الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: [القول في العطف على اسم "إنَّ" بالرفع قبل مجيء الخبر]

مسألة: [القول في العطف على اسم "إنَّ" بالرفع قبل مجيء الخبر]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز العطف على موضع "إن" قبل تمام الخبر، واختلفوا بعد ذلك؛ فذهب أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي إلى أنه يجوز ذلك على كل حال، سواء كان يظهر فهي عمل "إن" أو لم يظهر، وذلك نحو قولك: "إن زيدًا وعمرو قائمان، وإنك وبكرٌ منطلقان".
وذهب أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء إلى أنه لا يجوز ذلك إلا فيما لم يظهر فيه عمل إن.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز العطف على الموضع قبل تمام الخبر على كل حال.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على جواز ذلك النقل والقياس: أما النقل فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِونَ والنَصَارَى﴾ [المائدة: 69] وجه الدليل أنه عطف ﴿الصَّابِئِونَ﴾ على موضع "إن" قبل تمام الخبر -وهو قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: من الآية62]- وقد جاء عن بعض العرب فيما رواه الثقات "إنَّك وزيد ذاهبان" وقد ذكره سيبويه2 في كتابه؛ فهذان دليلان من كتاب الله تعالى ولغة العرب.
وأما من جهة القياس فقالوا: أجمعنا على أنه يجوز العطف على الموضع قبل تمام الخبر مع لا، نحو "لا رجلَ وامرأةٌ أفضلُ منك" فكذلك مع "إنَّ" لأنها بمنزلتها، وإن كانت إن للإثبات ولا للنفي؛ لأنهم يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره، يدل عليه أنَّا أجمعنا على أنه يجوز العطف على الاسم بعد

تمام الخبر، فكذلك قبل تمام الخبر؛ لأنه لا فرق بينهما عندنا، وأنه قد عرف من مذهبنا أن "إنَّ" لا تعمل في الخبر لضعفها، وإنما يرتفع بما كان يرتفع به قبل دخولها، فإذا كان الخبر يرتفع بما كان يرتفع به قبل دخولها؛ فلا إحالة إذن؛ لأنه إنما كانت المسألة تَفْسُدُ أنْ لو قلنا إن "إن" هي العاملة في الخبر فيجتمع عاملان فيكون محالًا، ونحن لا نذهب إلى ذلك؛ فصحَّ ما ذهبنا إليه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن ذلك لا يجوز أنك إذا قلت "إنك وزيدٌ قائمأن" وجب أن يكون "زيد" مرفوعًا بالابتداء، ووجب أن يكون عاملا في خبر "زيد" وتكون "إن" عاملة في خبر الكاف، وقد اجتمعا في لفظ واحد؛ فلو قلنا "إنه يجوز فيه العطف قبل تمام الخبر" لأدَّى ذلك إلى أن يعمل في اسم واحد عاملان، وذلك محال.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِونَ﴾ [المائدة: 69] فلا حجة لهم فيه من ثلاثة أوجه: أحدها: أنا نقول: في هذه الآية تقديم وتأخير، والتقدير فيها: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى كذلك، كما قال الشاعر: 1 غَدَاةَ أحلَّت لابن أَصْرَمَ طَعْنَةٌ ... حُصَيْنٍ عَبِيطَاتِ السَّدَائِفِ والخَمْرُ

فرفع "الخَمْرُ" على الاستئناف، فكأنه قال: والخمرُ كذلك.
وقال الآخر: 1 وعضُّ زَمَان يا ابن مروان لم يَدَعْ ... من المال إلا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ = عبيطات السدائف وحلت الخمر، ويروى أن الكسائي سئل في حضرة يونس بن حبيب عن توجيه رفع الخمر في هذا البيت، فقال الكسائي: يرتفع بإضمار فعل، أي وحلت له الخمر فقال يونس: ما أحسن -والله- توجيهك، غير أني سمعت الفرزدق ينشده بنصب طعنة ورفع عبيطات، على جعل الفاعل مفعولًا في اللفظ.
ومنهم من جعل قوله "الخمر" مبتدأ حذف خبره، والتقدير: والخمر كذلك، وهذا هو الذي أراده المؤلف ههنا، وهو الذي وجه به البيت ابن يعيش في شرح المفصل.

