مسألة: [الحروف التي وضع عليها الاسم في "هو" و"هي"]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو البركات الأنباري
- الكتاب
- الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين
- المؤلف
- عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، أبو البركات، كمال الدين الأنباري (المتوفى: 577هـ)
- الناشر
- المكتبة العصرية
- الطبعة
- الأولى 1424هـ- 2003م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
ذهب الكوفيون إلى أن الاسم من "هو، وهي" الهاء وحدها.
وذهب البصريون إلى أن الهاء والواو من "هو" والهاء والياء من "هي" هما الاسم بمجموعهما.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن الاسم هو الهاء وحدها دون الواو والياء أن الواو والياء تحذفان في التثنية، نحو "هما" ولو كانتا أصلًا لما حذفتا.
والذي يدل على ذلك أنهما تحذفان في حالة الإفراد أيضا وتبقى الهاء وحدها، قال الشاعر، وهو العُجَير السَّلُولِي جاهلي:
[333]
فَبَيْنَاهُ يَشْرِي رَحْلَهُ قال قائل: ... لمن جَمَلٌ رِخْوُ المِلَاطِ نَجِيبُ
أراد "بَيْنَا هو" وقال الآخر:
1
بَيْنَاهُ في دار صدق قد أقام بها ... حينًا يُعَلّلُنَا وما نُعَلِّلُهُ
أراد "بَيْنَا هو" وقال الآخر:
2
إِذَاهُ سِيمَ الخَسْفَ آلَى بِقَسَمْ ... بالله لا يأخذ إلا ما احْتَكَمْ
أراد "إذا هو" وقال الآخر:
1
دارٌ لِسُعْدَى إذْهِ مِنْ هَوَاكَا = يعزهما إلى قائل معيّن، والرواية عنده في صدر الأول "إذاه سام الخسف" وتقول: سام فلان فلانا الخسف، إذا أراد إذلاله وظلمه، وقال الأعشى.
إذ سامه خطتي خسف فقال له: ... أعرض على كذا أسمعهما حار وآلى: حلف، والقسم: اليمين، ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "إذاه" فإنه أراد أن يقول "إذا هو" فلما لم يتيسر له ذلك حذف الواو، والكوفيون يستدلون بهذا البيت ونحوه على أن أصل "هو" و"هي" الهاء وحدها، وأما الواو في "هو" والياء في "هي" فحرفان زائدان قصد بهما دعم الهاء، والبصريون يقولون: إن الواو والياء حرفان وضع كل واحد منهما مع الهاء ليكون كل من "هو" و"هي" ضميرًا منفصلًا، وإن حذف الواو من "هو" وحذف الياء من "هي" لا يدل على زيادتها، لأن أقصى ما يدل عليه الحذف أن يكون لغة من لغات العرب يلجأ إليها من لا يستطيع أن يأتي بالكلمة على أصلها الذي وضعت عليه عند جمهور العرب، وقد يكون ذلك الذي فعله الشاعر في هذا البيت ضرورة من ضرورات الشعر، والضرورات لا يستدل بها على أحكام العربية ولا تبنى عليها قواعد تجعل أسسًا للكلام المتلئب، قال ابن منظور "قال الكسائي: هو: أصله أن يكون على ثلاثة أحرف مثل أنت، فيقال: هو فعل كذا -أي بتشديد الواو مفتوحة- وقد ورد في قول الشاعر: وإن لساني شهدة يشتفي بها ... وهو على من صبه الله علقم ومن شواهد تشديد الياء من "هي" قول الشاعر: والنفس ما أمرت بالعنف آبية ... وهي إن أمرت باللطف تأتمر قال: ومن العرب من يخففه فيقول: هو فعل كذا، أي بإسكان الواو -قال اللحياني: وحكى الكسائي عن بني أسد وتميم وقيس: هو فعل ذلك، بإسكان الواو، وأنشد لعبيد: وركضك لولا هو لقيت الذي لقوا ... فأصبحت قد جاوزت قومًا أعاديا قال الكسائي: وبعضهم يلقي الواو من هو إذا كان قبلها ألف ساكنة، فيقول: حتاه فعل ذلك، وإنماه فعل ذلك، وأنشد أبو خالد الأسدي: إذاه لم يؤذن له لم ينبس قال: وأنشدني خشاف: إذاه سيم الخسف.... البيتين ثم أنشد الشاهد 333 ثم قال: وقال ابن جني: إنما ذلك لضرورة الشعر، ولتشبيه الضمير المنفصل بالضمير المتصل في عصاه وفتاه" ا. هـ.
