مسألة القول في أفعل في التعحبب، اسم هو أو فعل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
...
15- مسألة: [القول في "أفعل" في التعجب، اسم هو أو فعل] 1
ذهب الكوفيون إلى أن أفعل في التعجب نحو "ما أَحْسَنَ زيدًا" اسمٌ.
وذهب البصريون إلى أنه فعل ماضٍ، وإليه ذهب أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي من الكوفيين.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه اسم أنه جامد لا يتصرّف، ولو كان فعلًا لوجب أن يتصرّف؛ لأن التصرّف من خصائص الأفعال، فلما لم يتصرّف وكان جامدًا وجب أن يلحق بالأسماء.
ومنهم من تمسّك بأن قال: الدليل على أنه اسم أنه يدخله التصغير، والتصغير من خصائص الأسماء، قال الشاعر:
1
يَامَا أُمَيْلِحَ غِزْلَانًا شَدَنَّ لنَا ... مِنْ هَاؤُليَّائكُنَّ الضَّالِ والسَّمُر
فأميلح: تصغير أملح، وقد جاء ذلك كثيرًا في الشعر وسَعَةِ الكلام.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: "إن فعل التعجب لزم طريقة واحدة، وضارع الاسم، فلحقه التصغير "لأنا نقول: هذا ينتقض بليس وعسى فإنهما لزما طريقة واحدة، ومع هذا لا يجوز تصغيرهما، وأبلغ من هذا النقض وأَوْكَد مثال "أَفْعِل به" في التعجب فإنه فعل لزم طريقة واحدة، ومع هذا فإنه لا يجوز تصغيره.
ومنهم من تمسّك بأن قال: الدليل على أنه اسم أنه تَصِحّ عينه نحو "ما أَقْوَمَهُ، ولا أَبْيَعَهُ" كما تصح العين في الاسم في نحو "هذا أقوم منك، وأبيع منك" ولو أنه فعل كما زعمتم لوجب أن تُعَلّ عينه بقلبها ألفًا، كما قلبت من الفعل في نحو: قام وباع وأقام وأباع في قولهم "أَبَعْتُ الشيء" إذا عرّضته للبيع، وإذا كان قد أُجْرِي مجرى الأسماء في التصحيح مع ما دخله من الجمود والتصغير وجب أن يكون اسمًا.
والذي يدل على أنه ليس بفعل وأنه ليس التقدير فيه: شيء أَحْسَنَ زيدًا قولهم "ما أَعْظَمَ الله" ولو كان التقدير فيه ما زعمتم لوجب أن يكون التقدير: شيء أعظم الله، والله تعالى عظيم لا بِجَعْلِ جاعل، وقال الشاعر:
1
ما أَقْدَرَ اللهَ أنْ يُدْنِي على شَحَطٍ ... مَنْ دَارُهُ الحَزْنُ مِمَّن دَارُهُ صُولُ = مجيئها مصغرة في هذا البيت، والبصريون لا يرتضون ذلك، ويقولون إن تصغير "أملح" في هذا البيت شاذ، ألا ترى هذا الشاعر قد صغر هؤلاء في نفس البيت مع أننا متفقون على أن التصغير من خصائص الأسماء المعربة؛ فهذا وجه، ومنهم من يسلك في الرد مسلكًا آخر، فيقول: إن صيغة التعجب لما أشبهت صيغة التفضيل في الوزن وكان فعل التعجب -مع ذلك- جامدًا أعطوا فعل التعجب حكم اسم التفضيل؛ فأجازوا تصغيره، وقد ذكر ذلك ابن منظور في اللسان وابن هشام في المغني قال ابن هشام في المغني، "الثالث -مما أعطي حكم الشيء لمشابهته له لفظًا ومعنًى- نحو اسم التفضيل وأفعل في التعجب؛ فإنهم منعوا التفضيل أن يرفع الظاهر لشبهه بأفعل في التعجب وزنًا وأصلًا وإفادة للمبالغة، وأجازوا تصغير أفعل في التعجب لشبهه بأفعل التفضيل فيما ذكرنا، وقال: يا ما أميلح غزلانا.. ولم يسمع ذلك إلا في أحسن وأملح، ذكره الجوهري، ولكن النحويين مع هذا قاسوه" ا. هـ.