فرفع "مجلف" على الاستئناف، فكأنه قال: أو مجلف كذلك، وهذا كثير في كلامهم.
والوجه الثاني: أن تجعل قوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: من الآية62] خبر للصابئين والنصارى، وتضمر للذين آمنوا والذين هادوا خبرًا مثل الذي أظهرت للصابئين والنصارى؛ ألا ترى أنك تقول "زيدٌ وعمروٌ قائم" فتجعل قائمًا خبرًا لعمرو، وتضمر لزيد خبرًا آخر مثل الذي أظهرت لعمرو، وإن شئت أيضًا جعلته خبرًا لزيد وأضمرت لعمرو خبرًا آخر.
وقال الشاعر، وهو بشر بن أبي خازم: 1 وألا فاعلموا أنَّا وأنتم ... بغاةٌ، ما بقينا في شِقَاقِ = جميعًا من غير تغيير في صدر البيت، وخرجها ابن الأعرأبي عليّ أن التقدير: لم يدع من المال إلا أن يكون مسحت أو مجلف، قال: وهو نظير قول شعيب بن البرصاء: ولا خير في العيدان إلا صلابها ... ولا ناهضات الطير إلا صقورها برفع "صلابها" على تقدير: إلا أن يكون صلابها، ورفع "صقورها" على أن يكون التقدير: إلا أن يكون صقورها.
ومن ذلك أن عيسى بن عمر روى البيت بكسر الدال من "لم يدع" على أن معناه يقر ويمكث، وبرفع مسحت ومجلف على أن الأول فاعل والثاني معطوف عليه، وخرجه على ذلك ابن جني في الخصائص.
وبعد؛ فقد قال ابن قتيبة: ومن ذا الذي يخفى عليه من أهل النظر أن كل ما أتوا به احتيال وتمويه.

فإن شئت جعلت قوله: "بغاة" خبرًا للثاني وأضمرت للأول خبرًا، ويكون التقدير: وإلا فاعلموا أنا بغاة وأنتم بغاة، وإن شئت جعلته خبرًا للأول وأضمرت للثاني خبرًا، على ما بيَّنَّا.
والوجه الثالث: أن يكون عطفًا على المضمر المرفوع في "هادوا" وهادوا بمعنى تابوا.
وهذا الوجه عندي ضعيف؛ لأن العطف على المضمر المرفوع قبيح وإن كان لازمًا للكوفيين؛ لأن العطف على المضمر المرفوع عندهم ليس بقبيح، وسنذكر فساد ما ذهبوا إليه في موضعه، إن شاء الله تعالى.
وأما ما حكوه عن بعض العرب "أنك وزيد ذاهبان" فقد ذكر سيبويه أنه غلط من بعض العرب، وهذا لأن العربي يتكلم بالكلمة إذا استهواه ضرب من الغلط فيعدل عن قياس كلامه، كما قالوا "ما أغفله عنك شيئًا"، وكما قال زهير، ويقال صِرْمَةُ الأنصاري: 1 بدا لي أني لست مُدْرِكَ ما مَضَى ... ولا سابق شيئًا إذا كان جَائيَا فقال "سابقٍ" على الجر؛ وكان الوجه "سابقًا" بالنّصب!.
وقال الآخر: 2 أَجِدَّكَ لست الدَّهْرَ رَائِي رَامَةٍ ... ولا عاقلٍ إلا وأنت جَنيبُ

