أَبُو النَّجِيبِ بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ وَمَرْسُومِ السُّلْطَانِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ بِالْيَمَنِ مَطَرٌ كُلُّهُ دَمٌ، حَتَّى صَبَغَ ثِيَابَ النَّاسِ.
[مَنْ تُوَفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْحَسَنُ بْنُ ذِي النُّونِ
ابْنِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، أَبُو الْمَفَاخِرِ النَّيْسَابُورِيُّ، قَدِمَ بَغْدَادَ فَوَعَظَ، وَجَعَلَ يَنَالُ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ فَأَحَبَّهُ الْحَنَابِلَةُ، ثُمَّ اخْتَبَرُوهُ، فَإِذَا هُوَ مُعْتَزِلِيٌّ، فَفَتَرَ سُوقُهُ، وَجَرَتْ بِسَبَبِهِ فِتْنَةٌ بِبَغْدَادَ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ شَيْئًا مِنْ شِعْرِهِ، مِنْ ذَلِكَ.
مَاتَ الْكِرَامُ وَمَرُّوا وَانْقَضُّوا وَمَضَوْا ... وَمَاتَ مِنْ بَعْدِهِمْ تِلْكَ الْكَرَامَاتُ
وَخَلَّفُونِيَ فِي قَوْمٍ ذَوِي سَفَهٍ ... لَوْ أَبْصَرُوا طَيْفَ ضَيْفٍ فِي الْكَرَى مَاتُوا
عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَنْبَلِيُّ
الْقَاضِي بَهَاءُ الدِّينِ، كَانَ يَعْرِفُ مَذْهَبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَيُنَاظِرُ عَنْهُمَا، وَدُفِنَ مَعَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ بِقُبُورِ الشُّهَدَاءِ.
عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي نَصْرِ بْنِ عُمَرَ أَبُو الْمَعَالِي الْجِيلِيُّ
كَانَ فَقِيهًا صَالِحًا
دَيِّنًا مُتَعَبِّدًا فَقِيرًا، لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ يَسْكُنُهُ، وَإِنَّمَا يَبِيتُ بِالْمَسَاجِدِ الْمَهْجُورَةِ، وَقَدْ خَرَجَ مَعَ الْحَجِيجِ، فَأَقَامَ بِفَيْدَ، فَكَانَ أَهْلُهَا يُثْنُونَ عَلَيْهِ خَيْرًا.
الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ
الْمَالِكِيُّ، شَارِحُ " التِّرْمِذِيِّ "، كَانَ فَقِيهًا عَالِمًا، وَزَاهِدًا عَابِدًا، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ بَعْدَ اشْتِغَالِهِ فِي الْفِقْهِ، وَصَحِبَ الْغَزَالِيَّ، وَأَخَذَ عَنْهُ، وَكَانَ يَتَّهِمُهُ بِرَأْيِ الْفَلَاسِفَةِ، وَيَقُولُ: دَخَلَ فِي أَجْوَافِهِمْ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا أَغَارَ جَيْشُ السُّلْطَانِ عَلَى بِلَادِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، فَقَتَلُوا خَلْقًا وَرَجَعُوا سَالِمِينَ.
وَفِيهَا حَاصَرَ نُورُ الدِّينِ دِمَشْقَ شَهْرًا، ثُمَّ رَحَلَ عَنْهَا إِلَى دَارِيَّا، وَكَانَ الصُّلْحُ عَلَى يَدَيِ الْبُرْهَانِ الْبَلْخِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفِيهَا اقْتَتَلَ الْفِرِنْجُ وَجَيْشُ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلَمَّا وَقَعَ هَذَا الْأَمْرُ شَقَّ عَلَى الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ وَهَجَرَ اللَّذَّةَ وَالتَّرَفُّهَ حَتَّى يَأْخُذَ بِالثَّأْرِ، وَأَغْرَى بِهِمْ جَمَاعَةً مِنَ التُّرْكُمَانِ، فَتَرَصَّدُوا لِمَلِكِهِمْ جُوسْلِينَ الْإِفْرِنْجِيِّ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَسَرُوهُ فِي بَعْضِ مُتَصَيِّدَاتِهِ، فَأَرْسَلَ نُورُ الدِّينِ، فَكَبَسَ التُّرْكُمَانَ وَأَخَذَ مِنْهُمْ جُوسْلِينَ أَسِيرًا، وَكَانَ مِنْ أَعْتَى الْكَفَرَةِ، وَأَعْظَمِ الْفَجَرَةِ، لَعَنَهُ اللَّهُ، فَأَوْقَفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي أَذَلِّ حَالٍ، ثُمَّ سَجَنَهُ، وَسَارَ نُورُ الدِّينِ إِلَى بِلَادِهِ فَأَخَذَهَا كُلَّهَا بِمَا فِيهَا.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ جَلَسَ ابْنُ الْعَبَّادِيِّ فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ وَتَكَلَّمَ، وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْيَانِ، فَكَادَتِ الْحَنَابِلَةُ يُثِيرُونَ فِتْنَةً ذَلِكَ الْيَوْمَ ; لِكَوْنِهِ غَيْرَ حَنْبَلِيٍّ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا قَايْمَازُ الْأُرْجُوَانِيُّ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الشَّيْخُ بُرْهَانُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ الْبَلْخِيُّ شَيْخُ الْحَنَفِيَّةِ بِدِمَشْقَ، دَرَسَ بِالْبَلْخِيَّةِ، ثُمَّ بِالْخَاتُونِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ، وَكَانَ عَالِمًا عَامِلًا، وَرِعًا زَاهِدًا، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ ابْنُ أَخِيهِ مَلِكْشَاهْ بْنُ مَحْمُودٍ، ثُمَّ جَاءَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ فَأَخَذَ الْمُلْكَ، وَاسْتَقَرَّ لَهُ، وَقَتَلَ الْأَمِيرَ خَاصَّ بِكْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُ، وَأَلْقَاهُ لِلْكِلَابِ فَاخْتَبَطَتْ بَغْدَادُ وَاضْطَرَبَتِ الْأُمُورُ، وَتَغَيَّرَتِ الْقَوَاعِدُ، وَبَلَغَ الْخَلِيفَةَ أَنَّ وَاسِطًا قَدْ تَخَبَّطَتْ أَيْضًا، فَرَكِبَ إِلَيْهَا فِي الْجَيْشِ فِي أُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ، وَأَصْلَحَ شَأْنَهَا، وَكَرَّ عَلَى الْكُوفَةِ وَالْحِلَّةِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا ; فَزُيِّنَتْ لَهُ الْبَلَدُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِيهَا مَلَكَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ صَاحِبُ بِلَادِ الْمَغْرِبِ بِجَايَةَ، وَهِيَ بِلَادُ بَنِي حَمَّادٍ، فَكَانَ آخِرَ مُلُوكِهِمْ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ حَمَّادٍ، ثُمَّ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى صِنْهَاجَةَ فَحَاصَرَهَا، وَأَخَذَ أَمْوَالَهَا.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ وَبَيْنَ الْفِرِنْجِ، فَكَسَرَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِيهَا اقْتَتَلَ سَنْجَرُ وَمَلِكُ الْغُورِ عَلَاءُ الدِّينِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحُسَيْنِ أَوَّلُ
مُلُوكِهِمْ، فَكَسَرَهُ سَنْجَرُ وَأَسَرَهُ، فَلَمَّا أَحْضَرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ: مَاذَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِي لَوْ أَسَرْتَنِي؟ فَأَخْرَجَ قَيْدًا مِنْ فِضَّةٍ وَقَالَ: كُنْتُ أُقَيِّدُكَ بِهَذَا.
فَعَفَا عَنْهُ وَأَطْلَقَهُ إِلَى بِلَادِهِ، فَسَارَ إِلَى غَزْنَةَ فَانْتَزَعَهَا مِنْ يَدِ صَاحِبِهَا بَهْرَامْ شَاهْ السُّبُكْتُكِينِيِّ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا أَخَاهُ سَيْفَ الدِّينِ فَغَدَرَ بِهِ أَهْلُ الْبَلَدِ، وَسَلَّمُوهُ إِلَى بَهْرَامْ شَاهْ فَصَلَبَهُ، وَمَاتَ بَهْرَامْ شَاهْ قَرِيبًا، فَسَارَ إِلَيْهَا عَلَاءُ الدِّينِ فَهَرَبَ خُسْرُو بْنُ بَهْرَامْ شَاهْ عَنْهَا، فَدَخَلَهَا عَلَاءُ الدِّينِ فَنَهْبَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهَا بَشَرًا كَثِيرًا، وَسَخَّرَ أَهْلَهَا، فَحَمَلُوا تُرَابًا فِي مَخَالٍ إِلَى مَحَلَّةٍ هُنَاكَ بَعِيدَةٍ عَنِ الْبَلَدِ، فَعَمَّرَ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ قَلْعَةً مَعْرُوفَةً إِلَى الْآنِ، وَبِذَلِكَ انْقَضَتْ دَوْلَةُ بَنِي سُبُكْتُكِينَ عَنْ بِلَادِ غَزْنَةَ وَغَيْرِهَا.
وَقَدْ كَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِمْ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانُوا مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ، وَأَكْثَرِهِمْ جِهَادًا فِي الْكَفَرَةِ، وَأَكْثَرِهِمْ أَمْوَالًا وَنِسَاءً وَعَدَدًا وَعُدَدًا، قَدْ كَسَرُوا الْأَصْنَامَ، وَأَبَادُوا الْكُفَّارَ، وَجَمَعُوا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَمْ يَجْمَعْ غَيْرُهُمْ مِنَ الْمُلُوكِ، مَعَ أَنَّ بِلَادَهُمْ مِنْ أَطْيَبِ الْبِلَادِ وَأَكْثَرِهَا رِيفًا وَمِيَاهًا فَفَنِيَ جَمِيعُهُ، وَزَالَ عَنْهُمْ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26] ثُمَّ مَلَكَ الْغُورَ وَالْهِنْدَ وَخُرَاسَانَ، وَاتَّسَعَتْ مَمَالِكُهُمْ وَعَظُمَ سُلْطَانُهُمْ.
وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظَمِ " أَنَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَاضَ دِيكٌ بَيْضَةً
وَاحِدَةً، ثُمَّ بَاضَ بَازٌ بَيْضَتَيْنِ، وَبَاضَتْ نَعَامَةٌ لَيْسَ لَهَا ذَكَرٌ، وَهَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْمُظَفَّرُ بْنُ أَرْدَشِيرَ، أَبُو مَنْصُورٍ الْعَبَّادِيُّ
الْوَاعِظُ، سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَدَخَلَ بَغْدَادَ فَأَمْلَى بِهَا وَوَعَظَ، وَكَانَ يَكْتُبُ مَا يَعِظُ النَّاسَ بِهِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مُجَلَّدَاتٌ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَا تَكَادُ تَجِدُ فِي الْمُجَلَّدِ خَمْسَ كَلِمَاتٍ جَيِّدَةٍ.
وَتَكَلَّمَ فِيهِ، وَأَطَالَ الْحَطَّ عَلَيْهِ، وَاسْتَحْسَنَ مِنْ كَلَامِهِ قَوْلَهُ: وَقَدْ سَقَطَ مَطَرٌ وَهُوَ يَعِظُ النَّاسَ، فَفَرَّ النَّاسُ إِلَى مَا تَحْتَ الْجُدْرَانِ، فَقَالَ: لَا تَفِرُّوا مِنْ رَشَّاشِ مَاءِ رَحْمَةٍ، قَطَرَ مِنْ سَحَابِ نِعْمَةٍ، وَلَكِنْ فِرُّوا مِنْ شَرَارِ نَارٍ اقْتُدِحَ مِنْ زِنَادِ الْغَضَبِ.
تُوُفِّيَ وَقَدْ جَاوَزَ الْخَمْسِينَ بِقَلِيلٍ.
مَسْعُودٌ السُّلْطَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ بْنِ أَلْبِ أَرْسَلَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ مِيكَائِيلَ بْنِ سَلْجُوقَ التُّرْكِيُّ السَّلْجُوقِيُّ
صَاحِبُ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا، حَصَلَ لَهُ مِنَ التَّمَكُّنِ وَالسَّعَادَةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ، وَجَرَتْ لَهُ خُطُوبٌ كَثِيرَةٌ،
وَحُرُوبٌ طَوِيلَةٌ، وَقَدْ أَسَرَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْحُرُوبِ الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَرْشِدَ، كَمَا تَقَدَّمَ، تُوُفِّيَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ سَلْخَ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
يَعْقُوبُ الْخَطَّاطُ الْكَاتِبُ
تُوُفِّيَ بِالنِّظَامِيَّةِ، فَجَاءَ دِيوَانُ الْحَشَرِيَّةِ ; لِيَأْخُذُوا مِيرَاثَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، فَمَنَعَهُمُ الْفُقَهَاءُ، فَجَرَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ، آلَ الْحَالُ إِلَى عَزْلِ مُدَرِّسِهَا الشَّيْخِ أَبِي النَّجِيبِ، وَضَرْبِهِ بِالدِّيوَانِ تَعْزِيرًا.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا وَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ وَبَيْنَ الْأَتْرَاكِ بِبِلَادِ بَلْخٍ فَقَتَلُوا مِنْ جَيْشِهِ خَلْقًا كَثِيرًا جِدًّا ; بِحَيْثُ بَقِيَتِ الْقَتْلَى مِثْلَ التِّلَالِ الْعَظِيمَةِ، وَأَسَرُوا السُّلْطَانَ سَنْجَرَ، وَقَتَلُوا مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ صَبْرًا، وَلَمَّا اسْتَحْضَرُوهُ قَبَّلُوا الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالُوا: نَحْنُ عَبِيدُكَ، وَكَانُوا عِدَّةً مِنَ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ، فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ شَهْرَيْنِ ثُمَّ جَاءُوا مَعَهُ، فَدَخَلُوا مَرْوَ وَهِيَ كُرْسِيُّ مَمْلَكَةِ خُرَاسَانَ فَسَأَلَهُ بَعْضُهُمْ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ إِقْطَاعًا، فَقَالَ: هَذَا لَا يُمْكِنُ ; هَذِهِ كُرْسِيُّ الْمَمْلَكَةِ.
فَضَحِكُوا مِنْهُ وَأَضْرَطَ بِهِ بَعْضُهُمْ، فَنَزَلَ عَنْ سَرِيرِ الْمَمْلَكَةِ، وَدَخَلَ خَانِقَاهُ، وَصَارَ فَقِيرًا مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِهَا، وَتَابَ عَنِ الْمُلْكِ، وَاسْتَحْوَذَ أُولَئِكَ الْأَتْرَاكُ عَلَى الْبِلَادِ فَنَهَبُوهَا، وَتَرَكُوهَا قَاعًا صَفْصَفًا، وَأَقَامُوا سُلَيْمَانَ شَاهْ مَلِكًا، فَلَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ حَتَّى عَزَلُوهُ، وَوَلَّوُا ابْنَ أُخْتِ سَنْجَرَ الْخَاقَانِ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ كُوخَانَ، وَتَفَرَّقَتِ الْأُمُورُ وَاسْتَحْوَذَ كُلُّ إِنْسَانٍ عَلَى نَاحِيَةٍ مِنْ تِلْكَ الْمَمَالِكِ، وَصَارَتِ الدَّوْلَةُ دُوَلًا.
وَفِيهَا كَانَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ الْعَرَبِ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ.
وَفِيهَا أَخَذَتِ الْفِرِنْجُ مَدِينَةَ عَسْقَلَانَ مِنَ السَّوَاحِلِ.
وَفِيهَا خَرَجَ الْخَلِيفَةُ إِلَى وَاسِطٍ فِي جَحْفَلٍ فَأَصْلَحَ شَأْنَهَا وَعَادَ إِلَى بَغْدَادَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا قَايْمَازُ الْأُرْجُوَانِيُّ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ الشَّاعِرَيْنِ الْقَرِينَيْنِ الْمُشَبَّهَيْنِ فِي الزَّمَانِ الْأَخِيرِ بِالْفَرَزْدَقِ وَجَرِيرٍ، وَهُمَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُنِيرٍ الْجَوْنِيُّ بِحَلَبَ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ صَغِيرٍ الْقَيْسَرَانِيُّ الْحَلَبِيُّ بِدِمَشْقَ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَعَلِيُّ بْنُ السَّلَارِ الْمُلَقَّبِ بِالْعَادِلِ، وَزِيرِ الظَّافِرِ صَاحِبِ مِصْرَ، وَهُوَ بَانِي الْمَدْرَسَةِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِلشَّافِعِيَّةِ ; لِلْحَافِظِ أَبِي طَاهِرٍ السَّلَفِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ كَانَ الْعَادِلُ هَذَا ضِدَّ اسْمِهِ ; كَانَ ظَلُومًا غَشُومًا حَطُومًا، وَقَدْ تَرْجَمَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا رَكِبَ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَفِي فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى تَكْرِيتَ فَحَاصَرَ قَلْعَتَهَا، وَالْتَقَى جَمْعًا هُنَالِكَ مِنَ الْأَتْرَاكِ وَالتُّرْكُمَانِ، فَأَظْفَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ، وَهَزَمَهُمْ لَهُ، وَأَعْلَى كَلِمَتَهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا.
وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ مِصْرَ قَدْ قُتِلَ خَلِيفَتُهَا الظَّافِرُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا صَبِيٌّ صَغِيرٌ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ، قَدْ وَلَّوْهُ عَلَيْهِمْ وَلَقَّبُوُهُ الْفَائِزَ، فَكَتَبَ الْخَلِيفَةُ عَهْدًا لِلْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِيٍّ عَلَى الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ وَالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَأَرْسَلَهُ إِلَيْهَا.
وَفِيهَا هَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِيهَا نَارٌ، فَخَافَ النَّاسُ أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، وَزُلْزِلَتِ الْأَرْضُ، وَتَغَيَّرَ مَاءُ دِجْلَةَ إِلَى الْحُمْرَةِ.
وَظَهَرَ بِأَرْضِ وَاسِطٍ مِنَ الْأَرْضِ دَمٌ لَا يُعْرَفُ سَبَبُهُ.
وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ الْمَلِكَ سَنْجَرَ فِي أَسْرِ التُّرْكِ، فِي غَايَةِ الذُّلِّ وَالْإِهَانَةِ، وَأَنَّهُ يَبْكِي عَلَى نَفْسِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ.
