الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: [القول في "إنِ" الشرطية، هل تقع بمعنى إذْ؟]

مسألة: [القول في "إنِ" الشرطية، هل تقع بمعنى إذْ؟]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيون إلى أن "إن" الشرطية تقع بمعنى إذْ، وذهب البصريون إلى أنها لا تقع بمعنى إذ.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن "إن" قد جاءت كثيرًا في كتاب الله تعالى وكلام العرب بمعنى إذ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: 23} أي: وإذ كنتم في ريب؛ لأن "إن" الشرطية تفيد الشك، بخلاف "إذ"؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: "إن قامت القيامة كان كذا" لما يقتضيه من معنى الشك، ولو قلت "إذ قامت القيامة" أو "إذا قامت القيامة" كان جائزًا؛ لأن إذ وإذا ليس فيهما معنى الشك، وإذا ثبت أن "إن" الشرطية فيها معنى الشك؛ فلا يجوز أن تكون ههنا الشرطية؛ لأنه لا شك أنهم كانوا في شك؛ فدلَّ على أنها بمعنى إذ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 278] أي: إذ كنتم مؤمنين؛ لأنه لا شك في كونهم مؤمنين؛ ولهذا خاطبهم في صدر الآية بالإيمان: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 57] أي: إذ كنتم مؤمنين، وقال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139] أي: إذ وقال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27] أي: إذ شاء الله، وجاء في الحديث عن الرسول صلوات الله عليه حين دخل المقابر: "سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنَّا إنْ

شاء الله بكم لَاحِقُونَ" أي: إذْ، لأنه لا يجوز الشك في اللحوق بهم، وقال الشاعر: 1 وسمعتَ حَلْفَتَهَا التي حَلَفَتْ ... وإنْ كانَ سَمْعُكَ غير ذِي وَقْرِ

أي: إذْ، والشواهد على هذا النحو أكثر من أن تُحْصَى.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: أجمعنا على أن الأصل في "إنْ" أن تكون شرطًا، والأصل في "إذ" أن تكون ظرفًا، والأصل في كل حرف أن يكون دالًّا على ما وضع له في الأصل، فمن تمسك بالأصل فقد تمسك باستصحاب الحال؛ ومَنْ عَدَلَ عن الأصل بقي مرتَهَنًا بإقامة الدليل، ولا دليل لهم يدل على ما ذهبوا إليه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين.
أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: 23] فلا حجة لهم فيه، لأن "إنْ" فيه شرطية، وقولهم: "إنَّ إنْ الشرطية تفيد معنى الشك" قلنا: وقد تستعملها العرب وإن لم يكن هناك شك، على ما بيّنّا قبل، ومنه قولهم: "إن كنت إنسانًا فأنت تفعل كذا، وإن كنت ابني فَأَطِعْنِي" وإن كان لا يشك في أنه إنسان وأنه ابنه، ومعناه أن مَنْ كان إنسانًا أو ابنًا فهذا حكمه، فخاطبهم الله تعالى على عادة خطابهم فيما بينهم.
وهذا هو الجواب عن جميع ما استشهدوا به من الآيات، إلا قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27} فإن الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن [262] يكون الاستثناء وقع على دخولهم آمنين، والتقدير فيه: لتدخلن المسجد الحرام آمنين إن شاء الله.
والوجه الثاني: أن يكون ذلك على طريق التأديب للعباد ليتأدَّبُوا بذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أن يَشَاءَ اللَّه﴾ [الكهف: 23، 24] . وهذا هو الجواب عن قوله صلوات الله عليه: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" لأنه لما أدَّبه الحق بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أن يَشَاءَ اللَّه﴾ [الكهف: 23، 24] تمسَّك بالأدب، وأحال على المشيئة فقال: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون".
وعلى هذا أيضًا يحمل قول السلف "أنا مؤمن إن شاء الله تعالى"، ويحتمل أيضًا وجهين آخرين: أحدهما: أن يكونوا قالوا ذلك تركًا لتزكية النفس، لا للشك، كما قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [لنجم: 32] وكما قيل لبعض الحكماء: ما الصدق القبيح؟ فقال: ثَنَاء الرجل على نفسه.

والثاني: أن يكون قولهم: "إن شاء الله" شكًّا في وصف الإيمان، لا في أصل الإيمان، والشك في وصف الإيمان لا يقدح في أصل الإيمان.
وأما قول الشاعر: [406] إن كان سمعك غير ذي وقر فلا حجة فيه، لأن "إن" فيه حرف شرط، لا بمعنى إذ، واستغنى بما تقدم من قوله: "وسمعت" عن جواب الشرط، لدلالته عليه، على ما بيّنّا فيما تقدم، والله أعلم.

89-

جارٍ التحميل