتصرف فكذلك ههنا.
وأما قولهم "إن لام الجر تتعلق به" قلنا: لا نسلم، فإن اللام في قولههم "حاشى لله" زائدة لا تتعلق بشيء، كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [لأعراف: 154] لأن التقدير فيه: يرهبون ربهم، واللام زائدة لا تتعلق بشيء، وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14] أي ألم يعلم أن الله؛ والباء زائدة لا تتعلق بشيء، وكقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] أي: أقرأ اسم ربك، وكقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] أي ولا تلقوا أيديكم، وقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: 20] أي تنبت الدهن، ويجوز أن تكون هنا مُعَدِّية؛ لأنه يقال: نبت وأنبت، لغتان بمعنى واحد، وكقولهم "بحسبك زيد" أي حسبك وكقول الشاعر: 1 نضرب بالسيف ونرجو بالفَرَجْ أي نرجو الفَرَجَ، والباء زائدة لا تتعلق بشيء فكذلك ههنا.
وأما قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ [يوسف: 12] فليس لهم فيه حجة؛ فإن حاشى ههنا ليس باستثناء، إذ ليس هو موضع استثناء، وإنما هو كقولك إذا قيل = ومثله ما أنشده ابن السكيت: ولكن يبأبئه بؤبؤ ... وبئباؤه حجا أحجؤه يبأبئه: يفديه، وبؤبؤ: أي سيد كريم، وبئباؤه: تفديته، وحجأ: فرح وأحجؤه: أفرح به.

لك فلان يقتل أو يموت أو نحو ذلك "حاشاه" وهذا ليس باستثناء، وإنما هو بمنزلة قولك "بعيدًا منه" فكذلك ههنا.
وأما قولهم "يدخله الحذف والحذف لا يكون في الحرف" قلنا: الجواب عن هذا من وجهين.
أحدهما: أنا لا نسلم أنه قد دخله الحذف؛ فإن الأصل عند بعضهم 129 في حاشى حاش بغير ألف، وإنما زيدت فيه الألف.
وهذا هو الجواب عن احتجاجهم بقراءة من قرأ: ﴿حَاشَ للهِ﴾ ثم نقول: إن هذه القراءة قد أنكرها أبو عمرو بن العلاء سيِّد القُرَّاء، وقال: العرب لا تقول "حاش لك" ولا "حاشك" وإنما تقول "حاشى لك، وحاشاك" وكان يقرؤها "حَاشَى للهِ" بالألف في الوصل، ويقف بغير ألف في الوقف متابعةً للمصحف؛ لأن الكتابة على الوقف لا على الوصل، وكذلك قال عيسى بن عمر الثقفي وكان من الموثوق بعلمهم في العربية: العرب كلها تقول "حاشى لله" بالألف، وهذه حجة لأبي عمرو.
والوجه الثاني: أنا نسلم أن الأصل فيه حاشى بالألف، وإنما حذفت لكثرة الاستعمال، وقولهم "إن الحرف لا يدخله الحذف" قلنا: لا نسلم، بل الحرف يدخله الحذف، ألا ترى أنهم قالوا في رُبَّ: رُبَ، بالتخفيف، وقد قرئ به، قال الله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: 2] ثم قال الشاعر: 1 أَزُهَيْرُ إِنْ يَشِبِ القَذَالُ فإنَّه ... رُبَ هَيْضَلٍ لجِبٍ لَفَفْتُ بهَيْضَلِ

وقال الآخر: 1 أَلَمْ تَعْلَمَنْ يا رَبِّ أَنْ رُبَ دعوة ... دعوتك فيها مخلصًا لو أُجَابُهَا وفي رُبَّ أربع لغات: ضم الراء وفتحها، مع تشديد الباء وتخفيفها، نحو: رُبَّ، ورُبَ، ورَبَّ، ورَبَ.
وكذلك حكيتم عن العرب أنهم قالوا في سوف أفعلُ: "سَوْ أفعل" بحذف الفاء، وحكاه أبو العباس أحمد بن يحيي ثعلب في أماليه، وحكى ابن خَالَوَيْهِ فيها أيضا "سَفَ أفعل" بحذف الواو، وزعمتم أيضًا أن الأصل في سأفعل: سوف أفعل، فحذفت الواو والفاء معًا، وسوف حرف، وإذا جوّزتم حذف حرفين فكيف تمنعون جواز حذف حرف واحد؟ فدلَّ على فساد ما ذكرتموه، والله أعلم.
= التي كانت مفتوحة وأبقى الأولى على حالها التي كانت عليها، وينشدون بالسكون قول الشاعر: ألا رب ناصر لك من لؤي ... كريم لو تناديه أجابا ومنهم من روى "رب" في بيت الشاهد بفتح الباء، وصرح العسكري في كتاب التصحيف بالوجهين، وقد قال أبو علي في كتاب الشعر: الحروف على ضربين: حرف فيه تضعيف، وحرف لا تضعيف فيه؛ فالأول قد يخفف بالحذف منه كما فعل ذلك في الاسم والفعل بالحذف والقلب، وذلك نحو إن وأن ولكن ورب، والقياس إذا حذف المدغم فيه أن يبقى المدغم على السكون، وقد جاء: أزهير إن يشب القذال.. البيت ويمكن أن يكون الآخر منه حرك لما لحقه الحذف والتأنيث فأشبه بهما الأسماء" ا. هـ.

38-

جارٍ التحميل