ولا مُصْعِدٍ في المُصْعِدِينَ لِمَنْعِجٍ ... ولا هَابِطٍ ما عِشْتُ هَضْبَ شَطِيبِ = وربما عكسوا ذلك فجاءوا بخبر ليس مقترنا بالباء الزائدة فجروا لفظه، ثم عطفوا عليه اسمًا منصوبًا، ومن شواهد ذلك قول عدي بن خزاعي، وقد أنشده في اللسان "ن ر ب" وهو الشاهد رقم 207 الآتي في المسألة 45: ولست بذي نيرب في الكلام ... ومناع قومي وسبابها ولا من إذا كان في معشر ... أضاع العشيرة واغتابها عطف قوله "ومناع قومي" بالنصب على قوله "بذي نيرب" المجرور بالباء الزائدة ومثله قول عقيبة الأسدي، وأنشده سيبويه "1/ 34" وهو الشاهد 208 الآتي: معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا أديروها بني حرب عليكم ... ولا ترموا بها الغرض البعيدا ووجه ذلك أن الباء الداخلة على خبر ليس زائدة، تجر لفظ الخبر ليس غير، ويبقى محلّه نصبًا كما يكون لو لم تدخل عليه الباء، وليس لهذه الباء متعلق، فإذا عطفت على هذا الخبر جاز لك من غير ضرورة أن تعطف عليه بالنصب نظرًا إلى محلّه، وجاز لك أن تعطف عليه بالجر نظرا إلى لفظه، ولذلك نظائر كثيرة: منها الوصف المضاف إلى معموله، كاسم الفاعل والمصدر مثلًا إذا أضيف إلى مفعوله وفاعله فإن المعمول يكون مجرورًا لفظًا بإضافة اسم الفاعل إليه، فإذا عطفت عليه جاز لك أن تجيء بالمعطوف مجرورا نظرًا إلى لفظ المعطوف عليه، وجاز لك أن تجيء بالمعطوف منصوبًا إن كان المعطوف عليه مفعولًا ومرفوعًا إن كان المعطوف عليه فاعلًا، ومن ذلك قول زياد العنبري، وقد نسبوه في كتاب سيبويه "1/ 98" إلى رؤبة بن العجاج: قد كنت داينت بها حسانًا ... مخافة الإفلاس والليانا فقد عطف "الليان" بالنصب على "الإفلاس" المجرور لكون هذا المجرور مفعولًا به للمصدر، ومثل ذلك قول لبيد بن ربيعة العامري، وهو الشاهد رقم 146 الآتي: حتى تهجر في الرواح وهاجها ... طلب المعقب حقه المظلوم فقد وصف بالمظلوم المرفوع قوله "المعقب" المجرور بإضافة المصدر الذي هو "طلب" إليه، لكون هذا المضاف مصدرًا والمضاف إليه فاعلًا لذلك المصدر، ونظير ذلك قول الأعشى ميمون: الواهب المائة الهجان وعبدها ... عوذا تزجي بينها أولادها عطف "عبدها" بالنصب على "المائة" المجرور بإضافة اسم الفاعل الذي هو "الواهب" إليه" ومثله قول الشاعر وأنشده سيبويه "1/ 87": هل أنت باعث دينار لحاجتنا ... أو عبد رب أخا عمرو بن مخراق ومثله قول رجل من قيس عيلان، وأنشده سيبويه أيضًا "1/ 87": فبينا نحن نطلبه أتانا ... معلق وفضة وزناد راع عطف قول "زناد راعٍ" بالنصب على قوله "وفضة" المجرور بإضافة "معلق" إليه، لكون المعطوف عليه مفعولًا به لاسم الفاعل الذي هو معلق، وفي هذا القدر كفاية.

وقال الأَحْوَصُ الرِّياحِيُّ: 1 مشَائيمُ لَيْسُوا مصلحين عَشِيرَةً ... ولا ناعب إلا ببين غُرَابُها فقال "ناعب" بالجر، وكان الوجه أن يقول "ناعبًا" بالنصب، وقد تُؤُوِّل ذلك بما لا يلتفت إليه ولا يقاس عليه؛ فإذا كان كذلك فلا يجوز الاحتجاج بما رَوَوْهُ مع قلته في الاستعمال وبُعْدِهِ عن القياس على ما وقع فيه الخلاف.
وأما قولهم "أجمعنا على أنه يجوز العطف على الموضع قبل تمام الخبر مع لا؛ فكذلك مع إن" وقلنا الجواب على هذا من وجهين: أحدهما: إنما جاز ذلك مع "لا" لأن لا لا تعمل في الخبر، بخلاف "إن"

فلم يجتمع فيه عاملان، فجاز معها العطف على الموضع قبل تمام الخبر، دون "إن" على ما بيَّنَّا.
والوجه الثاني: أنا نسلم أن "لا" تعمل في الخبر كإن، ولكن إنما جاز ذلك مع "لا" دون "إن" وذلك لأن "لا" ركبت مع الاسم النكرة بعدها فصارا شيئًا واحدًا؛ فكأنه لم يجتمع في الخبر عاملان، وأما "إن" فإنها لا تركب مع الاسم بعدها؛ فيجتمع في الخبر عاملان، وذلك لا يجوز، فبان الفرق بينهما.
وأما قولهم "إنَّ إنَّ لا تعمل في الخبر" فقد بيَّنَّا فساد ذلك مُسْتَوْفىً في المسألة التي قبل هذه المسألة؛ فلا يفتقر إلى الإعادة، والله أعلم.

24-

جارٍ التحميل