الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيينمسألة: [القولُ في إعراب المثنَّى والجمع على حَدِّه]

مسألة: [القولُ في إعراب المثنَّى والجمع على حَدِّه]

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو البركات الأنباري
الكتاب
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
المؤلف
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
الناشر
المكتبة العصرية
الطبعة
الأولى 1424هـ- 2003م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 ذهب الكوفيُّون إلى أن الألف والواو والياء في التثنية والجمع بمنزلة الفتحة والضمة والكسرة في أنها إعراب، وإليه ذهب أبو عليّ قُطْرُبُ بن المستنير، وزعم قوم أنه مذهب سيبويه، وليس بصحيح.
وذهب البصريّون إلى أنها حروف إعراب.
وذهب أبو الحسن الأخفش وأبو العباس المبرّد وأبو عثمان المازني إلى أنها ليست بإعراب ولا حروف إعراب، ولكنها تدل على الإعراب، وذهب أبو عمر الجَرْمِي إلى أن انقلابها هو الإعراب، وحُكي عن أبي إسحاق الزجاج أن التثنية والجمع مبنيان، وهو خلاف الإجماع.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنها إعراب كالحركات أنها تتغير كتغير الحركات، ألا ترى أنك تقول: قام الزيدان، ورأيت الزيدين، ومررت بالزيدين.
وذهب الزيدون، ورأيت الزيدين، ومررت بالزيدين، فتتغير كتغير الحركات، نحو "قام زيد، ورأيت زيدًا، ومررت بزيد" وما أشبه ذلك، فلما تغيرت كتغير الحركات دلّ على أنها إعراب بمنزلة الحركات، ولو كانت حروفَ إعراب لما جاز أن تتغير ذَوَاتُها عن حالها؛ فلما تغيرت تغير الحركات دلّ على أنها بمنزلتها، ولهذا سماها سيبويه حروف الإعراب؛ لأنها الحروف التي أعرب الاسم بها، كما يقال: حركات الإعراب -أي الحركات التي أعرب الاسم بها- والذي يدل على ذلك أنه جعل الألف في التثنية رفعًا فقال: يكون في الرفع ألفًا، وجعل الياء فيها جرًّا فقال: يكون في الجر ياء مفتوحًا ما قبلها، وجعل الياء أيضًا نصبًا حملًا على الجر فقال:

