البداية والنهايةصفحات 707-23

ْ وَقْعَةُ قَازَانَ،

صفحات 707-23

يُعْجِبُهُ هَذَا جِدًّا، وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي قَلْبِهِ، وَأَنِّي كَاشَفْتُهُ بِهَذَا، وَأَنَّهُ كَتَبَ بِهِ مُطَالَعَةً إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَسَيَأْتِي جَوَابُهَا بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فَتَجِيءُ حَتَّى تَقِفَ عَلَى الْجَوَابِ، وَظَهَرَ مِنْهُ إِحْسَانٌ، وَقَبُولٌ وَإِكْرَامٌ زَائِدٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
ثُمَّ اجْتَمَعْتُ بِهِ فِي دَارِ السَّعَادَةِ فِي أَوَائِلِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ قَدْ رُسِمَ بِعَمَلِ الشَّوَانِي وَالْمَرَاكِبِ لِغَزْوِ الْفِرَنْجِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
ثُمَّ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْأَحَدِ طُلِبَ النَّصَارَى الَّذِينَ اجْتَمَعُوا فِي كَنِيسَتِهِمْ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ، وَهُمْ قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعِمِائَةٍ، فَحَلَّفَهُمْ: كَمْ أَمْوَالُهُمْ؟ وَأَلْزَمَهُمْ بِأَدَاءِ الرُّبُعِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَقَدْ أَمَرُوا إِلَى الْوُلَاةِ بِإِحْضَارِ مَنْ فِي مُعَامَلَتِهِمْ، وَوَالِي الْبَرِّ قَدْ خَرَجَ إِلَى الْقَرَايَا بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَجُرِّدَتْ أُمَرَاءُ إِلَى النَّوَاحِي لِاسْتِخْلَاصِ الْأَمْوَالِ مِنَ النَّصَارَى فِي الْقُدْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَفِي أَوَّلِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ كَانَ سَفَرُ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيِّ الشَّافِعِيِّ إِلَى الْقَاهِرَةِ.
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ خَامِسِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ اجْتَمَعْتُ بِنَائِبِ السَّلْطَنَةِ بِدَارِ السَّعَادَةِ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ جَوَابِ الْمُطَالَعَةِ، فَذَكَرَ لِي أَنَّهُ جَاءَ الْمَرْسُومُ الشَّرِيفُ السُّلْطَانِيُّ بِعَمَلِ الشَّوَانِي وَالْمَرَاكِبِ; لِغَزْوِ قُبْرُسَ، وَقِتَالِ الْفِرَنْجِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَأَمَرَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بِتَجْهِيزِ الْقَطَّاعِينَ، وَالنَّشَّارِينَ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى الْغَابَةِ الَّتِي بِالْقُرْبِ مِنْ بَيْرُوتَ، وَأَنْ يُشْرَعَ فِي عَمَلِ الشَّوَانِي.
وَفِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ - وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ - فُتِحَتْ دَارُ الْقُرْآنِ الَّتِي وَقَفَهَا الشَّرِيفُ التَّفْتَازَانِيُّ إِلَى جَانِبِ حَمَّامِ الْكَاسِ شَمَالِيَّ الْمَدْرَسَةِ الْبَادَرَائِيَّةِ، وَعُمِلَ فِيهَا

وَظِيفَةُ حَدِيثٍ، وَحُضِرَ عِنْدَ وَاقِفِهَا يَوْمِيَّةُ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيِّ.

[عَقْدُ مَجْلِسٍ بِسَبَبِ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيِّ]

[عَقْدُ مَجْلِسٍ حَافِلٍ بِدَارِ السَّعَادَةِ بِسَبَبِ مَا رُمِيَ بِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ]

عَقْدُ مَجْلِسٍ بِسَبَبِ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيِّ وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ عُقِدَ مَجْلِسٌ حَافِلٌ بِدَارِ السَّعَادَةِ ; بِسَبَبِ مَا رُمِيَ بِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجُ الدِّينِ الشَّافِعِيُّ ابْنُ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيِ الدِّينِ السُّبْكِيِّ، وَكُنْتُ مِمَّنْ طُلِبَ إِلَيْهِ، فَحَضَرْتُهُ فِيمَنْ حَضَرَ، وَقَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ الْقُضَاةُ الثَّلَاثَةُ، وَخَلْقٌ مِنَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، وَآخَرُونَ مِنْ غَيْرِهِمْ - بِحَضْرَةِ نَائِبِ الشَّامِ سَيْفِ الدِّينِ مَنْكَلِي بُغَا، وَكَانَ قَدْ سَافَرَ هُوَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ إِلَى الْأَبْوَابِ الشَّرِيفَةِ، وَاسْتَنْجَزَ كِتَابًا إِلَى نَائِبِ السَّلْطَنَةِ لِجَمْعِ هَذَا الْمَجْلِسِ لِيَسْأَلَ عَنْهُ النَّاسَ، وَكَانَ قَدْ كُتِبَ فِيهِ مَحْضَرَانِ مُتَعَاكِسَانِ; أَحَدُهُمَا لَهُ وَالْآخَرُ عَلَيْهِ، وَفِي الَّذِي عَلَيْهِ خَطُّ الْقَاضِيَيْنِ الْمَالِكِيِّ وَالْحَنْبَلِيِّ، وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ، وَفِيهِ عَظَائِمُ، وَأَشْيَاءُ مُنْكَرَةٌ جِدًّا يَنْبُو السَّمْعُ عَنِ اسْتِمَاعِهِ، وَفِي الْآخَرِ خُطُوطُ جَمَاعَاتٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ خَطِّي بِأَنِّي مَا رَأَيْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا.
وَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَمَرَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بِأَنْ يَمْتَازَ هَؤُلَاءِ عَنْ هَؤُلَاءِ فِي الْمَجَالِسِ، فَصَارَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ وَحْدَهَا، وَتَحَاوَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَنَاضَلَ عَنْهُ نَائِبُهُ

الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ الْغَزِّيُّ، وَالنَّائِبُ الْآخَرُ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ وُهَيْبَةَ، وَغَيْرُهُمَا، وَصَرَّحَ قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالُ الدِّينِ الْحَنْبَلِيُّ بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ مَا كَتَبَ بِهِ خَطُّهُ فِيهِ، وَأَجَابَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ مِنْهُمْ بِدَائِمِ النُّفُوذِ، فَبَادَرَ الْقَاضِي الْغَزِّيُّ، فَقَالَ لِلْحَنْبَلِيِّ: أَنْتَ قَدْ ثَبَتَتْ عَدَاوَتُكَ لِقَاضِي الْقُضَاةِ تَاجِ الدِّينِ.
فَكَثُرَ الْقَوْلُ، وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ، وَكَثُرَ الْجِدَالُ وَالْمَقَالُ، وَتَكَلَّمَ قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالُ الدِّينِ الْمَالِكِيُّ أَيْضًا بِنَحْوِ مَا قَالَ الْحَنْبَلِيُّ، فَأُجِيبُ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَيْضًا، وَطَالَ الْمَجْلِسُ، فَانْفَصَلُوا عَلَى مَثَلِ ذَلِكَ، وَلَمَّا بَلَغْتُ الْبَابَ أَمَرَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بِرُجُوعِي إِلَيْهِ، فَإِذَا بَقِيَّةُ النَّاسِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَالْقُضَاةُ الثَّلَاثَةُ جُلُوسٌ، فَأَشَارَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بِالصُّلْحِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجِ الدِّينِ - يَعْنِي: وَأَنْ يَرْجِعَ الْقَاضِيَانِ عَمَّا قَالَا - فَأَشَارَ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَأَشَرْتُ أَنَا أَيْضًا بِذَلِكَ، فَلَانَ الْمَالِكِيُّ وَامْتَنَعَ الْحَنْبَلِيُّ، فَقُمْنَا وَالْأَمْرُ بَاقٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ اجْتَمَعْنَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدَ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ عَنْ طَلَبِهِ، فَتَرَاضَوْا كَيْفَ يَكُونُ جَوَابُ الْكِتَابَاتِ مَعَ مُطَالَعَةِ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ، فَفُعِلَ ذَلِكَ، وَسَارَ الْبَرِيدُ بِذَلِكَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، ثُمَّ اجْتَمَعْنَا أَيْضًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ بِدَارِ السَّعَادَةِ، وَحَضَرَ الْقُضَاةُ الثَّلَاثَةُ وَجَمَاعَةٌ آخَرُونَ، وَاجْتَهَدَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ فِي الصُّلْحِ بَيْنَ الْقُضَاةِ وَقَاضِي الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ بِمِصْرَ، فَحَصَلَ خُلْفٌ وَكَلَامٌ طَوِيلٌ، ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ أَنْ سَكَنَتْ أَنْفُسُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الشَّهْرِ الْآتِي.
وَفِي مُسْتَهَلِّ رَبِيعٍ الْآخِرِ كَانَتْ وَفَاةُ الْمُعَلِّمِ دَاوُدَ الَّذِي كَانَ مُبَاشِرًا لِنِظَارَةِ

