البداية والنهايةصفحات 718-29

َ فَتْحُ الرَّيِّ

صفحات 718-29

أَنْ يَكُونَ لَحِقَنِي شَرٌّ.
وَقَالَ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَدْ أَوْصَى إِلَيَّ أَنْ أُغَسِّلَهُ وَأُكَفِّنَهُ، وَأَدْفِنَهُ فَإِذَا حَلَلْتُ عُقْدَةَ الْكَفَنِ، أَنْ أَنْظُرَ فِي وَجْهِهِ، قَالَ: فَلَمَّا فَعَلْتُ ذَلِكَ إِذَا وَجْهُهُ كَالْقَرَاطِيسِ بَيَاضًا، وَكَانَ قَدْ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ دَفَنَ ثَلَاثَةً مِنَ الْخُلَفَاءِ فَيَحُلُّ عَنْ وُجُوهِهِمْ فَإِذَا هِيَ مُسْوَدَّةٌ.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ يُوسُفَ بْنِ مَاهِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُسَوِّي التُّرَابَ عَلَى قَبْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِذْ سَقَطَ عَلَيْنَا مِنَ السَّمَاءِ كِتَابٌ فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَانٌ مِنَ اللَّهِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنَ النَّارِ.
سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الْبَصْرِيِّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهِكٍ فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ غَرَابَةٌ شَدِيدَةٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رُئِيَتْ لَهُ مَنَامَاتٌ صَالِحَةٌ، وَتَأَسَّفَ عَلَيْهِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ، لَا سِيَّمَا الْعُلَمَاءُ وَالزُّهَّادُ وَالْعُبَّادُ.
وَرَثَاهُ الشُّعَرَاءُ ; فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَنْشَدَهُ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ لِكُثَيِّرِ عَزَّةَ يَرْثِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَمَّتْ صَنَائِعُهُ فَعَمَّ هَلَاكُهُ ... فَالنَّاسُ فِيهِ كُلُّهُمْ مَأْجُورُ وَالنَّاسُ مَأْتَمُهُمْ عَلَيْهِ وَاحِدٌ ... فِي كُلِّ دَارٍ رَنَّةٌ وَزَفِيرُ يُثْنِي عَلَيْكَ لِسَانُ مَنْ لَمْ تُولِهِ ... خَيْرًا لِأَنَّكَ بِالثَّنَاءِ جَدِيرُ رَدَّتْ صَنَائِعُهُ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ ... فَكَأَنَّهُ مِنْ نَشْرِهَا مَنْشُورُ

وَقَالَ جَرِيرٌ يَرْثِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَنْعَى النُّعَاةُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَنَا ... يَا خَيْرَ مَنْ حَجَّ بَيْتَ اللَّهِ وَاعْتَمَرَا حَمَلْتَ أَمْرًا عَظِيمًا فَاضْطَلَعْتَ بِهِ ... وَقُمْتَ فِيهِ بِأَمْرِ اللَّهِ يَا عُمْرَا الشَّمْسُ كَاسِفَةٌ لَيْسَتْ بِطَالِعَةٍ ... تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ وَالْقَمَرَا وَقَالَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَرْثِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَوْ أَعْظَمَ الْمَوْتُ خَلْقًا أَنْ يُوَاقِعَهُ ... لِعَدْلِهِ لَمْ يُصِبْكَ الْمَوْتُ يَا عُمَرُ كَمْ مِنْ شَرِيعَةِ عَدْلٍ قَدْ نَعَشْتَ لَهُمْ ... كَادَتْ تَمُوتُ وَأُخْرَى مِنْكَ تُنْتَظَرُ يَا لَهَفَ نَفْسِي وَلَهَفَ الْوَاجِدِينَ مَعِي ... عَلَى الْعُدُولِ الَّتِي تَغْتَالُهَا الْحَفْرُ ثَلَاثَةٌ مَا رَأَتْ عَيْنِي لَهُمْ شَبَهًا ... تَضُمُّ أَعْظُمَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحُفَرُ وَأَنْتَ تَتْبَعُهُمْ لَمْ تَأْلُ مُجْتَهِدًا ... سُقْيًا لَهَا سُنَنٌ بِالْحَقِّ تَفْتَقِرُ لَوْ كُنْتُ أَمْلِكُ وَالْأَقْدَارُ غَالِبَةٌ ... تَأْتِي رَوَاحًا وَتِبْيَانًا وَتَبْتَكِرُ صَرَفْتُ عَنْ عُمَرَ الْخَيْرَاتِ مَصْرَعَهُ ... بِدَيْرِ سَمْعَانَ لَكِنْ يَغْلِبُ الْقَدْرُ قَالُوا: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِدَيْرِ سَمْعَانَ مِنْ أَرْضِ حِمْصَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقِيلَ:

الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ مَضَيْنَ.
وَقِيلَ: بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ.
وَقِيلَ: لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى - وَقِيلَ: ثِنْتَيْنِ - وَمِائَةٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَمِائَةٍ.
وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُ عَمِّهِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقِيلَ: صَلَّى عَلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقِيلَ: ابْنُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا، وَقِيلَ: إِنَّهُ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ بِأَشْهُرٍ.
وَقِيلَ: بِسَنَةٍ.
وَقِيلَ: بِأَكْثَرَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً.
وَقِيلَ: سِتًّا وَثَلَاثِينَ.
وَقِيلَ: سَبْعًا وَثَلَاثِينَ.
وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً.
وَقِيلَ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعِينَ وَلَمْ يَبْلُغْهَا.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ: مَاتَ عُمَرُ عَلَى رَأْسِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَهَذَا وَهْمٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، يَعْنِي تِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا.
وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَيْنِ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ.
وَقِيلَ: وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَقِيلَ: سَنَتَانِ وَنِصْفٌ.
وَكَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَسْمَرَ دَقِيقَ الْوَجْهِ حَسَنَهُ، نَحِيفَ الْجِسْمِ حَسَنَ اللِّحْيَةِ، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، بِجَبْهَتِهِ أَثَرُ شَجَّةٍ، وَكَانَ قَدْ شَابَ وَخَضَّبَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[خِلَافَةُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ]

بُويِعَ لَهُ بِعَهْدٍ مِنْ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يَكُونَ وَلِيَّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ بَايَعَهُ النَّاسُ الْبَيْعَةَ الْعَامَّةَ، وَعُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَعَزَلَ فِي رَمَضَانَ مِنْهَا عَنْ إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، فَجَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، مُنَافَسَاتٌ وَضَغَائِنُ، حَتَّى آلَ الْأَمْرُ إِلَى أَنِ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ حُكُومَةً فَحَدَّهُ حَدَّيْنِ فِيهَا.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ الْخَوَارِجِ، وَهُمْ أَصْحَابُ بِسِطَامٍ الْخَارِجِيِّ، وَبَيْنَ جُنْدِ الْكُوفَةِ وَكَانَتِ الْخَوَارِجُ جَمَاعَةً قَلِيلَةً، وَكَانَ جَيْشُ الْكُوفَةِ نَحْوًا مِنْ عَشْرَةِ آلَافِ فَارِسٍ وَكَادَتِ الْخَوَارِجُ أَنْ تَكْسِرَهُمْ، فَتَذَامَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَطَحَنُوا الْخَوَارِجَ طَحْنًا عَظِيمًا، وَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، فَلَمْ يُبْقُوا مِنْهُمْ ثَائِرًا.
وَفِيهَا خَرَجَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ فَخَلَعَ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَاسْتَحْوَذَ عَلَى الْبَصْرَةِ وَذَلِكَ بَعْدَ مُحَاصَرَةٍ طَوِيلَةٍ وَقِتَالٍ طَوِيلٍ، فَلَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهَا بَسَطَ الْعَدْلَ فِي أَهْلِهَا، وَبَذَلَ الْأَمْوَالَ، وَحَبَسَ عَامِلَهَا عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ حَبَسَ آلَ الْمُهَلَّبِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْبَصْرَةِ، حِينَ هَرَبَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ مِنْ

مَحْبَسِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى قَصْرِ الْإِمَارَةِ أَتَى بِعَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ إِنِّي لَأَتَعَجَّبُ مِنْ ضَحِكِكَ لِأَنَّكَ هَرَبْتَ مِنَ الْقِتَالِ كَمَا تَهْرُبُ النِّسَاءُ، وَإِنَّكَ جِئْتَنِي وَأَنْتَ تُتَلُّ كَمَا يُتَلُّ الْعَبْدُ.
فَقَالَ عَدِيٌّ: إِنِّي لَأَضْحَكُ لِأَنَّ بَقَائِي بَقَاءٌ لَكَ، وَإِنَّ مِنْ وَرَائِي طَالِبًا لَا يَتْرُكُنِي.
قَالَ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: جُنُودُ بَنِي أُمَيَّةَ بِالشَّامِ لَا يَتْرُكُونَكَ، فَتَدَارَكْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ إِلَيْكَ الْبَحْرُ بِأَمْوَاجِهِ فَتَطْلُبَ الْإِقَالَةَ فَلَا تُقَالُ.
فَرَدَّ عَلَيْهِ يَزِيدُ جَوَابَ مَا قَالَ، ثُمَّ سَجَنَهُ كَمَا سَجَنَ أَهْلَهُ.
وَاسْتَقَرَّ أَمْرُ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ بِالْبَصْرَةِ، وَبَعَثَ نُوَّابَهُ فِي النَّوَاحِي وَالْجِهَاتِ، وَاسْتَنَابَ فِي الْأَهْوَازِ، وَأَرْسَلَ أَخَاهُ مُدْرِكَ بْنَ الْمُهَلَّبِ عَلَى نِيَابَةِ خُرَاسَانَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهُ الْخَلِيفَةَ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ جَهَّزَ ابْنَ أَخِيهِ الْعَبَّاسَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، مُقَدَّمَةً بَيْنَ يَدَيْ عَمِّهِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ فِي جُنُودِ الشَّامِ قَاصِدِينَ الْبَصْرَةَ لِقِتَالِهِ، وَلَمَّا بَلَغَ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ مَخْرَجُ الْجُيُوشِ قَاصِدَةً إِلَيْهِ، خَرَجَ مِنَ الْبَصْرَةِ وَاسْتَنَابَ عَلَيْهَا أَخَاهُ مَرْوَانَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَجَاءَ حَتَّى نَزَلَ وَاسِطًا، وَاسْتَشَارَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ فِي مَاذَا يَعْتَمِدُهُ؟ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِي الرَّأْيِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ يَسِيرَ إِلَى الْأَهْوَازِ لِيَتَحَصَّنَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ فَقَالَ: إِنَّمَا تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُونِي طَائِرًا فِي رَأْسِ جَبَلٍ.
وَأَشَارَ عَلَيْهِ رِجَالُ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْجَزِيرَةِ فَيَنْزِلَهَا، وَيَتَحَصَّنَ بِأَجْوَدِ

حِصْنٍ فِيهَا، وَيُبَعِّضَ عَلَيْهِ رِجَالَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ فَيُقَاتِلُ بِهِمْ أَهْلَ الشَّامِ.
وَانْسَلَخَتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَهُوَ نَازِلٌ بِوَاسِطٍ، وَجَيْشُ الشَّامِ قَاصِدُهُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ.
وَعَلَى مَكَّةَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ، وَعَلَى الْكُوفَةِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلَى قَضَائِهَا عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهَا وَخَلَعَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ، وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ.
وَأَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ وَكَانَ عَابِدًا صَادِقًا ثَبْتًا، وَقَدْ تَرْجَمْنَاهُ فِي كِتَابِنَا " التَّكْمِيلِ ". وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَمِائَةٍ فَفِيهَا كَانَ اجْتِمَاعُ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَعَ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَذَلِكَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ رَكِبَ مِنْ وَاسِطٍ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا ابْنَهُ مُعَاوِيَةَ، وَسَارَ هُوَ فِي جَيْشٍ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ أَخُوهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمُهَلَّبِ حَتَّى بَلَغَ مَكَانًا يُقَالُ لَهُ: الْعَقْرُ.
وَانْتَهَى إِلَيْهِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي جُنُودٍ لَا قِبَلَ لِيَزِيدَ بِهَا، وَقَدِ الْتَقَتِ الْمُقَدَّمَتَانِ أَوَّلًا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَهَزَمَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ أَهْلَ الشَّامِ ثُمَّ تَذَامَرَ أَهْلُ الشَّامِ فَحَمَلُوا عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَكَشَفُوهُمْ، فَهَزَمُوهُمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً مِنَ الشُّجْعَانِ، مِنْهُمُ الْمَنْتُوفُ، وَكَانَ شُجَاعًا مَشْهُورًا، وَكَانَ مِنْ مَوَالِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ: فَقَالَ فِي ذَلِكَ الْفَرَزْدَقُ: تُبَكِّي عَلَى الْمَنْتُوفِ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ ... وَتَنْهَى عَنِ ابْنَيْ مَسْمَعٍ مَنْ بَكَاهُمَا فَأَجَابَهُ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ مَوْلَى الثَّوْرِيِّينَ مِنْ هَمْدَانَ، وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ أَوَّلُ الْجَهْمِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي ذَبَحَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ يَوْمَ عِيدِ الْأَضْحَى، فَقَالَ الْجَعْدُ:

نُبَكِّي عَلَى الْمَنْتُوفِ فِي نَصْرِ قَوْمِهِ ... وَلَسْنَا نُبَكِّي الشَّائِدَيْنِ أَبَاهُمَا أَرَادَ فِنَاءَ الْحَيِّ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ... فَعِزُّ تَمِيمٍ لَوْ أُصِيبَ فِنَاهُمَا فَلَا لَقِيَا رَوْحًا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً ... وَلَا رَقَأَتْ عَيْنَا شَجِيٍّ بَكَاهُمَا أَفِي الْغِشِّ نَبْكِي إِنْ بَكَيْنَا عَلَيْهِمَا ... وَقَدْ لَقِيَا بِالْغِشِّ فِينَا رَدَاهُمَا وَلَمَّا اقْتَرَبَ مَسْلَمَةُ، وَابْنُ أَخِيهِ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ جَيْشِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ خَطَبَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ النَّاسَ، وَحَرَّضَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ يَعْنِي عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ وَكَانَ مَعَ يَزِيدَ نَحْوٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا قَدْ بَايَعُوهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَعَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى أَنْ لَا تَطَأَ الْجُنُودُ بِلَادَهُمْ، وَعَلَى أَنْ لَا تُعَادَ عَلَيْهِمْ سِيرَةُ الْفَاسِقِ الْحَجَّاجِ، وَمَنْ بَايَعْنَا عَلَى ذَلِكَ قَبِلْنَا مِنْهُ، وَمَنْ خَالَفَنَا قَاتَلْنَاهُ.
وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى الْكَفِّ وَتَرْكِ الدُّخُولِ فِي الْفِتْنَةِ، وَيَنْهَاهُمْ أَشَدَّ النَّهْيِ، وَذَلِكَ لِمَا وَقَعَ مِنَ الشَّرِّ الطَّوِيلِ الْعَرِيضِ فِي أَيَّامِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَمَا قُتِلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ النُّفُوسِ الْعَدِيدَةِ، وَجَعَلَ الْحَسَنُ يَخْطُبُ النَّاسَ، وَيَعِظُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْكَفِّ، فَبَلَغَ

ذَلِكَ نَائِبَ الْبَصْرَةِ مَرْوَانَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، فَقَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَأَمَرَهُمْ بِالْجِدِّ وَالْجِهَادِ وَالنَّفِيرِ إِلَى الْقِتَالِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ هَذَا الشَّيْخَ الضَّالَّ الْمُرَائِيَ وَلَمْ يُسَمِّهِ يُثَبِّطُ النَّاسَ عَنَّا، أَمَا وَاللَّهِ لَيَكُفَنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ، وَتَوَعَّدَ الْحَسَنَ، فَلَمَّا بَلَغَ الْحَسَنَ قَوْلُهُ، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا أَكْرَهُ أَنْ يُكْرِمَنِي اللَّهُ بِهَوَانِهِ.
فَسَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى زَالَتْ دَوْلَتُهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجُيُوشَ لَمَّا تَوَاجَهَتْ تَبَارَزَ النَّاسُ قَلِيلًا، وَلَمْ تَنْشَبِ الْحَرْبُ شَدِيدًا، فَلَمْ يَثْبُتْ أَهْلُ الْعِرَاقِ حَتَّى فَرُّوا سَرِيعًا، وَبَلَغَهُمْ أَنَّ الْجِسْرَ الَّذِي جَاءُوا عَلَيْهِ قَدْ حُرِقَ فَانْهَزَمُوا، فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ مَا بَالُ النَّاسِ؟ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْأَمْرِ مَا يُفَرُّ مِنْ مِثْلِهِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ بَلَغَهُمْ أَنَّ الْجِسْرَ قَدْ حُرِقَ.
فَقَالَ: قَبَّحَهُمُ اللَّهُ.
ثُمَّ رَامَ أَنْ يَرُدَّ الْمُنْهَزِمِينَ فَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، فَثَبَتَ فِي عِصَابَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَسَلَّلُونَ مِنْهُ حَتَّى بَقِيَ فِي شِرْذِمَةٍ مِنْهُمْ قَلِيلَةٍ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَسِيرُ قُدُمًا لَا يَمُرُّ بِخَيْلٍ إِلَّا هَزَمَهُمْ، وَأَهْلُ الشَّامِ يَنْحَازُونَ عَنْهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَقَدْ قُتِلَ قَبْلَهُ أَخُوهُ حَبِيبُ بْنُ الْمُهَلَّبِ فَازْدَادَ حَنَقًا وَغَضَبًا، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ أَشْهَبَ، ثُمَّ قَصَدَ نَحْوَ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ، فَلَمَّا وَاجَهَهُ حَمَلَتْ عَلَيْهِ خُيُولُ الشَّامِ فَقَتَلُوهُ، وَقَتَلُوا مَعَهُ أَخَاهُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَقَتَلُوا

السَّمَيْدَعَ، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ، وَكَانَ الَّذِي قَتَلَ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْقَحْلُ بْنُ عَيَّاشٍ.
فَقُتِلَ إِلَى جَانِبِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَجَاءُوا بِرَأْسِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ إِلَى مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَرْسَلَهُ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ إِلَى أَخِيهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاسْتَحْوَذَ مَسْلَمَةُ عَلَى مَا فِي مُعَسْكَرِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَأَسَرَ مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ، فَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى الْكُوفَةِ، وَبَعَثَ إِلَى أَخِيهِ فِيهِمْ، فَجَاءَ كِتَابُ يَزِيدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَتْلِهِمْ، وَسَارَ مَسْلَمَةُ فَنَزَلَ الْحِيرَةَ.
وَلَمَّا انْتَهَتْ هَزِيمَةُ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ إِلَى ابْنِهِ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ بِوَاسِطٍ، عَمَدَ إِلَى نَحْوٍ مِنْ ثَلَاثِينَ أَسِيرًا فِي يَدِهِ فَقَتَلَهُمْ ; مِنْهُمْ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَابْنُهُ، وَمَالِكٌ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ ابْنَا مَسْمَعٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَشْرَافِ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَتَى الْبَصْرَةَ وَمَعَهُ الْخَزَائِنُ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَجَاءَ عَمُّهُ الْمُفَضَّلُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، فَاجْتَمَعَ آلُ الْمُهَلَّبِ بِالْبَصْرَةِ، فَأَعَدُّوا السُّفُنَ، وَتَجَهَّزُوا أَتَمَّ الْجِهَازِ، وَاسْتَعَدُّوا لِلْهَرَبِ، فَسَارُوا بِعِيَالِهِمْ وَأَثْقَالِهِمْ، فَلَمْ يَزَالُوا سَائِرِينَ، حَتَّى أَتَوْا جِبَالَ كَرْمَانَ فَنَزَلُوهَا، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ فَلَّ مِمَّنْ كَانَ مَعَ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ،

وَقَدْ أَمَّرُوا عَلَيْهِمُ الْمُفَضَّلَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، فَأَرْسَلَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ جَيْشًا، عَلَيْهِمْ هِلَالُ بْنُ أَحْوَزَ الْمَازِنِيُّ فِي طَلَبِ آلِ الْمُهَلَّبِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: مُدْرِكُ بْنُ ضَبٍّ الْكَلْبِيُّ.
فَلَحِقَهُمْ بِجِبَالِ كَرْمَانَ فَاقْتَتَلُوا هُنَالِكَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُفَضَّلِ، وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَانْهَزَمَ بَقِيَّتُهُمْ، ثُمَّ لَحِقُوا الْمُفَضَّلَ فَقَتَلُوهُ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَأَقْبَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ فَأَخَذُوا لَهُمْ أَمَانًا مِنْ أَمِيرِ الشَّامِ ; مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيُّ، ثُمَّ أَرْسَلُوا بِالْأَثْقَالِ وَالْأَمْوَالِ وَالنِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ فَوَرَدَتْ عَلَى مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمَعَهُمْ رَأْسُ الْمُفَضَّلِ، وَرَأْسُ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنَيِ الْمُهَلَّبِ، فَبَعَثَ مَسْلَمَةُ بِالرُّءُوسِ، وَتِسْعَةٍ مِنَ الصِّبْيَانِ الْأَحْدَاثِ الْحِسَانِ إِلَى أَخِيهِ يَزِيدَ، فَأَمَرَ بِضَرْبِ أَعْنَاقِ أُولَئِكَ، وَنُصِبَتْ رُءُوسُهُمْ بِدِمَشْقَ ثُمَّ أَرْسَلَهَا إِلَى حَلَبَ فَنُصِبَتْ بِهَا، وَحَلَفَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لَيَبِيعَنَّ ذَرَارِيَّ آلِ الْمُهَلَّبِ، فَاشْتَرَاهُمْ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ إِبْرَارًا لِقَسَمِهِ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَأَعْتَقَهُمْ وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَلَمْ يَأْخُذْ مَسْلَمَةُ مِنْ ذَلِكَ الْأَمِيرِ شَيْئًا.
وَقَدْ رَثَا الشُّعَرَاءُ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ بِقَصَائِدَ ذَكَرَهَا ابْنُ جَرِيرٍ.

[وِلَايَةُ مَسْلَمَةَ عَلَى بِلَادِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ]

وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ حَرْبِ آلِ الْمُهَلَّبِ كَتَبَ إِلَيْهِ أَخُوهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِوِلَايَةِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَخُرَاسَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَاسْتَنَابَ عَلَى الْكُوفَةِ وَعَلَى الْبَصْرَةِ، وَبَعَثَ عَلَى خُرَاسَانَ خَتَنَهُ زَوْجَ ابْنَتِهِ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعاصِ، الْمُلَقَّبِ بِخُذَيْنَةَ، فَسَارَ إِلَيْهَا فَحَرَّضَ أَهْلَهَا عَلَى الصَّبْرِ وَالشَّجَاعَةِ، وَعَاقَبَ عُمَّالًا مِمَّنْ كَانَ يَنُوبُ لِيَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَمَاتَ بَعْضُهُمْ تَحْتَ الْعُقُوبَةِ.

[ذِكْرُ وَقْعَةٍ جَرَتْ بَيْنَ التُّرْكِ وَالْمُسْلِمِينَ]

وَذَلِكَ أَنَّ خَاقَانَ الْمَلِكَ الْأَعْظَمَ مَلِكَ التُّرْكِ، بَعَثَ جَيْشًا إِلَى الصُّغْدِ لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: كُورْصُولُ.
فَأَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى قَصْرِ الْبَاهِلِيِّ فَحَصَرَهُ وَفِيهِ خَلْقٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَصَالَحَهُمْ نَائِبُ سَمَرْقَنْدَ وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطَرِّفٍ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَدَفَعَ إِلَيْهِمْ سَبْعَةَ عَشَرَ دِهْقَانًا رَهَائِنَ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ نَدَبَ عُثْمَانُ النَّاسَ فَانْتَدَبَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْمُسَيَّبُ بْنُ بِشْرٍ الرِّيَاحِيُّ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَسَارُوا نَحْوَ التُّرْكِ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ خَطَبَ النَّاسَ، فَحَثَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ ذَاهِبٌ إِلَى الْأَعْدَاءِ لِطَلَبِ الشَّهَادَةِ، فَرَجَعَ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفٍ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ يَخْطُبُهُمْ، وَيَرْجِعُ عَنْهُ بَعْضُهُمْ، حَتَّى

بَقِيَ فِي سَبْعِمِائَةِ مُقَاتِلٍ، فَسَارَ بِهِمْ حَتَّى غَالَقَ جَيْشَ الْأَتْرَاكِ، وَهُمْ مُحَاصِرُو ذَلِكَ الْقَصْرِ، وَقَدْ عَزَمَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ هُمْ فِيهِ عَلَى قَتْلِ نِسَائِهِمْ وَذَبْحِ أَوْلَادِهِمْ أَمَامَهُمْ، ثُمَّ يَنْزِلُونَ فَيُقَاتِلُونَ حَتَّى يُقْتَلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ الْمُسَيَّبُ يُثَبِّتُهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، فَثَبَتُوا وَمَكَثَ الْمُسَيَّبُ حَتَّى إِذَا كَانَ - وَقْتُ السَّحَرِ كَبَّرَ وَكَبَّرَ أَصْحَابُهُ، وَقَدْ جَعَلُوا شِعَارَهُمْ يَا مُحَمَّدُ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَى التُّرْكِ حَمْلَةً صَادِقَةً، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَعَقَرُوا دَوَابَّ كَثِيرَةً، وَنَهَضَ إِلَيْهِمُ التُّرْكُ، فَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، حَتَّى فَرَّ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ، وَضُرِبَتْ دَابَّةُ الْمُسَيَّبِ فِي عَجُزِهَا فَتَرَجَّلَ عَنْهَا، وَتَرَجَّلَ مَعَهُ الشُّجْعَانُ، فَقَاتَلُوا، وَهُمْ كَذَلِكَ قِتَالًا عَظِيمًا، وَالْتَفَّتِ الْجَمَاعَةُ بِالْمُسَيَّبِ، وَصَبَرُوا حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَفَرَّ الْمُشْرِكُونَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ هَارِبِينَ لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، وَقَدْ كَانَ الْأَتْرَاكُ فِي غَايَةِ الْكَثْرَةِ، فَنَادَى مُنَادِي الْمُسَيَّبِ: أَنْ لَا تَتْبَعُوا أَحَدًا مِنْهُمْ، وَعَلَيْكُمْ بِالْقَصْرِ وَأَهْلِهِ.
فَاحْتَمَلُوهُمْ وَحَازُوا مَا فِي مُعَسْكَرِ أُولَئِكَ الْأَتْرَاكِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ، وَانْصَرَفُوا رَاجِعِينَ سَالِمِينَ بِمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَحْصُورِينَ، وَجَاءَتِ التُّرْكُ مِنَ الْغَدِ إِلَى الْقَصْرِ فَلَمْ يَجِدُوا بِهِ دَاعِيًا وَلَا مُجِيبًا، فَقَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَقُونَا بِالْأَمْسِ لَمْ يَكُونُوا إِنْسًا، إِنَّمَا كَانُوا جِنًّا.
ثُمَّ غَزَا سَعِيدٌ الْمُلَقَّبُ خُذَيْنَةُ أَمِيرُ خُرَاسَانَ بِلَادَ الصُّغْدِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَعَانُوا الْكُفَّارَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ

الْغَزْوَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى نَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَقَبَضَ مَا وَجَدَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْحَوَاصِلِ.
وَفِيهَا عَزَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخَاهُ مَسْلَمَةَ عَنْ إِمْرَةِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَصْرِفُ أَمْوَالَ الْغَنِيمَةِ فِيمَا يُرِيدُ، وَلَمْ يَصْرِفْ إِلَى أَخِيهِ يَزِيدَ شَيْئًا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَطَمِعَ فِي أَخِيهِ فَعَزَلَهُ عَنْهَا، وَوَلَّى عَلَيْهَا بَدَلَهُ عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ عَلَى الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا أَمِيرُ الْمَدِينَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَفِيهَا تُوُفِّيَ: عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ الْفَزَارِيُّ، نَائِبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْبَصْرَةِ وَهُوَ الَّذِي قَبَضَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَبَعَثَ بِهِ مُقَيَّدًا إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَمَرَ بِسَجْنِهِ، فَلَمَّا مَرِضَ عُمَرُ هَرَبَ مِنَ السِّجْنِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ ظَهَرَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَنَصَبَ رَايَاتٍ سُودًا، وَطَلَبَ الْبَصْرَةَ وَمَلَكَهَا، وَجَرَتْ لَهُ فُصُولٌ قَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ جَرِيرٍ ثُمَّ إِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ أَبِيهِ أَخْرَجَ عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ هَذَا مِنَ الْحَبْسِ وَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ مَعَهُ جَمَاعَةً نَحْوَ ثَلَاثِينَ إِنْسَانًا.
يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ كَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَشْهُورِينَ، وَلَهُ فُتُوحَاتٌ كَثِيرَةٌ،

وَكَانَ جَوَادًا مُمَدَّحًا، لَهُ أَخْبَارٌ فِي الْكَرَمِ وَالشَّجَاعَةِ، وَآخِرُ أَمْرِهِ أَنَّهُ قُتِلَ، وَقُتِلَ مِنْ إِخْوَتِهِ وَأَوْلَادِهِ جَمَاعَةٌ، وَأُخِذَتْ أَمْوَالُهُ وَنِسَاؤُهُ وَأَوْلَادُهُ، وَزَالَ مَا كَانَ فِيهِ، وَقَدْ كَانُوا نَحْوَ ثَمَانِينَ نَفْسًا آلَ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، وَقَدْ جَمَعُوا شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْجَوَاهِرِ، فَمَا أَفَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا بَلْ سُلِبُوا ذَلِكَ جَمِيعَهُ.
قَالَ: وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ وَالسَّادَةِ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ الْهِلَالِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ وَيُقَالُ: أَبُو مُحَمَّدٍ الْخُرَاسَانِيُّ، كَانَ يَكُونُ بِبَلْخٍ وَسَمَرْقَنْدَ وَنَيْسَابُورَ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ لَهُ سَمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ حَتَّى وَلَا مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ جَاوَرَهُ سَبْعَ سِنِينَ.
وَكَانَ الضَّحَّاكُ إِمَامًا فِي التَّفْسِيرِ، قَالَ الثَّوْرِيُّ: خُذُوا التَّفْسِيرَ عَنْ أَرْبَعَةٍ ; مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هُوَ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ.
وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ: وَهُوَ ثِقَةٌ.
وَأَنْكَرَ شُعْبَةُ

سَمَاعَهُ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا أَخَذَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: كَانَ ضَعِيفًا.
وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي " الثِّقَاتِ "، وَقَالَ: لَمْ يُشَافِهْ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَقِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَدْ وَهِمَ.
وَحَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ سَنَتَيْنِ، وَوَضَعَتْهُ وَلَهُ أَسْنَانٌ، وَكَانَ يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ حِسْبَةً، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ فِي مَكْتَبِهِ ثَلَاثَةُ آلَافِ صَبِيٍّ، وَكَانَ يَرْكَبُ حِمَارًا، وَيَدُورُ مِنَ الْعَلْيَاءِ عَلَيْهِمْ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ - وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ - وَمِائَةٍ.
وَقَدْ بَلَغَ الثَّمَانِينَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَبُو الْمُتَوَكِّلِ عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ النَّاجِيُّ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، ثِقَةٌ، رَفِيعُ الْقَدْرِ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

فِيهَا عَزَلَ أَمِيرُ الْعِرَاقِ - وَهُوَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ - سَعِيدًا الْمُلَقَّبُ خُذَيْنَةَ، عَنْ نِيَابَةِ خُرَاسَانَ وَوَلَّى عَلَيْهَا سَعِيدَ بْنَ عَمْرٍو الْحَرَشِيَّ، بِإِذْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ سَعِيدٌ هَذَا مِنَ الْأَبْطَالِ الْمَشْهُورِينَ، انْزَعَجَ لَهُ التُّرْكُ، وَخَافُوهُ خَوْفًا شَدِيدًا، وَتَقَهْقَرُوا مِنْ بِلَادِ الصُّغْدِ إِلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ بِلَادِ الصِّينِ وَغَيْرِهَا.
وَفِيهَا جَمَعَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ بَيْنَ إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ وَإِمْرَةِ مَكَّةَ، وَوَلَّى عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ النَّضْرِيَّ نِيَابَةَ الطَّائِفِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا أَمِيرُ الْحَرَمَيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

[مِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ أَبُو الْعَلَاءِ الْمَدَنِيُّ.

  • عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ الْهِلَالِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاصُّ الْمَدَنِيُّ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ، وَهُوَ أَخُو سُلَيْمَانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ تَابِعِيٌّ.
    وَرَوَى هَذَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَوَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ.
    وَقِيلَ: تُوفِيَ قَبْلَ الْمِائَةِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ.
    وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
    مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ الْمَكِّيُّ ، أَبُو الْحَجَّاجِ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ مَوْلَى السَّائِبِ بْنِ أَبِي السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ أَحَدُ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ وَالْمُفَسِّرِينَ، كَانَ مِنْ أَخِصَّاءِ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالتَّفْسِيرِ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُرِيدُ بِالْعِلْمِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ.
    وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَخَذَ ابْنُ عُمَرَ بِرِكَابِي وَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ ابْنِي سَالِمًا وَغُلَامِي نَافِعًا يَحْفَظَانِ حِفْظَكَ.
    وَقِيلَ: إِنَّهُ عَرَضَ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثِينَ مَرَّةً.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَرَضْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَرَّتَيْنِ، أَقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ، وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا.
مَاتَ مُجَاهِدٌ وَهُوَ سَاجِدٌ، سَنَةَ مِائَةٍ.
وَقِيلَ: إِحْدَى - وَقِيلَ: ثِنْتَيْنِ.
وَقِيلَ: ثَلَاثٍ - وَمِائَةٍ.
وَقِيلَ: أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ.
وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ جَلِيلُ الْقَدْرِ.
مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ كَانَ يُلَقَّبُ بِالْمَهْدِيِّ لِصَلَاحِهِ، كَانَ تَابِعِيًّا جَلِيلَ الْقَدْرِ، مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

فِيهَا قَاتَلَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْحَرَشِيُّ نَائِبُ خُرَاسَانَ أَهْلَ الصُّغْدِ، وَحَاصَرَ أَهْلَ خُجَنْدَةَ، وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَخَذَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَأَسَرَ رَقِيقًا كَثِيرًا جِدًّا، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَوَجَدَ عَلَيْهِ أَمِيرُ الْعِرَاقِ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ إِذْ لَمْ يَكْتُبْ إِلَيْهِ فَيَكْتُبَ هُوَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَلَّاهُ.
وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا عَزَلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ إِمْرَةِ الْحَرَمَيْنِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّهُ خَطَبَ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ، فَامْتَنَعَتْ مِنْ قَبُولِ ذَلِكَ، فَأَلَحَّ عَلَيْهَا وَتَوَعَّدَهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى يَزِيدَ تَشْكُوهُ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّضْرِيِّ نَائِبِ الطَّائِفِ، فَوَلَّاهُ الْمَدِينَةَ، وَأَنْ يَضْرِبَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الضَّحَّاكِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى فِرَاشِهِ بِدِمَشْقَ وَأَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ رَكِبَ إِلَى دِمَشْقَ فَاسْتَجَارَ بِمَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَدَخَلَ عَلَى أَخِيهِ فَقَالَ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً.
فَقَالَ: كُلُّ حَاجَةٍ تَقُولُهَا فَهِيَ لَكَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ ابْنَ الضَّحَّاكِ.
فَقَالَ: هُوَ وَاللَّهِ حَاجَتِي.
فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْبَلُهَا وَلَا أَعْفُو عَنْهُ.
فَرَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَتَسَلَّمَهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ فَضَرَبَهُ وَأَخَذَ مَالَهُ حَتَّى تَرَكَهُ فِي جُبَّةِ صُوفٍ، فَسَأَلَ النَّاسَ

بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ قَدْ بَاشَرَ نِيَابَةَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَأَشْهُرًا، وَكَانَ الزُّهْرِيُّ قَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِرَأْيٍ سَدِيدٍ ; وَهُوَ أَنْ يَسْأَلَ الْعُلَمَاءَ إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَمْرٌ، فَلَمْ يَقْبَلْ وَلَمْ يَفْعَلْ، فَأَبْغَضَهُ النَّاسُ، وَذَمَّهُ الشُّعَرَاءُ، ثُمَّ كَانَ هَذَا آخِرَ أَمْرِهِ.
وَفِيهَا عَزَلَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، سَعِيدَ بْنَ عَمْرٍو الْحَرَشِيَّ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَخِفُّ بِأَمْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَلَمَّا عَزَلَهُ أَحْضَرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَاقَبَهُ وَأَخَذَ مِنْهُ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ ثُمَّ عَفَا عَنْهُ، وَوَلَّى عَلَى خُرَاسَانَ مُسْلِمَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ زُرْعَةَ الْكِلَابِيَّ، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَاسْتَخْلَصَ أَمْوَالًا كَانَتْ مُنْكَسِرَةً فِي أَيَّامِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْحَرَشِيَّ.
وَفِيهَا غَزَا الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ نَائِبُ إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ أَرْضَ التُّرْكِ، فَفَتَحَ بَلَنْجَرَ وَهَزَمَ التُّرْكَ، وَغَرَّقَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ فِي الْمَاءِ، وَسَبَى مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَافْتَتَحَ عَامَّةَ الْحُصُونِ الَّتِي تَلِي بَلَنْجَرَ، وَأَجْلَى عَامَّةَ أَهْلِهَا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّضْرِيُّ أَمِيرُ الْحَرَمَيْنِ وَالطَّائِفِ، وَعَلَى نِيَابَةِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَنَائِبُهُ عَلَى خُرَاسَانَ مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ يَوْمَئِذٍ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وُلِدَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِالسَّفَّاحِ أَوَّلُ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ وَقَدْ بَايَعَ أَبَاهُ فِي الْبَاطِنِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ.

[مِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: خَالِدُ بْنُ مَعْدَانِ الْكَلَاعِيُّ.
وَعَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، لَهُ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، ثِقَةٌ مَشْهُورٌ.
وَعَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ

وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ تَوَلَّى قَضَاءَ الْكُوفَةِ قَبْلَ الشَّعْبِيِّ ; فَإِنَّ الشَّعْبِيَّ تَوَلَّى فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَاسْتَمَرَّ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَأَمَّا أَبُو بُرْدَةَ فَإِنَّهُ كَانَ قَاضِيًا فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ، ثُمَّ عَزَلَهُ الْحَجَّاجُ وَوَلَّى أَخَاهُ أَبَا بَكْرٍ وَكَانَ أَبُو بُرْدَةَ فَقِيهًا حَافِظًا عَالِمًا، لَهُ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ.
أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَمِائَةٍ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَمِائَةٍ فِيهَا غَزَا الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ بِلَادَ اللَّانِ، وَفَتَحَ حُصُونًا كَثِيرَةً، وَبِلَادًا مُتَّسِعَةَ الْأَكْنَافِ مِنْ وَرَاءِ بَلَنْجَرَ 72، وَأَصَابَ غَنَائِمَ جَمَّةً، وَسَبَى خَلْقًا مِنْ أَوْلَادِ الْأَتْرَاكِ.
وَفِيهَا غَزَا مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ بِلَادَ التُّرْكِ، وَحَاصَرَ مَدِينَةً عَظِيمَةً مِنْ بِلَادِ الصُّغْدِ فَصَالَحَهُ مَلِكُهَا عَلَى مَالٍ كَثِيرٍ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ.
وَفِيهَا غَزَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِلَادَ الرُّومِ، فَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ سِرِّيَّةً أَلْفَ فَارِسٍ فَأُصِيبُوا جَمِيعًا.
وَفِيهَا لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْهَا تُوَفِّيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِأَرْبَدَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَعُمْرُهُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ، وَهَذِهِ تَرْجَمَتُهُ: هُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَبُو خَالِدٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأُمُّهُ عَاتِكَةُ

بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ.
بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَمِائَةٍ، بِعَهْدٍ مِنْ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةَ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ: كَانَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، فَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ وَرَّثَ الْمُسْلِمَ مِنَ الْكَافِرِ، وَلَمْ يُورِّثِ الْكَافِرَ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَأَخَذَ بِذَلِكَ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ، فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَاجَعَ السُّنَّةَ الْأُولَى، وَتَبِعَهُ فِي ذَلِكَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمَّا قَامَ هِشَامٌ أَخَذَ بِسُّنَّةِ الْخُلَفَاءِ.
يَعْنِي أَنَّهُ وَرَّثَ الْمُسْلِمَ مِنَ الْكَافِرِ.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ مَكْحُولٍ إِذْ أَقْبَلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَهَمَمْنَا أَنْ نُوَسِّعَ لَهُ، فَقَالَ مَكْحُولٌ: دَعُوهُ يَجْلِسُ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ، يَتَعَلَّمُ التَّوَاضُعَ.
وَقَدْ كَانَ يَزِيدُ هَذَا يُكْثِرُ مِنْ مُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْخِلَافَةَ، فَلَمَّا وَلِيَ عَزَمَ أَنْ يَتَأَسَّى بِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَمَا تَرَكَهُ قُرَنَاءُ السُّوءِ، وَحَسَّنُوا لَهُ الظُّلْمَ، كَمَا قَالَ حَرْمَلَةُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: لَمَّا وَلِيَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: سِيرُوا بِسِيرَةِ عُمَرَ.
فَمَكَثَ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَأُتِيَ بِأَرْبَعِينَ شَيْخًا، فَشَهِدُوا لَهُ أَنَّهُ مَا عَلَى الْخُلَفَاءِ مِنْ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ.

وَقَدِ اتَّهَمَهُ بَعْضُهُمْ فِي الدِّينِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، إِنَّمَا ذَاكَ وَلَدُهُ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ كَمَا سَيَأْتِي، أَمَّا هَذَا فَمَا كَانَ بِهِ بَأْسٌ، وَقَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لَا أُرَانِي إِلَّا لِمَا بِي، وَمَا أَرَى الْأَمْرَ إِلَّا سَيُفْضِي إِلَيْكَ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِنَّكَ عَمَّا قَلِيلٍ مَيِّتٌ، فَتَدَعُ الدُّنْيَا لِمَنْ لَا يَحْمَدُكَ، وَتُفْضِي إِلَى مَنْ لَا يَعْذِرُكَ، وَالسَّلَامُ.
وَكَتَبَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى أَخِيهِ هِشَامٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّكَ اسْتَبْطَأْتَ حَيَاتَهُ، وَتَمَنَّيْتَ وَفَاتَهُ، وَرُمْتَ الْخِلَافَةَ.
وَكَتَبَ فِي آخِرِهِ: تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وَإِنْ أَمُتْ ... فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيهَا بِأَوْحَدِ وَقَدْ عَلِمُوا لَوْ يَنْفَعُ الْعِلْمُ عِنْدَهُمْ ... مَتَى مِتُّ مَا الْبَاغِي عَلَيَّ بِمُخْلَدِ مَنِيَّتُهُ تَجْرِي لِوَقْتٍ وَحَتْفُهُ ... يُصَادِفُهُ يَوْمًا عَلَى غَيْرِ مَوْعِدِ فَقُلْ لِلَّذِي يَبْغِي خِلَافَ الَّذِي مَضَى ... تَهَيَّأْ لِأُخْرَى مِثْلِهَا فَكَأَنْ قَدِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ هِشَامٌ: جَعَلَ اللَّهُ يَوْمِي قَبْلَ يَوْمِكَ، وَوَلَدِي قَبْلَ وَلَدِكَ، فَلَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَكَ.
وَقَدْ كَانَ يَزِيدُ هَذَا يُحِبُّ حَظِيَّةً مِنْ حَظَايَاهُ يُقَالُ لَهَا: حَبَّابَةُ - بِتَشْدِيدِ

