الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: [القول في عامل النصب في المفعول]

مسألة: [القول في عامل النصب في المفعول]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيون إلى أن العامل في المفعول النصب الفعلُ والفاعلُ جميعًا، نحو "ضرب زيدٌ عمرًا".
وذهب بعضهم إلى أن العامل هو الفاعل، ونصَّ هشام بن معاوية صاحب الكسائي على أنك إذا قلت "ظننت زيدًا قائمًا" تنصب زيدًا بالتاء وقائمًا بالظن.
وذهب خلف الأحمر من الكوفيين إلى أن العامل في المفعول معنى المفعولية، والعامل في الفاعل معنى الفاعلية.
وذهب البصريون إلى أن الفعل وحده عمل في الفاعل والمفعول جميعًا.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن العامل في المفعول النصب الفعل والفاعل وذلك لأنه لا يكون مفعول إلا بعد فعل وفاعل، لفظًا أو تقديرًا، إلا أن الفعل والفاعل بمنزلة الشيء الواحد، والدليل على ذلك من سبعة أوجه: الأول: أن إعراب الفعل في الخمسة الأمثلة يقع بعده نحو "يفعلان، وتفعلان، ويفعلون، وتفعلون، وتفعلين، يا امرأة" ولولا أن الفاعل بمنزلة حرف من نفس الفعل وإلا لما جاز أن يقع إعرابُهُ بعده.
والوجه الثاني: أنه يُسَكَّن لام الفعل إذا اتصل به ضمير الفاعل، نحو "ضربتَ، وذهبتَ" لئلا يجتمع في كلامهم أربعُ حركات متواليات في كلمة واحدة، ولولا أن ضمير الفاعل بمنزلة حرف من نفس الفعل وإلا لما سكنت لام الفعل لأجله.
والوجه الثالث: أنه يلحق الفعل علامة التأنيث إذا كان الفاعل مؤنثًا، فلولا أنه يتنزل منزله بعضِهِ وإلا لما أُلْحِقَ علامة التأنيث؛ لأن الفعل لا يؤنَّث، وإنما يؤنث الاسم.

والوجه الرابع: أنهم قالوا "حَبَّذَا" فركبوا حَبَّ وهو فعل مع ذا وهو اسم؛ فصار منزلة شيء واحد، حُكِم على موضعه بالرفع على الابتداء.
والوجه الخامس: أنهم قالوا في النسب إلى كُنْتُ "كُنْتِيُّ" فأثبتوا التاء1 ولو لم يتنزل ضميرُ الفاعل منزلة حرفٍ من نفس الفعل وإلا لما جاز إثباتها.
والوجه السادس: أنهم قالوا "زيد ظننت منطلق" فألغوا ظننت، ولولا أن الجملة من الفعل والفاعل بمنزلة المفرد وإلا لما جاز إلغاؤها؛ لأن العمل إنما يكون للمفردات لا للجمل.
والوجه السابع: أنهم قالوا للواحد "قِفَا" على التثنية؛ لأن المعنى قِفْ قِفْ، قال الله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: 24] فَثَنَّى وإن كان الخطابُ لملك واحد وهو مالكٌ خازنُ النار؛ لأن المعنى: أَلْقِ أَلْقِ، والتثنية إنما تكون للأسماء لا للأفعال؛ فدلّ على أن الفاعل مع الفعل بمنزلة الشيء الواحد.
وإذا كان الفعل والفاعل بمنزلة الشيء الواحد، وكان المفعول لا يقع إلا بعدهما؛ دلّ على أنه منصوب بهما، وصار هذا كما قلتم في الابتداء والمبتدأ إنهما يعملان في الخبر؛ لأنه لا يقع إلا بعدهما.
والذي يدل على أنه لا يجوز أن يكون الناصب للمفعول هو الفعل وحده أنه لو كان هو الناصب للمفعول لكان يجب أن يليه، ولا يجوز أن يُفْصَلَ بينه وبينه؛ فلما جاز الفصل بينهما دلّ على أنه ليس هو العامل فيه وحده، وإنما العامل فيه الفعل والفاعل.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن الناصب للمفعول هو الفعل دون الفاعل وذلك لأنا أجمعنا على أن الفعل له تأثير في العمل، أما الفاعل فلا تأثير له في العمل؛ لأنه اسم، والأصل في الأسماء أن لا تعمل، وهو باقٍ على أصله في الاسمية؛ فوجب أن لا يكون له تأثير في العمل، وإضافة ما لا تأثير له في العمل إلى ما له تأثير ينبغي أن يكون لا تأثير له.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن الناصب للمفعول الفعل والفاعل لأنه لا يكون إلا بعدهما إلى آخر ما قرروا" قلنا: هذا لا يدل على أنهما العاملان فيه؛ لما بيّنا أن الفاعل اسم، والأصل في الأسماء أن لا تعمل، وبهذا يبطل قول من ذهب منهم إلى أن الفاعل وحده هو العامل، والكلام عليه كالكلام على مَنْ ذهب من البصريين إلى أن الابتداء والمبتدأ يعملان في الخبر لهذا المعنى.

وقد بيّنا فساد ذلك مستقصى في مسألة المبتدأ والخبر؛ فلا نعيده ههنا.
وأما قولهم: "لو كان الفعل هو العامل في المفعول لكان يجب أن يليه ولا يفصل بينه وبينه" قلنا: هذا يبطل بإنَّ؛ فإنا أجمعنا على أنه يجوز أن يقال "إن في الدار لزيدًا، وإن عندك لعمرًا" قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [البقرة: 248] وقال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ [المزمل: 12] فنصب الاسم بإنَّ وإن لم تَلِهِ فكذلك ههنا؛ وإذا لم يلزم ذلك في الحرف -وهو أضعف من الفعل؛ لأنه فرع عليه في العمل- فلأن لا يلزم ذلك في الفعل وهو أقوى كان ذلك من طريق الأولى، على أنا نقول: إن الفعل قد وَلِيَ المفعول؛ لأن الفعل لما كان أقوى من حرف المعاني صار يعمل عملين؛ فهذا بذاته رافع للفاعل وناصب للمفعول؛ لزيادته على حروف المعاني؛ فتقديره تقدير ما عمل وليس بينه وبين معموله فاصل، وإذا لم يكن بينه وبين معموله فاصل بان أنه قد وليه العامل1، فدلّ على أن العامل هو الفعل وحده.
وأما ما ذهب إليه الأحمر من إعمال معنى المفعولية والفاعلية فظاهر الفساد؛ لأنه لو كان الأمر كما زعم لوجب أن لا يرتفع ما لم يُسَمَّ فاعله نحو"ضُرِبَ زَيْدٌ" لعدم معنى الفاعلية، وأن يُنْصَبَ الاسم في نحو "مات زيدًا" لوجود معنى المفعولية، فلما ارتفع ما لم يسم فاعله مع وجود معنى المفعولية وارتفع الاسم في نحو "مات زيد" مع عدم معنى الفاعلية؛ دلّ على فساد ما ذهب إليه.
والله أعلم.

12-

جارٍ التحميل