الْجَيْشِ، وَأُضِيفَ إِلَيْهِ نَظَرُ الدَّوَاوِينِ إِلَى آخِرِ وَقْتٍ فَاجْتَمَعَ لَهُ هَاتَانِ الْوَظِيفَتَانِ، وَلَمْ يَجْتَمِعَا لِأَحَدٍ قَبْلَهُ كَمَا فِي عِلْمِي، وَكَانَ مِنْ أَخْبَرِ النَّاسِ بِنَظَرِ الْجَيْشِ، وَأَعْلَمِهِمْ بِأَسْمَاءِ رِجَالِهِ وَمَوَاضِعِ الْإِقْطَاعَاتِ، وَقَدْ كَانَ وَالِدُهُ نَائِبًا لِنُظَّارِ الْجُيُوشِ، وَكَانَ يَهُودِيًّا قَرَّائِيًّا، فَأَسْلَمَ وَلَدُهُ هَذَا قَبْلَ وَفَاةِ نَفْسِهِ بِسَنَوَاتٍ عَشْرٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَقَدْ كَانَ ظَاهِرُهُ جَيِّدًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِسِرِّهِ وَسَرِيرَتِهِ، وَقَدْ تَمَرَّضَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ نَحْوِهِ، حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ تُجَاهَ النَّسْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ حُمِلَ إِلَى تُرْبَةٍ لَهُ أَعَدَّهَا فِي بُسْتَانِهِ بِجَوُبَرَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ قَرِيبُ الْخَمْسِينَ.
وَفِي أَوَائِلِ هَذَا الشَّهْرِ وَرَدَ الْمَرْسُومُ الشَّرِيفُ السُّلْطَانِيُّ بِالرَّدِّ عَلَى نِسَاءِ النَّصَارَى مَا كَانَ أُخِذَ مِنْهُنَّ مَعَ الْجِبَايَةِ الَّتِي كَانَ تَقَدَّمَ أَخْذُهَا مِنْهُنَّ، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ ظُلْمًا، وَلَكِنِ الْأَخْذُ مِنَ النِّسَاءِ أَفْحَشُ وَأَبْلَغُ فِي الظُّلْمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْهُ أَمَرَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ - أَعَزَّهُ اللَّهُ - بِكَبْسِ بَسَاتِينِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَوُجِدَ فِيهَا مِنَ الْخَمْرِ الْمُعْتَصَرِ مِنَ الْخَوَابِيِّ وَالْحِبَابِ، فَأُرِيقَتْ عَنْ آخِرِهَا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ - بِحَيْثُ جَرَتْ فِي الْأَزِقَّةِ وَالطُّرُقَاتِ، وَفَاضَ نَهْرُ ثَوْرَا مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِمُصَادَرَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ وُجِدَ عِنْدَهُمْ ذَلِكَ بِمَالٍ جَزِيلٍ وَهُمْ تَحْتَ الْجِبَايَةِ، وَبَعْدَ أَيَّامٍ نُودِيَ فِي الْبَلَدِ بِأَنَّ نِسَاءَ

أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا تَدْخُلُ الْحَمَّامَاتِ مَعَ الْمُسَلَّمَاتِ، بَلْ تَدْخُلُ حَمَّامَاتٍ تَخْتَصُّ بِهِنَّ، وَمَنْ دَخَلَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الرِّجَالِ مَعَ الرِّجَالِ الْمُسْلِمِينَ يَكُونُ فِي رِقَابِ الْكُفَّارِ عَلَامَاتٌ يُعْرَفُونَ بِهَا مِنْ أَجْرَاسٍ، وَخَوَاتِيمَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَمَرَ نِسَاءَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِأَنْ تَلْبَسَ الْمَرْأَةُ خُفَّيْهَا مُخَالَفَيْنِ فِي اللَّوْنِ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَبْيَضَ، وَالْآخَرُ أَصْفَرَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ - أَعْنِي: رَبِيعًا الْآخِرَ - طُلِبَ الْقُضَاةُ الثَّلَاثَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفْتِينَ; فَمِنْ نَاحِيَةِ الشَّافِعِيِّ نَائِبَاهُ، وَهُمَا الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ الْغَزِّيُّ، وَالْقَاضِي بَدْرُ الدِّينِ بْنُ وُهَيْبَةَ، وَالشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ ابْنُ قَاضِي الزَّبَدَانِيِّ، وَالْمُصَنِّفُ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ، وَالشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ حَسَنُ الزُّرَعِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْفَارِقِيُّ، وَمِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ قَاضِيَا الْقُضَاةِ جَمَالُ الدِّينِ الْمَالِكِيُّ وَالْحَنْبَلِيُّ، وَالشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ الْحَنْبَلِيُّ، وَالشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ الشَّرِيشِيِّ، وَالشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ حَمْزَةَ ابْنِ شَيْخِ السَّلَامِيَّةِ الْحَنْبَلِيُّ، وَعِمَادُ الدِّينِ الْأَخْنَائِيُّ، فَاجْتَمَعْتُ مَعَ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ بِالْقَاعَةِ الَّتِي فِي صَدْرِ إِيوَانِ دَارِ السَّعَادَةِ، وَجَلَسَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ فِي صَدْرِ الْمَكَانِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا قَالَ: كُنَّا نَحْنُ التُّرْكَ وَغَيْرُنَا إِذَا اخْتَلَفْنَا وَاخْتَصَمْنَا نَجِيءُ بِالْعُلَمَاءِ فَيُصْلِحُونَ بَيْنَنَا، فَصِرْنَا نَحْنُ إِذَا اخْتَلَفَتِ الْعُلَمَاءُ وَاخْتَصَمُوا، فَمَنْ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ؟! وَشَرَعَ فِي تَأْنِيبِ مَنْ شَنَّعَ عَلَى الشَّافِعِيِّ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفَاعِيلِ الَّتِي كُتِبَتْ فِي تِلْكَ الْأَوْرَاقِ وَغَيْرِهَا، وَأَنَّ هَذَا يَشْفِي الْأَعْدَاءَ بِنَا، وَأَشَارَ بِالصُّلْحِ بَيْنَ الْقُضَاةِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، فَصَمَّمَ بَعْضُهُمْ،

وَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَجَرَتْ مُنَاقَشَاتٌ مِنْ بَعْضِ الْحَاضِرِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ حَصَلَ بَحْثٌ فِي مَسَائِلَ، ثُمَّ قَالَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ أَخِيرًا: أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95] . فَلَانَتِ الْقُلُوبُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَأَمَرَ كَاتِبَ السِّرِّ أَنْ يَكْتُبَ مَضْمُونَ ذَلِكَ فِي مُطَالَعَةٍ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، ثُمَّ خَرَجْنَا عَلَى ذَلِكَ.

[عَوْدَةُ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيِّ إِلَى دِمَشْقَ]

فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى قَدِمَ مِنْ نَاحِيَةِ الْكُسْوَةِ، وَقَدْ تَلَقَّاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْيَانِ إِلَى الصَّنَمَيْنِ وَمَا فَوْقَهَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْكُسْوَةِ كَثُرَ النَّاسُ جَدًّا، وَقَارَبَهَا قَاضِي قُضَاةِ الْحَنَفِيَّةِ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ السَّرَّاجِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ مِنْ عَقَبَةِ سَجَوْرَا تَلَقَّاهُ خَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَأُشْعِلَتِ الشُّمُوعُ حَتَّى مَعَ النِّسَاءِ، وَالنَّاسُ فِي سُرُورٍ عَظِيمٍ، فَلَمَّا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْجَسُورَةِ تَلَقَّتْهُ السَّنَاجِقُ الْخَلِيفَتِيَّةُ مَعَ الْجَوَامِعِ، وَالْمُؤَذِّنُونَ يُكَبِّرُونَ، وَالنَّاسُ فِي سُرُورٍ كَثِيرٍ، وَلَمَّا قَارَبَ بَابَ النَّصْرِ وَقْعَ مَطَرٌ عَظِيمٌ، وَالنَّاسُ مَعَهُ لَا تَسَعُهُمُ الطُّرُقَاتُ، يَدْعُونَ لَهُ، وَيَفْرَحُونَ بِقُدُومِهِ، فَدَخَلَ دَارَ السَّعَادَةِ، وَسَلَّمَ عَلَى نَائِبِ السَّلْطَنَةِ، ثُمَّ دَخَلَ الْجَامِعَ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَمَعَهُ شُمُوعٌ عَظِيمَةٌ، وَالرُّؤَسَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الْعَامَّةِ.
وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثَانِيَ شَهْرِ جُمَادَى الْآخِرَةِ رَكِبَ قَاضِي الْقُضَاةِ السُّبْكِيُّ إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ، وَقَدِ اسْتَدْعَى نَائِبُ السَّلْطَنَةِ بِالْقَاضِيَيْنِ; الْمَالِكِيِّ وَالْحَنْبَلِيِّ، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ ثَلَاثَتُهُمْ يَتَمَاشَوْنَ إِلَى الْجَامِعِ، فَدَخَلُوا دَارَ الْخَطَابَةِ فَاجْتَمَعُوا هُنَاكَ، وَضَيَّفَهُمَا الشَّافِعِيُّ،

ثُمَّ حَضَرَا خُطْبَتَهُ الْحَافِلَةَ الْبَلِيغَةَ الْفَصِيحَةَ، ثُمَّ خَرَجُوا ثَلَاثَتُهُمْ مِنْ جَوَّا إِلَى دَارِ الْمَالِكِيِّ، فَاجْتَمَعُوا هُنَالِكَ، وَضَيَّفَهُمُ الْمَالِكِيُّ هُنَالِكَ مَا تَيَسَّرَ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
وَفِي أَوَائِلِ هَذَا الشَّهْرِ وَرَدَتِ الْمَرَاسِيمُ الشَّرِيفَةُ السُّلْطَانِيَّةُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِأَنْ يُجْعَلَ لِلْأَمِيرِ مِنْ إِقْطَاعِهِ النِّصْفُ خَاصًّا لَهُ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَكُونُ لِأَجْنَادِهِ، فَحَصَلَ بِهَذَا رِفْقٌ عَظِيمٌ بِالْجُنْدِ وَعَدَلٌ كَثِيرٌ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - وَأَنْ يَتَجَهَّزَ الْأَجْنَادُ وَيُحَرَّضُوا عَلَى السَّبْقِ، وَالرَّمْيِ بِالنُّشَّابِ، وَأَنْ يَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ، مَتَى اسْتُنْفِرُوا نَفَرُوا، فَاسْتَعَدُّوا لِذَلِكَ، وَتَأَهَّبُوا لِقِتَالِ الْفِرِنْجِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60] الْآيَةَ [الْأَنْفَالِ: 60] . وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا» . وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ عُقِدَ مَجْلِسٌ بِدَارِ السَّعَادَةِ لِلْكَشْفِ عَلَى قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالِ الدِّينِ الْمَرْدَاوِيِّ الْحَنْبَلِيِّ بِمُقْتَضَى مَرْسُومٍ شَرِيفٍ وَرَدَ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِذَلِكَ; وَذَلِكَ بِسَبَبِ مَا يَعْتَمِدُهُ كَثِيرٌ مِنْ شُهُودِ مَجْلِسِهِ مِنْ بَيْعِ أَوْقَافٍ لَمْ يَسْتَوْفِ فِيهَا شَرَائِطَ الْمَذْهَبِ، وَإِثْبَاتِ إِعْسَارَاتٍ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

[الْوَقْعَةُ بَيْنَ الْأُمَرَاءِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ]

وَفِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَرَدَ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْأَمِيرَ الْكَبِيرَ يَلْبُغَا

