مسألة: [المحذوف من التاءين المبدوء بهما المضارع]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
ذهب الكوفيون إلى أنه إذا اجتمع في أول المضارع تاءان: تاء المضارعة وتاء أصلية -نحو "تَتَنَاوَلُ، وتَتَلَوَّنُ"- فإن المحذوف منها تاء المضارعة دون الأصلية، نحو "تَنَاولُ، وتَلَوَّنُ".
وذهب البصريون إلى أن المحذوف منهما التاء الأصلية، دون تاء المضارعة.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه لما اجتمع في أول هذا الفعل حرفان متحركان من جنس واحد -وهما التاء المزيدة للمضارعة والتاء الأصلية- استثقلوا اجتماعهما؛ فوجب أن تحذف إحداهما؛ فلا يخلو: إما أن تحذف الزائدة، أو الأصلية، فكان حذف الزائدة أولى من الأصلية؛ لأن الزائد أضعف من الأصلي، والأصلي أقوى من الزائد؛ فلما وجب حذف أحدهما كان حذف الأضعف أولى من حذف الأقوى.
وأما البصريون فقالوا: إنما قلنا إن حذف الأصلية أولى من الزائدة؛ لأن الزائدة دخلت لمعنى وهو المضارعة، والأصلية ما دخلت لمعنى؛ فلما وجب حذف إحداهما كان حذف ما لم يدخل لمعنى أولى.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إن الزائد أضعف من الأصلي فكان حذفه أولى" قلنا: لا نسلم هذا مطلقًا؛ فإن الزائد على ضربين: زائد جاء لمعنى، وزائد لم يجئ لمعنى، فأما الزائد الذي جاء لمعنى فلا نسلم فيه أن الأصلي أقوى منه، وأما الزائد الذي ما جاء لمعنى فمسلَّم أنه أقوى؛ ولكن لا نسلم أنه قد وجد ههنا، وهذا لأن التاء ههنا جاءت لمعنى المضارعة؛ فقد جاءت لمعنى، وإذا كانت قد جاءت لمعنى فيجب أن تكون تَبْقِيَتُهَا أولى؛ لأن في
حذفها إسقاطا لذلك المعنى الذي جاءت من أجله، وذلك خلاف الحكمة.
والذي يدلّ على صحة هذا ثبوت التنوين في المنقوص والمقصور وحذف حرف العلة منهما لالتقاء الساكنين وإن كان أصليًا فيهما، ألا ترى أنك تقول في المنقوص "هذا قاضٍ، ومررت بقاضٍ" والأصل فيه "هذا قاضيٌ، ومرت بقاضيٍ" إلا أنهم لما حذفوا الضمة والكسرة استثقالا لهما على الياء بقيت الياء ساكنة والتنوين ساكنًا فحذفوا الياء لالتقاء الساكنين وأبقوا التنوين؛ لأن الياء ما جاءت لمعنى، والتنوين جاء لمعنى؛ فكان تبقيته أولى، فكذلك أيضًا تقول في المقصور "هذه رحًا وعصًا" والأصل فيه "رحيٌ وعَصَوٌ" فلما تحركت الياء والواو انفتح ما قبلهما قلبوهما ألفًا1 لتحركهما وانفتاح ما قبلهما، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين وبقي التنوين بعدها؛ لأن الألف ما جاءت لمعنى، والتنوين جاء لمعنى؛ فكان تبقيته أولى، فكذلك ههنا، ولهذا كان الواجب في تصغير منطلق ومغتسل: مطيلق ومغيسل، وكذلك التكسير نحو: مَطَالق ومَغَاسل بإثبات الميم وحذف النون من منطلق والتاء من مغتسل؛ لأن الميم جاءت لمعنى -وهو الدلالة على اسم الفاعل- والنون والتاء ما جاءتا لمعنى؛ فكان حذفهما أولى من حذف الميم؛ لأنها جاءت لمعنى، وكذلك القياس في كل حرفين اجتمعا فوجب حذف أحدهما؛ فإن حذف ما لم يجئ لمعنى أولى من حذف ما جاء لمعنى، والسر فيه هو2 أن الحرف الذي جاء لمعنى قد تَنَزَّلَ في الدلالة على معنى بمنزلة سائر الكلمة التي تدل بجميع حروفها على معنى، بخلاف الحرف الذي لم يجئ لمعنى؛ فإنه ليس فيه دلالة على معنى في نفسه البتة، فكما يمتنع أن تحذف الكلمة بأسرها لشيء لا معنى له في نفسه؛ فكذلك ههنا: يمتنع أن يحذف الحرف الذي جاء لمعنى لأجل حرف لم يجئ لمعنى، فدل على أن حذف التاء الأصلية أولى من الزائدة على ما بيّنّا، والله أعلم.
94-