أراد "إذ هي" فحذف الياء؛ فدل على أن الاسم هو الهاء وحدها، وإنما زادواالواو والياء تكثيرًا للاسم، كراهية أن يبقى الاسم على حرف واحد، كما زادواالواو في قولهم: "ضربتهُو، وأكرمتهُو" وإن كانت الهاء وحدها هي الاسم، فكذلك ههنا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن الواو والياء أصل أنه ضمير منفصل، والضمير المنفصل لا يجوز أن يبنى على حرف واحد؛ لأنه لا بد من الابتداء بحرف والوقف على حرف؛ فلو كان الاسم هو الهاء وحدها لكان يؤدِّي إلى أن يكون الحرف الواحد ساكنًا متحركًا، وذلك محال؛ فوجب أن لا تكون الهاء وحدها1 هي الاسم.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إن الواو والياء تحذفان في التثنية نحوهما" قلنا: إن "هما" ليس بتثنية على حدّ قولك في زيدٍ زيدان وعمرو عمران، وإنما هما صيغة مرتجلة للتثنية كأنتما، ألا ترى أنه لو كان تثنية على حدّ قولهم "زيدان، وعمران" لقالوافي تثنية هو "هُوانِ" وفي تثنية أنت "أنتان" ولكان يجوز أن يدخل عليهما الألف واللام فيقال "الهُوَان، والأَنْتَانِ" كما يقال: = الموحدة –اسم موضع بعينه.
ومحل الاستشهاد قوله "إذه" فقد ادعى الكوفيون أن مجيء الهاء وحدها مرادًا بها "هي" يدل على أن الياء في "هي" زائدة، وأن أصل الكلمة الهاء وحدها، والبصريون يردون ذلك ويأبونه، وهم في الرد عليهم ينهجون أحد منهجين، الأول أن يقولوا: إن مجيء الهاء وحدها في مكان "هي" و"هو" ضرورة من الضرورات التي تباح للشاعر إذا ألجأه قصد إقامة الوزن أو الرويّ، أما في حال السعة والاختيار فلا يجوز ذلك، وهذا المنحى هو الذي انتحاه شيخ البصريين سيبويه رحمه الله، ومنهم من حكى في "هو" و"هي" لغات يتكلم بكل واحدة منها قبيلة أو أكثر من قبائل العرب، وهذا هو المنحى الذي انتحاه الكسائي فيما نقلناه عن ابن منظور عنه في شرح الشاهد السابق؛ وقد ذهب إلى مثل كلامه ابن يعيش في شرح المفصل "417" قال: وذهب الكوفيون إلى أن الاسم الهاء وحدها؛ واحتجوالذلك بحذف الياء في نحو قوله.
دار لسعدى إذه من هواكا
وليس في ذلك حجة؛ لأن ذلك من ضرورات الشعر، وفيها ثلاث لغات: هي بتخفيف الياء وفتحها؛ وهي بتشديد الياء مبالغة في تقوية الاسم ولتصير على أبنية الظاهر؛ وهي بالإسكان تخفيفًا؛ وينبغي أن يكون الحذف في قوله:
إذه من هواكا
على لغة من أسكن لضعفها؛ إذ المفتوحة قد قويت بالحركة" ا. هـ. 1 في ر "فوجب أن تكون الهاء وحدها هي الاسم" وهو ظاهر الفساد.