الْبَاءِ الْأُولَى، وَالصَّحِيحُ تَخْفِيفُهَا - وَاسْمُهَا الْعَالِيَةُ، وَكَانَتْ جَمِيلَةً جِدًّا، وَكَانَ قَدِ اشْتَرَاهَا فِي زَمَنِ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِينَارٍ، مِنْ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ فَقَالَ أَخُوهُ سُلَيْمَانُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَحْجُرَ عَلَى يَزِيدَ.
فَبَاعَهَا يَزِيدُ فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ سَعْدَةُ يَوْمًا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ بَقِيَ فِي نَفْسِكَ مَنْ أَمْرِ الدُّنْيَا شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، حَبَّابَةُ.
فَبَعَثَتِ امْرَأَتُهُ، فَاشْتَرَتْهَا لَهُ وَلَبَّسَتْهَا وَصَنَّعَتْهَا وَأَجْلَسَتْهَا مِنْ وَرَاءِ السِّتَارَةِ، وَقَالَتْ لَهُ أَيْضًا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ بَقِيَ فِي نَفْسِكَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ؟ قَالَ: أَوَمَا أَخْبَرْتُكِ؟ فَقَالَتْ: هَذِهِ حَبَّابَةُ وَأَبْرَزَتْهَا لَهُ، وَأَخْلَتْهُ بِهَا، وَتَرَكَتْهُ وَإِيَّاهَا، فَحَظِيَتِ الْجَارِيَةُ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ زَوْجَتُهُ أَيْضًا، فَقَالَ يَوْمًا: أَشْتَهِي أَنْ أَخْلُوَ بِحَبَّابَةَ فِي قَصْرٍ مُدَّةً مِنَ الدَّهْرِ لَا يَكُونُ عِنْدَنَا أَحَدٌ.
فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَجَمَعَهَا إِلَيْهِ فِي قَصْرٍ، فَبَيْنَمَا هُوَ مَعَهَا عَلَى أَسَرِّ حَالٍ وَأَنْعَمِ بَالٍ، إِذْ رَمَاهَا بِحَبَّةِ رُمَّانٍ - وَيُرْوَى: بِعِنَبَةٍ - فِي فَمِهَا وَهِيَ تَضْحَكُ، فَشَرِقَتْ بِهَا فَمَاتَتْ، فَمَكَثَ أَيَّامًا يُقَبِّلُهَا وَيَرْشُفُهَا وَهِيَ مَيِّتَةٌ، حَتَّى أَنْتَنَتْ وَجَيَّفَتْ، فَأَمَرَ بِدَفْنِهَا، فَلَمَّا دَفَنَهَا أَقَامَ أَيَّامًا عِنْدَ قَبْرِهَا هَائِمًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَنْزِلِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى قَبْرِهَا، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: فَإِنْ تَسْلُ عَنْكِ النَّفْسُ أَوْ تَدَعِ الصَّبَا ... فَبِالْيَأْسِ تَسْلُو عَنْكِ لَا بِالتَّجَلُّدِ وَكُلُّ خَلِيلٍ زَارَنِي فَهُوَ قَائِلٌ ... مِنْ أَجْلِكِ هَذَا هَامَةُ الْيَوْمِ أَوْ غَدِ ثُمَّ رَجَعَ، فَمَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ حَتَّى خُرِجَ بِنَعْشِهِ، وَكَانَ مَرَضُهُ بِالسُّلِّ، وَذَلِكَ بِالسَّوَادِ سَوَادِ الْأُرْدُنِّ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ،

أَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ.
وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَشَهْرًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ.
وَكَانَ عُمْرُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسًا - وَقِيلَ: سِتًّا.
وَقِيلَ: ثَمَانِيًا.
وَقِيلَ: تِسْعًا - وَثَلَاثِينَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ بَلَغَ الْأَرْبَعِينَ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَ طَوِيلًا جَسِيمًا أَبْيَضَ مُدَوَّرَ الْوَجْهِ، أَفْقَمَ الْفَمِ، لَمْ يَشِبْ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ بِالْجَوْلَانِ.
وَقِيلَ: بِحَوْرَانَ.
وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ وَعُمْرُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وَقِيلَ: بَلْ صَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ، وَحُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ حَتَّى دَفُنِ بَيْنَ بَابِ الْجَابِيَةِ وَبَابِ الصَّغِيرِ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ قَدْ عَهِدَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ لِأَخِيهِ هِشَامٍ وَمِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ فَبَايَعَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِهِ هِشَامًا.

[خِلَافَةُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ]

بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ - وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً وَأَشْهَرٌ ; لِأَنَّهُ وُلِدَ لَمَّا قَتَلَ أَبُوهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعَيْنِ، فَسَمَّاهُ مَنْصُورًا تَفَاؤُلًا، ثُمَّ قَدِمَ فَوَجَدَ أُمَّهُ قَدْ أَسْمَتْهُ بِاسْمِ أَبِيهَا هِشَامٍ فَأَقَرَّهُ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: أَتَتْهُ الْخِلَافَةُ وَهُوَ بِالزَّيْتُونَةِ فِي مَنْزِلٍ لَهُ، فَجَاءَهُ الْبَرِيدُ بِالْعَصَا وَالْخَاتَمِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، فَرَكِبَ مِنَ الرَّصَافَةِ حَتَّى أَتَى دِمَشْقَ، فَقَامَ بِأَمْرِ الْخِلَافَةِ أَتَمَّ الْقِيَامِ، فَعَزَلَ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا عَنْ إِمْرَةِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ وَوَلَّى عَلَيْهَا خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْعِرَاقِ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَمِائَةٍ.
وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ خَالُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَخُو أُمِّهِ عَائِشَةَ بِنْتِ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَلَمْ تَلِدْ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ سِوَاهُ حَتَّى طَلَّقَهَا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ حَمْقَاءَ.
وَفِيهَا قَوِيَ أَمْرُ دَعْوَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ فِي السِّرِّ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ وَحَصَلَ لِدُعَاتِهِمْ أَمْوَالٌ جَزِيلَةٌ يَسْتَعِينُونَ بِهَا عَلَى أَمْرِهِمْ وَمَا هُمْ بِصَدَدِهِ.

[مِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ وَعُلَمَائِهِمْ.
قَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْهُ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ عَشْرَةٌ.
فَذَكَرَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ أَحَدَهُمْ وَخَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَسَالِمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدَ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَعُرْوَةَ، وَالْقَاسِمَ، وَقَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ بِهِ صَمَمٌ وَوَضَحٌ، وَأَصَابَهُ الْفَالِجُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِسَنَةٍ.
وَتُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ.
أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ مِنْ رِجَالِ " الصَّحِيحَيْنِ ". وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ فِي

قَوْلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَكُثَيِّرُ عَزَّةَ فِي قَوْلٍ.
وَقِيلَ: فِي الَّتِي بَعْدَهَا، كَمَا سَيَأْتِي.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَمِائَةٍ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

فَفِيهَا عَزَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ النَّضْرِيَّ، وَوَلَّى عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ خَالَهُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيَّ.
وَفِيهَا غَزَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الصَّائِفَةَ.
وَفِيهَا غَزَا مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ مَدِينَةَ فَرْغَانَةَ وَمُعَامَلَتَهَا، فَلَقِيَهُ عِنْدَهَا التُّرْكُ فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَقْعَةٌ هَائِلَةٌ، قُتِلَ فِيهَا الْخَاقَانُ وَطَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ التُّرْكِ.
وَفِيهَا أَوْغَلَ الْجَرَّاحُ الْحَكَمِيُّ فِي أَرْضِ الْخَزْرِ فَصَالَحُوهُ وَأَعْطَوْهُ الْجِزْيَةَ وَالْخَرَاجَ.
وَفِيهَا غَزَا الْحَجَّاجُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ اللَّانَ، فَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا وَغَنِمَ وَسَلِمَ.
وَفِيهَا عَزَلَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ عَنْ إِمْرَةِ خُرَاسَانَ مُسْلِمَ بْنَ سَعِيدٍ، وَوَلَّى عَلَيْهَا أَخَاهُ أَسَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَكَتَبَ إِلَى أَبِي الزِّنَادِ قَبْلَ دُخُولِهِ الْمَدِينَةَ لِيَتَلَقَّاهُ وَيَكْتُبَ لَهُ مَنَاسِكَ الْحَجِّ، فَفَعَلَ، وَتَلَقَّاهُ النَّاسُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، وَفِيهِمْ أَبُو الزِّنَادِ قَدِ امْتَثَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَتَلَقَّاهُ فِيمَنْ تَلْقَّاهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَهْلَ بَيْتِكَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الصَّالِحَةِ لَمْ يَزَالُوا يَلْعَنُونَ أَبَا تُرَابٍ،

فَالْعَنْهُ أَنْتَ أَيْضًا.
قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى هِشَامٍ وَاسْتَثْقَلَهُ، وَقَالَ: مَا قَدِمْتُ لِشَتْمِ أَحَدٍ وَلَا لِلَعْنَةِ أَحَدٍ، إِنَّمَا قَدِمْنَا حُجَّاجًا.
ثُمَّ قَطَعَ كَلَامَهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي الزِّنَادِ يُحَادِثُهُ، وَلَمَّا انْتَهَى إِلَى مَكَّةَ عَرَضَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَلْحَةَ فَتَظَلَّمَ إِلَيْهِ فِي أَرْضٍ، فَقَالَهُ لَهُ: أَيْنَ كُنْتَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ؟ قَالَ: ظَلَمَنِي.
قَالَ: فَالْوَلِيدِ؟ قَالَ: ظَلَمَنِي.
قَالَ: فَسُلَيْمَانَ؟ قَالَ: ظَلَمَنِي.
قَالَ: فَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ قَالَ: رَدَّهَا عَلَيَّ.
قَالَ: فَيَزِيدَ؟ قَالَ: انْتَزَعَهَا مِنْ يَدِي وَهِيَ الْآنَ فِي يَدِكَ.
فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: أَمَا لَوْ كَانَ فِيكَ مَضْرِبٌ لَضَرَبْتُكَ.
فَقَالَ: بَلَى فِيَّ مَضْرِبٌ بِالسَّيْفِ وَالسَّوْطِ.
فَانْصَرَفَ هِشَامٌ عَنْهُ وَهُوَ يَقُولُ لِرَجُلٍ مَعَهُ: مَا رَأَيْتُ أَفْصَحَ مِنْ هَذَا.
وَفِيهَا كَانَ الْعَامِلَ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَعَلَى الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ.

