أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ هُنَالِكَ.
وَرَوَى رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ - وَهُوَ مُنْكَرُ الرِّوَايَةِ - عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: «خَيْرُكُمْ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ خَفِيفُ الْحَاذِ ". قَالُوا: وَمَا خَفِيفُ الْحَاذِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " مَنْ لَا أَهْلَ لَهُ، وَلَا مَالَ وَلَا وَلَدَ ".» وَهَذَا مُنْكَرٌ.
وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنْ زَهْدَمِ بْنِ مُضَرِّبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ". قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي ذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً: " ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ» ". لَفَظُ الْبُخَارِيِّ.
[ذِكْرُ سَنَةِ خَمْسِمِائَةٍ]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
" «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّهَا أَنْ يُؤَخِّرَهَا نِصْفَ يَوْمٍ ". قِيلَ لِسَعْدٍ: وَكَمْ نِصْفُ يَوْمٍ؟ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ» . تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ مِنْ قَوْلِهِ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَهَذَا التَّحْدِيدُ بِهَذِهِ الْمُدَّةِ لَا يَنْفِي مَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، إِنْ صَحَّ رَفْعُ الْحَدِيثِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَأَمَّا مَا يُورِدُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعَامَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يُؤَلَّفُ تَحْتَ الْأَرْضِ» . فَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَكَلَامِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ وَلَا ذِكْرٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَلَا سَمِعْنَاهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَبْسُوطَاتِ، وَالْأَجْزَاءِ الْمُخْتَصَرَاتِ، وَلَا ثَبَتَ فِي حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَدَّ السَّاعَةَ بِمُدَّةٍ مَحْصُورَةٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ أَشْرَاطِهَا وَأَمَارَاتِهَا وَعَلَامَاتِهَا، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
[ذِكْرُ الْخَبَرِ الْوَارِدِ فِي ظُهُورِ نَارٍ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ أَضَاءَتْ لَهَا أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بِبُصْرَى]
مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى» ".
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهِ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْتُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ رَافِعِ بْنِ بِشْرٍ السَّلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «تَخْرُجُ نَارٌ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى، تَسِيرُ سَيْرَ بَطِيئَةِ الْإِبِلِ، تَسِيرُ النَّهَارَ وَتُقِيمُ اللَّيْلَ، تَغْدُو وَتَرُوحُ، فَيُقَالُ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ غَدَتِ النَّارُ فَاغْدُوا.
أَوْ: قَالَتِ النَّارُ أَيُّهَا النَّاسُ فَقِيلُوا.
غَدَتِ النَّارُ أَيُّهَا النَّاسُ فَرُوحُوا.
مَنْ أَدْرَكَتْهُ أَكَلَتْهُ» ". هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَهُوَ
فِي " مُسْنَدِ أَحْمَدَ " مِنْ رِوَايَةِ رَافِعِ بْنِ بِشْرٍ السَّلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ إِلَى: " تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى ". وَهُوَ الصَّوَابُ; فَإِنَّ هَذِهِ النَّارَ الَّتِي ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ هِيَ النَّارُ الَّتِي تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ قَرِيبًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ حِمَازٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَتَعَجَّلَتْ رِجَالٌ مِنَّا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَاتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ سَأَلَ عَنْهُمْ، فَقِيلَ: تَعَجَّلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ.
فَقَالَ: " تَعَجَّلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَالنِّسَاءِ، أَمَا إِنَّهُمْ سَيَدَعُونَهَا أَحْسَنَ مَا كَانَتْ ". ثُمَّ قَالَ: " لَيْتَ شِعْرِي، مَتَى تَخْرُجُ نَارٌ مِنَ الْيَمَنِ مِنْ جَبَلِ الْوَرَاقِ تُضِيءُ لَهَا أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بُرُوكًا بِبُصْرَى كَضَوْءِ النَّهَارِ» ". وَهَذَا الْإِسْنَادُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَأَنَّهُ مِمَّا اشْتَبَهَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ، فَإِنَّ النَّارَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ مِنَ الْيَمَنِ، هِيَ الَّتِي تَسُوقُ النَّاسَ الْمَوْجُودِينَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَأَمَّا النَّارُ الَّتِي تُضِيءُ لَهَا أَعْنَاقُ الْإِبِلِ، فَتِلْكَ تَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ - وَكَانَ شَيْخَ الْمُحَدِّثِينَ فِي زَمَانِهِ،
وَأُسْتَاذَ الْمُؤَرِّخِينَ فِي أَوَانِهِ - أَنَّ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةَ خَامِسِ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا ظَهَرَتْ نَارٌ بِأَرْضِ الْحِجَازِ فِي أَرْضِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَوْدِيَةِ، طُولَ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ وَعَرْضَ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ، تُسِيلُ الصَّخْرَ، حَتَّى يَبْقَى مِثْلَ الْآنُكِ، ثُمَّ يَصِيرُ مِثْلَ الْفَحْمِ الْأَسْوَدِ، وَأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَسِيرُونَ عَلَى ضَوْئِهَا بِاللَّيْلِ إِلَى تَيْمَاءَ، وَأَنَّهَا اسْتَمَرَّتْ شَهْرًا، وَقَدْ ضَبَطَ ذَلِكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَعَمِلُوا فِيهَا أَشْعَارًا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَأَخْبَرَنِي قَاضِي الْقُضَاةِ صَدَرُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْحَنَفِيُّ، قَاضِيهِمْ بِدِمَشْقَ، عَنْ وَالِدِهِ الشَّيْخِ صَفِيِّ الدِّينِ مُدَرِّسِ الْحَنَفِيَّةِ بِبُصْرَى، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَعْرَابِ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، مِمَّنْ كَانَ بِحَاضِرَةِ بَلَدِ بُصْرَى، أَنَّهُمْ شَاهَدُوا أَعْنَاقَ الْإِبِلِ فِي ضَوْءِ هَذِهِ النَّارِ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
[ذِكْرُ إِخْبَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغُيُوبِ الْمُسْتَقْبَلَةِ بَعْدَ زَمَانِنَا هَذَا]
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا، حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، فَحَدَّثَنَا بِمَا كَانَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا» .