ولو كان الأمر كما زعمتم لوجب أن يكون التقدير فيه: شيءٌ أَقْدَرَ اللهَ، والله تعالى قادر لا بِجَعْلِ جاعل.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه فعل أنه إذا وُصِلَ بياء الضمير دخلت عليه نون الوقاية، نحو "ما أَحْسَنَنِي عندك، وما أظرفني في عينك، وما أعلمني في ظنك" ونون الوقاية إنما تدخل على الفعل لا على الاسم، ألا ترى أنك تقول في الفعل "أَرْشَدَنِي، وأسعدني، وأبعدني" ولا تقول في الاسم "مرشدني" ولا "مُسْعِدني" فأما قوله:
1
وَلَيْسَ حَامِلَني إلَّا ابن حَمَّالِ = مدينة من بلاد الخزر في نواحي باب الأبواب، والاستشهاد به هنا في قوله "ما أقدر الله" فإن بعض الكوفيين زعم أن مثل هذه العبارة تدل على أن أفعل في التعجب ليس فعلًا؛ إذ لو كان فعلًا لكان فيه ضمير مستتر يكون هو فاعله، ويكون لفظ الجلالة منصوبًا بهذا الفعل، فيكون المعنى: شيء أقدر "هو، أي ذلك الشيء" الله تعالى، أي جعله قادرًا وقد قام الدليل العقلي والنقلي على أن الله تعالى قادر من غير جعل جاعل؛ فيكون هذا المعنى باطلا، وإنما أدّى إلى هذا المعنى الباطل ذهابكم إلى أن أفعل في باب التعجب فعل، فوجب ألا نصير إليه.
فمن الشّاذ الذي لا يُلْتَفَتْ إليه ولا يُقَاسُ عليه، وإنما دخلت هذه النون على الفعل لتقي آخره من الكسر؛ لأن ياء المتكلم لا يكون ما قبلها إلا مكسورًا، وإذا كانوا قد منعوه من كسرة الإعراب لثقلها وهي غير لازمة فَلأَن يمنعوه من كسرة البناء وهي لازمة كان ذلك من طريق الأولى، فلما منعوه من الكسر أدخلوا هذه النون لتكون الكسرة عليها؛ فلو لم يكن أفعل في التعجب فعلًا وإلا لما دخلت عليه نون الوقاية كدخولها على سائر الأفعال.
اعترضوا على هذا بأن قالوا: نون الوقاية قد دخلت على الاسم في نحو "قَدْنِي وقَطْنِي" أي حسبي، قال الشاعر:
1
امتَلَأَ الحوض وقال: قَطْنِي ... مهلًا، رُوَيْدًا، قد مَلَأْتَ بَطْنِي
ولا يدل ذلك على الفعلية، فكذلك ههنا.
وما اعترضوا فيه ليس بصحيح؛ لأن "قدني، وقطني" من الشاذ الذي لا يعرج عليه؛ فهو في الشذوذ بمنزلة مِنّي وعَنِّي، وإنما حَسُنَ دخول هذه النون على قد وقط لأنك تقول "قَدْكَ من كذا، وقَطْكَ من كذا" أي اكْتَفِ به، فتأمر بهما كما تأمر بالفعل؛ فلذلك حسن دخول هذه النون عليهما، على أنهم قالوا "قَطِي وقَدِي" من غير نون كما قالوا "قطني وقدني" بالنون، قال الشاعر:
2
قدني من نصر الخُبَيْبَيْنِ قَدِي ... ليس الإمام بالشَّحِيح المُلْحِدِ
ولا خلاف أنه لا يجوز أن يقال "ما أَكْرَمِي" بحذف النون كما يقال "ما أكرمني" كما يقال "قَدْنِي، وقَدِى" فلما لم يجز ذلك بَانَ الفرقُ بينهما.
ومنهم من تمسّك بأن قال: الدليل على أن أفعل في التعجب فعلٌ أنه ينصب المعارف والنكرات، وأَفْعَلُ إذا كان اسمًا لا ينصب إلا النكرات خاصة على التمييز، نحو قولك "زيد أَكْبَرُ منك سنًّا، وأكثر منك علمًا" ولو قلت "زيد أكبر منك السنّ، أو أكثر منك العلم" لم يجز، ولما جاز أن يقال "ما أكبر السن له، وما أكثر العلم له" دلّ على أنه فعل.
اعترضوا على هذا بأن قالوا: قد ادّعيتم أن أفعل إذا كان اسمًا لا ينصب إلا = لحميد بن ثور الهلالي، وقال ابن منظور "ل ح د" بعد أن رواهما عن الجوهري: "قال ابن بري: البيت المذكور لحميد بن ثور هو لحميد الأرقط، ولس هو لحميد بن ثور كما زعم الجوهري" ا. هـ. ورواهما ابن منظور "خ ب ب - ق د د" منسوبين لحميد الأرقط، وأنشدهما ابن يعيش في شرح المفصل "ص442" ونسبهما لأبي بحدلة، وهما من شواهد سيبويه "1/ 387" وشواهد رضي الدين في شرح الكافية، والأشموني "رقم 62" وقد قال البغدادي في خزانة الأدب "2/ 453": "قال ابن المستوفي: ولم أرَ البيت الأول في ديوانه "يريد ديوان حميد الأرقط" وكذلك أورد الأبيات القالي في أماليه، ولم يورد بيت:
قدني من نصر الخبيبين قدي
ا. هـ. المقصود من كلام البغدادي، وقد: تأتي اسمًا بمعنى حسب، وتأتي اسم فعل بمعنى يكفي، مثل قط في الوجهين، و "الخبيبين" يروى بصورة المثنى وبصورة جمع المذكر السالم، فأما روايته بصورة المثنى فقيل: عنى عبد الله بن الزبير بن العوام الذي كان قد خرج على دولة مروان بن الحكم وتملك الحجازيين وابنه خبيب بن عبد الله بن الزبير، وقيل: عنى عبد الله وأخاه مصعب بن الزبير، وأما روايته بصورة جمع المذكر السالم فالمعنى به عبد الله وشيعته كلهم، وقوله:
ليس الإمام بالشحيح الملحد
يروى في مكانه:
ليس أميري بالشحيح الملحد
والشحيح: البخيل، وكان عبد الله بن الزبير متهمًا بالبخل، والملحد: مأخوذ من قولهم: "ألحد فلان في الحرم" إذا استحل حرمته وانتهكها.