[مِمَّنْ تَوَفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تَوَفِّيَ فِيهَا: سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَحَدُ الْفُقَهَاءِ.
وَطَاوُسُ بْنُ كَيْسَانَ الْيَمَانِيُّ، مِنْ أَكْبَرِ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ تَرْجَمْنَاهُمَا فِي كِتَابِنَا " التَّكْمِيلِ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَمِائَةٍ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

فِيهَا خَرَجَ بِالْيَمَنِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: عَبَّادٌ الرُّعَيْنِيُّ.
فَدَعَا إِلَى مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ، وَاتَّبَعَهُ فِرْقَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَحَكَمُوا، فَقَاتَلَهُمْ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فَقَتَلَهُ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ، وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِيهَا وَقَعَ بِالشَّامِ طَاعُونٌ شَدِيدٌ.
وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ وَعَلَى جَيْشِ أَهْلِ الشَّامِ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ فَقَطَعُوا الْبَحْرَ إِلَى قُبْرُسَ.
وَغَزَا مَسْلَمَةُ فِي الْبَرِّ فِي جَيْشٍ آخَرَ.
وَفِيهَا ظَفَرَ أَسَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ بِجَمَاعَةٍ مِنْ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ بِخُرَاسَانَ فَصَلَبَهُمْ وَأَشْهَرَهُمْ.
وَفِيهَا غَزَا أَسَدٌ الْقَسْرِيُّ جِبَالَ نَمْرُونَ مَلِكِ الْغِرْشِسْتَانِ مِمَّا يَلِي جِبَالَ الطَّالَقَانِ فَصَالَحَهُ نَمْرُونُ وَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ.
وَفِيهَا غَزَا أَسَدٌ الْغُورَ، وَهِيَ جِبَالُ هَرَاةَ، فَعَمَدَ أَهْلُهَا إِلَى حَوَاصِلِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَثْقَالِهِمْ، فَجَعَلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي كَهْفٍ مَنِيعٍ، لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُسْتَفِلٌ

جَدًّا، فَأَمَرَ أَسَدٌ بِالرِّجَالِ فَجُعِلُوا فِي تَوَابِيتَ وَدَلَّاهُمْ إِلَيْهِ، وَأَمَرَهُمْ بِوَضْعِ مَا هُنَالِكَ فِي التَّوَابِيتِ، فَلَمَّا جَمَعُوا مَا هُنَالِكَ قَعَدَ الرِّجَالُ فِي التَّوَابِيتِ وَرَفَعُوهُمْ، فَسَلِمُوا وَغَنِمُوا.
وَهَذَا رَأْيٌ سَدِيدٌ.
وَفِيهَا أَمَرَ أَسَدٌ بِجَمْعِ مَا حَوْلَ بَلْخَ إِلَيْهَا، وَاسْتَنَابَ عَلَيْهَا بَرْمَكَ وَالِدَ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ وَبَنَاهَا بِنَاءً جَيِّدًا جَدِيدًا مُحْكَمًا، وَحَصَّنَهَا وَجَعَلَهَا مَعْقِلًا لِلْمُسْلِمِينَ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَمِيرُ الْحَرَمَيْنِ.

[مِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ أَحَدُ التَّابِعِينَ.
وَعِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَحَدُ التَّابِعِينَ، وَالْمُفَسِّرِينَ الْمُكْثِرِينَ، وَالْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ، وَالرَّحَّالِينَ الْجَوَّالِينَ.
وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ

كَانَ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ.
وَكُثَيِّرُ عَزَّةَ الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ كُثَيِّرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرٍ، أَبُو صَخْرٍ الْخُزَاعِيُّ الْحِجَازِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي جُمُعَةِ وَعَزَّةُ هَذِهِ - الْمَشْهُورُ بِهَا الْمَنْسُوبُ إِلَيْهَا، لِتَغَزُّلِهِ فِيهَا - هِيَ أُمُّ عَمْرٍو عَزَّةُ - بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ - بِنْتُ جَمِيلِ بْنِ حَفْصٍ مِنْ بَنِي حَاجِبِ بْنِ غِفَارٍ وَإِنَّمَا صُغِّرَ اسْمُهُ فَقِيلَ: كُثَيِّرٌ.
لِأَنَّهُ كَانَ دَمِيمَ الْخَلْقِ قَصِيرًا، طُولُهُ ثَلَاثَةُ أَشْبَارٍ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ كَانَ يُقَالُ لَهُ: زَبُّ الذُّبَابِ.
وَكَانَ إِذَا مَشَى يُظَنُّ أَنَّهُ صَغِيرٌ مِنْ قَصْرِهِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يَقُولُ لَهُ: طَأْطِئْ رَأْسَكَ لَا يُؤْذِكَ السَّقْفُ.
وَكَانَ يَضْحَكُ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَفِدُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَوَفَدَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَيْضًا، وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّهُ أَشْعَرَ الْإِسْلَامِيِّينَ.
عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِيهِ تَشَيُّعٌ، وَرُبَّمَا نَسَبَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى مَذْهَبِ التَّنَاسُخِيَّةِ، وَكَانَ يَحْتَجُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جَهْلِهِ وَقِلَّةِ عَقْلِهِ إِنْ صَحَّ النَّقْلُ عَنْهُ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 8] . وَقَدِ اسْتَأْذَنَ يَوْمًا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ.
فَقَالَ: مَهْلًا يَا أَمِيرَ

الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، إِنْ نَطَقَ نَطَقَ بِبَيَانٍ، وَإِنْ قَاتَلَ قَاتَلَ بِجَنَانٍ، وَأَنَا الَّذِي أَقُولُ: وَجَرَّبْتُ الْأُمُورَ وَجَرَّبَتْنِي ... وَقَدْ أَبْدَتْ عَرِيكَتِيَ الْأُمُورُ وَمَا تَخْفَى الرِّجَالُ عَلَيَّ إِنِّي ... بِهِمْ لَأَخُو مُثَاقَبَةٍ خَبِيرُ تَرَى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ ... وَفِي أَثْوَابِهِ أَسَدٌ مَزِيرُ وَيُعْجِبُكَ الطَّرِيرَ فَتَجْتَبِيهِ ... فَيُخْلِفُ ظَنَّكَ الرَّجُلُ الطَّرِيرُ وَمَا عِظَمُ الرِّجَالِ لَهَا بِزَيْنٍ ... وَلَكِنْ زَيْنُهَا كَرَمٌ وَخِيرُ بُغَاثُ الطَّيْرِ أَطْولُهَا جُسُومًا ... وَلَمْ تُطُلِ الْبُزَاةُ وَلَا الصُّقُورُ وَقَدْ عَظُمَ الْبَعِيرُ بِغَيْرِ لُبٍّ ... فَلَمْ يَسْتَغْنِ بِالْعِظَمِ الْبَعِيرُ فَيُرْكَبُ ثُمَّ يُضْرَبُ بِالْهَرَاوَى ... وَلَا عُرْفٌ لَدَيْهِ وَلَا نَكِيرُ وَعُودُ النَّبْعِ يَنْبُتُ مُسْتَمِرًّا ... وَلَيْسَ يَطُولُ وَالْقَصْبَاءُ خَوْرُ وَقَدْ تَكَلَّمَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ طَرَارٍ عَلَى غَرِيبِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ وَشِعْرِهَا بِكَلَامٍ طَوِيلٍ.

قَالُوا: وَدَخَلَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ يَوْمًا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَامْتَدَحَهُ بِقَصِيدَتِهِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: عَلَى ابْنِ أَبِي الْعَاصِي دُرُوعٌ حَصِينَةٌ ... أَجَادَ الْمُسَدِّي سَرْدَهَا وَأَذَالَهَا قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَفَلَا قُلْتَ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى، لِقَيْسِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ: وَإِذَا تَجِيءُ كَتِيبَةٌ مَلْمُومَةٌ ... شَهْبَاءُ يَخْشَى الذَّائِدُونَ نِهَالَهَا كُنْتَ الْمُقَدَّمَ غَيْرَ لَابِسِ جُنَّةٍ ... بِالسَّيْفِ تَضْرِبُ مُعْلِمًا أَبْطَالَهَا فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَصَفَهُ بِالْخُرْقِ وَوَصَفْتُكَ بِالْحَزْمِ.
وَدَخَلَ يَوْمًا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ يَتَجَهَّزُ لِلْخُرُوجِ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا كُثَيِّرُ! ذَكَرْتُكَ الْآنَ بِشِعْرِكَ، فَإِنْ أَصَبْتَهُ أَعْطَيْتُكَ حُكْمَكَ.
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَأَنَّكَ لَمَّا وَدَّعْتَ عَاتِكَةَ بِنْتَ يَزِيدَ بَكَتْ لِفِرَاقِكَ، فَبَكَى لِبُكَائِهَا حَشَمُهَا فَذَكَرْتَ قَوْلِي: إِذَا مَا أَرَادَ الْغَزْوَ لَمْ تَثْنِ عَزْمَهُ ... حَصَانٌ عَلَيْهَا نَظْمُ دُرٍّ يُزَيِّنُهَا نَهَتْهُ فَلَمَّا لَمْ تَرَ النَّهْيَ عَاقَهُ ... بَكَتْ فَبَكَى مِمَّا عَرَّاهَا قَطِينُهَا قَالَ: أَصَبْتَ فَاحْتَكِمْ.
قَالَ: مِائَةُ نَاقَةٍ مِنْ نُوقِكَ الْمُخْتَارَةِ.
قَالَ: هِيَ لَكَ.