الْخَاصِّكِيَّ خَرَجَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ مَعَ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ طَيْبُغَا الطَّوِيلِ، فَبَرَزَ إِلَيْهِمْ إِلَى قُبَّةِ النَّصْرِ، فَالْتَقَوْا مَعَهُ هُنَالِكَ، فَقَتَلَ جَمَاعَةً وَجَرَحَ آخَرِينَ، وَانْفَصَلَ الْحَالُ عَلَى مَسْكِ طَيْبُغَا الطَّوِيلِ وَهُوَ جَرِيحٌ، وَمُسِكَ أَرْغُونَ الْإِسْعِرْدِيُّ الدَّوَادَارُ، وَخَلْقٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْأُلُوفِ وَالطَّبْلَخَانَاهْ، وَجَرَتْ خَبْطَةٌ عَظِيمَةٌ اسْتَمَرَّ فِيهَا الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ يَلْبُغَا عَلَى عِزِّهِ وَتَأْيِيدِهِ، وَنَصْرِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِي ثَانِي رَجَبٍ يَوْمِ السَّبْتِ تَوَجَّهَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ بَيْدَمُرُ الَّذِي كَانَ نَائِبَ دِمَشْقَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِطَلَبِ الْأَمِيرِ يَلْبُغَا; لِيُؤَكِّدَ أَمْرَهُ فِي دُخُولِ الْبَحْرِ لِقِتَالِ الْفِرِنْجِ وَفَتْحِ قُبْرُسَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

[مَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ بَغْدَادَ]

مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ بَغْدَادَ أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْبَغْدَادِيُّ أَحَدُ رُؤَسَاءِ بَغْدَادَ، وَأَصْحَابِ التِّجَارَاتِ، وَالشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ الْعَطَّارُ السِّمْسَارُ فِي الشَّرْبِ - بَغْدَادِيٌّ أَيْضًا - أَنَّ بَغْدَادَ اسْتَعَادَهَا أُوَيْسٌ مَلِكُ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ مِنْ يَدِ الطَّوَاشِيِّ مَرْجَانَ، وَاسْتَحْضَرَهُ فَأَكْرَمَهُ، وَأَطْلَقَ لَهُ، وَاتَّفَقَا أَنَّ أَصْلَ الْفِتْنَةِ مِنَ الْأَمِيرِ أَحْمَدَ أَخِي الْوَزِيرِ، فَأَحْضَرَهُ السُّلْطَانُ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ، وَضَرَبَهُ بِسِكِّينٍ فِي كَرِشِهِ فَشَقَّهُ، وَأَمَرَ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ فَقَتَلَهُ، فَانْتَصَرَ أَهْلُ السُّنَّةِ لِذَلِكَ نُصْرَةً عَظِيمَةً، وَأَخَذَ جُثَّتَهُ أَهِلُ بَابِ الْأَزَجِ فَأَحْرَقُوهُ، وَسَكَنَتِ الْأُمُورُ، وَتَشَفَّوْا بِمَقْتَلِ الشَّيْخِ جَمَالِ الدِّينِ الْأَنْبَارِيِّ الَّذِي قَتَلَهُ الْوَزِيرُ الرَّافِضِيُّ فَأَهْلَكَهُ اللَّهُ بَعْدَهُ سَرِيعًا.

[وَفَاةُ قَاضِي الْقُضَاةِ عِزِّ الدِّينِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ حَاتِمٍ الشَّافِعِيِّ]

وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ قَدِمَ كِتَابٌ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِوَفَاةِ قَاضِي الْقُضَاةِ عِزِّ الدِّينِ ابْنِ قَاضِي الْقُضَاةِ بَدْرِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ جَمَاعَةَ بِمَكَّةَ - شَرَّفَهَا اللَّهُ - فِي الْعَاشِرِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَدُفِنَ فِي الْحَادِيَ عَشَرَ فِي بَابِ الْمُعَلَّى، وَذَكَرُوا أَنَّهُ تُوُفِّيَ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَأَخْبَرَنِي صَاحِبُنَا الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ الرَّحْبِيُّ - حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ كَثِيرًا: أَشْتَهِي أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَعْزُولٌ، وَأَنْ تَكُونَ وَفَاتِي بِأَحَدِ الْحَرَمَيْنِ.
فَأَعْطَاهُ اللَّهُ مَا تَمَنَّاهُ; عَزَلَ نَفْسَهُ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، وَهَاجَرَ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ لِزِيَارَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِهَا فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ، وَبَلَّ بِالرَّحْمَةِ ثَرَاهُ.
وَقَدْ كَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، فَتُوُفِّيَ عَنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَقَدْ نَالَ الْعِزُّ عِزًّا فِي الدُّنْيَا، وَرِفْعَةً هَائِلَةً، وَمَنَاصِبَ، وَتَدَارِيسَ كِبَارًا، ثُمَّ عَزَلَ نَفْسَهُ، وَتَفَرَّغَ لِلْعِبَادَةِ وَالْمُجَاوَرَةِ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، فَيُقَالُ لَهُ مَا قُلْتُهُ فِي بَعْضِ الْمَرَاثِي: فَكَأَنْ قَدْ أُعْلِمْتَ بِالْمَوْتِ حَتَّى ... قَدْ تَزَوَّدْتَ مِنْ خِيَارِ الزَّادِ

وَحَضَرَ عِنْدِي فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ تَاسِعِ شَوَّالٍ الْبَتْرَكُ بِشَارَةُ الْمُلَقَّبُ بِمِيخَائِيلَ النَّصْرَانِيِّ الْمَلْكِيُّ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ الْمَطَارِنَةَ بِالشَّامِ بَايَعُوهُ عَلَى أَنْ جَعَلُوهُ بَتْرَكًا بِدِمَشْقَ عِوَضًا عَنِ الْبَتْرَكِ بِأَنْطَاكِيَّةَ، فَذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مُبْتَدَعٌ فِي دِينِهِمْ، فَإِنَّهُ لَا تَكُونُ الْبَتَارِكَةُ إِلَّا أَرْبَعَةً; بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَبِالْقُدْسِ، وَبِأَنْطَاكِيَّةَ، وَبِرُومِيَّةَ، فَنُقِلَ بَتْرَكُ رُومِيَّةَ إِلَى إِسْطَنْبُولَ وَهِيَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِذْ ذَاكَ، فَهَذَا الَّذِي ابْتَدَعُوهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ! لَكِنِ اعْتَذَرَ بِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ عَنْ أَنْطَاكِيَّةَ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لَهُ فِي الْمُقَامِ بِالشَّامِ الشَّرِيفِ; لِأَجْلِ أَنَّهُ أَمَرَهُ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ أَنْ يَكْتُبَ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ إِلَى صَاحِبِ قُبْرُسَ، يَذْكُرُ لَهُ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْخِزْيِ، وَالنَّكَالِ، وَالْجِنَايَةِ بِسَبَبِ عُدْوَانِ صَاحِبِ قُبْرُسَ عَلَى مَدِينَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَأَحْضَرَ لِي الْكُتُبَ إِلَيْهِ وَإِلَى مَلِكِ إِسْطَنْبُولَ، وَقَرَأَهَا عَلَيَّ مِنْ لَفْظِهِ - لَعَنَهُ اللَّهُ وَلَعَنَ الْمَكْتُوبَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا - وَقَدْ تَكَلَّمْتُ مَعَهُ فِي دِينِهِمْ وَنُصُوصِ مَا يَعْتَقِدُهُ كُلٌّ مِنَ الطَّوَائِفِ الثَّلَاثِ; وَهُمُ الْمَلْكِيَّةُ، وَالْيَعْقُوبِيَّةُ - وَمِنْهُمُ الْإِفْرِنْجُ وَالْقِبْطُ - وَالنَّسْطُورِيَّةُ، فَإِذَا هُوَ يَفْهَمُ بَعْضَ الشَّيْءِ، وَلَكِنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهُ حِمَارٌ مِنْ أَكْفَرِ الْكُفَّارَ، لَعَنَهُ اللَّهُ.
وَفِي هَذَا الشَّهْرِ بَلَغَنَا اسْتِعَادَةُ السُّلْطَانِ أُوَيْسٍ ابْنِ الشَّيْخِ حَسَنٍ مَلِكِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ لِبَغْدَادَ مِنْ يَدِ الطَّوَاشِيِّ مَرْجَانَ الَّذِي كَانَ نَائِبَهُ عَلَيْهَا وَامْتَنَعَ مِنْ طَاعَةِ أُوَيْسٍ، فَجَاءَ إِلَيْهِ فِي جَحَافِلَ كَثِيرَةٍ، فَهَرَبَ مَرْجَانُ، وَدَخَلَ

أُوَيْسٌ إِلَى بَغْدَادَ دُخُولًا هَائِلًا، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ قَدِمَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ بَيْدَمُرُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَى الْبَرِيدِ أَمِيرَ مِائَةٍ مُقَدَّمَ أَلْفٍ، وَعَلَى نِيَابَةِ يَلْبُغَا فِي جَمِيعِ دَوَاوِينِهِ بِدِمَشْقَ وَغَيْرِهَا، وَعَلَى إِمَارَةِ الْبَحْرِ وَعَمَلِ الْمَرَاكِبِ، فَلَمَّا قَدِمَ أَمَرَ بِجَمْعِ جَمِيعِ النَّشَّارِينَ، وَالنَّجَّارِينَ، وَالْحَدَّادِينَ، وَتَجْهِيزِهِمْ لِبَيْرُوتَ لِقَطْعِ الْأَخْشَابِ، فَسُيِّرُوا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ ثَانِيَ رَمَضَانَ، وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى اللَّحَاقِ بِهِمْ إِلَى هُنَالِكَ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ، ثُمَّ أُتْبِعُوا بِآخَرِينَ مِنْ نَجَّارِينَ، وَحَدَّادِينَ، وَعَتَّالِينَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَجَعَلُوا كُلَّ مَنْ وَجَدُوهُ مِنْ رُكَّابِ الْحَمِيرِ يُنْزِلُونَهُ وَيَرْكَبُوا إِلَى نَاحِيَةِ الْبِقَاعِ، وَسَخَّرُوا لَهُمْ مِنَ الصُّنَّاعِ وَغَيْرِهِمْ، وَجَرَتْ خُطْبَةٌ عَظِيمَةٌ، وَتَبَاكَى عَوَائِلُهُمْ وَأَطْفَالُهُمْ، وَلَمْ يُسْلَفُوا شَيْئًا مِنْ أُجُورِهِمْ، وَكَانَ مِنَ اللَّائِقِ أَنْ يُسْلَفُوهُ حَتَّى يَتْرُكُوهُ إِلَى أَوْلَادِهِمْ.
وَخَطَبَ بُرْهَانُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنَفِيُّ بِجَامِعِ يَلْبُغَا عِوَضًا عَنْ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ قَاضِي الْقُضَاةِ شَرَفِ الدِّينِ الْكَفْرِيِّ، بِمَرْسُومٍ شَرِيفٍ وَمَرْسُومِ نَائِبِ صَفَدَ أَسَنْدَمُرَ أَخِي يَلْبُغَا، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى جَدِّهِ وَجَمَاعَتِهِمْ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الرَّابِعَ مِنْ رَمَضَانَ، هَذَا وَحَضَرَ عِنْدَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ قُرِئَ تَقْلِيدُ قَاضِي الْقُضَاةِ شَرَفِ الدِّينِ ابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ لِقَضَاءِ الْحَنَابِلَةِ، عِوَضًا عَنْ قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالِ الدِّينِ الْمَرْدَاوِيِّ، عُزِلَ هُوَ وَالْمَالِكِيُّ مَعَهُ أَيْضًا; بِسَبَبِ أُمُورٍ تَقَدَّمَ نِسْبَتُهَا لَهُمَا، وَقُرِئَ التَّقْلِيدُ بِمِحْرَابِ الْحَنَابِلَةِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْحَنَفِيُّ، وَكَانَ الْمَالِكِيُّ مُعْتَكِفًا بِالْقَاعَةِ