والاستشهاد بالبيت في قوله "قدني"، وقوله: "قدي" فقد وصل الشاعر "قد" بنون الوقاية في المرة الأولى عندما أضاف الكلمة إلى ياء المتكلم، ولم يأتِ بهذه النون في المرة الثانية، وهذا يدل على أن الوجهين جائزان في هذه الكلمة، أما اقترانها بالنون فلقصد المحافظة على ما بنيت عليه الكلمة وهو السكون، وأما حذف النون فلكون الكلمة اسمًا، وفي هذا الكلام مقال لنا ذكرناه في شرحنا المطول على شرح أبي الحسن الأشموني "1/ 112 وما بعدها" فأرجع إليه هناك.
النكرة، وقد وجدنا العرب قد أعملته في المعرفة، قال الحارث بن ظالم: 1 فما قومي بثعلبة بْنِ بَكْرٍ ... ولا بِفَزَارَةَ الشُّعْرِ الرِّقَابَا فنصب الرقاب بالشعر، وهو جمع أَشْعَر، ولا خلاف أن الجمع في باب العمل أضعف من واحدهِ؛ لأن الجمع يباعده عن مشابهة الفعل؛ لأن الفعل لا يجمع، وإذا بَعُد عن مشابهة الفعل بَعُد عن العمل، وإذا عمل جمع أَفْعَلَ مع بُعده عن العمل؛ فالواحد أَوْلى أن يعمل، وقال الآخر: 2 ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عيشٍ ... أَجَبَّ الظّهْرَ ليس له سَنَامُ
فنصب الظَّهْرَ بأجبَّ، وقال الآخر:
1
ولقد أَغْتَدِي وما صَقَعَ ... الدِّيكُ على أدهم أجَشَّ الصَّهِيلَا
فنصب الصَّهِيل بأجشَّ، فبطل ما ادّعيتموه.
وما اعترضوا به ليس بصحيح: أما بيتُ الحارث بن ظالم:
[83]
ولا بفزارة الشُّعْرِ الرّقابا = عيش" ذناب كل شيء -بكسر الذال المعجمة- عقبه وما يأتي في أواخره، و "أجب الظهر" مقطوع الظهر كأنه جمل قد قطع سنامه، ويقال: بعير أجب، وناقة جباء؛ إذا كان قد قطع سنامهما.
والاستشهاد بالبيت في قوله "أجب الظهر" وهذه العبارة تروى على ثلاثة أوجه: برفع الظهر، وتخريج هذه الرواية أن تجعل الظهر فاعلًا لأجب، وبنصب الظهر، وتخريج هذه الرواية أن تجعل فاعل الصفة التي هي أجب ضميرًا مستترًا وتنصب الظهر على أنه مشبه بالمفعول به، وهذه الرواية هي محلّ الخلاف بين الكوفيين والبصريين، وبجر الظهر، وتخريج هذه الرواية أن يكون أجب مضافًا والظهر مضافًا إليه.
والوجه الأول: قبيح، والثاني: ضعيف، والثالث: حسن.
فقد روي "الشُّعْرَى رِقَابًا": حكى ذلك سيبويه عن أبي الخطاب عن بعض العرب أنهم ينشدون البيت كذلك، على أنا وإن لم ننكر صحة ما رويتموه، فلا حجة لكم فيه؛ لأنه من باب "الحسن الوجه، والحسان الوُجُوه" وقد قالوا "الحسن الوجهَ" بنصب الوجه تشبيها بالضارب الرجل، كما قالوا "الضارب الرجلِ" بالجر تشبيها بـ "الحسن الوجه" وقد ذهب بعض البصريين إلى زيادة الألف واللام فيه، فلما كان في تقدير التنكير جاز نصبُه على التمييز، فبان أن ما عارضتم به ليس بشيء.
وأما قول النابغة:
[84]
أَجَبَّ الظهر ليس له سَنَامُ
بفتحهما قد روي "أجب الظهر" بجرهما، وروي "أجب الظهر" برفع الظهر لأنه فاعل والتقدير فيه عندنا: أجب الظهرُ منه، وعندكم الألف واللام قامتَا مَقَام الضمير العائد؛ فلا حجة لكم في هذا البيت، والجر فيهما هو القياس، وإن صحت رواية النصب؛ فيكون على التشبيه بالمفعول على ما بيَّنَّا في البيت الأول، لا على تقدير زيادة الألف واللام ونصبه على التمييز على ما ذهبتم إليه، ولئن سلمنا على قول بعض البصريين، وهو الجواب عن جميع ما احتججتم به؛ لأنكم إذا قدرتم أن الألف واللام فيه زائدة فهو عندكم نكرة، فإذن ما عمل في معرفة، وإنما عمل في نكره، والخلاف ما وقع في أنَّ "أفعل" تعمل في النكرة، وإنما وقع الخلاف في أنها تعمل في المعرفة.