الزيدان، والعمران، فلما لم يقولواذلك دلّ على أنها صيغة مرتجلة للتثنية، وعلى أنه لو كان الأمر كما زعمتم فليس لكم فيه حجة؛ لأن الحرف الأصلي قد يحذف لعلة عارضة، ألا ترى أن الياء تحذف في الجمع في نحو قولهم: "قاضُون، ورامُون" والأصل قاضِيُون، ورامِيُون، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت الضمة عنها؛ فبقيت الياء ساكنة وواو الجمع ساكنة، فاجتمع ساكنان، وساكنان لا يجتمعان؛ فحذفت الياء لالتقاء الساكنين وإن كانت أصلية لعلة عارضة، فكذلك ههنا، والعلة ههنا في إسقاطهما أن الواو التي قبل الميم في التثنية والجمع يجب أن تكون مضمومة، والضمة في الواو مستثقلة؛ فلذلك سقطت، وإنما وجب أن تكون مضمومة لأنها لو كسرت لكان ذلك مستثقلًا من وجهين.
أحدهما: لأنه خروج من ضم إلى كسر، وذلك مستثقل، ولهذا ليس في الأسماء ما هو على وزن فُعِل إلا "دُئِل" اسم دُوَيْبَّة و"رُئِم" اسم للسَّهِ، وهما في الأصل فعلان نقلا إلى الاسمية، وحكى بعضهم "وُعِلٌ" في الوَعِل.
والثاني: أن الكسرة تستثقل على الواو أكثر من استثقال الضمة عليها؛ ولهذا تضم لالتقاء الساكنين في نحو قوله: ﴿اشْتَرَواالضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: 16] ولا تكسر إلا على وجه بعيد، ولو بقيت الواو من "هو" كما كانت مفتوحة وقد زيد عليها الميم والألف لَتُوُهِّمَ أنها حرفان منفصلان؛ فوجب أن تغير الحركة التي كانت مستعملة في الواحد إلى الضم كما غيرت في "أنتما" ووجب أيضا ذلك في "أنتما" لأنها لو فتحت وكسرت لجاز أن يتوهم أنها كلمتان منفصلتان، فاجتلبواحركة لم تكن في الواحد لتدل على أنها كلمة واحدة، وأَجْرُواجميع المضمر في التثنية والجمع هذا المُجْرَى.
وقيل: إنما ضُمَّتْ التاء في التثنية حملا على الجمع؛ لأنها في التقدير كأنها وليت الواو في "أنتمو" وإنما حملت التثنية على الجمع ليشتركا في ذلك كما اشتركا في الضمير في "نحن" وزيدت الميم في التثنية لوجهين:
أحدهما: أن التثنية أكثر من الواحد، وفي المضمرات ما هو على حرف واحد، فكثر اللفظ كما كثر العدد؛ فلذلك زيد في التثنية حرف، وحمل جميع المضمرات عليه.
والثاني: أن القافية فيه إذا كانت مطلقة وحرف الرويّ مفتوح وُصِلَ بالألف، ولهذا يسمى ألف الوصل والصِّلَة، قال الشاعر:
[204]
يا مُرَّ يا بن واقعٍ يا أَنْتَا ... أنت الذي طَلّقْتَ عَامَ جُعْتَا
وقال الآخر:
1
أخوك أخو مُكَاشَرَةٍ وضِحْكٍ ... حَيَّاكَ الإلهُ وكيف أَنْتَا
فلو لم يزيدواالميم لالتبس الواحد بالتثنية؛ فزادواالميم كراهية الالتباس؛ فكانت الميم أولى بالزيادة لأنها من زوائد الأسماء، فلذلك كانت أولى بالزيادات.
وأما ما أنشدوه من قول الشاعر:
[333]
فبيناه يشري رحله....
[428]
وبيناه في دار صدق....
[429]
وإذاه سيم الخسف....
