الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: [القول في جواز التعجب من البياض والسواد، دون غيرهما من الألوان]

مسألة: [القول في جواز التعجب من البياض والسواد، دون غيرهما من الألوان]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن يستعمل "ما أفعله" في التعجب من البياض والسود خاصة، من بين سائر الألوان، نحو أن تقول: هذا الثوب ما أَبْيَضَهُ، وهذا الشعر ما أَسْوَدَهُ.
وذهب البصريون إلى أن ذلك لا يجوز فيهما كغيرهما من سائر الألوان.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما جوّزنا ذلك للنقل، والقياس: أما النقل فقد قال الشاعر: 1 إذا الرجال شَتَوْا واشْتَدّ أَكْلُهُمُ ... فأنت أبيضُهُم سِرْبَالَ طَبَّاخِ

وَجْهُ الاحتجاج أنه قال "أَبْيَضُهُمْ" وإذا جاز ذلك في "أفعلهم" جاز في "ما أَفْعَلَه وأَفْعِلْ به" لأنهما بمنزلة واحدة في الباء، وقد قال الشاعر: 1 جارية في دِرْعِهَا الفَضْفَاضُ ... تُقَطِّعُ الحديث بالإِيمَاضِ أبيضُ من أخت بني أَبَاضِ فقال "أبيض" وهو أفعل من البياض، وإذا جاز ذلك في أفعل من كذا جاز في ما أفعله وأفعل به؛ لأنهما بمنزلة واحدة في هذا الباب، ألا ترى أن ما لا يجوز فيه = وقوله "إذا الرجال شتو" أي صاروا في زمان الشتاء، والشتاء عندهم هو زمان القحط والجدب، وفيه يظهر كرم الكرام وبخل البخلاء، وقوله "واشتد أكلهم" أراد أنه تعسر على أكثرهم الحصول على ما يأكلون، وقوله "فأنت أبيضهم سربال طباخ" معناه أن ثياب طباخك تكون في هذا الوقت بيضاء شديدة البياض نقية من الوضر ودهن اللحم وغيره، يريد أنه لا يطبخ فلا تتدنس ثيابه، وهذه العبارة كناية عن شدة البخل.
والاستشهاد بالبيت في قوله "أبيضهم" حيث اشتق أفعل التفضيل من البياض، وهذا مما يجيزه الكوفيون، ويأباه البصريون، وقد اختلفوا في التعليل للمنع؛ فمنهم من ذهب إلى أن السر في منع صوغ أفعل التفضيل وصيغتي التعجب من الألوان أن الألوان من المعاني اللازمة التي تشبه أن تكون خلقة كاليد والرجل، ومنهم من ذهب إلى سبب المنع هو كون أفعال الألوان ليست ثلاثية مجردة.
وإنما تأتي أفعال الألوان على أحد مثالين: أولهما أفعل -بتشديد اللام- نحو أبيض وأسود، والثاني أفعال -بزيادة ألف بعد العين وبتشديد اللام- نحو ادهام وابياض واسواد وما أشبه ذلك.

ما أفعله يجوز فيه أفعل من كذا، وكذلك بالعكس منه: وكذلك بالعكس منه: ما جاز فيه ما أفعله جاز فيه أفعل من كذا، فإذا ثبت أنه يمتنع في كل واحد منهما ما يمتنع في الآخر، ويجوز فيه ما يجوز في الآخر، دلّ على أنهما بمنزلة واحدة، وكذلك القول في "أَفْعِل به" في الجواز والامتناع، فإذا ثبت هذا فوجب أن يجوز استعمال ما أفعله من البياض.
وأما القياس فقالوا: إنما جوزنا ذلك من السواد والبياض دون سائر الألوان لأنهما أصلا الألوان، ومنهما يتركب سائرها من الحمرة والصفرة والخضرة والصُّهْبَة والشُّهْبَة والكُهْبَة إلى غير ذلك، فإذا كانا هما الأصليين للألوان كلها جاز أن يثبت لهما ما لا يثبت لسائر الألوان؛ إذ كانا أصلين لها ومتقدمين عليها.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه لا يجوز استعمال "ما أفعله" من البياض والسواد أنا أجمعنا على أنه لا يجوز أن يستعمل مما كان لونًا غيرهما من سائر الألوان؛ فكذلك لا يجوز منهما، وإنما قلنا ذلك لأنه لا يخلو امتناع ذلك: إما أن يكون لأن باب الفعل منهما أن يأتي على افْعَلّ نحو احمرّ واصفرّ واخضرّ وما أشبه ذلك، أو لأن هذه الأشياء مستقرة في الشخص لا تكاد تزول فجرت مجرى أعضائه، وأي العلتين قدرنا وجدنا المساواة بين البياض والسواد وبين سائر الألوان في علة الامتناع؛ فينبغي أن لا يجوز فيهما كسائر الألوان.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقول الشاعر: [89] فأنت أبيضهم سربال طباخ فلا حجّة فيه من وجهين؛ أحدهما: أنه شاذ فلا يؤخذ به، كما أنشد أبو زيد: 1 يقول الخَنَا وأَبْغَضُ العُجْم نَاطقًا ... إلى ربِّنَا صوت الحمار اليُجَدَّعُ