وأما قول الآخر:
[85]
عَلَى أَدْهَم أَجْشَّ الصَّهيلا
فالوجه جر "الصهيلا" إلا أنه نَصَبَه على التشبيه بالمفعول، أو على زيادة الألف واللام على ما قَدَّمنا.
ثم لو سلمنا لكم صحة ما ادّعيتموه في هذه الأبيات، وأجريناها في ذلك مُجْرَى "ما أحسن الرجلَ" فهل يمكنكم أن توجدونا أَفْعَلَ وصفًا نَصَبَ اسمًا مضمرًا وعلمًا أو اسمًا من أسماء الإشارة؟ وإذا لم يمكن ذلك ووجدنا أفعل في التعجب تعمل في جميع أنواع المعارف النصب دلّ على بطلان ما ذهبتم إليه من دعوى الاسمية.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنه فعل ماضٍ أنا وجدناه مفتوح الآخر، ولولا أنه فعل ماضٍ لم يكن لبنائه على الفتح وجه؛ لأنه لو كان اسمًا لارتفع لكونه خبرًا لـ "ما" على كلا المذهبين، فلما لزم الفتح آخرُهُ دلّ على أنه فعل ماضٍ.
اعترضوا على هذا من وجهين؛ أحدهما: أنهم قالوا: ما احتججتم به من فتح آخره ليس فيه حجة؛ لأن التعجب أصله الاستفهام، ففتحوا آخر أفعل في التعجب ونصبوا زيدًا فرقًا بين الاستفهام والتعجب.
والثاني: أنهم قالوا: إنما فتح آخر أفعل في التعجب لأنه مبني لتضمنه معنى حرف التعجب؛ لأن التعجب كان يجب أن يكون له حرف كغيره من الاستفهام والشرط والنفي والنهي والتمني والترجي والتعريف والنداء والعطف والتشبيه والاستثناء، إلى غير ذلك؛ إلا أنهم لما لم ينطقوا بحرف التعجب وضمّنوا معناه هذا الكلام استحقَّ البناء، ونظير هذا أسماء الإشارة؛ فإنها بنيت لتضمنها معنى حرف الإشارة، وإن لم ينطق به فكذلك ههنا.
وما اعترضوا به ليس بصحيح: أما قولهم "إن التعجب أصله الاستفهام ففتحوا آخر أفعل في التعجب للفرق بين الاستفهام والتعجب" فمجرد دعوى لا يقوم عليها دليل، إلا بوحي وتنزيل، وليس ذلك سبيل، مع أنه ظاهر الفساد والتعليل؛ لأن التفريق بين المعاني لا توجب إزالة الإعراب عن وجهه في موضع ما، فكذلك ههنا ولأن التعجب إخبار يحتمل الصدق والكذب، والاستفهام استخبار لا يحتمل الصدق والكذب؛ فلا يصح أن يكون أصلًا له.
وأما قولهم "إنه بني لتضمنه معنى حرف التعجب وإن لم ينطق به"؛ فكذلك نقول: كان يجب أن يوضع له حرف كما وضع لغيره من المعاني، ولكن لما لم يفعلوا ذلك ضمّنوا "ما"معنًى حرفه فبنوها، كما ضمّنوا "ما" الاستفهاميةمعنًى الهمزة، وضمّنوا "ما" الشرطية معنى أن التي وضعت للشرط، وبنوهما وإن لم يكن للكلمة التي بعدهما تعلق بالبناء؛ فكذلك ما بعد "ما" التعجبية لا يكون له تعلق بالبناء، فبان بذلك فساد اعتراضهم، وأنه إنما فتح لأنه فعل ماضٍ على ما بيَّنَّا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "الدليل على أنه اسم أنه لا يتصرف" قلنا: عدم تصرفه لا يدل على أنه اسم؛ فإنا أجمعنا على أن "ليس، وعسى" فعلان، ومع هذا فإنهما لا يتصرفان، وإنما لم يتصرف فعل التعجب لوجهين؛ أحدهما: أنهم لما لم يَضَعُوا للتعجب حرفًا يدل عليه جعلوا له صيغة لا تختلف؛ لتكون أمارة للمعنى الذي أرادوه، وأنه مُضَمن معنى ليس في أصله، والثاني -وهو الصحيح- إنما لم يتصرف لأن المضارع يحتمل زمانين الحال والاستقبال، والتعجب إنما يكون مما هو موجود مشاهد، وقد يتعجب من الماضي، ولا يكون التعجب مما لم يكن، فكرهوا أن يستعملوا لفظًا يحتمل الاستقبال؛ لئلا يصير اليقين شكًا، وأما قولهم "ما أملح ما يَخْرُجُ هذا الغلام، وما أطولَ ما يكون هذا" فلا يقال ذلك حتى يُرَى فيه مَخِيلَة ذلك، فدلّك ما رأيت في
وقتك على ما يكون بعد ذلك، فكأنك قد شاهدته موجودًا، ولما كرهوا استعمال المضارع كانوا لاستعمال اسم الفاعل أَكْرَه لأنه لا يختص زمانًا بعينه؛ فلهذا منعوه من التصرّف، وعدم التصرّف لا يدل على أنه اسم كما قلنا في "ليس، وعسى".