فَلَمَّا سَارَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْعِرَاقِ نَظَرَ يَوْمًا إِلَى كُثَيِّرِ عَزَّةَ وَهُوَ مُفَكِّرٌ فِي أَمْرِهِ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِ.
فَلَمَّا جِيءَ بِهِ قَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَخْبَرْتُكَ بِمَا كُنْتَ تُفَكِّرُ بِهِ تُعْطِينِي حُكْمِي؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَاللَّهِ؟ قَالَ: وَاللَّهِ.
قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّكَ تَقُولُ فِي نَفْسِكَ: هَذَا رَجُلٌ لَيْسَ هُوَ عَلَى مَذْهَبِي، وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى قِتَالِ رَجُلٍ آخَرَ لَيْسَ هُوَ عَلَى مَذْهَبِي، فَإِنْ أَصَابَنِي سَهْمٌ غَرْبٌ مِنْ بَيْنِهِمَا خَسِرْتُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ.
فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَاحْتَكِمْ.
قَالَ: حُكْمِي أَنْ أَرُدَّكَ إِلَى أَهْلِكَ وَأُحْسِنَ جَائِزَتَكَ.
فَأَعْطَاهُ مَالًا وَأَذِنَ لَهُ فِي الِانْصِرَافِ.
وَقَالَ حَمَّادٌ الرَّاوِيَةُ، عَنْ كُثَيِّرِ عَزَّةَ: وَفَدْتُ أَنَا وَالْأَحْوَصُ وَنُصَيْبٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ وَلِيَ الْخِلَافَةَ، وَنَحْنُ نَمُتُّ إِلَيْهِ بِصُحْبَتِنَا إِيَّاهُ وَمُعَاشَرَتِنَا لَهُ لَمَّا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَكُلٌّ مِنَّا يَظُنُّ أَنَّهُ سَيُشْرِكُهُ فِي الْخِلَافَةِ، فَنَحْنُ نَسِيرُ وَنَخْتَالُ فِي رِحَالِنَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى خُنَاصِرَةَ وَلَاحَتْ لَنَا أَعْلَامُهَا، تَلَقَّانَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ: مَا أَقْدَمُكُمْ؟ أَوَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَا يُحِبُّ الشِّعْرَ؟ قَالَ: فَوَجَمْنَا لِذَلِكَ، فَأَنْزَلَنَا مَسْلَمَةُ عِنْدَهُ، وَأَجْرَى عَلَيْنَا النَّفَقَاتِ وَعَلَفَ دَوَابَّنَا، وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ لَنَا عَلَى عُمَرَ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْجُمَعِ دَنَوْتُ مِنْهُ لِأَسْمَعَ خُطْبَتَهُ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: لِكُلِّ سَفَرٍ زَادٌ لَا مَحَالَةَ، فَتُزَوَّدُوا لِسَفَرِكُمْ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ بِالتَّقْوَى، وَكُونُوا كَمَنْ عَايَنَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ عَذَابِهِ

وَثَوَابِهِ فَتَرْغَبُوا وَتَرْهَبُوا، وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ وَتَنْقَادُوا لِعَدُوِّكُمْ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بُسِطَ أَمَلُ مَنْ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ لَا يُمْسِي بَعْدَ إِصْبَاحِهِ وَلَا يُصْبِحُ بَعْدَ إِمْسَائِهِ، وَرُبَّمَا كَانَتْ لَهُ بَيْنَ ذَلِكَ خَطَرَاتُ الْمَنَايَا، وَإِنَّمَا يَطَمْئِنُّ مَنْ وَثِقَ بِالنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَأَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأَمَّا مَنْ لَا يُدَاوِي مِنَ الدُّنْيَا كَلْمًا إِلَّا أَصَابَهُ جَارِحٌ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَكَيْفَ يَطْمَئِنُّ؟ ! أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ آمُرَكُمْ بِمَا أَنْهَى عَنْهُ نَفْسِي فَتَخْسَرُ صَفْقَتِي وَتَبْدُو مَسْكَنَتِي فِي يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الْحَقُّ وَالصِّدْقُ.
ثُمَّ بَكَّى حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَاضٍ نَحْبَهُ، وَارْتَجَّ الْمَسْجِدُ وَمَا حَوْلَهُ بِالْبُكَاءِ وَالْعَوِيلِ.
قَالَ: فَانْصَرَفْتُ إِلَى صَاحِبَيَّ، فَقُلْتُ: خُذَا شَرْجًا مِنَ الشِّعْرِ غَيْرَ مَا كُنَّا نَقُولُ لِعُمَرَ وَآبَائِهِ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ آخِرِيٌّ، لَيْسَ بِرَجُلِ دُنْيَا.
قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْذَنَ لَنَا مَسْلَمَةُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، طَالَ الثَّوَاءُ، وَقَلَّتِ الْفَائِدَةُ، وَتَحَدَّثَ بِجَفَائِكَ إِيَّانَا وُفُودُ الْعَرَبِ.
فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60]- وَقَرَأَ الْآيَةَ - فَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ أَعْطَيْتُكُمْ، وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَكُمْ فِيهَا.
فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي مِسْكِينٌ وَعَابِرُ سَبِيلٍ وَمُنْقَطَعٌ بِهِ.
فَقَالَ: أَلَسْتُمْ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ؟ يَعْنِي مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقُلْنَا: بَلَى.
فَقَالَ: إِنَّهُ لَا ثَوَاءَ عَلَى مَنْ هُوَ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ.
فَقُلْتُ: ائْذَنْ لِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْإِنْشَادِ.
قَالَ: نَعَمْ، وَلَا تَقُلْ إِلَّا حَقًّا.
فَأَنْشَدْتُهُ قَصِيدَةً فِيهِ:

وَلَيْتَ فَلَمْ تَشْتِمْ عَلِيًّا وَلَمْ تُخِفْ ... بَرِيًّا وَلَمْ تَقْبَلْ إِشَارَةَ مُجْرِمِ وَصَدَّقْتَ بِالْفِعْلِ الْمَقَالَ مَعَ الَّذِي ... أَتَيْتَ فَأَمْسَى رَاضِيًا كُلُّ مُسْلِمِ أَلَا إِنَّمَا يَكْفِي الْفَتَى بَعْدَ زَيْغِهِ ... مِنَ الْأَوَدِ الْبَادِي ثِقَافُ الْمُقَوِّمِ وَقَدْ لَبِسَتْ تَسْعَى إِلَيْكَ ثِيَابُهَا ... تَرَاءَى لَكَ الدُّنْيَا بِكَفٍّ وَمِعْصَمِ وَتُومِضُ أَحْيَانًا بِعَيْنٍ مَرِيضَةٍ ... وَتَبْسِمُ عَنْ مِثْلِ الْجُمَانِ الْمُنَظَّمِ فَأَعْرَضْتَ عَنْهَا مُشْمَئِزًّا كَأَنَّمَا ... سَقَتْكَ مَدُوفًا مِنْ سِمَامٍ وَعَلْقَمِ وَقَدْ كُنْتَ مِنْ أَجْبَالِهَا فِي مُمَنَّعٍ ... وَمِنْ بَحْرِهَا فِي مُزْبِدِ الْمَوْجِ مُفْعَمِ وَمَا زِلْتَ تَوَّاقًا إِلَى كُلِّ غَايَةٍ ... بَلَغْتَ بِهَا أَعْلَى الْبِنَاءِ الْمُقَدَّمِ فَلَمَّا أَتَاكَ الْمَلِكُ عَفْوًا وَلَمْ تَكُنْ ... لِطَالِبِ دُنْيَا بَعْدَهُ فِي تَكَلُّمِ تَرَكْتَ الَّذِي يَفْنَى وَإِنْ كَانَ مُونِقًا ... وَآثَرْتَ مَا يَبْقَى بِرَأْيِ مُصَمِّمِ وَأَضْرَرْتَ بِالْفَانِي وَشَمَّرْتَ لِلَّذِي ... أَمَامَكَ فِي يَوْمٍ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِمِ وَمَا لَكَ إِذْ كُنْتَ الْخَلِيفَةَ مَانِعٌ ... سِوَى اللَّهِ مِنْ مَالِ رَغِيبٍ وَلَا دَمِ سَمَا لَكَ هَمٌّ فِي الْفُؤَادِ مُؤَرِّقٌ ... بَلَغْتَ بِهِ أَعْلَى الْمَعَالِي بِسُلَّمِ فَمَا بَيْنَ شَرْقِ الْأَرْضِ وَالْغَرْبِ كُلِّهَا ... مُنَادٍ يُنَادِي مِنْ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِ يَقُولُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ظَلَمْتَنِي ... بِأَخْذِكَ دِينَارِي وَلَا أَخْذِ دِرْهَمِي وَلَا بَسْطِ كَفٍّ لِامْرِئٍ غَيْرِ مُجْرِمٍ ... وَلَا السَّفْكِ مِنْهُ ظَالِمًا مِلْءَ مِحْجَمِ وَلَوْ يَسْتَطِيعُ الْمُسْلِمُونَ لَقَسَّمُوا ... لَكَ الشَّطْرَ مِنْ أَعْمَارِهِمْ غَيْرَ نُدَّمِ فَعِشْتَ بِهَا مَا حَجَّ لِلَّهِ رَاكِبٌ ... مُلَبٍّ مَطِيفٌ بِالْمَقَامِ وَزَمْزَمَ

جارٍ التحميل