مِنَ الْمَنَارَةِ الْغَرْبِيَّةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ; لِأَنَّهُ مَعْزُولٌ أَيْضًا بِسَرِيِّ الدِّينِ قَاضِي حَمَاةَ، وَقَدْ وَقَعَتْ شُرُورٌ وَتَخْبِيطٌ بِالصَّالِحِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ خُلِعَ عَلَى قَاضِي الْقُضَاةِ سَرِيِّ الدِّينِ إِسْمَاعِيلَ الْمَالِكِيِّ - قَدِمَ مِنْ حَمَاةَ عَلَى قَضَاءِ الْمَالِكِيَّةِ - عِوَضًا عَنْ قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالِ الدِّينِ الْمَسَلَّاتِيِّ - عُزِلَ عَنِ الْمَنْصِبِ - وَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ بِمَقْصُورَةِ الْمَالِكِيَّةِ مِنَ الْجَامِعِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ.
وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ سَابِعِ شَوَّالٍ قَدِمَ الْأَمِيرُ حَيَّارُ بْنُ مُهَنَّا إِلَى دِمَشْقَ سَامِعًا مُطِيعًا، بَعْدَ أَنْ جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُيُوشِ حُرُوبٌ مُتَطَاوِلَةٌ، كُلُّ ذَلِكَ لِيَطَأَ الْبِسَاطَ، فَأَبَى خَوْفًا مِنَ الْمَسْكِ وَالْحَبْسِ أَوِ الْقَتْلِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ قَدِمَ هَذَا الْيَوْمَ قَاصِدًا الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ; لِيَصْطَلِحَ مَعَ الْأَمِيرِ الْكَبِيرِ يَلْبُغَا، فَتَلَقَّاهُ الْحَجَبَةُ، وَالْمَهْمَنْدَارِيَّةُ، وَالْخَلْقُ، وَخَرَجَ النَّاسُ لِلْفُرْجَةِ، فَنَزَلَ الْقَصْرَ الْأَبْلَقَ، وَقَدِمَ مَعَهُ نَائِبُ حَمَاةَ عُمَرُ شَاهْ فَنَزَلَ مَعَهُ ثَانِيَ يَوْمٍ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ.
وَأَقْرَأَنِي الْقَاضِي وَلِيُّ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ وَكِيلُ بَيْتِ الْمَالِ كِتَابَ وَالِدِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ بَهَاءِ الدِّينِ أَبِي الْبَقَاءِ قَاضِي قُضَاةِ الشَّافِعِيَّةِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ; أَنَّ الْأَمِيرَ الْكَبِيرَ جَدَّدَ دَرْسًا بِجَامِعِ ابْنِ طُولُونَ فِيهِ سَبْعَةُ مُدَرِّسِينَ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَجَعَلَ لَكُلِّ فَقِيهٍ مِنْهُمْ فِي الشَّهْرِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَإِرْدَبَّ قَمْحٍ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ انْتَقَلُوا إِلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ لِيَنْزِلُوا فِي هَذَا الدَّرْسِ.

[دَرْسُ التَّفْسِيرِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ]

وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ حَضَرَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ دَرْسَ التَّفْسِيرِ الَّذِي أَنْشَأَهُ مَلِكُ الْأُمَرَاءِ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ مَنْكَلِي بُغَا، مِنْ أَوْقَافِ الْجَامِعِ الَّتِي جَدَّدَهَا فِي حَالِ نَظَرِهِ عَلَيْهِ، أَثَابَهُ اللَّهُ، وَجَعَلَ مِنَ الطَّلَبَةِ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ خَمْسَةَ عَشَرَ طَالِبًا، لِكُلِّ طَالِبٍ فِي الشَّهْرِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَلِلْمُعِيدِ عِشْرُونَ، وَلِكَاتِبِ الْغَيْبَةِ عِشْرُونَ، وَلِلْمُدَرِّسِ ثَمَانُونَ، وَتَصَدَّقَ حِينَ دَعَوْتُهُ لِحُضُورِ الدَّرْسِ، فَحَضَرَ، وَاجْتَمَعَ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ، وَأَخَذْتُ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ " الْفَاتِحَةِ "، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

اسْتَهَلَّتْ وَقَاضِي قُضَاةِ الْحَنَابِلَةِ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ ابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ الْمَقْدِسِيُّ، وَنَاظِرُ الدَّوَاوِينِ سَعْدُ الدِّينِ بْنُ التَّاجِ إِسْحَاقَ، وَكَاتِبُ السِّرِّ فَتْحُ الدِّينِ بْنُ الشَّهِيدِ، وَهُوَ شَيْخُ الشُّيُوخِ أَيْضًا، وَنَاظِرُ الْجُيُوشِ الشَّامِيَّةِ بُرْهَانُ الدِّينِ بْنُ الْحِلِّيِّ، وَوَكِيلُ بَيْتِ الْمَالِ الْقَاضِي وَلِيُّ الدِّينِ ابْنُ قَاضِي الْقُضَاةِ بَهَاءِ الدِّينِ أَبِي الْبَقَاءِ.

[سَفَرُ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ]

لَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ قَدِمَ طَشْتَمُرُ دَوَادَارُ يَلْبُغَا عَلَى الْبَرِيدِ، فَنَزَلَ بِدَارِ السَّعَادَةِ، ثُمَّ رَكِبَ هُوَ وَنَائِبُ السَّلْطَنَةِ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْأَخِيرَةِ فِي الْمَشَاعِلِ، وَالْحَجَبَةُ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، وَالْخَلَائِقُ يَدْعُونَ لِنَائِبِهِمْ، وَاسْتَمَرُّوا كَذَلِكَ ذَاهِبِينَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَأَكْرَمُهُ يَلْبُغَا وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكُونَ بِبِلَادِ حَلَبَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَعَادَ فَنَزَلَ بِدَارِ سَنْجَرَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَارْتَحَلَ مِنْهَا إِلَى حَلَبَ، وَقَدِ اجْتَمَعْتُ بِهِ هُنَالِكَ، وَتَأَسَّفَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَنَابَ فِي الْغَيْبَةِ الْأَمِيرُ

سَيْفُ الدِّينِ زُبَالَةَ، إِلَى أَنْ قَدِمَ النَّائِبُ الْمُعِزُّ السَّيْفِيُّ أَقْتَمُرُ عَبْدُ الْغَنِيِّ، عَلَى مَا سَيَأْتِي.
وَتُوُفِّيَ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ بْنُ مَنْصُورٍ الْحَنَفِيُّ الَّذِي كَانَ نَائِبَ الْحَكَمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَوْمَ السَّبْتِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَدُفِنَ بِالْبَابِ الصَّغِيرِ، وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ.
وَفِي هَذَا الْيَوْمِ أَوِ الَّذِي بَعْدَهُ تُوُفِّيَ الْقَاضِي شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ الْوَزَوَازَةِ، نَاظِرُ الْأَوْقَافِ بِالصَّالِحِيَّةِ.
وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَالِثِ صَفَرٍ نُودِيَ فِي الْبَلَدِ أَنْ لَا يَتَخَلَّفَ أَحَدٌ مِنْ أَجْنَادِ الْحَلْقَةِ عَنِ النَّفِيرِ إِلَى بَيْرُوتَ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ لِذَلِكَ، فَبَادَرَ النَّاسُ وَالْجَيْشُ مُلْبِسِينَ إِلَى سَطْحِ الْمِزَّةِ، وَخَرَجَ مَلِكُ الْأُمَرَاءِ أَمِيرُ عَلِيٌّ - نَائِبُ الشَّامِ - مِنْ دَارِهِ دَاخِلَ بَابِ الْجَابِيَةِ فِي جَمَاعَتِهِ مُلْبِسِينَ فِي هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، وَتَجَمُّلٍ هَائِلٍ، وَوَلَدُهُ الْأَمِيرُ نَاصِرُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ، وَطُلْبُهُ مَعَهُ، وَقَدْ جَاءَ نَائِبُ الْغَيْبَةِ وَالْحَجَبَةُ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ إِلَى وِطَاقِهِ، وَشَاوَرُوهُ فِي الْأَمْرِ، فَقَالَ: لَيْسَ لِي هَاهُنَا أَمْرٌ، وَلَكِنْ إِذَا حَضَرَ الْحَرْبُ وَالْقِتَالُ، فَلِي هُنَاكَ أَمْرٌ.
وَخَرَجَ خَلْقٌ مِنَ النَّاسِ مُتَبَرِّعِينَ، وَخَطَبَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجُ الدِّينِ الشَّافِعِيُّ بِالنَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْعَادَةِ، وَحَرَّضَ النَّاسَ عَلَى الْجِهَادِ، وَقَدْ أَلْبَسَ جَمَاعَةً مِنْ غِلْمَانِهِ اللَّأْمَةَ وَالْخُوَذَ، وَهُوَ عَلَى عَزْمِ الْمَسِيرِ مَعَ النَّاسِ إِلَى بَيْرُوتَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ رَجَعَ النَّاسُ إِلَى مَنَازِلِهِمْ، وَقَدْ وَرَدَ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْمَرَاكِبَ الَّتِي رُئِيَتْ فِي الْبَحْرِ إِنَّمَا هِيَ مَرَاكِبُ تُجَّارٍ لَا مَرَاكِبَ قِتَالٍ،