وأما قولهم "إنه يصغر، والتصغير من خصائص الأسماء فنقول: الجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن التصغير في هذا الفعل ليس على حد التصغير في الأسماء؛ فإن التصغير على اختلاف ضروبه: من التحقير كقولك رُجَيْل، والتقليل كقولك دُرَيْهِمَات، والتقريب كقولك قُبَيْل المغرب، والتعطف كقوله صلى الله عليه وسلم "أُصَيْحَابي أصيحابي" والتعظيم كقول الشاعر:
1
وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ منها الأنامل
يريد الموت، ولا داهية أعظم من الموت، والتمدّح كقول الحُبَاب بن المنذر يوم السَّقِيفَة: "أنا جُذَيْلُهَا المُحَكَّكُ، وعُذَيْقُهَا المُرَجَّبُ" فإنه يتناول الاسم لفظًا ومعنًى، والتصغير اللاحق فعل التعجب إنما يتناوله لفظًا لا معنًى، من حيث كان متوجِّهًا إلى المصدر، وإنما رَفَضُوا ذكر المصدر ههنا لأن الفعل إذا أزيل عن التصرف لا يؤكد بذكر المصدر؛ لأنه خرج عن مذهب الأفعال، فلما رفضوا المصدر وآثروا تصغيره صغّروا الفعل لفظًا، ووجهوا التصغير إلى المصدر، وجاز تصغير المصدر بتصغير فعله؛ لأن الفعل يقوم في الذكر مقام مصدره؛ لأنه يدل عليه بلفظه، ولهذا يعود الضمير إلى المصدر بذكر فعله، وإن لم يَجْرِ له ذكر، قال الله تعالى:
﴿وَلا يحْسَبَنَّ الَّذِينَ يبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: 180]
قوله "هو" ضمير للبخل وإن لم يكن مذكورًا؛ لدلالة "يبخلون" عليه، ومنه قولهم "من كذب كان شرًا له" أي كان الكذب شرًا له، ومنه قول الشاعر: 1 إذا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إليه ... وخَالَفَ، والسفيه إلى خِلَافِ يريد جَرَى إلى السفه، وهذا كثير في كلامهم؛ فكما أنه يجوز أن يعود الضمير إلى المصدر وإن لم يجرِ له ذكر استغناء بذكر فعله، فكذلك يجوز أن يتوجّه التصغير اللاحق لفظ الفعل إلى مصدره وإن لم يجرِ له ذكر، ونظير هذا إضافتهم أسماء الزمان إلى الفعل نحو قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يوْمُ ينْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: 119] وإن كانت الإضافة إلى الأفعال غير جائزة، وإنما جاز ذلك لأن المقصود بالإضافة إلى الفعل مصدره من حيث كان ذكر الفعل يقوم مقام ذكر مصدره؛ فالتقدير فيه: هذا يومُ نَفْعِ الصادقين صدقُهم، وإنما خصوا أسماء الزمان1 بهذه الإضافة لما بين
الزمان والفعل من المناسبة، من حيث اتفقا في كونهما عَرَضين، وأن الزمان حركات الفلك كما أن الفعل حركة الفاعل، وكما أن هذه الإضافة لفظية، فكذلك التصغير اللاحق فعل التعجب لفظيّ؛ وكما أن هذه الإضافة لا اعتداد بها، فكذلك هذا التصغير لا اعتداد به.
والوجه الثاني: إنما دخله التصغير حملًا على باب أفعل الذي للمُفَاضَلَة؛ لاشتراك اللفظين في التفضيل والمبالغة، ألا ترى أنك تقول "ما أَحْسَنُ زيدًا" لمن بلغ الغاية في الحسن، كما تقول "زيد أحسنُ القوم" فتجمع بينه وبينهم في أصل الحسن وتفضّله عليهم؛ فلوجود هذه المشابهة بينهما جاز "ما أُحَيْسن زيدًا، وما أميلح غزلانًا" كما تقول: "غلمانك أحيسنُ الغلمان، وغزلانك أميلح الغزلأن" ولهذه المشابهة حملوا "أَفْعَلَ منك" و "هو أَفْعَلُ القوم" على قولهم "ما أَفْعَلَه" فجاز فيهما ما جاز فيه، وامتنع منهما ما امتنع منه، ألا ترى أنك لا تقول "هو أعرج منك" ولا "أعرج القوم" لأنك لا تقول "ما أعرجه" وتقول "هو أقبح عرجًا منك" و "هو أقبح القوم عرجًا" كما تقول "ما أقبح عَرَجَهُ" وكذلك لا تقول "هو أحسن منك حسنًا" فتؤكده بذكر المصدر؛ لأنك لا تقول "ما أحسن زيدًا حسنًا" فأما قولهم "ألجّ لَجَاجَةً من الخُنْفَسَاءِ" وما أشبهه فمنصوب على التمييز.