وَفِيهَا انْتَزَعَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِيٍّ دِمَشْقَ مِنْ يَدِ مَلِكِهَا مُجِيرِ الدِّينِ أَبَقِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بُورِي بْنِ طُغْتِكِينَ، وَذَلِكَ لِسُوءِ سِيرَتِهِ وَضَعْفِ دَوْلَتِهِ، وَمُحَاصَرَةِ الْعَامَّةِ لَهُ فِي الْقَلْعَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ، مَعَ الرَّئِيسِ مُؤَيَّدِ الدَّوْلَةِ الْمُسَيَّبِ
بْنِ الصُّوفِيِّ، وَتَغَلُّبِ الْخَادِمِ عَطَاءٍ عَلَى الْمَمْلَكَةِ مَعَ ظُلْمِهِ وَغَشْمِهِ، فَكَانَ النَّاسُ يَدْعُونَ اللَّهَ لَيْلًا وَنَهَارًا أَنْ يُبَدِّلَهُمْ بِالْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ، وَاتَّفَقَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ الْفِرِنْجَ أَخَذُوا عَسْقَلَانَ فَتَحَرَّقَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إِلَيْهِمْ ; لِأَنَّ دِمَشْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَيَخْشَى أَنْ يُحَاصِرَ دِمَشْقَ بِعَسْفٍ ; فَيَنْبَعِثَ مَلِكُهَا إِلَى الْفِرِنْجِ فَيُنْجِدُونَهُ كَمَا جَرَى غَيْرَ مَرَّةٍ ; لِأَنَّ الْفِرِنْجَ لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَمْلِكَ نُورُ الدِّينِ دِمَشْقَ ; لِأَنَّهُ يَقْوَى بِهَا عَلَيْهِمْ وَلَا يُطِيقُونَهُ، فَأَرْسَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْأَمِيرَ أَسَدَ الدِّينِ شِيرَكُوهْ فِي أَلْفِ فَارِسٍ فِي صِفَةِ طَلَبِ الصُّلْحِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ مُجِيرُ الدِّينِ، وَلَا خَرَجَ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، فَكَتَبَ إِلَى نُورِ الدِّينِ بِذَلِكَ، فَرَكِبَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ فِي جَيْشِهِ، فَنَزَلَ عُيُونَ الْفَاسْرَيَا مِنْ أَرْضِ دِمَشْقَ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى قَرِيبٍ مِنَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ، فَفَتَحَهَا قَهْرًا وَدَخَلَ الْبَلَدَ بَعْدَ حِصَارِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَكَانَ دُخُولُهُ يَوْمَ الْأَحَدِ عَاشِرَ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَتَحَصَّنَ مُجِيرُ الدِّينِ فِي الْقَلْعَةِ فَأَنْزَلَهُ مِنْهَا، وَعَوَّضَهُ مَدِينَةَ حِمْصَ وَدَخَلَ نُورُ الدِّينِ الْقَلْعَةَ، وَاسْتَقَرَّتْ يَدُهُ عَلَى دِمَشْقَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، فَنَادَى فِي الْبَلَدِ بِالْأَمَانِ، وَأَنَّهُ يُبَشِّرُ النَّاسَ بِالْخَيْرِ، فَرُفِعَ عَنْهُمُ الْمُكُوسُ، وَقُرِئَتِ التَّوَاقِيعُ بِذَلِكَ عَلَى الْمَنَابِرِ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ وَأَكْثَرُوا الدُّعَاءَ لَهُ، وَكَتَبَ مُلُوكُ الْفِرِنْجِ إِلَيْهِ يُهَنِّئُونَهُ وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ، وَيَخْضَعُونَ لَهُ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الرَّئِيسُ مُؤَيَّدُ الدَّوْلَةِ الْمُسَيَّبُ بْنُ الصُّوفِيِّ، وَزِيرُ دِمَشْقَ لِمُجِيرِ الدِّينِ وَقَدْ ثَارَ عَلَى الْمَلِكِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَيَسْتَفْحِلُ أَمْرُهُ، ثُمَّ يَقَعُ الصُّلْحُ بَيْنَهُمَا، كَمَا تَقَدَّمَ.
عَطَاءٌ الْخَادِمُ
أَحَدُ أُمَرَاءِ دِمَشْقَ وَقَدْ تَغَلَّبَ عَلَى الْأُمُورِ أَيَّامَ مُجِيرِ الدِّينِ، وَكَانَ يَنُوبُ بِبَعْلَبَكَّ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَكَانَ ظَالِمًا، غَاشِمًا وَهُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ مَسْجِدُ عَطَاءٍ خَارِجَ بَابِ شَرْقِيٍّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا خَرَجَ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ فِي تَجَمُّلٍ عَظِيمٍ إِلَى دَقُوقَا فَحَاصَرَهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرْحَلَ عَنْهُمْ ; فَإِنَّ أَهْلَهَا قَدْ هَلَكُوا بَيْنَ الْجَيْشَيْنِ، فَأَجَابَهُمْ، وَرَحَلَ عَنْهُمْ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَادَ بَعْدَ شَهْرَيْنِ وَنِصْفٍ، ثُمَّ خَرَجَ نَحْوَ الْحِلَّةِ وَالْكُوفَةِ، وَالْجَيْشُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ شَاهْ: أَنَا وَلِيُّ عَهْدِ سَنْجَرَ، فَإِنْ قَرَّرْتَ لِي ذَلِكَ وَإِلَّا فَأَنَا كَأَحَدِ الْأُمَرَاءِ.
فَوَعْدَهُ خَيْرًا، وَكَانَ يَحْمِلُ الْغَاشِيَةَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ عَلَى كَاهِلِهِ، فَمَهَّدَ الْأُمُورَ وَوَطَّدَهَا، وَسَلَّمَ عَلَى مَشْهَدِ عَلِيٍّ إِشَارَةً بِأُصْبُعَيْهِ وَكَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى دُخُولِ الْمَشْهَدِ، فَنَهَاهُ الْوَزِيرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ كَأَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِ مِنْ غَائِلَةِ الرَّوَافِضِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ نُورُ الدِّينِ بَعْلَبَكَّ عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ ; وَذَلِكَ أَنَّ نَجْمَ الدِّينِ كَانَ نَائِبًا عَلَى الْبَلَدِ وَالْقَلْعَةِ، فَسَلَّمَهُ إِلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: الضَّحَّاكُ الْبِقَاعِيُّ.
فَكَاتَبَ نَجْمُ الدِّينِ لِنُورِ الدِّينِ، وَلَمْ يَزَلْ نُورُ الدِّينِ يَتَلَطَّفُ حَتَّى أَخَذَ الْقَلْعَةَ أَيْضًا، وَاسْتَدْعَى بِنَجْمِ الدِّينِ إِلَيْهِ إِلَى دِمَشْقَ فَأَقْطَعُهُ إِقْطَاعًا، وَأَكْرَمَهُ مِنْ أَجْلِ أَخِيهِ أَسَدِ الدِّينِ ; فَإِنَّهُ كَانَتْ لَهُ الْيَدُ الطُّولَى فِي فَتْحِ دِمَشْقَ لِلْمَلِكِ الْعَادِلِ نُورِ الدِّينِ، وَجَعَلَ الْأَمِيرَ شَمْسَ الدَّوْلَةِ تُورَانْشَاهْ بْنَ نَجْمِ الدِّينِ شِحْنَةَ دِمَشْقَ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ جَعَلَ أَخَاهُ صَلَاحَ الدِّينِ يُوسُفَ هُوَ الشِّحْنَةَ، وَجَعَلَهُ مِنْ خَوَاصِّهِ لَا يُفَارِقُهُ حَضَرًا وَلَا سَفَرًا ; لِأَنَّهُ
كَانَ حَسَنَ الشَّكْلِ، حَسَنَ اللَّعِبِ بِالْكُرَةِ، وَكَانَ نُورُ الدِّينِ يُحِبُّ لَعِبَ الْكُرَةِ ; لِتَمْرِينِ الْخَيْلِ وَتَعْلِيمِهَا الْكَرَّ وَالْفَرَّ، وَفِي شِحْنَكِيَّةِ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ يَقُولُ عَرْقَلَةُ الشَّاعِرُ: رُوَيْدَكُمْ يَا لُصُوصَ الشَّآمِ ... فَإِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ فِي مَقَالِ فَإِيَّاكُمُ وَسَمِيَّ النَّبِ ... يِّ يُوسُفَ رَبِّ الْحِجَا وَالْجَمَالِ فَذَاكَ مُقَطِّعُ أَيْدِي النِّسَاءِ ... وَهَذَا مُقَطِّعُ أَيْدِي الرِّجَالِ وَقَدْ مَلَكَ أَخَاهُ تُورَانْشَاهْ هَذَا بِلَادَ الْيَمَنِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ يُلَقَّبُ شَمْسَ الدَّوْلَةِ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرِ
ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ الْحَافِظُ، أَبُو الْفَضْلِ الْبَغْدَادِيُّ.
وُلِدَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ، وَتَفَرَّدَ بِمَشَايِخَ، وَكَانَ حَافِظًا، ضَابِطًا، مُكْثِرًا، مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، كَثِيرَ الذِّكْرِ، سَرِيعَ الدَّمْعَةِ.
وَقَدْ تَخْرَّجَ بِهِ جَمَاعَةٌ ; مِنْهُمُ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، سَمِعَ بِقِرَاءَتِهِ " مُسْنَدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ "، وَغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْكِبَارِ، وَكَانَ يُثْنِي عَلَيْهِ كَثِيرًا، وَقَدْ رَدَّ عَلَى أَبِي سَعْدٍ السَّمْعَانِيِّ فِي قَوْلِهِ فِي مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِرٍ: يُحِبُّ أَنْ يَقَعَ فِي النَّاسِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَالْكَلَامُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَإِنَّمَا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ يُحِبُّ أَنْ يَتَعَصَّبَ عَلَى أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ نَعُوذُ
بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْقَصْدِ وَالتَّعَصُّبِ.
وَكَانَتْ وَفَاةُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِرٍ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، عَنْ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مَرَّاتٍ، وَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
مُجَلِّي بْنُ جُمَيْعِ بْنِ نَجَا، أَبُو الْمَعَالِي الْمَخْزُومِيُّ الْأَرْسُوفِيُّ
ثُمَّ الْمِصْرِيُّ قَاضِيهَا، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، مُصَنِّفُ " الذَّخَائِرِ " فِي الْمَذْهَبِ، وَفِيهَا غَرَائِبُ كَثِيرَةٌ، وَهِيَ مِنَ الْكُتُبِ الْمُفِيدَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا دَخَلَ السُّلْطَانُ سُلَيْمَانُ شَاهْ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ بْنِ أَلْبِ أَرْسَلَانَ السَّلْجُوقِيُّ إِلَى بَغْدَادَ وَعَلَى رَأْسِهِ الشَّمْسِيَّةُ، فَتَلَقَّاهُ الْوَزِيرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَأَدْخَلَهُ عَلَى الْخَلِيفَةِ، فَقَبَّلَ الْأَرْضَ وَحَلَّفَهُ عَلَى الطَّاعَةِ وَصَفَاءِ النِّيَّةِ وَالْمُنَاصَحَةِ وَالْمَوَدَّةِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ خُلَعَ الْمُلُوكِ، وَتَقَرَّرَ أَنَّ لِلْخَلِيفَةِ الْعِرَاقَ وَلِسُلَيْمَانَ شَاهْ مَا يَفْتَحُهُ مِنْ خُرَاسَانَ ثُمَّ خُطِبَ لَهُ بِبَغْدَادَ بَعْدَ الْمَلِكِ سَنْجَرَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَاقْتَتَلَ هُوَ وَالسُّلْطَانُ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ مَلِكْشَاهْ، فَهَزَمَهُ مُحَمَّدٌ وَهَزَمَ عَسْكَرَهُ، فَذَهَبَ هَارِبًا فَتَلَقَّاهُ نَائِبُ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودُ بْنُ زَنْكِيٍّ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ فَأَسَرَهُ وَحَبَسَهُ بِقَلْعَةِ الْمَوْصِلِ وَأَكْرَمَهُ مُدَّةَ حَبْسِهِ وَخَدَمَهُ، وَهَذَا مِنْ أَغْرَبِ الِاتِّفَاقَاتِ.