ويَسْتَخْرِجُ اليَرْبُوعَ من نَافِقَائِهِ ... ومِنْ جُحْرِهِ بالشِّيخَةِ اليَتَقَصَّعُ فأدخل الألف واللام على الفعل، وأجمعنا على أن استعمال مثل هذا خطأ لشذوذه قياسًا واستعمالًا، فكذلك ههنا، وإنما جاء هذا لضرورة الشعر، والضرورة لا يقاس عليها، كما لو اضطر إلى قصر الممدود على أصلنا وأصلكم أو إلى مَدِّ المقصور على أصلكم، وعلى ذلك سائر الضرورات ولا يدل جوازه في الضرورة على جوازه في غير الضرورة، فكذلك ههنا، فسقط الاحتجاج به.
وهذا هو الجواب عن قول الآخر: [90] أبيض من أخت بني أباض والوجه الثاني: أن يكون قوله: "فأنت أبيضهم" أفعل الذي مؤنثه فَعْلَاء كقولك أبيض وبيضاء، ولم يقع الكلام فيه، وإنما وقع الكلام في أفعل الذي يراد به المفاضلة نحو "هذا أحسن منه وجهًا، وهو أحسن القوم وجهًا" فكأنه قال مُبْيَضّهم، فلما أضافه انتصب ما بعده عن تمام الاسم، وهذا هو الجواب عن قول الآخر: [90] أَبْيَضُ من أخت بني أباض ومعنا: في درعها جسد مُبيض من أخت بني أباض، ويكون "من أخت" ههنا في موضع رفع؛ لأنها صفة لأبيض، كأنه قال أبيضٌ كائنٌ من أخت، كقولهم "أنت كريمٌ من بن فلان" ونحوه قول الشاعر: 1 وأبيضُ مِنْ ماء الحديد كأنّه ... شهابٌ بَدَا واللّيل داجٍ عَسَاكرُه = الحيوان الذي لا ينطق، والأعجم من الإنسان الذي في كلامه عجمة، شبهوه بالحيوان الأعجم، واليجدّع: الذي يقطع أنفه، أو أذنه، أو يده، أو شفته، كل ذلك يقال، واليربوع: دويبه تحفر الأرض والنافقاء: جحر يكتمه اليربوع ويستره ويظهر جحرًا آخر غيره، وقوله "بالشيخة" هو بالخاء المعجمة رملة بيضاء في بلاد بني أسد وحنظلة، واليتقصع: أراد الذي يتقصع، وتقول "تقصع اليربوع" إذا دخل في قاصعائه، والقاصعاء: جحر آخر من جحرة اليربوع.
والاستشهاد بالبيت الأول في قوله "اليجدع" والاستشهاد بالبيت الثاني في قوله "اليتقصع" فإنه أراد الذي يجدع والذي يقتصع، فوصل أل الموصولة بالفعل المضارع، وقد اتفق الفريقان على أن وصل أل الموصولة بالفعل المضارع شاذ، هكذا قال المؤلف، لكن الذي نعرفه أن من الكوفيين قومًا يجيزون ذلك في الاختيار، وقد ذهب ابن مالك إلى مذهب وسط بين المذهبين، فقال: إن ذلك قليل لا شاذ، وانظر التصريح للشيخ خالد الأزهري "1/ 169" وشرح الأشموني بتحققنا "1/ 171" فقد ذكرنا ثمة كثيرًا من الشواهد، وحاشية الصبان "1/ 161 بولاق"