[430]
ودار لسعدى إذه من هَوَاكَا
فإنما حذفت الواو والياء لضرورة الشعر، كقول الشاعر:
2
فَلَسْتَ بِآتِيهِ ولا أستطيعه ... ولك اسقِنِي إن كان ماؤك ذا فَضْلِ
أراد "ولكِنِ اسقني" فحذف النون لضرورة الشعر، وكقول الآخر: 1 أَصَاحٍ تَرَى برقًا أُرِيكَ وَمِيضَهُ ... كَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيِّ مُكَلَّلِ = فقلت له: يا ذئب، هل لك في فتى ... يواسي بلا من عليك ولا بخل؟ فقال: هداك الله للرشد! إنما ... دعوت لما لم يأته سبع مثلي ومحل الاستشهاد في البيت قوله "ولاك اسقني" وأصل العبارة "ولكن اسقني" فالتقى فيها ساكنان: نون لكن، وسين اسقني، وكان الأصل في التخلص من هذين الساكنين أن يكسر نون لكن، ولكن الشاعر حذفها هنا للتخلص من التقاء الساكنين حين اضطر لإقامة الوزن؛ قال الأعلم "حذف النون من لكن لاجتماع الساكنين ضرورة لإقامة الوزن وكان وجه الكلام أن يكسر لالتقاء الساكنين، شبهها في الحذف بحروف المد واللين إذا سكنت وسكن ما بعدها، وذلك نحو يغز العدو، ويقض الحق، ويخش الله، ولما استعمل محذوفًا نحو لم يك ولا أدر" ا. هـ.
أراد "صاحبي" فحذف الباء والياء؛ فكذلك ههنا، وبل أولى، وذلك من وجهين:
أحدهما: أن الواو والياء حرفا علة، والنون من "لكن" والباء من "صاحب" حرف صحيح، والمعتل أضعف من الصحيح؛ فإذا جاز حذف الأقوى لضرورة الشعر فحذف الأضعف أولى.
والثاني: أنه قد حذف حرفين للضرورة -وهما الباء والياء من صاحبي- وإذا جاز حذف حرفين للضرورة فحذف حرف واحد أولى.
وأما قولهم: "إنهم زادواالواو والياء تكثيرًا للاسم، كما زادواالواو في ضَرَبْتُهُو" قلنا: هذا فاسد؛ لأن "هو" ضمير المرفوع المنفصل، والهاء في "ضربتهو" ضمير المنصوب المتصل، وقد بينَّا أن ضمير المرفوع المنفصل لا يجوز أن يكون على حرف واحد، بخلاف ضمير المنصوب المتصل؛ لأن ضمير المرفوع المنفصل يقوم بنفسه؛ فلا بد من حرف يبتدأ به وحرفٍ يوقف عليه، بخلاف ضمير المنصوب المتصل؛ لأنه لا يقوم بنفسه، ولا يجب فيه ما وجب في ضمير المرفوع المنفصل.
والذي يدل على أنها ليست كالواو في "أكْرَمْتُهُو" أنه لا يلزم تسكنيها كما يلزم تسكينها في "أكرمتهو" ولا يجوز تحريك الواو في "أكرمتهو" كما يجوز في "هو قائم" ولو كانا بمنزلة [واحدة] لوجب أن يُسَوَّى بينهما في الحكم، والله أعلم.
= وأما في رواية سيبويه فالاستشهاد به في قوله "أحار" حيث أراد "يا حارث" فرخم بحذف الثاء، وهو عند سيبويه قليل بالنسبة لترك الترخيم، قال "واعلم أن الأسماء التي ليس في أواخرها هاء ألا يحذف منها أكثر؛ لأنهم كرهواأن يخلوابها فيحملواعليها حذف التنوين وحذف حرف لازم للاسم لا يتغير في الوصل ولا يزول، وإن حذفت فحسن، وليس الحذف لشيء من هذه الأسماء ألزم منه لحارث ومالك وعامر، وذلك لأنهم استعملوها كثيرًا في الشعر وأكثرواالتسمية بها للرجال" ا. هـ. ومن ترخيم حارث -غير بيت الشاهد- قول مهلهل بن ربيعة:
يا حار لا تجهل على أشياخنا ... إنا ذوو الثورات والأحلام
وقول الآخر:
يا حار لا أرمين منكم بداهية ... لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك
97-