وَفِيهَا مَلَكَتِ الْفِرِنْجُ الْمَهْدِيَّةَ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ حِصَارٍ شَدِيدٍ.
وَفِيهَا فَتَحَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِيٍّ قَلْعَةَ تَلِّ حَارِمٍ وَاقْتَلَعَهَا مِنْ أَيْدِي الْفِرِنْجِ، وَكَانَتْ مِنْ أَحْصَنِ الْقِلَاعِ وَأَمْنَعِ الْبِقَاعِ وَذَلِكَ بَعْدَ قِتَالٍ عَظِيمٍ وَوَقْعَةٍ هَائِلَةٍ كَانَتْ مِنْ أَكبَرِ الْفُتُوحَاتِ، وَقَدِ امْتَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ عِنْدَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا هَرَبَ الْمَلِكُ سَنْجَرُ مِنَ الْأَسْرِ وَعَادَ إِلَى مُلْكِهِ بِمَرْوَ، وَكَانَ لَهُ فِي أَيْدِيهِمْ نَحْوٌ مِنْ خَمْسِ سِنِينَ.
وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ أَوْلَادَهُ عَلَى بِلَادِهِ ; اسْتَنَابَ كُلَّ وَاحِدٍ فِي بَلَدٍ كَبِيرٍ.
ذِكْرُ حِصَارِ بَغْدَادَ
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ مُحَمَّدَ بْنَ مَحْمُودِ بْنِ مَلِكْشَاهْ أَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَفِي يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَخْطُبَ لَهُ بِبَغْدَادَ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَسَارَ مِنْ هَمَذَانَ إِلَى بَغْدَادَ لِيُحَاصِرَهَا، فَانْجَفَلَ النَّاسُ، وَحَصَّنَ الْخَلِيفَةُ الْبَلَدَ، وَجَاءَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ فَحَصَرَ بَغْدَادَ وَوَقَفَ تُجَاهَ التَّاجِ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ فِي جَحْفَلٍ عَظِيمٍ، وَرَمَوْا نَحْوَهُ بِالنُّشَّابِ، وَقَاتَلَتِ الْعَامَّةُ قِتَالًا عَظِيمًا بِالنِّفْطِ وَغَيْرِهِ، وَاسْتَمَرَّ الْقِتَالُ إِلَى مُدَّةٍ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَلَغَ السُّلْطَانُ أَنَّ أَخَاهُ قَدْ خَلَفَهُ فِي هَمَذَانَ فَانْشَمَرَ عَنْ بَغْدَادَ رَاحِلًا إِلَى هَمَذَانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَتَفَرَّقَتِ الْعَسَاكِرُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فِي الْبِلَادِ، وَأَصَابَ النَّاسَ بَعْدَ هَذَا الْقِتَالِ مَرَضٌ شَدِيدٌ، وَمَوْتٌ ذَرِيعٌ، وَاحْتَرَقَتْ مَحَالُّ كَثِيرَةٌ مِنْ بَغْدَادَ وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ فِيهَا مُدَّةَ شَهْرَيْنِ.
وَفِيهَا أُطْلِقَ أَبُو الْبَدْرِ بْنُ الْوَزِيرِ بْنِ هُبَيْرَةَ مِنْ قَلْعَةِ تَكْرِيتَ وَكَانَ لَهُ فِيهَا، مُعْتَقَلًا، ثَلَاثَ سِنِينَ، فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ إِلَى أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، وَامْتَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمُ الْأَبْلَهُ الشَّاعِرُ، أَنْشَدَ الْوَزِيرَ قَصِيدَةً يَقُولُ فِي أَوَّلِهَا:
بِأَيِّ لِسَانٍ لِلْوُشَاةِ أُلَامُ ... وَقَدْ عَلِمُوا أَنِّي سَهِرْتُ وَنَامُوا
إِلَى أَنْ قَالَ
وَيَسْتَكْثِرُونَ الْوَصْلَ لِي مِنْكَ لَيْلَةً ... وَقَدْ مَرَّ عَامٌ بِالصُّدُودِ وَعَامُ
فَطَرِبَ الْخَلِيفَةُ عِنْدَ ذَلِكَ.
وَخَلَعَ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ وَأَطْلَقَ لَهُ خَمْسِينَ دِينَارًا، وَحَجَّ بِالنَّاسِ قَايْمَازُ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَبُو الْحَسَنِ الْغَزْنَوِيُّ
الْوَاعِظُ، كَانَ لَهُ قَبُولٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعَامَّةِ، وَبَنَتْ لَهُ الْخَاتُونُ زَوْجَةُ الْمُسْتَظْهِرِ رِبَاطًا بِبَابِ الْأَزَجِّ، وَوَقَفَتْ عَلَيْهِ أَوْقَافًا كَثِيرَةً، فَحَصَلَ لَهُ جَاهٌ عَرِيضٌ وَزَارَهُ السُّلْطَانُ.
وَكَانَ حَسَنَ الْإِيرَادِ مَلِيحَ الْوَعْظِ، يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَجَمٌّ غَفِيرٌ مِنْ أَصْنَافِ النَّاسِ.
وَقَدِ اسْتَمْلَحَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَشْيَاءَ مِنْ وَعْظِهِ، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَوْمًا يَقُولُ: حُزْمَةُ حُزْنٍ خَيْرٌ مِنْ أَعْدَالِ أَعْمَالِ.
ثُمَّ أَنْشَدَ
كَمْ حَسْرَةٍ لِي فِي الْحَشَا ... مِنْ وَلَدٍ إِذَا نَشَا
أَمَّلْتُ فِيهِ رُشْدَهُ ... فَمَا نَشَا كَمَا أَشَا
قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَوْمًا يُنْشِدُ
يَحْسُدُنِي قَوْمِي عَلَى صَنْعَتِي ... لِأَنَّنِي فِي صَنْعَتِي فَارِسُ
سَهِرْتُ فِي لَيْلِي وَاسْتَنْعَسُوا ... وَهَلْ يَسْتَوِي السَّاهِرُ وَالنَّاعِسُ
قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: تُوَلُّونَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَيَسُبُّونَ نَبِيَّكُمْ فِي يَوْمِ عِيدِهِمْ وَيُصْبِحُونَ يَجْلِسُونَ إِلَى جَانِبِكُمْ؟ ! ثُمَّ يَقُولُ: أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالَ: وَكَانَ يَتَشَيَّعُ، ثُمَّ سُعِيَ فِي مَنْعِهِ مِنَ الْوَعْظِ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ، وَلَكِنْ ظَهَرَ لِلنَّاسِ ابْنُ الْعَبَّادِيِّ، فَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَمِيلُونَ إِلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ يُعَظِّمُهُ وَيَحْضُرُ مَجْلِسَهُ، فَلَمَّا مَاتَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ ذُلَّ الْغَزْنَوِيُّ بَعْدَهُ، وَأُهِينَ إِهَانَةً بَالِغَةً، فَمَرِضَ وَمَاتَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَعْرَقُ فِي نَزْعِهِ ثُمَّ يَفِيقُ وَهُوَ يَقُولُ: رِضًى وَتَسْلِيمٌ.
وَلَمَّا مَاتَ دُفِنَ فِي رِبَاطِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ.
مَحْمُودُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ قَادُوسَ، أَبُو الْفَتْحِ الدِّمْيَاطِيُّ
كَاتِبُ الْإِنْشَاءِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَهُوَ شَيْخُ الْقَاضِي الْفَاضِلِ وَكَانَ يُسَمِّيهِ ذَا الْبَلَاغَتَيْنِ، وَذَكَرَهُ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ فِي " الْخَرِيدَةِ " وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَمِنْ شِعْرِهِ فِيمَنْ يُكَرِّرُ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ
وَفَاتِرُ النِّيَّةِ عِنِّينِهَا ... مَعْ كَثْرَةِ الرَّعْدَةِ وَالْهِزَّهْ
يُكَبِّرُ سَبْعِينَ فِي مَرَّةٍ ... كَأَنَّهُ صَلَّى عَلَى حَمْزَهْ
الشَّيْخُ أَبُو الْبَيَانِ
نَبَا بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَوْرَانِيِّ، الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ الْعَابِدُ الْفَاضِلُ الْخَاشِعُ، قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ، قَرَأَ الْقُرْآنَ وَكِتَابَ " التَّنْبِيهِ " عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَ حَسَنَ الْمَعْرِفَةِ بِاللُّغَةِ، كَثِيرَ الْمُطَالَعَةِ، وَلَهُ كَلَامٌ يُؤْثَرُ عَنْهُ، وَرَأَيْتُ لَهُ كِتَابًا بِخَطِّهِ فِيهِ النَّظَائِمُ الَّتِي لَهُ، يَقُولُهَا أَصْحَابُهُ وَأَتْبَاعُهُ بِلَهْجَةٍ غَرِيبَةٍ، وَقَدْ كَانَ مِنْ نَشْأَتِهِ إِلَى أَنْ تُوَفِّيَ عَلَى طَرِيقَةٍ صَالِحَةٍ، وَقَدْ زَارَهُ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ فِي رِبَاطِهِ دَاخِلَ دَرْبِ الْحَجَرِ، وَوَقَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ الثَّالِثِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي " طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ " رَحِمَهُ اللَّهُ.
عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ
بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الْفَارِسِيُّ الْحَافِظُ، تَفَقَّهَ بِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَسَمِعَ الْكَثِيرَ عَلَى جَدِّهِ لِأُمِّهِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ، وَرَحَلَ إِلَى الْبِلَادِ وَأَسْمَعَ الْكَثِيرَ، وَصَنَّفَ " الْمُفْهِمَ فِي غَرِيبِ مُسْلِمٍ " وَغَيْرِهِ، وَوَلِيَ خَطَابَةَ نَيْسَابُورَ وَكَانَ فَاضِلًا بَارِعًا ديِّنًا حَافِظًا.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
اسْتُهِلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَمُحَمَّدُ شَاهْ بْنُ مَحْمُودٍ مُحَاصِرٌ بَغْدَادَ وَالْعَامَّةُ وَالْجُنْدُ مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَفِي يُقَاتِلُونَ أَشَدَّ الْقِتَالِ، وَالْجُمُعَةُ لَا تُقَامُ لِعُذْرِ الْقِتَالِ، وَالْفِتْنَةُ كَبِيرَةٌ، ثُمَّ يَسَّرَ اللَّهُ بِذَهَابِ السُّلْطَانِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَقَدْ بَسَطَ ذَلِكَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَطَوَّلَ.
وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بِالشَّامِ، هَلَكَ بِسَبَبِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ، وَتَهَدَّمَ أَكْثَرُ حَلَبَ وَحَمَاةُ وَشَيْزَرُ وَحِمْصُ وَكَفْرُ طَابَ وَحِصْنُ الْأَكْرَادِ وَاللَّاذِقِيَّةُ وَالْمَعَرَّةُ وَأَفَامِيَةُ وَأَنْطَاكِيَةُ وَطَرَابُلُسُ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَأَمَّا شَيْزَرُ فَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهَا إِلَّا امْرَأَةٌ وَخَادِمٌ لَهَا، وَهَلَكَ الْبَاقُونَ، وَأَمَّا كَفْرُ طَابَ فَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهَا أَحَدٌ وَأَمَّا أَفَامِيَةُ فَسَاخَتْ قَلْعَتُهَا، وَتَلُّ جَرَّانَ انْقَسَمَ نِصْفَيْنِ، فَأَبْدَى نَوَاوِيسَ وَبُيُوتًا كَثِيرَةً فِي وَسَطِهِ.
قَالَ: وَهَلَكَ مِنْ مَدَائِنِ الْإِفْرِنْجِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَتَهَدَّمَ أَسْوَارُ أَكْثَرِ مُدُنِ الشَّامِ مِنْ ذَلِكَ ; حَتَّى إِنَّ مَكْتَبًا بِحَمَاةَ انْهَدَمَ عَلَى الصِّبْيَانِ فَهَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ، فَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ يَسْأَلُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ.
وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْفَصْلَ الشَّيْخُ أَبُو شَامَةَ فِي كِتَابِ " الرَّوْضَتَيْنِ " مُسْتَقْصًى، وَذَكَرَ مَا قَالَهُ الشُّعَرَاءُ فِي ذَلِكَ.
وَفِيهَا مَلَكَ السُّلْطَانُ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِيٍّ حِصْنَ شَيْزَرَ بَعْدَ حِصَارٍ، وَأَخَذَ مَدِينَةَ بَعْلَبَكَّ وَكَانَ بِهَا الضَّحَّاكُ الْبِقَاعِيُّ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَنَةِ خَمْسِينَ، كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهَا مَرِضَ نُورُ الدِّينِ فَمَرِضَ الشَّامُ بِمَرَضِهِ ثُمَّ عُوفِيَ فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا، وَاسْتَوْلَى أَخُوهُ قُطْبُ الدِّينِ مَوْدُودٌ عَلَى جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ.
وَفِيهَا عَمِلَ الْخَلِيفَةُ بَابًا لِلْكَعْبَةِ مُصَفَّحًا بِالذَّهَبِ، وَأَخَذَ بَابَهَا الْأَوَّلَ فَجَعْلَهُ لِنَفْسِهِ تَابُوتًا.
وَفِيهَا أَغَارَتِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ عَلَى حُجَّاجِ خُرَاسَانَ فَلَمْ يُبْقُوا مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ لَا زَاهِدٍ وَلَا عَالِمٍ.
وَفِيهَا كَانَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ بِخُرَاسَانَ حَتَّى أَكَلُوا الْحَشَرَاتِ، وَذَبَحَ إِنْسَانٌ رَجُلًا عَلَوِيًّا فَطَبَخَهُ وَبَاعَهُ فِي السُّوقِ، فَحِينَ ظَهَرَ عَلَيْهِ قُتِلَ.
وَذَكَرَ أَبُو شَامَةَ أَنَّ فَتْحَ بَانِيَاسَ كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى يَدِ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ كَانَ مُعِينُ الدِّينِ سَلَّمَهَا إِلَى الْفِرِنْجِ صُلْحًا عَنْ دِمَشْقَ فَعَوَّضَهُمْ بِهَا، وَقَتَلَ مَلِكِهَا وَغَنِمَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِيهَا قَدِمَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَقْتِ عَبْدُ الْأَوَّلِ بْنُ عِيسَى بْنِ شُعَيْبٍ السِّجْزِيُّ، فَسُمِّعَ عَلَيْهِ " الْبُخَارِيُّ " فِي دَارِ الْوَزِيرِ بِبَغْدَادَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ قَايْمَازُ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، أَبُو اللَّيْثِ النَّسَفِيُّ، مِنْ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ وَوَعَظَ، وَكَانَ حَسَنَ السَّمْتِ، قَدِمَ
بَغْدَادَ فَوَعَظَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ فَقَتَلَهُ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
أَحْمَدُ بْنُ بَخْتِيَارَ
بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَبُو الْعَبَّاسِ، الْمَنْدَائِيُّ الْوَاسِطِيُّ قَاضِيهَا، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ بِالْأَدَبِ وَاللُّغَةِ، وَصَنَّفَ كُتُبًا فِي التَّارِيخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا، تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالنِّظَامِيَّةِ.
السُّلْطَانُ سَنْجَرُ
ابْنُ مَلِكْشَاهْ بْنِ أَلْبِ أَرْسَلَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ مِيكَائِيلَ بْنِ سَلْجُوقَ، أَبُو الْحَارِثِ ; وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، وَلُقِّبَ بِسَنْجَرَ، مَوْلِدُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَأَقَامَ فِي الْمُلْكِ نَيِّفًا وَسِتِّينَ سَنَةً ; مِنْ ذَلِكَ اسْتِقْلَالًا إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقَدْ أَسَرَهُ الْغُزُّ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ، ثُمَّ هَرَبَ مِنْهُمْ فَعَادَ إِلَى مُلْكِهِ بِمَرْوَ، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَدُفِنَ فِي قُبَّةٍ بَنَاهَا سَمَّاهَا: دَارَ الْآخِرَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّطِيفِ
بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَبُو بَكْرٍ الْخُجَنْدِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وَلِيَ تَدْرِيسَ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ يُنَاظِرُ حَسَنًا وَيَعِظُ النَّاسَ وَحَوْلَهُ السُّيُوفُ مُسَلَّلَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَلَمْ يَكُنْ مَاهِرًا فِي الْوَعْظِ، حَالُهُ أَشْبَهُ
بِالْوُزَرَاءِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ السَّلَاطِينَ حَتَّى كَانُوا يُصْدِرُونَ عَنْ رَأْيِهِ، تُوُفِّيَ بِأَصْبَهَانَ فَجْأَةً.
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ
بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَلِّ، أَبُو الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْبَقَاءِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَتَفَقَّهَ عَلَى الشَّاشِيِّ، وَدَرَّسَ وَأَفْتَى، وَتُوُفِّيَ فِي مُحَرَّمِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَتُوُفِّيَ أَخُوهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْخَلِّ الشَّاعِرُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا.
يَحْيَى بْنُ عِيسَى
بْنُ إِدْرِيسَ، أَبُو الْبَرَكَاتِ الْأَنْبَارِيُّ الْوَاعِظُ، قَرَأَ الْقُرْآنَ وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَتَفَقَّهَ وَوَعَظَ النَّاسَ عَلَى طَرِيقَةِ الصَّالِحِينَ، وَكَانَ يَبْكِي مِنْ أَوَّلِ صُعُودِهِ إِلَى حِينِ نُزُولِهِ، وَكَانَ عَابِدًا زَاهِدًا وَرِعًا آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ نَاهِيًا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَرُزِقَ أَوْلَادًا صَالِحِينَ سَمَّاهُمْ بِأَسْمَاءِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ; أَبُو بَكْرٍ، وَعُمْرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَحَفَّظَهُمُ الْقُرْآنَ كُلَّهُمْ، وَخَتَّمَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ يَصُومَانِ الدَّهْرَ، وَيَقُومَانِ اللَّيْلَ، وَلَا يُفْطِرَانِ إِلَّا بَعْدَ الْعَشَاءِ، وَكَانَتْ لَهُ كَرَامَاتٌ وَمَنَامَاتٌ صَالِحَةٌ.
وَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ زَوْجَتُهُ: اللَّهُمَّ لَا تُحْيِنِي بَعْدَهُ.
فَمَاتَتْ بَعْدَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَتْ مِنَ الصَّالِحَاتِ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا كَثُرَ فَسَادُ التُّرْكُمَانِ مِنْ أَصْحَابِ بُرْجُمَ الْإِيوَائِيِّ، فَجُهِّزَ إِلَيْهِمْ مَنْكُورُسُ الْمُسْتَرْشِدِيُّ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَالْتَقَوْا مَعَهُمْ فَهَزَمَهُمْ أَقْبَحَ هَزِيمَةٍ، وَجَاءُوا بِالْأُسَارَى وَالرُّءُوسِ إِلَى بَغْدَادَ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْغُزِّ وَبَيْنَ الْمَلِكِ مَحْمُودٍ، فَكَسَرُوهُ وَقَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ خَلْقًا كَثِيرًا وَنَهَبُوا الْبِلَادَ، وَأَقَامُوا بِمَرْوَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ طَلَبُوهُ إِلَيْهِمْ فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَرْسَلَ وَلَدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَكْرَمُوهُ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِمْ فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَعَظَّمُوهُ.
وَفِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ كَبِيرَةٌ بِمَرْوَ بَيْنَ فَقِيهِ الشَّافِعِيَّةِ الْمُؤَيَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَبَيْنَ نَقِيبِ الْعَلَوِيِّينَ بِهَا أَبِي الْقَاسِمِ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ، فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَاحْتَرَقَتِ الْمَسَاجِدُ وَالْمَدَارِسُ وَالْأَسْوَاقُ، وَانْهَزَمَ الْمُؤَيَّدُ الشَّافِعِيُّ إِلَى بَعْضِ الْقِلَاعِ.
وَفِيهَا وُلِدَ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَفِيهَا خَرَجَ الْمُقْتَفِي نَحْوَ الْأَنْبَارِ مُتَصَيِّدًا وَعَبَرَ الْفُرَاتَ وَزَارَ الْحُسَيْنَ، وَمَضَى إِلَى وَاسِطٍ وَعَادَ إِلَى بَغْدَادَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْوَزِيرُ.
وَفِيهَا كَسَرَ جَيْشُ مِصْرَ الْفِرِنْجَ بِأَرْضِ عَسْقَلَانَ كَسْرَةً فَظِيعَةً صُحْبَةَ الْمَلِكِ
الصَّالِحِ أَبِي الْغَارَاتِ، فَارِسِ الدِّينِ طَلَائِعِ بْنِ رُزِّيكَ وَامْتَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ.
وَفِيهَا قَدِمَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ مِنْ حَلَبَ إِلَى دِمَشْقَ وَقَدْ شُفِيَ مِنَ الْمَرَضِ فَفَرِحَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَخَرَجَ إِلَى قِتَالِ الْفِرِنْجِ، فَانْهَزَمَ جَيْشُهُ، فَبَقِيَ هُوَ وَشِرْذِمَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي لُجَّةِ الْعَدُوِّ، فَرَمَوْهُمْ بِالسِّهَامِ الْكَثِيرَةِ، ثُمَّ خَافُوا أَنْ يَكُونَ وُقُوفُهُ فِي هَذِهِ الشِّرْذِمَةِ الْقَلِيلَةِ، خَدِيعَةً لِمَجِيءِ كَمِينٍ إِلَيْهِمْ، فَفَرُّوا مُنْهَزِمِينَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا قَايْمَازُ الْأُرْجُوَانِيُّ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
عَبْدُ الْأَوَّلِ بْنُ عِيسَى
بْنِ شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ، أَبُو الْوَقْتِ السِّجْزِيُّ الصُّوفِيُّ الْهَرَوِيُّ، رَاوِي " الْبُخَارِيِّ " وَ " مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ "، وَ " الْمُنْتَخِبِ مِنْ مُسْنَدِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ "، قَدِمَ بَغْدَادَ فَسَمِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ هَذِهِ الْكُتُبَ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْمَشَايِخِ وَأَحْسَنِهِمْ سَمْتًا، وَأَصْبَرِهِمْ عَلَى قِرَاءَةِ الْحَدِيثِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ التَّكْرِيتِيُّ الصُّوفِيُّ، قَالَ: أَسْنَدْتُهُ إِلَيَّ فَمَاتَ، فَكَانَ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: 26]
نَصْرُ بْنُ مَنْصُورِ
بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْعَطَّارُ، أَبُو الْقَاسِمِ الْحَرَّانِيُّ، كَانَ كَثِيرَ الْمَالِ، يَعْمَلُ مِنْ صَدَقَاتِهِ الْمَعْرُوفَ الْكَثِيرَ مِنْ أَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ
الْحَسَنَةِ، وَيُكْثِرُ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ، وَيُحَافِظُ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَرُوِيَتْ لَهُ مَنَامَاتٌ صَالِحَةٌ، وَقَارَبَ الثَّمَانِينَ.
يَحْيَى بْنُ سَلَامَةَ
بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ، أَبُو الْفَضْلِ الشَّافِعِيُّ، الْحَصْكَفِيُّ ; نِسْبَةً إِلَى حِصْنِ كَيْفَا كَانَ إِمَامًا فِي عُلُومٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْفِقْهِ وَالْأَدَبِ، نَاظِمًا نَاثِرًا، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى الْغُلُوِّ فِي التَّشَيُّعِ، وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قِطْعَةً مِنْ نَظْمِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي جُمْلَةِ قَصِيدَةٍ لَهُ
تَقَاسَمُوا يَوْمَ الْوَدَاعِ كَبِدِي ... فَلَيْسَ لِي مُنْذُ تَوَلَّوْا كَبِدُ
عَلَى الْجُفُونِ رَحَلُوا وَفِي الْحَشَا ... تَقَيَّلُوا وَمَاءَ عَيْنِي وَرَدُوا
فَأَدْمُعِي مَسْفُوحَةٌ وَكَبِدِي ... مَقْرُوحَةٌ وِغُلَّتُي لَا تَبْرُدُ
وَصَبْوَتِي دَائِمُةٌ وَمُقْلَتِي ... دَامِيَةٌ وَنَوْمُهَا مُشَرَّدُ
تَيَّمَنِي مِنْهُمْ غَزَالٌ أَغْيَدُ ... يَا حَبَّذَا ذَاكَ الْغَزَالُ الْأَغْيَدُ
حُسَامُهُ مُجَرَّدٌ وَصَرْحُهُ ... مُمَرَّدٌ وَخَدُّهُ مُوَرَّدُ
وَصُدْغُهُ فَوْقَ احْمِرَارِ خَدِّهِ ... مُبَلْبَلٌ مُعَقْرَبٌ مُجَعَّدُ
كَأَنَّمَا نَكْهَتُهُ وَرِيقُهُ ... مِسْكٌ وَخَمْرٌ وَالثَّنَايَا بَرَدُ
يُقْعِدُهُ عِنْدَ الْقِيَامِ رِدْفُهُ ... وَفِي الْحَشَا مِنْهُ الْمُقِيمُ الْمُقْعِدُ
لَهُ قِوَامٌ كَقَضِيبِ بَانَةٍ ... يَهْتَزُّ قَصْدًا لَيْسَ فِيهِ أَوَدُ
وَهِيَ طَوِيلَةٌ جِدًّا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ هَذَا التَّغَزُّلِ إِلَى مَدْحِ أَهْلِ الْبَيْتِ وَالْأَئِمَّةِ
الِاثْنَيْ عَشْرَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَنَفَعَنَا بِهِمْ، حَيْثُ يَقُولُ: وَسَائِلِي عَنْ حُبِّ أَهْلِ الْبَيْتِ هَلْ ... أُقِرُّ إِعْلَانًا بِهِ أَمْ أَجْحَدُ هَيْهَاتَ مَمْزُوجٌ بِلَحْمِي وَدَمِي ... حُبُّهُمْ وَهْوَ الْهُدَى وَالرَّشَدُ حَيْدَرَةُ وَالْحَسَنَانِ بَعْدَهُ ... ثُمَّ عَلِيٌّ وَابْنُهُ مُحَمَّدُ وَجَعْفَرُ الصَّادِقُ وَابْنُ جَعْفَرٍ ... مُوسَى وَيَتْلُوهُ عَلِيُّ السَّيِّدُ أَعْنِي الرِّضَا ثُمَّ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ ... ثُمَّ عَلِيٌّ وَابْنُهُ الْمُسَدَّدُ وَالْحَسَنُ التَّالِي وَيَتْلُو تِلْوَهُ ... مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُفْتَقَدُ فَإِنَّهُمْ أَئِمَّتِي وَسَادَتِي ... وَإِنْ لَحَانِي مَعْشَرٌ وَفَنَّدُوا أَئِمَّةٌ أَكْرِمْ بِهِمْ أَئِمَّةً ... أَسْمَاؤُهُمْ مَسْرُودَةٌ تَطَّرِدُ هُمْ حُجَجُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ... وَهُمْ إِلَيْهِ مَنْهَجٌ وَمَقْصِدُ قَوْمٌ لَهُمْ فَضْلٌ وَمَجْدٌ بَاذِخٌ ... يَعْرِفُهُ الْمُشْرِكُ وَالْمُوَحِّدُ قَوْمٌ لَهُمْ فِي كُلِّ أَرْضٍ مَشْهَدُ ... لَا بَلْ لَهُمْ فِي كُلِّ قَلْبٍ مَشْهَدُ قَوْمٌ مِنًى وَالْمَشْعَرَانِ لَهُمْ ... وَالْمَرْوَتَانِ لَهُمْ وَالْمَسْجِدُ قَوْمٌ لَهُمْ مَكَّةُ وَالْأَبْطَحُ وَالْ ... خَيْفُ وَجَمْعٌ وَالْبَقِيعُ الْغَرْقَدُ ثُمَّ ذَكَرَ مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ بِالطَّفِّ إِلَى أَنْ قَالَ: يَا أَهْلَ بَيْتِ الْمُصْطَفَى يَا عِدَّتِي ... وَمَنْ عَلَى حُبِّهِمْ أَعْتَمِدُ أَنْتُمْ إِلَى اللَّهِ غَدًا وَسِيْلَتِي ... وَكَيْفَ أَخْشَى وَبِكُمْ أَعْتَضِدُ وَلِيُّكُمْ فِي الْخُلْدِ حَيٌّ خَالِدُ ... وَالضِّدُّ فِي نَارٍ لَظًى مُخَلَّدُ
وَلَسْتُ أَهْوَاكُمْ بِبُغْضِ غَيْرِكُمْ ... إِنِّي إِذًا أَشْقَى بِكُمْ لَا أَسْعَدُ فَلَا يَظُنُّ رَافِضِيُّ أَنَّنِي ... وَافَقْتُهُ أَوْ خَارِجِيٌّ مُفْسِدُ مُحَمَّدٌ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ ... أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ فِيمَا أَجِدُ هُمْ أَسَّسُوا قَوَاعِدَ الدِّينِ لَنَا ... وَهُمْ بَنَوا أَرْكَانَهُ وَشَيَّدوُا وَمَنْ يَخُنْ أَحْمَدَ فِي أَصْحَابِهِ ... فَخَصْمُهُ يَوْمَ الْمَعَادِ أَحْمَدُ هَذَا اعْتِقَادِي فَالْزَمُوهُ تَفْلَحُوا ... هَذَا طَرِيقِي فَاسْلُكُوهُ تَهْتَدُوا وَالشَّافِعِيُّ مَذْهَبِي مَذْهَبُهُ ... لِأَنَّهُ فِي قَوْلِهِ مُؤَيَّدُ أَتْبَعُهُ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مَعًا ... فَلْيَتَّبِعْنِي الطَّالِبُ الْمُسْتَرْشِدُ إِنِّي بِإِذْنِ اللَّهِ نَاجٍ سَابِقُ ... إِذَا وَنَى الظَّالِمُ وَالْمُقْتَصِدُ وَلَهُ أَيْضًا: إِذَا قَلَّ مَالِي لَمْ تَجِدْنِيَ ضَارِعًا ... كَثِيرَ الْأَسَى مُغْرًى بِعَضِّ الْأَنَامِلِ وَلَا بَطِرًا إِنْ جَدَّدَ اللَّهُ نِعْمَةً ... وَلَوْ أَنَّ مَا أُوتِي جَمِيعُ الْأَنَامِ لِي تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِمَيَّافَارِقِينَ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا مَرِضَ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَفِي مَرَضًا شَدِيدًا، ثُمَّ عُوفِيَ مِنْهُ فَزُيِّنَتْ لَهُ بَغْدَادُ أَيَّامًا، وَتَصَدَّقَ بِصَدَقَاتٍ عَظِيمَةٍ كَثِيرَةٍ.