ويكون في النصب كذلك، وهكذا جَعَل الواو والياء في الجمع رفعًا وجرًّا نصبًا، والرفع والجر والنصب لا يكون إلا إعرابًا؛ فدلّ على أنها إعراب.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إن هذا يؤدي إلى أن يكون معربًا لا حرفَ إعراب له وهذا لا نظير له، وذلك لا يجوز" لأنّا نقول هنا: إنما لا يجوز فيما يكون إعرابه بالحركة لا بالحرف؛ لأن الحركة تدخل في الحرف، بخلاف ما إذا كان معربًا بالحرف؛ لأن الحرف لا يدخل في الحرف، والذي يدل على ذلك الخمسة الأمثلة وهي: يَفْعَلَانِ، وتَفْعَلَانِ، ويَفْعَلُونَ، وتَفْعَلُونَ، وتَفْعَلِينَ يا امرأة فإنها لما كانت معربة بالحرف لم يكن لها حرف إعراب، ألا ترى أن النون علامة الرفع كالضمة في تَضْرِبُ؟ وإذا جاز أن تكون هذه الخمسة الأمثلة معربة ولا حرفَ إعرابٍ لها لأن إعرابها بالحرف، فكذلك ههنا يجوز أن يكون الاسم في التثنية والجمع معربًا ولا حرف إعراب له؛ لأن إعرابه بالحرف.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنها حروف إعراب وليست بإعراب لأن هذه الحروف إنما زيدت للدلالة عَلَى التثنية والجمع؟ ألا ترى أن الواحد يدل على مفرد؛ فإذا زيدت هذه الحروف دلّت على التثنية والجمع؟ فلما زيدت بمعنى التثنية والجمع صارت من تمام صيغة الكلمة التي وُضِعَتْ لذلك المعنى؛ فصارت بمنزلة التاء في قائمة والألف في حُبْلَى، وكما أن التاء والألف حرفا إعراب فكذلك هذه الحروف ههنا.
وأما من ذهب إلى أنها ليست بإعراب ولا حروف إعراب ولكنها تدل على الإعراب فقال: لأنها لو كانت إعرابًا لما اخْتَلّ معنى الكلمة بإسقاطها كإسقاط الضمة من دال زيد في قولك "قام زيد" وما أشبه ذلك، ولو أنها حروف إعراب كالدال من "زيد" لما كان فيها دلالة على الإعراب، كما لو قلت "قام زيد" من غير حركة، وهي تدل على الإعراب؛ لأنك إذا قلت "رجلان" علم أنه رفع؛ فدلّ على أنها ليست بإعراب ولا حروف إعراب، ولكنها تدلّ على الإعراب.
وهذا القول فساد، وذلك لأن قولهم "إن هذه الحروف تدل على الإعراب لا يخلو: إما أن تدل على إعراب في الكلمة، أو في غيرها؛ فإن كانت تدل على إعراب في الكلمة فوجب أن تقدر في هذه الحروف، لأنها أواخر الكلمة، فيئول هذا القول إلى أنها حروف الإعراب كقول أكثر البصريين، وإن كانت تدل على إعراب في غير الكلمة فوجب أن تكون الكلمة مبنيّة، وليس من مذهب أبي الحسن الأَخْفَش وأبي العبّاس المبرد وأبي عثمان المازنيّ أن التثنية والجمع مبنيّان.

وأما مَنْ ذهب إلى أن انقلابها هو الإعراب فقد أفسده بعض النحويين من وجهين؛ أحدهما: أن هذا يؤدي إلى أن يكون الإعراب بغير حركة ولا حرف، وهذا لا نظير له في كلامهم.
والوجه الثاني: أن هذا يؤدي إلى أن يكون التثنية ولجمع في حال الرفع مبنيين؛ لأن أولَ أحوال الاسم الرفعُ ولا انقلاب له، وأن يكونا في حال النصب والجر معربين؛ لانقلابهما.
وليس من مذهب أبي عمر الجَرْمِي أن التثنية والجمع مبنيان في حال من الأحوال.
وأما مَنْ ذهب إلى أنهما مبنيان فقال: إنما قلت ذلك لأن هذه الحروف زيدت على بناء المفرد في التثنية والجمع، فنزِّلا منزلة ما ركب من الاسمين نحو "خَمْسَةَ عَشَرَ" وما أشبهه.
وهذا القول أيضًا يفسد من وجهين؛ أحدهما: أن التثنية والجمع وضعًا على هذه الصيغة لأن يَدُلَّا على معنييهما من التثنية والجمع، وإنما يفرد المفرد في الحكم لوجود لفظه، وإذا كان كذلك لم يجرِ أن يُشَبَّهَا بما ركب من شيئين منفصلين كخمسة عشر وما أشبهه، والوجه الثاني: أنهما لو كانا مبنيين لكان يجب أن لا يختلف آخرهما باختلاف العوامل فيهما؛ لأن المبني ما لا يختلف آخره باختلاف العوامل فيه، فلما اختلف ههنا آخر التثنية والجمع باختلاف العوامل فيهما دلّ على أنهما معربان لا مبنيان.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أمّا قولهم "إنها هي الإعراب كالحركات بدليل أنها تتغير تغيُّر الحركات" فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن القياس كان يقتضي أن لا تتغير كقراءة من قرأ: "إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ" على لغة بني الحارث بن كعب، إلا أنهم عَدَلُوا عن هذا القياس لإزالة اللَّبْس، ألا ترى أنك لو قلت "ضرب الزيدان العمران" لوقَع الالتبَاسُ، وليس هذا بمنزلة المقصور في نحو "ضرب موسى عيسى" لأن المقصور يزول عنه اللبس بالوصف والتوكيد؛ لأنه ليس من شرط وصف المقصور أن يكون مقصورًا، وكذلك التوكيد؛ بخلاف المثنى والمجموع؛ لأنه من شرط وصف المثنى أن يكون مثنى، ومن شرط وصف المجموع أن يكون مجموعًا1، وكذلك التوكيد، فَبَانَ الفرق بينهما؛ والذي يدل على أن هذه الأحرف ليست إعرابًا كالحركات أنها لو كانت هي الإعراب كالحركات لكان يجب أن لا يُخِلَّ سقوطُها بمعنى الكلمة كما لو