فَطَابَتْ قُلُوبُ النَّاسِ، وَلَكِنْ ظَهَرَ مِنْهُمُ اسْتِعْدَادٌ عَظِيمٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِي لَيْلَةِ الْأَحَدِ خَامِسِ صَفَرٍ قُدِمَ بِالْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ شَرْشَيٍّ - الَّذِي كَانَ إِلَى آخِرِ وَقْتٍ نَائِبَ حَلَبَ - مُحْتَاطًا عَلَيْهِ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ بِدِمَشْقَ، فَسُيِّرَ مَعْزُولًا عَنْ حَلَبَ إِلَى طَرَابُلُسَ بَطَّالًا، وَبُعِثَ فِي سَرْجَيْنِ صُحْبَةَ الْأَمِيرِ عَلَاءِ الدِّينِ بْنِ صُبْحٍ.
وَبَلَغَنَا وَفَاةُ الشَّيْخِ جَمَالِ الدِّينِ بْنِ نُبَاتَةَ حَامِلِ لِوَاءِ شُعَرَاءِ زَمَانِهِ بِدِيَارِ مِصْرَ بِمَرِسْتَانِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ، وَذَلِكَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ سَابِعَ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي لَيْلَةِ ثَامِنِهِ هَرَبَ أَهْلُ حَبْسِ السُّدِّ مِنْ سِجْنِهِمْ، وَخَرَجَ أَكْثَرُهُمْ، فَأَرْسَلَ الْوُلَاةُ صَبِيحَةَ يَوْمَئِذٍ فِي إِثْرِهِمْ، فَمُسِكَ كَثِيرٌ مِمَّنْ هَرَبَ، فَضَرَبُوهُمْ أَشَدَّ الضَّرْبِ، وَرَدُّوهُمْ إِلَى شَرِّ الْمُنْقَلَبِ.
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ خَامِسَ عَشَرَهُ نُودِيَ بِالْبُلْدَانِ أَنْ لَا يُعَامَلَ الْفِرِنْجُ الْبَنَادِقَةُ، وَالْجَنَوِيَّةُ، وَالْكَنْبَلَانُ، وَاجْتَمَعْتُ فِي آخِرِ هَذَا الْيَوْمِ بِالْأَمِيرِ زَيْنِ الدِّينِ زُبَالَةَ نَائِبِ الْغَيْبَةِ النَّازِلِ بِدَارِ الذَّهَبِ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ الْبَرِيدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ صَاحِبَ قُبْرُسَ رَأَى فِي النُّجُومِ أَنَّ قُبْرُسَ مَأْخُوذَةٌ، فَجَهَّزَ مَرْكَبَيْنِ مِنَ الْأَسْرَى الَّذِينَ عِنْدَهُ مِنَ

الْمُسْلِمِينَ إِلَى يَلْبُغَا، وَنَادَى فِي بِلَادِهِ أَنَّ مَنْ كَتَمَ مُسْلِمًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا قُتِلَ، وَكَانَ مِنْ عَزْمِهِ أَنْ لَا يُبْقِيَ أَحَدًا مِنَ الْأُسَارَى إِلَّا أَرْسَلَهُ.
وَفِي آخِرِ نَهَارِ الْأَرْبِعَاءِ خَامِسَ عَشَرَهُ قَدِمَ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالُ الدِّينِ الْمَسَلَّاتِيُّ الْمَالِكِيُّ الَّذِي كَانَ قَاضِيَ الْمَالِكِيَّةِ، فَعُزِلَ فِي أَوَاخِرِ رَمَضَانَ مِنَ الْعَامِ الْمَاضِي، فَحَجَّ، ثُمَّ قَصَدَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ فَدَخَلَهَا لَعَلَّهُ يَسْتَغِيثُ، فَلَمْ يُصَادِفْهُ قَبُولٌ، فَادَّعَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْحُجَّابِ، وَحَصَلَ لَهُ مَا يَسُوؤُهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَجَاءَ فَنَزَلَ فِي التُّرْبَةِ الْكَامِلِيَّةِ شَمَالِيَّ الْجَامِعِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مَنْزِلِ ابْنَتِهِ مُتَمَرِّضًا، وَالْطُلَابَاتُ وَالدَّعَاوَى وَالْمُصَالَحَاتُ عَنْهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، فَأَحْسَنَ اللَّهُ عَاقِبَتَهُ.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ بَعْدَ الْعَصْرِ دَخَلَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ طَيْبُغَا الطَّوِيلُ مِنَ الْقُدْسِ الشَّرِيفِ إِلَى دِمَشْقَ، فَنَزَلَ بِالْقَصْرِ الْأَبْلَقِ، وَرَحَلَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ إِلَى نِيَابَةِ حَمَاةَ - حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى - بِتَقْلِيدٍ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِتَوْلِيَةِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ مَنْكَلِي بُغَا نِيَابَةَ حَلَبَ عِوَضًا عَنْ نِيَابَةِ دِمَشْقَ، وَأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ مِنَ التَّشْرِيفِ، وَالتَّكْرِيمِ، وَالتَّشَارِيفِ بِدِيَارِ مِصْرَ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَمَالٌ جَزِيلٌ، وَخُيُولٌ، وَأَقْمِشَةٌ، وَتُحَفٌ يَشُقُّ حَصْرُهَا، وَأَنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ بِدِمَشْقَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَقْتَمُرُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الَّذِي كَانَ حَاجِبَ الْحُجَّابِ بِمِصْرَ، وَعُوِّضَ عَنْهُ فِي الْحُجُوبِيَّةِ الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ طَيْبُغَا أُسْتَاذُ دَارِ يَلْبُغَا، وَخُلِعَ عَلَى الثَّلَاثَةِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.
وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ حَادِيَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ اشْتُهِرَ فِي الْبَلَدِ قَضِيَّةُ الْفِرِنْجِ أَيْضًا بِمَدِينَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَقَدِمَ بَرِيدِيٌّ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِذَلِكَ، وَاحْتِيطَ عَلَى مَنْ

كَانَ بِدِمَشْقَ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَسُجِنُوا بِالْقَلْعَةِ، وَأُخِذَتْ حَوَاصِلُهُمْ، وَأَخْبَرَنِي قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجُ الدِّينِ الشَّافِعِيُّ يَوْمَئِذَ أَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ أَنَّ سَبْعَةَ مَرَاكِبَ مِنَ التُّجَّارِ مِنَ الْبَنَادِقَةِ مِنَ الْفِرَنْجِ قَدِمُوا إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَبَاعُوا بِهَا وَاشْتَرَوْا، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْأَمِيرِ الْكَبِيرِ يَلْبُغَا أَنَّ مَرْكَبًا مِنْ هَذِهِ السَّبْعَةِ لِصَاحِبِ قُبْرُسَ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْفِرَنْجِ يَقُولُ لَهُمْ أَنْ يُسَلِّمُوا هَذِهِ الْمَرْكَبَ، فَامْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَبَادَرُوا إِلَى مَرَاكِبِهِمْ، فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمْ سِتَّةَ شَوَانٍ مَشْحُونَةً بِالْمُقَاتِلَةِ، فَالْتَقَوْا هُمْ وَالْفِرِنْجُ فِي الْبَحْرِ، فَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ، وَلَكِنْ مِنَ الْفِرَنْجِ أَكْثَرُ، وَهَرَبُوا فَارِّينَ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْبَضَائِعِ.
فَجَاءَ الْأَمِيرُ عَلِيٌّ الَّذِي كَانَ نَائِبَ دِمَشْقَ أَيْضًا فِي جَيْشٍ مُبَارَكٍ، وَمَعَهُ وَلَدُهُ وَمَمَالِيكُهُ فِي تَجَمُّلٍ هَائِلٍ، فَرَجَعَ الْأَمِيرُ عَلِيٌّ، وَاسْتَمَرَّ نَائِبُ السُّلْطَنَةِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَيْرُوتَ، وَنَظَرَ فِي أَمْرِهَا وَعَادَ سَرِيعًا.
وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الْفِرِنْجَ جَاءُوا طَرَابُلُسَ غُزَاةً، وَأَخَذُوا مَرْكَبًا لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمِينَا وَحَرَّقُوهُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُمْ، وَلَا مَنْعَهُمْ، وَأَنَّ الْفِرَنْجَ كَرُّوا رَاجِعِينَ، وَقَدْ أَسَرُوا ثَلَاثَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
انْتَهَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَقْتَلُ يَلْبُغَا الْأَمِيرِ الْكَبِيرِ]

جَاءَ الْخَبَرُ بِقَتْلِهِ إِلَيْنَا بِدِمَشْقَ فِي لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مَعَ أَسِيرَيْنِ جَاءَا عَلَى الْبَرِيدِ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَأَخْبَرَا بِمَقْتَلِهِ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ثَانِيَ

عَشَرَ هَذَا الشَّهْرِ; تَمَالَأَ عَلَيْهِ مَمَالِيكُهُ حَتَّى قَتَلُوهُ يَوْمَئِذٍ، وَتَغَيَّرَتِ الدَّوْلَةُ، وَمُسِكَ مِنْ أُمَرَاءِ الْأُلُوفِ وَالطَّبْلَخَانَاهْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَاخْتَبَطَتِ الْأُمُورُ جِدًّا، وَجَرَتْ أَحْوَالٌ صَعْبَةٌ، وَقَامَ بِأَعْبَاءِ الْقَضِيَّةِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ طُغَيْتَمُرُ النِّظَامِيُّ، وَقَوِيَ جَانِبُ السُّلْطَانِ وَرَشَدَ، وَفَرِحَ أَكْثَرُ الْأُمَرَاءِ بِمِصْرَ بِمَا وَقَعَ، وَقَدِمَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ إِلَى دِمَشْقَ مِنْ بَيْرُوتَ، فَأَمَرَ بِدَقِّ الْبَشَائِرِ وَتَزْيِينِ الْبَلَدِ، فَفُعِلَ ذَلِكَ، وَأُطْلِقَتِ الْفِرَنْجُ الَّذِينَ كَانُوا بِالْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ، فَلَمْ يَهُنْ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ.
وَهَذَا آخِرُ مَا وُجِدَ مِنَ التَّارِيخِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَصَلَوَاتُهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