................................................................... = وبدا: أي ظهر، والليل داجٍ: أي مظلم.
والاستشهاد بالبيت في قوله "وأبيض من ماء الحديد" فإن "أبيض" في هذه العبارة ليس أفعل تفضيل، لكنه صفة مشبهة، و "من" التالية له ليست من التي تدخل على المفضول في نحو قولك: فلان أكرم خلقًا من فلان، وأشرف نفسًا منه، وأطهر قلبًا منه، وما أشبه ذلك، وعلى ذلك لا تكون "من" هذه متعلقة بأبيض، بل هي متعلقة بمحذوف يقع صفة لأبيض وكأنه قد قال: وأبيض كائن من ماء الحديد، أي مأخوذ ومصنوع من ماء الحديد، والكلام في وصف سيف، وإذا كان لفظ "أبيض" يأتي صفة مشبهة كما في هذا البيت وفي الشاهد الذي يليه فإنه لا يمتنع أن يكون أبيض في قول الراجز: أبيض من أخت بني أباض وفي البيت المنسوب إلى طرفة: ... أبيضهم سربال طباخ وأسود في قول المتنبي الذي أنشدناه لك: ... أسود في عيني من الظلم صفة مشبهة أيضًا، وكأن المتنبي قد قال: لأنت مسود في عيني، ولأنت من الظلم؛ وكأن طرفة قد قال: أنت مبيضهم سربال طباخ، وكأن الراجز قد قال: جسد مبيض كائن من أخت بني أباض، وقد اتفق مع المؤلف على هذا التخريج ابن يعيش والشريف المرتضي والحريري في دره الغواص، وكلهم تابعون لابن جني.
ويقول أبو رجاء: إنه ليس من المنكر أن يجيء وزن أفعل من البياض والسواد وغيرهما من الألوان ومن غير الألوان صفة مشبهة، نقول: فلان أبيض اللون وفلان أسود، أو أخضر، أو أصفر، وتقول: فلان أهيف البطن.
وفلان أجب الظهر، وفلان أوحد دهره، وما لا يحصى من المثل، ومن ذلك قول أبي الطيب المتنبي أيضًا: يلقاك مرتديًا بأحمر من دم ... ذهبت بخضرته الطلى والأكبد ومن ذلك قول أبي تمام: له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع وقد قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ : إن "أهون" في هذه الآية بمعنى هين، كما قالوا في قول معن بن أوس: لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تغدو المنية أول إن "أوجل" هنا صفة مشبهة وليست أفعل تفضيل، أقول: نحن لا ننكر أن هذا الوزن يأتي صفة مشبهة خالية من معنى تفضيل شيء على شئ، كما لا ننكر أن من هذه البابة قول الشاعر: وأبيض من ماء الحديد كأنه وما معه من الأبيات، لكنا لا نستطيع أن نستسيغ أن يكون من هذه البابة قول الراجز: أبيض من أخت بني أباض مع قول الرواة الموثوق بهم: إن نساء بني أباض مشهورات ببياض ألوانهن؛ وعلى هذا يكون هذا الجواب غير مستقيم، ولو كان القائل به ابن جني ومن تبعه من فحولة النحاة.

فقوله "من ماء الحديد" في موضع رفع؛ لأنه صفة أبيض، وتقديره وأبيض كائنٌ من ماء الحديد، ونحوه أيضًا قول الآخر 1 لما دعاني السَّمْهَرِيُّ أجبتُهُ ... بأبيض من ماء الحديد صَقيلِ وأما قولهم "إنما جوَّزنا ذلك لأنهما أصلان للألوان ويجوز أن يثبتَ للأصل ما لا يثبتُ للفرع" قلنا: هذا لا يستقيم، وذلك لأن سائر الألوان إنما لم يجز أن يستعمل منها "ما أفعله، وأفعل منه" لأنها لازمت مَحَالها، فصارت كعضوٍ من الأعضاء، فإذا كان هذا هو العلة فنقول: هذا على أصلكم ألزم، وذلك لأنكم تقولون: إن هذه الألوان ليست بأصل في الوجود، على ما تزعمون، بل هي مركبة من البياض والسواد؛ فإذا لم يجز مما كان متركبًا منها لملازمته المحل فلأن لا يجوز مما كان أصلًا في الوجود وهو ملازم للمحل كان ذلك من طريق الأولى، والله أعلم.

17-

جارٍ التحميل