والوجه الثالث: إنما دخله التصغير لأنه أُلْزِم طريقةً واحدة، فأشبه بذلك الأسماء، فدخله بعض أحكامها، وحَمْلُ الشيء على الشيء في بعض أحكامه لا يخرجه عن أصله، ألا ترى أن اسم الفاعل محمول على الفعل في العمل، ولم يخرج بذلك عن كونه اسمًا، وكذلك الفعل المضارع محمول على الاسم في الإعراب، ولم يخرج بذلك عن كونه فعلا؛ فكذلك تصغيرهم فعل التعجب تشبيهًا بالاسم لا يخرجه عن كونه فعلًا.
وأما ما ذكروه من "ليس، وعسى" فالكلام عليه من أربعة أوجه:
أحدها: أن "ليس، وعسى" وإن كانا قد أشبها فعل التعجب في سَلْبِ التصرّف فإنهما قد فارقاه من وجهين؛ أحدهما: أنهما يرفعان الظاهر والمضمر، كما ترفعهما الأفعال المتصرفة، فبَعُدَا عن شبه الاسم، وأفعل في التعجب إنما يرفع المضمر دون الظاهر، فقرب من الاسم الجامد؛ فلهذا دخله التصغير دونهما.
والثاني: أن "ليس، وعسى" وُصِلَا بضمائر المتكلمين والمخاطبين والغائبين، نحو: لست ولستم وليسوا، وعسيت وعسيتهم وعَسَوا، كما تتصل بالأفعال المتصرفة، وأفعل في التعجب أُلْزِمَ ضمير الغيبة لا غير، فلما تصرف ليس وعسى.
في الاتصال بضمائر الأفعال الماضية هذا التصرف وألزم هذا الفعل في الإضمار وجهًا واحدًا جاز أن يدخله التصغير دونهما.
والثالث: أن "ليس، وعسى" لا مصدر لهما من لفظهما، فتنزل اللفظ بهما منزلة اللفظ به، والتصغير ههنا في الحقيقة للمصدر، فإذا لم يكن لهما مصدر من لفظهما بطل تصغيرهما، بخلاف فعل التعجب؛ فإن له مصدرًا من لفظه نحو الحسن والملاحة وإن لم يكن جاريًا عليه على ما يقتضيه القياس، فقام تصغيرُهُ مقام تصغير مصدره، فبَان الفرق بينهما.
والرابع: أن "ليس، وعسى" لا نظير لهما من الأسماء يحملان عليه كما حمل ما أَفْعَلَهُ على أَفْعَلَ الذي للمفاضلة، فيحمل "ما أحسنهم" على قولهم "هو أحسنهم" فبان الفرق بينهما.
فإن قالوا: هذا يبطل بنعم وبئس؛ فإنهما للمبالغة في المدح والذم، كما أن التعجب موضوع للمبالغة، وإنهما لا يتصرّفان، ومع هذا فلا يجوز تصغيرهما.
قلنا: هذا الإلزام على مذهبكم ألزم؛ لأنهما عندكم اسمان كأفعل في التعجب؛ فهلّا جاز فيهما التصغير كما جاز فيه؟ فإن قلتم "إن ذلك لم يسمع من العرب" قلنا: كما قلتم، ثم فرقنا بينهما، وذلك أنهما وإن كانا لا يتصرفان فهما أشبه منه بالأفعال المتصرفة، وذلك من ثلاثة أوجه؛ أحدها: اتصال الضمير بهما على حد اتصاله بالفعل المتصرف نحو قولهم "نعما رجلين، ونعموا رجالًا" والثاني: اتصال تاء التأنيث الساكنة بهما نحو "نعمت المرأة، وبئست الجارية" والثالث: أنهما يرفعان الظاهر والمضمر كالفعل المتصرف، فلما قربا من الفعل المتصرف هذا القرب بَعُدَا من الاسم؛ فلهذا لم يجز تصغيرهما، بخلاف فعل التعجب على ما بيَّنَّا، وأما مثال "أَفْعِل به" فإنما لم يجزْ تصغيره لأنه لا نظير له في الأسماء إلا أصْبِغ؛ وهي لغة رديئة في إصْبَع وفيها سبع لغات: فُصْحَاهنّ إصبع -بكسر الهمزة وفتح الباء- ثم أصبع -بضم الهمزة وفتح الباء- ثم أصبع -بفتح الهمزة والباء- ثم أصبع -بضم الهمزة والباء- ثم إصبع -بكسر الهمزة والباء- ثم أصبع -بفتح الهمزة وكسر الباء- ثم أصبوع وإذا لم يكن له في كلامهم نظير سوى هذا الحرف في لغة رديئة باعَدَه ذلك من الاسم، فلم يجز فيه التصغير.
