مسألة: [العطف على الضمير المرفوع المتصل في اختيار الكلام]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل في اختيار الكلام، نحو: "قُمْتُ وزيدٌ".
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز إلا على قبح في ضرورة الشعر.
وأجمعوا على أنه إذا كان هناك توكيد أو فصل فإنه يجوز معه العطف من غير قبح.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل أنه قد جاء ذلك في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [النجم 6، 7] فعطف "هو" على الضمير المرفوع المستكن في: ﴿اسْتَوَى﴾ والمعنى: فاستوى جبريل ومحمد بالأفق، هو مطلع الشمس؛ فدل على جوازه، وقال الشاعر:
1
قلت إذا أقبلت وزُهْرٌ تَهَادَى ... كَنِعَاجِ المَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلَا
فعطف "زُهْرٌ" على الضمير المرفوع في "أَقْبَلَتْ" وقال الآخر:
1
وَرَجَا الأُخَيْطِلُ من سَفَاهَةِ رَأْيِهِ ... ما لم يكن وأبٌ له لِيَنَالَا = غير أن يؤكد الضمير المستتر بضمير منفصل، وهذا جائز في سعة الكلام عند الكوفيين، وخصه سيبويه وجمهور البصريين بحالة الضرورة.
ونظيره مما لم ينشده المؤلف قول الراعي، وهو من شواهد سيبويه "2/ 391": فلما لحقنا والجياد عشية ... دعوا يا لكلب واعتزينا لعامر فقد عطف قوله "الجياد" بالواو على الضمير المرفوع المتصل في قوله "لحقنا" ولو أنه جرى على ما التزمه البصريون لقال: فلما لحقنا نحن والجياد، وقد وقع هذا في الكلام: من ذلك ما روي أن بعض العرب قال: مررت برجل سواء والعدم، برفع العدم على أنه معطوف على ضمير مستتر في سواء لأنه بمعنى مستو، ومن ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كنت وجار لي، برفع جار على أنه معطوف على الضمير المتصل المرفوع في "كنت" ومن ذلك قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه "كنت وأبو بكر وعمر، وهاتان العبارتان عبارة عمر وعبارة علي قد رواهما البخاري في صحيحه، ولهذا ذهب ابن مالك في شرح التسهيل إلى موافقة الكوفيين، وإن كان قد رجح مذهب البصريين في الألفية.
فعطف "وأبٌ" على الضمير المرفوع في "يَكُنْ" فدل على جوازه، كالعطف على الضمير المنصوب المتصل.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل وذلك لأنه لا يخلو: إما أن يكون مقدرًا في الفعل أو ملفوظًا به؛ فإن كان مقدرًا فيه نحو "قام وزيدٌ" فكأنه قد عَطَفَ اسمًا على فعل، وإن كان ملفوظًا به نحو "قمت وزيدٌ" فالتاء تنزل بمنزلة الجزء من الفعل، فلو جوّزنا العطف عليه لكان أيضًا بمنزلة عطف الاسم على الفعل، وذلك لا يجوز.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [النجم 6، 7] فالواو فيه واو الحال، لا واو العطف، والمراد به جبريل وحده، والمعنى أن جبريل وحده استوى بالقوة في حالة كونه بالأفق، وقيل: فاستوى على صورته التي خلق عليها في حالة كونه بالأفق، وإنما كان قبل ذلك يأتي النبي -صلى الله عليه وسلم- في صورة رجل.
وأما ما أنشدوه من قوله:
[299]
قلت إذ أقبلت وزُهْرٌ تَهَادَى
[300]
ما لم يكن وأبٌ له لِيَنَالَا
فمن الشاذ الذي لا يؤخذ به، ولا يقاس عليه، على أنا نقول: إنما جاء ههنا لضرورة الشعر، والعطف على الضمير المرفوع المتصل في ضرورة الشعر عندنا جائز؛ فلا يكون لكم فيه حجة.
وتشبيههم له بالضمير المنصوب المتصل فلا وجه له بحال؛ لأن الضمير المنصوب المتصل وإن كان في اللفظ في صورة الاتصال فهو في النية في تقدير الانفصال، بخلاف الضمير المرفوع المتصل؛ لأنه في اللفظ والتقدير بصفة الاتصال؛ فبان الفرق بينهما، وقد ذكرنا ذلك مستوفى في كتابنا الموسوم بأسرار العربية1، والله أعلم.
67-