[كِتَابُ الْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَالْأُمُورِ الْعِظَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ]

[مُقَدِّمَةُ الْمُصَنِّفِ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللَّهُمَّ يَسِّرْ وَأَعِنْ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْفِدَاءِ عِمَادُ الدِّينِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا كِتَابُ الْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ الْوَاقِعَةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذِكْرِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَالْأُمُورِ الْعِظَامِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا.
الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَدْ أَخْبَرَ بِهَا، وَهُوَ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِخْبَارَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْغُيُوبِ الْمَاضِيَةِ، وَبَسَطْنَاهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَقَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَيَّامِ النَّاسِ إِلَى زَمَانِنَا، وَأَتْبَعْنَا ذَلِكَ بِذِكْرِ سِيرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَيَّامِهِ، وَذِكْرِ شَمَائِلِهِ وَدَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ، وَذَكَرْنَا فِيهَا مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الْغُيُوبِ الَّتِي وَقَعَتْ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طِبْقَ إِخْبَارِهِ، كَمَا شُوهِدَ ذَلِكَ عِيَانًا قَبْلَ زَمَانِنَا هَذَا، وَقَدْ أَوْرَدْنَا جُمْلَةَ ذَلِكَ فِي آخِرِ كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ سِيرَتِهِ، وَذَكَرْنَا عِنْدَ كُلِّ زَمَانٍ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الْحَدِيثِ الْخَاصِّ بِهِ عِنْدَ ذِكْرِ حَوَادِثِ الزَّمَانِ، وَوَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ، كَمَا بَسَطْنَا فِي كُلِّ سَنَةٍ مَا حَدَثَ فِيهَا مِنَ الْأُمُورِ الْغَرِيبَةِ، وَتَرْجَمْنَا مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنْ مَشَاهِيرِ النَّاسِ; مِنَ الصِّحَابَةِ وَالْخُلَفَاءِ، وَالْمُلُوكِ وَالْوُزَرَاءِ وَالْأُمَرَاءِ، وَالْفُقَهَاءِ وَالصُّلَحَاءِ، وَالشُّعَرَاءِ وَالنُّحَاةِ وَالْأُدَبَاءِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ ذَوِي الْآرَاءِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ النُّبَلَاءِ، وَلَوْ أَعَدْنَا الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ

فِيمَا تَقَدَّمَ لَطَالَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ نُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ، إِشَارَةً لَطِيفَةً، ثُمَّ نَعُودُ إِلَى مَا قَصَدْنَا لَهُ هَاهُنَا وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ.
فَمِنْ ذَلِكَ «قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي قَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَجِدْكَ؟ كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْتَ، فَقَالَ: " إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ ".» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَكَانَ الْقَائِمَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ لِلصِّدِّيقِ كِتَابًا بِالْخِلَافَةِ فَتَرَكَهُ; لِعِلْمِهِ أَنَّ أَصْحَابَهُ لَا يَعْدِلُونَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ إِلَى غَيْرِهِ; لِعِلْمِهِمْ بِسَابِقَتِهِ وَأَفْضَلِيَّتِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: " «يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ» ". وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي، أَبِي بَكْرٍ، وَعُمْرَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي هَذَا فِي فَضَائِلِ الشَّيْخَيْنِ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُ وَقَعَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؟ وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ الْخِلَافَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ وَلِيَهَا بَعْدَهُ عُمَرُ، كَمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ.
وَرَوَى مَالِكٌ وَاللَّيْثُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنٍ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا افْتَتَحْتُمْ مِصْرَ فَاسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِ ". وَفِي رِوَايَةٍ: " فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا ".» وَقَدِ افْتَتَحَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ

فِي سَنَةِ عِشْرِينَ، أَيَّامَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا; فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا» ". وَقَدْ مُصِّرَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْمِصْرانِ; الْبَصْرَةُ وَالْكُوفَةُ.
فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، ثَنَا مُوسَى الْحَنَّاطُ - لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَهُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «يَا أَنَسُ، إِنَّ النَّاسَ يُمَصِّرُونَ أَمْصَارًا، وَإِنَّ مِصْرًا مِنْهَا يُقَالُ لَهُ: الْبَصْرَةُ - أَوِ الْبُصَيْرَةُ - فَإِنْ أَنْتَ مَرَرْتَ بِهَا أَوْ دَخَلْتَهَا فَإِيَّاكَ وَسِبَاخَهَا وَكَلَّاءَهَا، وَسُوقَهَا وَأَبْوَابَ أُمَرَائِهَا، وَعَلَيْكَ بِضَوَاحِيهَا; فَإِنَّهُ يَكُونُ بِهَا خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَرَجْفٌ، وَقَوْمٌ يُمْسَخُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ» ".

[خَبَرُ الْأُبُلَّةِ]

ِ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحِ بْنِ دِرْهَمٍ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: انْطَلَقْنَا حَاجِّينَ، فَإِذَا رَجُلٌ، فَقَالَ لَنَا: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟

فَقُلْنَا: مِنْ بَلَدِ كَذَا وَكَذَا.
فَقَالَ: إِنَّ بِجَنْبِكُمْ قَرْيَةً يُقَالُ لَهَا: الْأُبُلَّةُ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ.
فَقَالَ: مَنْ يَضْمَنُ أَنْ يُصَلِّيَ لِي فِي مَسْجِدِ الْعَشَّارِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا، وَيَقُولُ: هَذِهِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ؟ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مِنْ مَسْجِدِ الْعَشَّارِ شُهَدَاءَ لَا يَقُومُ مَعَ شُهَدَاءِ بَدْرٍ غَيْرُهُمْ» ". وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": " «إِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ". وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمْرَ، وَعُثْمَانَ; انْزَاحَتْ يَدُ قَيْصَرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ - وَاسْمُهُ هِرَقْلُ - عَنْ بِلَادِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ، وَثَبَتَ مُلْكُهُ مَقْصُورًا عَلَى بِلَادِ الرُّومِ فَقَطُّ، وَالْعَرَبُ إِنَّمَا كَانُوا يُسَمُّونَ قَيْصَرَ لِمَنْ مَلَكَ بِلَادَ الرُّومِ مَعَ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَهْلِ الشَّامِ; وَهُوَ أَنَّ يَدَ مَلِكِ الرُّومِ لَا تَعُودُ إِلَيْهَا أَبَدَ الْآبِدِينَ.
وَسَنُورِدُ هَذَا الْحَدِيثَ قَرِيبًا بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا كِسْرَى فَإِنَّهُ سُلِبَ عَامَّةَ مُلْكِهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ثُمَّ اسْتُؤْصِلَ بَاقِيهُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَقُتِلَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ مُطَوَّلًا فِيمَا سَلَفَ، وَقَدْ «دَعَا عَلَى كِسْرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّهُ مَزَّقَ كِتَابَهُ، بِأَنْ يُمَزَّقَ مُلْكُهُ» كُلَّ مُمَزَّقٍ، فَوَقَعَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، وَجَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ

شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، «عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ؟ قُلْتُ: أَنَا.
قَالَ: هَاتِ إِنَّكَ لِجَرِيءٌ.
فَقُلْتُ: ذَكَرَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، يُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ.
فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا أَعْنِي، إِنَّمَا أَعْنِي الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ.
فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا.
فَقَالَ: وَيْحَكَ! أَيُفْتَحُ الْبَابُ أَمْ يُكْسَرُ؟ قُلْتُ: بَلْ يُكْسَرُ.
قَالَ: إِذًا لَا يُغْلَقُ أَبَدًا.
قُلْتُ: أَجَلْ.
فَقُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ؟ قَالَ: نَعَمْ; إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ.
قَالَ: فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ: مَنِ الْبَابُ؟ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ.
فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: هُوَ عُمَرُ.» وَهَكَذَا وَقَعَ الْأَمْرُ سَوَاءً بَعْدَ مَقْتَلِ عُمَرَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ; وَقَعَتِ الْفِتَنُ بَيْنَ النَّاسِ بَعْدَ مَقْتَلِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ انْتِشَارِهَا بَيْنَهُمْ.
«وَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ،» فَوَقَعَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ; حُصِرَ وَقُتِلَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا شَهِيدًا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عِنْدَ مَقْتَلِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَتْ بِالْإِنْذَارِ بِذَلِكَ، وَالْإِعْلَامِ بِهِ قَبْلَ كَوْنِهِ; فَوَقَعَ طِبْقَ ذَلِكَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ.
وَذَكَرْنَا مَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي الْجَمَلِ وَصِفِّينَ، فَوَقَعَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ الْإِخْبَارُ بِمَقْتَلِ عَمَّارٍ.
وَمَا وَرَدَ فِي

الْأَحَادِيثِ بِمَقْتَلِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَصَفَتِهِمْ، وَنَعْتِ ذِي الثُّدَيَّةِ مِنْهُمْ.
كُلُّ ذَلِكَ قَدْ حَرَّرْنَاهُ فِيمَا سَلَفَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَذَكَرْنَا عِنْدَ مَقْتَلِ عَلِيٍّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ بِطُرُقِهِ، وَأَلْفَاظِهِ، وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ، عَنْ سَفِينَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا» ". وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الثَّلَاثُونَ سَنَةً عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ الْفَارُوقِ، وَعُثْمَانَ الشَّهِيدِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الشَّهِيدِ أَيْضًا، وَكَانَ تَمَامُهَا وَخِتَامُهَا بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلِيَهَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بَعْدَ أَبِيهِ، وَعِنْدَ تَمَامِ الثَّلَاثِينَ نَزَلَ عَنِ الْأَمْرِ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَصْفَقَتِ الْبَيْعَةُ لِمُعَاوِيَةَ وَسُمِّيَ ذَلِكَ عَامَ الْجَمَاعَةِ، وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ «سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ - وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَانِبِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ -: " إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ".» وَهَكَذَا وَقَعَ.
وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " «عَنْ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ أَنَّ نَاسًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَغْزُونَ الْبَحْرَ مَرَّتَيْنِ، وَأَنَّهَا تَكُونُ مَعَ الْأَوَّلِينَ،» فَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، مَعَ مُعَاوِيَةَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، حِينَ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانَ فِي غَزْوِ قُبْرُسَ،