سقطت الحركات؛ لأن سقوط الإعراب لا يخلُّ بمعنى الكلمة، ألا ترى أنك لو أسقطت الضمة والفتحة والكسرة من الاسم نحو "قام زَيْدْ، ورأيت زَيْدْ، ومررت بزَيْدْ" لم يخلّ بمعنى الاسم، ولو أسقطت الألف والواو والياء من التثنية والجمع لأخلّ بمعنى التثنيه والجمع؟ فلما أخَلَّ سقوط هذه الحروف بمعنى التثنية والجمع بخلاف الحركات دلَّ على أنها ليست بإعراب كالحركات.
والوجه الثاني: أن هذه الحروف إنما تغيرت في التثنية والجمع؛ لأن لهما خاصية لا تكون في غيرها استحَقّا من أجلها التغيير، وذلك أن كل اسم معتل لا تدخله الحركات –نحو "رَحًى، وعَصًا، وحُبَلي، وبُشْرى" له نظير من الصحيح يدل على مثل إعرابه، فنظير رحًى وعصًا: جمَل وجَبَل، ونظير حُبْلى وبُشْرى: حمراء وصحراء، وأما التثنية وهذا الجمع الذي على حدها، فلا نظير لواحد منهما إلا بتثنية أو جمع، فعوضا من فقد النظير الدالّ على مثل إعرابها تغيُّر هذه الحروف فيهما.
والوجه الثالث: أن هذا ينتقض بالضمائر المتصلة والمنفصلة؛ فإنها تتغير في حال الرفع والنصب والجر، وليس تغيرها إعرابًا، ألا ترى أنك تقول في المنفصلة "أنا، وأنت" في حال الرفع، و "إياي، وإياك" في حال النصب، وتقول في المتصلة "مررت بك" فتكون الكاف في موضع جر وهي اسم مخاطب، و "رأيتك" فتكون في موضع نصب، وتقول "قمت، وقعدت" فتكون التاء في موضع رفع، فتتغير هذه الضمائر في هذه الأحوال وإن لم يكن تغيرها إعرابًا.
وأما قولهم "إن سيبويه سماها حروف الإعراب" قلنا: هذه حجة عليكم؛ لأن حروف الإعراب هي أواخر الكلم، وهذه الحروف هي أواخر الكلم؛ فكانت حروف الإعراب، قولهم "إنما سماها حروف الإعراب، لأنها التي أُعْرِبَ الاسم بها، كما تقول: حركات الإعراب قلنا: هذا خلاف الظاهر؛ فإن الظاهر في اصطلاح النحويين أنه إذا أطلق حرف الإعراب إنما يطلق على آخر حرف من الكلمة، نحو الدال من "زيد" والراء من "عمرو" لا على الحرف الذي يكون إعرابًا للكلمة، ألا ترى أن الخمسة الأمثلة أعربت بالحرف، ولا حرفَ إعرابٍ لها؟ وأما قولهم "إنه جعل الألف والواو والياء في التثنية والجمع رفعًا وجرًّا ونصبًا إلى آخر ما ذكروه" قلنا: معنى قوله "يكون في الرفع ألفًا، ويكون في الجر ياء، وفي النصب كذلك" أي أنه يقع موقع المرفوع، وإن لم يكن مرفوعًا ويقع موقع المجرور وإن لم يكن مجرورًا، ويقع موقع المنصوب وإن لم يكن منصوبًا، كما يقال: ضمير المرفوع، وضمير المنصوب، وضمير المجرور، وإن لم يكن