وَفِيهَا اسْتَعَادَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ مَدِينَةَ الْمَهْدِيَّةِ مِنْ أَيْدِي الْفِرِنْجِ، وَقَدْ كَانُوا أَخَذُوهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ، وَقَاتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ حَتَّى صَارَتْ عِظَامُ الْقَتْلَى هُنَاكَ كَالتَّلِّ الْعَظِيمِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِي صَفَرٍ سَقَطَ بَرَدٌ بِالْعِرَاقِ كِبَارٌ، زِنَةُ الْبَرَدَةِ قَرِيبٌ مِنْ خَمْسَةِ أَرْطَالٍ، وَمِنْهَا مَا هُوَ تِسْعَةُ أَرْطَالٍ بِالْبَغْدَادِيِّ، فَهَلَكَ بِذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنَ الْغَلَّاتِ، وَخَرَجَ الْخَلِيفَةُ إِلَى وَاسِطٍ فَاجْتَازَ بِسُوقِهَا وَرَأَى جَامِعَهَا، وَسَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ فَشُجَّ جَبِينُهُ، ثُمَّ عُوفِيَ.
وَفِي رَبِيعٍ الْآخَرِ زَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً عَظِيمَةً، فَغَرِقَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَحَالُّ كَثِيرَةٌ مِنْ بَغْدَادَ حَتَّى صَارَ أَكْثَرُ الدُّورِ بِهَا تُلُولًا، وَغَرِقَتْ تُرْبَةُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَتَخَسَّفَتْ هُنَالِكَ الْقُبُورُ، وَطَفَتِ الْمَوْتَى عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَثُرَ الْمَرَضُ وَالْمَوْتُ، وَفِيهَا أَقْبَلَ مَلِكُ الرُّومِ فِي جَحَافِلَ قَاصِدًا بِلَادَ الشَّامِ فَرَدَّهُ اللَّهُ خَائِبًا خَاسِرًا ; وَذَلِكَ لِضِيقِ حَالِهِمْ مِنَ الْمِيرَةِ، وَأَسَرَ
الْمُسْلِمُونَ ابْنَ أُخْتِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَايْمَازُ الْأُرْجُوَانِيُّ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ مَعَالِيِّ
بْنِ بَرَكَةَ الْحَرْبِيُّ، تَفَقَّهَ بِأَبِي الْخَطَّابِ الْكَلْوَذَانِيِّ، وَبَرَعَ فِي النَّظَرِ، وَدَرَسَ وَأَفْتَى، ثُمَّ صَارَ شَافِعِيًّا، ثُمَّ عَادَ حَنْبَلِيًّا، وَوَعَظَ بِبَغْدَادَ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ; دَخَلَتْ بِهِ دَابَّتُهُ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ، فَدَخَلَ قَرَبُوسُ سَرْجِهِ فِي صَدْرِهِ.
السُّلْطَانُ مُحَمَّدُ شَاهْ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ، بْنِ أَلْبِ أَرْسَلَانَ
لَمَّا رَجَعَ مِنْ مُحَاصَرَةِ بَغْدَادَ إِلَى هَمَذَانَ أَصَابَهُ مَرَضُ السُّلِّ، فَلَمْ يُنْجَعْ مِنْهُ، بَلْ تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَيَّامٍ أَمَرَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَا يَمْلِكُهُ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَنْظَرَةِ، فَرَكِبَ الْجَيْشُ بِكَمَالِهِ وَأُحْضِرَتْ أَمْوَالُهُ كُلُّهَا، وَمَمَالِيكُهُ حَتَّى جَوَارِيِهِ وَحَظَايَاهُ، فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ: هَذِهِ الْعَسَاكِرُ لَا يَدْفَعُونَ عَنِّي مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَلَا يَزِيدُونَ فِي عُمْرِي لَحْظَةً، ثُمَّ تَأَسَّفَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَفِي، وَأَهْلِ بَغْدَادَ وَحِصَارِهِمْ وَأَذِيَّتِهِمْ،
ثُمَّ فَرَّقَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ تِلْكَ الْحَوَاصِلِ وَالْأَمْوَالِ، وَتُوُفِّيَ عَنْ وَلَدٍ صَغِيرٍ، وَاجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ وَالْأُمَرَاءُ عَلَى عَمِّهِ سُلَيْمَانَ شَاهْ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ وَكَانَ مَسْجُونًا بِالْمَوْصِلِ فَأُفْرِجَ عَنْهُ، وَانْعَقَدَتِ السَّلْطَنَةُ لَهُ، وَخُطِبَ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ، سِوَى بَغْدَادَ وَالْعِرَاقِ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ
أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ
وَأُمُّهُ نُسَيْمُ، الْمَدْعُوَّةُ: سِتَّ السَّادَةِ، سَمْرَاءُ مِنْ خِيَارِ الْجَوَارِي، مَرِضَ بِالتَّرَاقِي، وَقِيلَ: بِدُمَّلٍ خَرَجَ فِي حَلْقِهِ.
فَمَاتَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ ثَانِيَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً، إِلَّا ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَدُفِنَ بِدَارِ الْخِلَافَةِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى التُّرَبِ، وَقَدْ كَانَ شَهْمًا شُجَاعًا مِقْدَامًا، يُبَاشِرُ الْأُمُورَ بِنَفْسِهِ، وَيُشَاهِدُ الْحُرُوبَ وَيَبْذُلُ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ لِأَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اسْتَبَدَّ بِالْعِرَاقِ مُنْفَرِدًا عَنِ السَّلَاطِينِ، مِنْ أَوَّلِ أَيَّامِ الدَّيْلَمِ إِلَى أَيَّامِهِ، وَتَمَكَّنَ فِي الْخِلَافَةِ وَحَكَمَ عَلَى الْعَسْكَرِ وَالْأُمَرَاءِ، وَقَدْ وَافَقَ أَبَاهُ فِي أَشْيَاءَ ; مِنْ ذَلِكَ مَرَضُهُ بِالتَّرَاقِي، وَمَوْتُهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَتَقَدَّمَ مَوْتُ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ شَاهْ قَبْلَهُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَظْهِرُ مَاتَ قَبْلَهُ مُحَمَّدٌ بِثَلَاثَةٍ، وَبَعْدَ غَرَقِ بَغْدَادَ بِسَنَةٍ مَاتَ الْقَائِمُ، وَكَذَلِكَ هَذَا.
قَالَ عَفِيفٌ النَّاسِخُ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ قَائِلًا
يَقُولُ: إِذَا اجْتَمَعَتْ ثَلَاثُ خَاءَاتٍ مَاتَ الْمُقْتَفِي.
يَعْنِي: خَمْسًا وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
خِلَافَةُ الْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ، أَبِي الْمُظَفَّرِ يُوسُفَ بْنِ الْمُقْتَفِي
لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُوهُ، كَمَا ذَكَرْنَا، بُويِعَ لَهُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْأَحَدِ ثَانِيَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، بَايَعَهُ أَشْرَافُ بَنِي الْعَبَّاسِ، ثُمَّ الْوَزِيرُ وَالْقُضَاةُ وَالْعُلَمَاءُ وَالْأُمَرَاءُ وَعُمْرُهُ يَوْمَئِذٍ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَكَانَ وَلِيَّ عَهْدِ أَبِيهِ مِنْ مُدَّةٍ مُتَطَاوِلَةٍ، ثُمَّ عَمِلَ عَزَاءَ أَبِيهِ، وَلَمَّا خُطِبَ لَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ نُثِرَتِ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ عَلَى النَّاسِ، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ بَعْدَ أَبِيهِ، وَأَقَرَّ الْوَزِيرَ ابْنَ هُبَيْرَةَ عَلَى مَنْصِبِهِ وَوَعَدَهُ بِذَلِكَ إِلَى الْمَمَاتِ، وَعَزَلَ قَاضِيَ الْقُضَاةِ ابْنَ الدَّامَغَانِيِّ، وَوَلَّى مَكَانَهُ أَبَا جَعْفَرٍ عَبْدَ الْوَاحِدِ الثَّقَفِيَّ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، لَهُ سَمَاعٌ بِالْحَدِيثِ، وَبَاشَرَ الْحُكْمَ بِالْكُوفَةِ مُدَّةً، فَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَوَلِيَ مَكَانَهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ.
وَفِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ اتَّفَقَ الْأَتْرَاكُ بِبَابِ هَمَذَانَ عَلَى خَلْعِ سُلَيْمَانَ شَاهْ، وَخَطَبُوا لَأَرْسَلَانَ بْنِ طُغْرُلَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ
الْفَائِزُ بِنَصْرِ اللَّهِ الْفَاطِمِيُّ
صَاحِبُ مِصْرَ، وَهُوَ أَبُو الْقَاسِمِ عِيسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ الظَّافِرُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي صَفَرٍ وَعُمْرُهُ يَوْمَئِذٍ إِحْدَى عَشْرَةَ
سَنَةً، وَمُدَّةُ وِلَايَتِهِ مِنْ ذَلِكَ سِتُّ سِنِينَ وَشَهْرَانِ، وَكَانَ مُدَبِّرَ دَوْلَتِهِ أَبُو الْغَارَاتِ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ الْعَاضِدُ آخِرُ خُلَفَائِهِمْ، وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ الْحَافِظِ، وَلَمْ يَكُنْ أَبُوهُ خَلِيفَةً، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ، فَقَامَ بِتَدْبِيرِ مَمْلَكَتِهِ الْمَلِكُ الصَّالِحُ طَلَائِعُ بْنُ رُزِّيكَ الْوَزِيرُ، أَخَذَ لَهُ الْبَيْعَةَ وَزَوَّجَهُ بِابْنَتِهِ، وَجَهَّزَهَا بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَقَدْ عُمِّرَتْ بَعْدَ زَوْجِهَا الْعَاضِدِ، وَرَأَتْ زَوَالَ دَوْلَةِ الْفَاطِمِيِّينَ عَلَى يَدِ الْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ شَاذِيٍّ، فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، كَمَا سَيَأْتِي مُفَصَّلًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ السُّلْطَانِ الْكَبِيرِ صَاحِبِ غَزْنَةَ
خُسْرُوشَاهْ بْنُ بَهْرَامْ شَاهْ
بْنِ مَسْعُودِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتُكِينَ، مِنْ بَيْتِ مُلْكٍ وَرِيَاسَةٍ بَاذِخَةٍ، يَرِثُونَهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الْمُلُوكِ وَأَحْسَنِهِمْ سِيرَةً، يُحِبُّ الْعِلْمَ وَأَهْلَهُ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَامَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ مَلِكْشَاهْ، فَسَارَ إِلَيْهِ عَلَاءُ الدِّينِ الْحُسَيْنُ مَلِكُ الْغُورِ فَحَاصَرَ غَزْنَةَ مُدَّةً فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، فَرَجَعَ خَائِبًا.
وَفِيهَا مَاتَ مَلِكْشَاهْ بْنُ السُّلْطَانِ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ
بْنِ أَلْبِ أَرْسَلَانَ السَّلْجُوقِيُّ، بِأَصْبَهَانَ مَسْمُومًا، يُقَالُ: إِنَّ الْوَزِيرَ عَوْنَ الدِّينِ بْنَ هُبَيْرَةَ دَسَّ إِلَيْهِ مَنْ سَقَاهُ إِيَّاهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهَا مَاتَ
أَمِيرُ الْحَاجِّ قَايِمَازُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُرْجُوَانِيُّ
سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ وَهُوَ يَلْعَبُ بِالْكُرَةِ بِمَيْدَانِ الْخَلِيفَةِ، فَسَالَ دِمَاغُهُ مِنْ أُذُنِهِ، فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْأُمَرَاءِ، فَتَأَسَّفَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
مَاتَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا الْأَمِيرُ أَرَغَشُ مُقْطَعُ الْكُوفَةِ.
وَحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ شِيرَكُوهْ بْنُ شَاذِيٍّ، مُقَدَّمُ عَسَاكِرِ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ بْنِ زَنْكِيٍّ، وَتَصَدَّقَ بِأَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ.
وَفِيهَا اسْتَعْفَى الْقَاضِي زَكِيُّ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْقُرَشِيُّ مِنَ الْقَضَاءِ بِدِمَشْقَ، فَأَعْفَاهُ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ، وَوَلَّى مَكَانَهُ الْقَاضِي كَمَالَ الدَّيْنِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الشَّهْرُزُورِيَّ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْقُضَاةِ وَأَكْثَرِهِمْ صَدَقَةً، وَلَهُ صَدَقَاتٌ جَارِيَةٌ بَعْدَهُ، وَكَانَ عَالِمًا، بَارِعًا، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ الشُّبَّاكُ الْكَمَالِيُّ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ الْحُكَّامُ فِي الْجَامِعِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْأَمِيرُ مُجَاهِدُ الدِّينِ بُزَّانُ بْنُ مَامِينَ الْكُرْدِيُّ، أَحَدُ مُقَدَّمِي جَيْشِ الشَّامِ قَبْلَ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ وَبَعْدَهُ، وَقَدْ نَابَ فِي مَدِينَةِ صَرْخَدَ مُدَّةً، وَكَانَ شَهْمًا، شُجَاعًا، كَثِيرَ الْبِرِّ وَالصَّدَقَاتِ وَالصِّلَاتِ، وَهُوَ وَاقِفُ الْمُدَرِّسَةِ الْمُجَاهِدِيَّةِ بِالْقُرْبِ مِنَ النُّورِيَّةِ، وَلَهُ الْمَدْرَسَةُ الْمُجَاهِدِيَّةُ الَّتِي دَاخِلَ بَابِ الْفَرَادِيسِ الْبَرَّانِيِّ، وَبِهَا
قَبْرُهُ، وَلَهُ السَّبْعُ الْمُجَاهِدِيُّ دَاخِلَ بَابِ الزِّيَادَةِ مِنَ الْجَامِعِ بِمَقْصُورَةِ الْخَضِرِ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِدَارِهِ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَحُمِلَ إِلَى الْجَامِعِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُعِيدَ إِلَى مَدْرَسَتِهِ، وَدُفِنَ بِهَا دَاخِلَ بَابِ الْفَرَادِيسِ، وَتَأَسَّفَ النَّاسُ عَلَيْهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
الشَّيْخُ عَدِيُّ بْنُ مُسَافِرِ
بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مَرْوَانَ الْهَكَّارِيُّ، شَيْخُ الطَّائِفَةِ الْعَدَوِيَّةِ، أَصْلُهُ مِنَ الْبِقَاعِ غَرْبِيَّ دِمَشْقَ مِنْ قَرْيَةِ بَيْتِ فَارٍ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى بَغْدَادَ فَاجْتَمَعَ فِيهَا بِالشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ، وَالشَّيْخِ حَمَّادٍ الدَّبَّاسِ، وَالشَّيْخِ عَقِيلٍ الْمَنْبِجِيِّ، وَأَبِي الْوَفَاءِ الْحُلْوَانِيِّ، وَأَبِي النَّجِيبِ السُّهْرَوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ انْفَرَدَ عَنِ النَّاسِ وَتَخَلَّى بِجَبَلِ الْهَكَّارِيَّةِ وَبَنَى لَهُ هُنَالِكَ زَاوِيَةً، وَاعْتَقَدَ فِيهِ أَهْلُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ اعْتِقَادًا بَلِيغًا، حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَغْلُو فِيهِ غُلُوًّا كَبِيرًا مُنْكَرًا.
ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِزَاوِيَتِهِ وَلَهُ سَبْعُونَ سَنَةً.
عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ
بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ، أَبُو جَعْفَرٍ الثَّقَفِيُّ، قَاضِي قُضَاةِ بَغْدَادَ وَلِيَهَا بَعْدَ أَبِي الْحَسَنِ الدَّامَغَانِيِّ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ كَانَ قَاضِيًا بِالْكُوفَةِ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ
نَاهَزَ الثَّمَانِينَ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ.
الْفَائِزُ صَاحِبُ مِصْرَ، تَقَدَّمَ فِي الْحَوَادِثِ.
قَايِمَازُ الْأُرْجُوَانِيُّ، تَقَدَّمَ أَيْضًا.
الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَفِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ الْمُسْتَظْهِرُ، تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ عِنْدَ وَفَاتِهِ.
مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى
بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْدِيُّ، وُلِدَ بِمَدِينَةِ زُبَيْدٍ بِالْيَمَنِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَقِدَمَ بَغْدَادَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَوَعَظَ، وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالنَّحْوِ وَالْأَدَبِ، وَكَانَ صَبُورًا عَلَى الْفَقْرِ لَا يَشْكُو حَالَهُ إِلَى أَحَدٍ وَكَانَتْ لَهُ أَحْوَالٌ صَالِحَةٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا قُتِلَ السُّلْطَانُ سُلَيْمَانُ شَاهْ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ وَكَانَ عِنْدَهُ تَهَوُّرٌ وَقِلَّةُ مُبَالَاةٍ بِالدِّينِ، يُدْمِنُ شُرْبَ الْخَمْرِ حَتَّى فِي رَمَضَانَ، فَثَارَ عَلَيْهِ مُدَبِّرُ مَمْلَكَتِهِ كُرْدَبَازُو الْخَادِمُ فَقَتَلَهُ، وَبَايَعَ بَعْدَهُ السُّلْطَانَ أَرْسَلَانَ شَاهْ بْنَ طُغْرُلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ.
وَفِيهَا قُتِلَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ فَارِسُ الدِّينِ أَبُو الْغَارَاتِ طَلَائِعُ بْنُ رُزِّيكَ الْأَرْمَنِيُّ، وَزِيرُ الْعَاضِدِ صَاحِبِ مِصْرَ، وَوَالِدِ زَوْجَتِهِ، وَكَانَ قَدْ حَجَرَ عَلَى الْعَاضِدِ لِصِغَرِهِ وَاسْتَحْوَذَ عَلَى الْأُمُورِ، فَقَتَلَتْهُ الْحَاشِيَةُ، وَوَزَرَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ رُزِّيكُ، وَلُقِّبَ بِالْعَادِلِ، وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ الصَّالِحُ كَرِيمًا أَدِيبًا، يُحِبُّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ وَالْوُزَرَاءِ، وَقَدِ امْتَدَحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الشُّعَرَاءِ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: كَانَ أَوَّلًا مُتَوَلِّيًا بِمُنْيَةِ بَنِي خَصِيبٍ، ثُمَّ آلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ وَزَرَ لِلْفَائِزِ، وَذَهَبَتْ لَهُ وِزَارَةُ عَبَّاسٍ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ لَمَّا هَلَكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَامَ فِي الْوِزَارَةِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ الْعَادِلُ رُزِّيكُ بْنُ طَلَائِعَ فَلَمْ يَزَلْ