ألا ترى أن وزن الفعل الذي يغلب عليه أو يخُصُّه أحد الأسباب المانعة من الصرف، فإذا كان الاسم يقرب من الفعل لمجيئه على بعض أبنيته حتى يكون ذلك علة مانعة له من الصرف فكذلك الفعل يبعد من الاسم لمخالفته له في البناء، هذا مع أن لفظه لفظ الأمر، والأمر يختص به الفعل، فأما ما جاء من الأسماء مضمنًا معنى.
الأمر نحو "صَهْ، ومَهْ" وما أشبه ذلك فإنه أقيم مقام الأفعال وهي الأصل في الأمر، وإنما فعلوا ذلك توخِّيًا للاختصار لئلا يفتقر إلى إظهار ضمير التثنية والجمع والتأنيث الذي يظهر في الفعل نحو "اسْكُتَا، واسكُتُوا، واسكُتْنَ" وما أشبه ذلك.
وأما قولهم "الدليل على أنه اسم تصحيح عينِهِ في "ما أقوَمَهُ، وما أَبْيَعَهُ" قلنا: التصحيح حصل له من حيث حصل له التصغير، وذلك بحمله على باب أفعل الذي للمفاضلة، فصحح كما صحح من حيث إنه غلب عليه شبَهُ الأسماء بأن ألزم طريقة واحدة، والشبه الغالب على الشيء لا يخرجه عن أصله، ألا ترى أن الأسماء التي لا تنصرف لما غلب عليها شبه الفعل منعت الجر والتنوين كما منعهما الفعل، ولم تخرج بشبهها للفعل عن أن تكون أسماء؛ فكذلك ههنا: تصحيح العين في نحو: "ما أَقْوَمَهُ، وما أبيعه" لا يخرجه عن أن يكون فعلا، على أن تصحيحه غير مستنكر في كلامهم؛ فإنه قد جاءت أفعال متصرفة مصححة في نحو قولهم: أَغْيَلَتِ المرأة، وأَغْيَمَتِ السماء، واسْتَنْوَقَ الجمل، واسْتَتْيَسَتِ الشاة، واسْتَحْوَذَ يستحوذ.
قال الله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيهِمُ الشَّيطَانُ﴾ [المجادلة: 19] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 141] وقد قرأ الحسن البصري: "حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَُهَا وَأََزْيَنَتْ" على وزن أَفْعَلَتْ، ونحو قولهم: اسْتَصْوَبْتُ، وأَجْوَدْتُ، وأطيبت، وأطولت، قال الشاعر:
1
صَدَدْتِ وأطولت الصُّدُودَ، وقَلَّمَا ... وِصَالٌ على طُول الصُّدُودِ يَدُومُ
وإذا جاء التصحيح في هذه الأفعال المتصرفة تنبيهًا على الأصل مع بُعدها عن الاسم فما ظنك بالفعل الجامد الذي لا يتصرف؟
فإن قالوا: التصحيح في هذه الأفعال إنما جاء عن طريق الشذوذ، وتصحيح أَفْعَلَ في التعجب قياس مطرد.
قلنا: قد جاء التصحيح في الفعل المتصرف على غير طريق الشذوذ، وذلك نحو تصحيح "حَوِلَ، وعَوِرَ، وصَيِدَ" حملًا على "احْوَلّ، واعْوَرّ، واصْيَدّا" وكذلك جاء التصحيح أيضًا في قولهم "اجْتَوْرَوْا، واعْتَوْنَوْا" حملًا على "تَجَاوَروا، وتَعَاوَنُوا" فكذلك أيضًا ههنا: حمل "ما أقومه وما أبيعه" على "هذا أقوم منك، وأبيع منك" ومع هذا فلا ينبغي أن تحكموا له بالاسمية لتصحيحه؛ لأن أفعل به قد جاء مصححًا وهو فعل، كما أن التصحيح في قولهم "أَقْوِمْ به، وأَبْيِعْ به" لا يخرجه عن كونه فعلًا، فكذلك التصحيح في ما أفعله لا يخرجه عن كونه فعلًا.
وأما قولهم "لو كان التقدير فيه شيء أَحْسَنَ زيدًا لوجب أن يكون التقدير في قولنا ما أَعْظَمَ الله شيء أعظم الله، والله تعالى عظيم لا بِجَعْلِ جاعل" قلنا: معنى.