فَأَذِنَ لَهُ فَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْمَرَاكِبَ إِلَيْهَا وَفَتَحُوهَا قَسْرًا، وَتُوُفِّيَتْ أُمُّ حَرَامٍ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَكَانَ مَعَ مُعَاوِيَةَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ زَوْجَتُهُ فَاخِتَةُ بِنْتُ قَرَظَةَ.
وَأَمَّا غَزْوَةُ الْبَحْرِ الثَّانِيَةُ فَكَانَتْ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ أَيْضًا، غَزَاهَا ابْنُهُ يَزِيدُ وَمَعَهُ الْجُنُودُ فَدَخَلُوا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَكَانَ مَعَهُ فِي هَذَا الْجَيْشِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَمَاتَ هُنَالِكَ وَأَوْصَى إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، أَنْ يَدْفِنَهُ تَحْتَ سَنَابِكِ الْخَيْلِ، وَأَنْ يُوغِلَ بِهِ إِلَى أَقْصَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَهِيَ بِهِ إِلَى نَحْوِ جِهَةِ الْعَدُوِّ، فَفَعَلَ ذَلِكَ.
وَتَفَرَّدَ الْبُخَارِيُّ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ، عَنْ أُمِّ حَرَامٍ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا ". قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا فِيهِمْ؟ قَالَ: " أَنْتِ فِيهِمْ ". ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ ". قُلْتُ: أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لَا "

[ذِكْرُ قِتَالِ الْهِنْدِ]

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ، عَنِ الْحَسَنِ، «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَلِيلِي الصَّادِقُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْثٌ إِلَى السِّنْدِ وَالْهِنْدِ ". فَإِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُ فَاسْتُشْهِدْتُ فَذَاكَ، وَإِنْ أَنَا - فَذَكَرَ كَلِمَةً - رَجَعْتُ، فَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُحَرَّرُ; قَدْ أَعْتَقَنِي مِنَ النَّارِ» . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ جَبْرِ بْنِ عُبَيْدَةَ، «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: وَعَدَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ الْهِنْدِ، فَإِنِ اسْتُشْهِدْتُ، كُنْتُ مِنْ خَيْرِ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ رَجَعْتُ فَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُحَرَّرُ» . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ هُشَيْمٍ وَزَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ جَبْرٍ - وَيُقَالُ: جُبَيْرٌ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ.
وَقَدْ غَزَا الْمُسْلِمُونَ الْهِنْدَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، فِي إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ أَيْضًا، فَجَرَتْ هُنَالِكَ أُمُورٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا مَبْسُوطَةً فِيمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ غَزَاهَا الْمَلِكُ السَّعِيدُ الْمَحْمُودُ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ صَاحِبُ غَزْنَةَ وَمَا وَالَاهَا، فِي حُدُودِ أَرْبَعِمِائَةٍ، فَفَعَلَ هُنَالِكَ أَفْعَالًا مَشْهُورَةً، وَأُمُورًا مَشْكُورَةً؟ كَسَرَ الصَّنَمَ الْأَعْظَمَ الْمُسَمَّى بِسُومَنَاتَ، وَأَخَذَ قَلَائِدَهُ وَجَوَاهِرَهُ وَذَهَبَهُ وَشُنُوفَهُ، وَأَخَذَ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا

يُحْصَى، وَرَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ سَالِمًا مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا.
وَقَدْ كَانَ نُوَّابُ بَنِي أُمَيَّةَ يُقَاتِلُونَ الْأَتْرَاكَ، فِي أَقْصَى بِلَادِ السِّنْدِ وَالصِّينِ، وَقَهَرُوا مَلِكَهُمْ الْقَانَ الْأَعْظَمَ، وَمَزَّقُوا عَسَاكِرَهُ، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَى أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِذِكْرِ صِفَتِهِمْ وَنَعْتِهِمْ، وَلْنَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَازِ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، وَحَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ; صِغَارَ الْأَعْيُنِ، حُمْرَ الْوُجُوهِ، ذُلْفَ الْأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّهُمْ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الْأَمْرِ، حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ، وَالنَّاسُ مَعَادِنُ; خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ زَمَانٌ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ أَهْلِهِ وَمَالِهِ» ". تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ.
ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزًا وَكَرْمَانَ مِنَ الْأَعَاجِمِ، حُمْرَ الْوُجُوهِ فُطْسَ الْأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ» ". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ» "، وَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ سِوَى النَّسَائِيِّ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهِ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: وَهُمْ أَهْلُ الْبَارَزِ.
كَذَا قَالَ سُفْيَانُ، وَلَعَلَّهُ: الْبَازَرُ، وَهُوَ سُوقُ الْفُسُوقِ الَّذِي لَهُمْ.
حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ: وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ " أَوْ: " يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ " - وَإِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا عِرَاضَ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ ".» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ.

وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيِّ.
قَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " «إِنَّ أُمَّتِي يَسُوقُهَا قَوْمٌ صِغَارُ الْأَعْيُنِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْحَجَفُ، ثَلَاثَ مِرَارٍ " حَتَّى يُلْحِقُوهُمْ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ; أَمَّا السِّيَاقَةُ الْأُولَى فَيَنْجُو مَنْ هَرَبَ مِنْهُمْ، أَمَّا الثَّانِيَةُ فَيَنْجُو بَعْضٌ وَيَهْلِكُ بَعْضٌ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَيُصْطَلَمُونَ كُلُّهُمْ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: " التُّرْكُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِيَرْبِطُنَّ خُيُولَهُمْ بِسَوَارِي مَسْجِدِ الْمُسْلِمِينَ ". قَالَ: فَكَانَ بُرَيْدَةُ لَا يُفَارِقُهُ بَعِيرَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ وَمَتَاعٌ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْهَرَبِ; لِمَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْبَلَاءِ فِي التُّرْكِ» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَلَاحِمِ مِنْ " سُنَنِهِ " عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ بَشِيرِ بْنِ الْمُهَاجِرِ.
وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى عَنْهُ، بِهِ، وَفِيهِ: " «قَوْمٌ صِغَارُ الْعُيُونِ، عِرَاضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْحَجَفُ، يُلْحِقُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ بِمَنَابِتِ الشِّيحِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ; أَمَّا الْمَرَّةُ الْأُولَى فَيَنْجُو مَنْ هَرَبَ، وَأَمَّا الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ فَيَنْجُو بَعْضٌ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَيَهْلِكُونَ جَمِيعًا، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَقَدْ رَبَطُوا خُيُولَهُمُ بِسَوَارِي الْمَسْجِدِ ". قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " هُمُ التُّرْكُ ".» حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ الثَّقَفِيِّ فِي ذَلِكَ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، ثَنَا الْحَشْرَجُ بْنُ نُبَاتَةَ الْقَيْسِيُّ الْكُوفِيُّ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي فِي هَذَا الْمَسْجِدِ مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لِتَنْزِلَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي أَرْضًا يُقَالُ لَهَا: الْبَصْرَةُ.
فَيَكْثُرُ بِهَا عَدَدُهُمْ وَنَخْلُهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ بَنُو قَنْطُورَاءَ، عِرَاضُ الْوُجُوهِ، صِغَارُ الْعُيُونِ، حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى جِسْرٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: دِجْلَةَ.
فَيَفْتَرِقَ الْمُسْلِمُونَ ثَلَاثَ فِرَقٍ؟ فَأَمَّا فِرْقَةٌ فَتَأْخُذُ بِأَذْنَابِ الْإِبِلِ فَتَلْحَقُ بِالْبَادِيَةِ، فَهَلَكَتْ، وَأَمَّا فِرْقَةٌ فَتَأْخُذُ عَلَى أَنْفُسِهَا، فَكَفَرَتْ، فَهَذِهِ وَتِلْكَ سَوَاءٌ، وَأَمَّا فِرْقَةٌ فَيَجْعَلُونَ عِيَالَهُمْ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ وَيُقَاتِلُونَ، فَقَتْلَاهُمْ شُهَدَاءُ، وَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى بَقِيَّتِهِمْ» ". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَلَاحِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، عَنْ

عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ، ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «يَنْزِلُ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي بِغَائِطٍ يُسَمُّونَهُ الْبَصْرَةَ عِنْدَ نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ: دِجْلَةُ.
يَكُونُ عَلَيْهِ جِسْرٌ، يَكْثُرُ أَهْلُهَا، وَتَكُونُ مِنْ أَمْصَارِ الْمُهَاجِرِينَ - وَفِي لَفْظٍ: الْمُسْلِمِينَ - فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ جَاءَ بَنُو قَنْطُورَاءَ عِرَاضُ الْوُجُوهِ صِغَارُ الْأَعْيُنِ، حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ، فَيَتَفَرَّقَ الْمُهَاجِرُونَ ثَلَاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٌ تَأْخُذُ بِأَذْنَابِ الْبَقَرِ وَالْبَرِّيَّةِ وَهَلَكُوا، وَفِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَكَفَرُوا، وَفِرْقَةٌ يَجْعَلُونَ ذَرَارِيَّهَمْ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ، وَيُقَاتِلُونَهُمْ، وَهُمُ الشُّهَدَاءُ» ". وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي ذِكْرِ الْبَصْرَةِ، الَّتِي مُصِّرَتْ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ الْإِسْكَنْدَرَانِيِّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ، قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، يَلْبَسُونَ الشَّعَرَ» ". وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ.

وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، فَقَالَ أَحْمَدُ ثَنَا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ ابْنُ أُخْتِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا صِغَارَ الْأَعْيُنِ، عِرَاضَ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ أَعْيُنَهُمْ حَدَقُ الْجَرَادِ، وَكَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ، وَيَتَّخِذُونَ الدَّرَقَ حَتَّى يَرْبِطُوا خُيُولَهُمْ بِالنَّخْلِ» ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.

[حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قِتَالِ التُّرْكِ]

ِ: قَالَ أَبُو يَعْلَى: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْبَصْرِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْغَمْرِ، مَوْلَى سَمُوكٍ، ثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّي، سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إِذْ جَاءَهُ كِتَابُ عَامِلِهِ يُخْبِرُ أَنَّهُ أَوْقَعَ بِالتُّرْكِ وَهَزَمَهُمْ، وَبِكَثْرَةِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ وَكَثْرَةِ مَا غُنِمَ مِنْهُمْ، فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ إِلَيْهِ: قَدْ فَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ مِمَّا قَتَلْتَ وَغَنِمْتَ فَلَا أَعْلَمَنَّ أَنَّكَ عُدْتَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا تُقَاتِلْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ

أَمْرِي.
فَقُلْتُ لَهُ: وَلِمَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «إِنَّ التُّرْكَ تُحَارِبُ الْعَرَبَ حَتَّى تُلْحِقَهَا بِمَنَابِتِ الشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ» ". فَأَكْرَهُ قِتَالَهُمْ لِذَلِكَ.
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ مُعَاوِيَةَ: قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَلَّافُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الْحَرَّانِيُّ، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ التَّنُوخِيِّ، ثَنَا حَسَّانُ بْنُ كُرَيْبٍ الْحِمْيَرِيُّ، سَمِعْتُ ابْنَ ذِي الْكَلَاعِ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «اتْرُكُوا التُّرْكَ.
مَا تَرَكُوكُمْ» ". وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ فِي كِتَابِ " الْمَلَاحِمِ "، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْعَطَّارُ وَأَبُو الْمُغِيرَةِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: يَنْزِلُ التُّرْكُ آمِدَ وَيَشْرَبُونَ مِنْ نَهْرِ الدِّجْلَةِ وَالْفُرَاتِ، سَبْعُونَ أَلْفًا، وَيَسْعَوْنَ فِي الْجَزِيرَةِ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فِي الْحِيرَةِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ شَيْئًا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثَلْجًا بِغَيْرِ كَيْلٍ فِيهِ صِرٌّ مِنْ رِيحٍ شَدِيدَةٍ وَجَلِيدٍ، فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ.
فَيَرْجِعُونَ فَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَهُمْ وَكَفَاكُمُ الْعَدُوَّ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، قَدْ هَلَكُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ التُّرْكَ قَاتَلَهُمُ الصَّحَابَةُ، فَهَزَمُوهُمْ، وَغَنِمُوهُمْ، وَسَبَوْا نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، وَظَاهِرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ قِتَالَهُمْ يَكُونُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ،

وَأَشْرَاطُهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بَيْنَ يَدَيْهَا قَرِيبًا مِنْهَا، فَقَدْ يَكُونُ هَذَا وَاقِعًا مَرَّةً أُخْرَى عَظِيمَةً بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالتُّرْكِ، حَتَّى يَكُونَ آخِرَ ذَلِكَ قِتَالُهُمْ مَعَ الدَّجَّالِ، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهَا قَرِيبًا مِنْهَا، أَوْ يَكُونَ مِمَّا يَقَعُ فِي الْجُمْلَةِ، حَتَّى وَلَوْ تَقْدَّمَ قَبْلَهَا بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، إِلَّا أَنَّهُ مِمَّا يَقَعُ بَعْدَ زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ بَعْدَ تَأَمُّلِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، كَمَا تَرَى ذَلِكَ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا وَرَدَ فِي مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ بِكَرْبَلَاءَ، فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، كَمَا سَلَفَ.
وَمَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي ذِكْرِ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ وَأُغَيْلِمَةِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ; قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، أَخْبَرَنِي جَدِّي سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ» ". فَقَالَ مَرْوَانُ، وَهُوَ مَعَنَا فِي الْحَلْقَةِ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ شَيْئًا: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ غِلْمَةً.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ بَنِي فَلَانٍ، وَبَنِي فَلَانٍ لَفَعَلْتُ.
قَالَ: فَكُنْتُ أَخْرُجُ مَعَ أَبِي وَجَدِّي إِلَى بَنِي مَرْوَانَ بَعْدَ مَا مَلَكُوا، فَإِذَا هُمْ يُبَايِعُونَ

الصِّبْيَانَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُبَايَعُ لَهُ وَهُوَ فِي خِرْقَةٍ.
قَالَ لَنَا: هَلْ عَسَى أَصْحَابُكُمْ هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا الَّذِينَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَذْكُرُ أَنَّ هَذِهِ الْمُلُوكَ يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِنَحْوِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَقَدْ حَرَّرْنَاهَا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ.
وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي ذِكْرِ الْكَذَّابِ وَالْمُبِيرِ مِنْ ثَقِيفٍ، فَالْكَذَّابُ هُوَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ الَّذِي ظَهَرَ بِالْكُوفَةِ أَيَّامَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ رَافِضِيًّا خَبِيثًا،.
بَلْ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى الزَّنْدَقَةِ، وَادَّعَى أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، وَقَدْ قَتَلَهُ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأُمَّا الْمُبِيرُ فَهُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ، الَّذِي قَتَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ نَاصِبِيًّا جَبَّارًا عَنِيدًا، عَكْسَ الْأَوَّلِ فِي الرَّفْضِ.
وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ الرَّايَاتِ السُّودِ الَّتِي جَاءَ بِهَا بَنُو الْعَبَّاسِ مِنْ خُرَاسَانَ لَمَّا اسْتَلَبُوا الْمُلْكَ مِنْ أَيْدِي بَنِي أُمَيَّةَ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، أَخَذُوا الْخِلَافَةَ مِنْ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ الْعَاصِ وَيُعَرَفُ بِمَرْوَانَ الْحِمَارِ الْجَعْدِيِّ; لِاشْتِغَالِهِ عَلَى الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ الْمُعْتَزِلِيِّ، وَكَانَ آخِرَ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ، فَصَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى السَّفَّاحِ أَوَّلِ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِاسْمِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ

عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ بَدَأَ هَذَا الْأَمْرَ نُبُوَّةً وَرَحْمَةً، وَكَائِنًا خِلَافَةً وَرَحْمَةً، وَكَائِنًا مُلْكًا عَضُوضًا، وَكَائِنًا عِزَّةً وَجَبْرِيَّةً وَفَسَادًا فِي الْأُمَّةِ، يَسْتَحِلُّونَ الْفُرُوجَ، وَالْخُمُورَ، وَالْحَرِيرَ، وَيُنْصَرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُرْزَقُونَ أَبَدًا، حَتَّى يَلْقَوُا اللَّهَ» ". وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ الْجُمَحِيِّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَكُونُ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ خُلَفَاءُ يَعْمَلُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَعْدِلُونَ فِي عِبَادِ اللَّهِ، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِ الْخُلَفَاءِ مُلُوكٌ يَأْخُذُونَ بِالثَّأْرِ، وَيَقْتُلُونَ الرِّجَالَ، وَيَصْطَفُونَ الْأَمْوَالَ، فَمُغَيِّرٌ بِيَدِهِ، وَمُغَيِّرٌ بِلِسَانِهِ، وَمُغَيِّرٌ بِقَلْبِهِ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ» ". وَثَبَتَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ، عَنْ

أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ; كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ ". قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ; فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ ".» وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مَا كَانَ نَبِيٌّ إِلَّا كَانَ لَهُ حَوَارِيُّونَ يَهْدُونَ بِهَدْيهِ، وَيَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِهِ، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَعْمَلُونَ مَا يُنْكِرُونَ» ". وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «يَكُونُ اثَنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ» ". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى يَكُونَ اثَنَا عَشَرَ خَلِيفَةً» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مُسْتَقِيمًا أَمْرُهَا، ظَاهِرَةً عَلَى عَدُوِّهَا، حَتَّى يَمْضِيَ مِنْهُمُ اثَنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ ". قَالُوا: ثُمَّ يَكُونُ مَاذَا؟ قَالَ: " يَكُونُ الْهَرْجُ ".» فَهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءُ الْمُبَشَّرُ بِهِمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسُوا بِالْاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ تَزْعُمُهُمُ

الرَّوَافِضُ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ وَبُهْتَانٌ مِنْهُمْ، لِأَنَّ أَكْثَرَ أُولَئِكَ لَمْ يَلِ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي خِلَافَةٍ، بَلْ وَلَا فِي بَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ، وَإِنَّمَا وَلِىَ مِنْهُمْ عَلَيٌّ وَابْنُهُ الْحَسَنُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشْرَ الَّذِينَ تَتَابَعَتْ وِلَايَتُهُمْ سَرْدًا إِلَى أَثَنَاءِ دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ; لِأَنَّ حَدِيثَ سَفِينَةَ: " «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً» ". يَمْنَعُ مِنْ هَذَا الْمَسْلَكِ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْهَقِيُّ قَدْ رَجَّحَهُ، وَقَدْ بَحَثَنَا مَعَهُ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ الِاثْنَيْ عَشَرَ وُجِدَ مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، وَابْنُهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ أَيْضًا، وَمِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، كَمَا هُوَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَجُمْهُورِ الْأُمَّةِ، وَكَذَلِكَ وُجِدَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَسَيُوجَدُ بَقِيَّتُهُمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمَانِ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُمُ الْمَهْدِيُّ الْمُبَشَّرُ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهَا، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، كَمَا قَرَّرْنَا ذَلِكَ.

[حَدِيثُ عُبَادَةَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا بَعْدَ الْمِائَةِ سَنَةٍ]

ٍ: قَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي عَطَاءٍ يَزِيدَ بْنِ عَطَاءٍ السَّكْسَكِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ شَقْرَاءَ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ يَذْكُرُ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مُدَّةُ أُمَّتِكَ فِي الرَّخَاءِ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، حَتَّى سَأَلَهُ ثَلَاثَ مِرَارٍ، كُلُّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ الرَّجُلُ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أَيْنَ السَّائِلُ "؟ فَرَدُّوهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: " سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي; مُدَّةُ أُمَّتِي مِنَ الرَّخَاءِ مِائَةُ سَنَةٍ ". قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ أَمَارَةٍ أَوْ عَلَامَةٍ أَوْ آيَةٍ؟ فَقَالَ: " نَعَمْ، الْخَسْفُ وَالرَّجْفُ وَإِرْسَالُ الشَّيَاطِينِ الْمُجْلِبَةِ عَلَى النَّاسِ ".» وَفِي " مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى "، وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ مُصْعَبِ بْنِ مُصْعَبٍ، وَلَا أَعْرِفُهُ إِلَّا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «تُرْفَعُ زِينَةُ الدُّنْيَا سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ» ". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.

[حَدِيثٌ فِيمَا بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ]

ِ قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الْآيَاتُ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ» ". ثُمَّ أَوْرَدَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ، وَلَا يَصِحُّ، وَلَوْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا وَقَعَ مِنَ الْفِتْنَةِ بِسَبَبِ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَمِحْنَةِ الْإِمَامِ

جارٍ التحميل