شيء منها مرفوعًا ولا منصوبًا ولا مجرورًا، وإنما المرفوع والمنصوب والمجرور ما يقع موقعها من الأسماء المعربة؛ فكذلك هذه الحروف تقع موقع ما يحلّ فيه الإعراب وإن لم يكن فيها إعراب لوقوعها موقع ما يحلّ فيه الإعراب إذا وجد، وصار هذا كقول علماء العربية "حروف الزوائد عشرة يجمعها لا أنسيتموه" وإن كانت هذه الحروف قد تقع زائدة وأصلية، ألا ترى أن اللام أصلية في"جَبَل، وجَمَل" كما هي زائدة في "زَيْدَلٍ، وعَبْدَلٍ" وكذلك سائرها، ثم سُمِّيتْ بذلك لأن الحروف الزوائد لا تخرج عنها، فكذلك ههنا؛ فدلّ على أنها حروف الإعراب، والذي يدل على أنها ليست هي الإعراب أنا لو قلنا إنها هي الإعراب لأدّى إلى أن يكون معرب لا حَرْفَ إعراب له، وهذا لا نظير له.
قولهم:"هذا إنما لا يجوز فيما يكون إعرابه بالحركة لا بالحرف" قلنا: لا نسلم، بل الأصل في كل معرب أن يكون له حرف إعراب، سواء كان معربًا بالحركة أو معربًا بالحرف، فأما الخمسة1 أمثلة فمنهم من ذهب إلى أن لها حرف إعراب وهي الألف في "يفعلان" والواو في "يفعلون والياء في "تفعلين" فعلى هذا لا نسلم، ولئن سلّمنا على المذهب المشهور فإنما أعربت ولا حرف إعراب لها على خلاف الأصل، وذلك لأنّا لو قدَّرْنَا لها حرف إعراب لم يَخْلُ: إما أن يكون اللام، أو الضمير، أو النون؛ بطل أن يكون حرف الإعراب اللام؛ لأن من الإعراب الجزم؛ فلو جعلناه اللام لوجب أن يسكن في حالة الجزم؛ فكان يؤدّي إلى أن يحذف ضمير الفاعل2، وذلك لا يجوز، وبطل أيضًا أن يكون الضمير حرف الإعراب؛ لأن الضمير في الحقيقة ليس جزءًا من الفعل، وإنما هو اسم قائم بنفسه في موضع رفع؛ لأنه فاعل؛ فلا يجوز أن يكون إعرابًا لكلمة أخرى، وعلى هذا تخرج الألف والواو والياء في تثنية الأسماء وجمعها؛ فإنها حروف لا تقوم بنفسها ولا موضع لها من الإعراب؛ فجاز أن تكون حروف الإعراب، وبطل أن تكون النون حرف الإعراب؛ لأنها ليست كحرف من الفعل، وإنما هي بمنزلة الحركة التي هي الضمة، ولهذا تحذف في الجزم والنصب، ولا يُخِلُّ حذفها بمعنى الفعل، ولو كانت حرف الإعراب لما حذفت مع تحركها ولأخلّ حذفها بمعنى الفعل، ولكان الإعراب جاريًا عليها؛ فلذلك لم يجز أن تكون حرف الإعراب، وعلى هذا تخرج الألف والواو والياء في التثنية والجمع؛ فإنها بمنزلة حروفها، ويختلُّ معناهما بحذفها؛ فلذلك جاز أن تكون حروف الإعراب على ما بينَّا، والله أعلم

4-

جارٍ التحميل