= ص164". والاستشهاد بالبيت هنا في قوله "أطولت" حيث صحت عين الفعل مع أن قياس نظائرها أن تعتل بقلبها ألفًا ثم تحذف الألف عند الاتصال بالضمائر المتحركة، في لغة جمهرة العرب، على ما بيَّنَّا، وقد أتى الشاعر بهذا الفعل على أصله من غير أن يقلب أو يحذف، والعلماء يختلفون في هذا وأشباهه؛ فمنهم من يقول: هو شاذ يحفظ ما سمع منه ولا يقاس عليه، ومنهم من يقول: هو لغة لجماعة من العرب، يجوز القياس عليها، وفي قول الشاعر "وقلما وصال ... إلخ" شاهد آخر للنحاة، وذلك حيث اتصلت "ما" بقل، واعلم أولا أن "ما" هذه تتصل بثلاثة أفعال وهي: قل، وطال، وكثر تقول: قلما كان ذلك، وطالما نهيتك عن الشر، وكثر ما أرشدتك، هذا هو الأصل، نعني أنه إذ اتصلت "ما" بواحد من هذه الأفعال الثلاثة كفّته عن طلب الفاعل ووليه الفعل، وربما وليه الاسم المرفوع كما في هذا البيت، وللعلماء في ذلك الأسلوب أربعة أقوال:
الأول: أن "ما" كافة على أصلها ولا يحتاج الفعل المقترن بها إلى فاعل، والاسم المرفوع بعده مبتدأ خبره ما بعده، وهذا هو ما ذهب إليه سيبويه، وجعل ذلك من ضرورات الشعر، والثاني: أن "ما" هذه زائدة لا كافة، والاسم المرفوع بعدها فاعل، وكأن الشاعر قد قال: وقل وصال يدوم على طول الصدود، والثالث: أن "ما" كافة أيضًا، والاسم المرفوع بعدها فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل الآخر، وكأنه قد قال: قلما يدوم وصال على طول الصدود، وهو مذهب ذهب إليه الأعلم الشنتمري، والرابع: أن "ما" حينئذ كافة أيضًا، والاسم المرفوع بعدها فاعل بنفس الفعل المتأخر، وهذا مذهب كوفي؛ لأنهم هم الذين يجوّزون تقدم الفاعل على ما هو معلوم.
قولهم شيء أعظم الله أي وَصَفَهُ بالعظمة، كما يقول الرجل إذا سمع الأذان: كَبَّرْتَ كبيرًا، وعَظَّمَتَ عَظِيمًا، أي وصفته بالكبرياء والعظمة، لا صيّرته كبيرًا عظيمًا، فكذلك ههنا، ولذلك الشيء ثلاث معانٍ: أحدها: أن يُعْنَى بالشيء مَنْ يعظمه من عباده، والثاني: أن يعنى بالشيء ما يدل على عظمة الله تعالى وقدرته من مصنوعاته: والثالث: أن يعنى به نفسه، أي أنه عظيم لنفسه لا لشيء جعله عظيمًا، فرقًا بينه وبين خلقه.
وحُكِيَ أن بعض أصحاب أبي العباس محمد بن يزيد الْمُبَرِّد قَدِمَ من البصرة إلى بغداد قبل قدوم الْمُبَرِّد إليها، فحضر في حلقة أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، فسئل عن هذه المسألة، فأجاب بجواب أهل البصرة، وقال: التقدير في قولهم "ما أحسن زيدًا" شيء أحسن زيدًا، فقيل له: ما تقول في قولنا "ما أعظم الله"؟ فقال: شيء أعظم الله، فأنكروا عليه، وقالوا: هذا لا يجوز؛ لأن الله تعالى عظيم لا بِجَعْلِ جاعل، ثم سَحَبُوه من الحلقة وأخرجوه، فلما قَدِمَ الْمُبَرِّد إلى بغداد أوردوا عليه هذا الإشكال، فأجاب بما قدمنا من الجواب، فبَانَ بذلك قبح إنكارهم عليه، وفساد ما ذهبوا إليه.
وقيل: يحتمل أن يكون قولنا "شيء أعظم الله" بمنزلة الإخبار أنه عظيم، لا على معنى شيء أعظمه؛ فإن الألفاظ الجارية عليه سبحانه يجب حملها على ما يليق بصفاته، ألا ترى أن "عسى، ولعل" فيها طَرَفٌ من الشك، ولايحمل في حقه سبحانه على الشك، وكذلك الامتحان يحمل منا على معانٍ تستحيل في حقه سبحانه، إلى غير ذلك مما لا يُحْصَى كثرةً، فكذلك ههنا: يكون المراد بقولهم "ما أعظم الله" الإخبار أنه عظيم، لا شيء جعله عظيمًا لاستحالته؛ وإن كان ذلك يقدَّر في غيره لجوازه وعدم استحالته.
وأما قول الشاعر
[79]
ما أَقْدَرَ اللهَ أن يُدْنِي على شَحَطٍ ... مَنْ دَارُه الحَزْنُ ممن دَارُهُ صُولُ
فإنه وإن كان لفظه تعجب فالمراد به المبالغة في وصف الله تعالى بالقدرة، كقوله تعالى ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: 75] فجاء بصيغة الأمر، وإن لم يكن في الحقيقة أمرًا؛ لامتناع ذلك في حق الله تعالى، وإن شئت قدَّرته تقدير: "ما أَعْظَمَ الله" على ما بيَّنَّا، والله أعلم.
16-