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُنْفَرِدًا بِهِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مِنْ " صَحِيحِهِ "، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ، وَحَجَّاجِ بْنِ الشَّاعِرِ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ الضَّحَّاكِ بْنِ مَخْلَدٍ النَّبِيلِ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ عِلْبَاءَ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ - وَهُوَ عَمْرُو بْنُ أَخْطَبَ.
بْنِ رِفَاعَةَ - الْأَنْصَارِيِّ بِهِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ " صَحِيحِهِ ": رُوِيَ عَنْ عِيسَى بْنِ مُوسَى غُنْجَارٍ، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامًا، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مُنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مُنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ» . هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ عَنْ عِيسَى غُنْجَارٍ، عَنْ رَقَبَةَ وَهُوَ ابْنُ مَصْقَلَةَ، قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ فِي " الْأَطْرَافِ ": وَإِنَّمَا رَوَاهُ عِيسَى غُنْجَارٌ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ رَقَبَةَ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْفِتَنِ مِنْ " سُنَنِهِ ": حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، «عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا، فَمَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَهُ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ.» وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْعَصْرِ ذَاتَ يَوْمٍ بِنَهَارٍ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَنَا إِلَى أَنْ غَابَتِ الشَّمْسُ، فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِمَّا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا حَدَّثَنَاهُ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَ، وَنَسِيَ ذَلِكَ مَنْ نَسِيَ، فَكَانَ مِمَّا قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ". وَذَكَرَ تَمَامَهَا إِلَى أَنْ قَالَ: " وَقَدْ دَنَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ، وَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا مِثْلُ مَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ ".»
عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ التَّيْمِيُّ لَهُ غَرَائِبُ وَمُنْكَرَاتٌ، وَلَكِنْ لِهَذَا الْحَدِيثِ
شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ.
وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ "، مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بَعْضُهُ، وَفِيهِ الدِّلَالَةُ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْطُوعُ بِهِ; أَنَّ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا مَضَى مِنْهَا شَيْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا، وَمَعَ هَذَا لَا يَعْلَمُ مِقْدَارَ مَا بَقِيَ عَلَى التَّعْيِينِ وَالتَّحْدِيدِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا لَا يَعْلَمُ مِقْدَارَ مَا مَضَى مِنْهَا إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَالَّذِي فِي كُتُبِ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ تَحْدِيدِ مَا سَلَفَ بِأُلُوفٍ وَمِئِينَ مِنَ السِّنِينَ قَدْ نَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَخْطِئَتِهِمْ فِيهِ، وَتَغْلِيطِهِمْ، وَهُمْ جَدِيرُونَ بِذَلِكَ حَقِيقُونَ بِهِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ: " «الدُّنْيَا جُمْعَةٌ مِنْ جُمَعِ الْآخِرَةِ» ". وَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ.
وَكَذَا كُلُّ حَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ تَحْدِيدٌ بِوَقْتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى التَّعْيِينِ، لَا يَثْبُتُ إِسْنَادُهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: 42] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 46] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 187] ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا وَالْأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1] .
وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ،
قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ". وَفِي رِوَايَةٍ: " إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي ".» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اقْتِرَابِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: 1] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: 18] .
وَفِي " الصَّحِيحِ " «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: " إِنَّهَا كَائِنَةٌ، فَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا "؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أُعِدَّ لَهَا كَثِيرَ صَلَاةٍ وَلَا عَمَلٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
فَقَالَ: " أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ".» فَمَا فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «سُئِلَ عَنِ السَّاعَةِ، فَنَظَرَ إِلَى غُلَامٍ فَقَالَ: " لَنْ يُدْرِكَ هَذَا الْهَرَمُ حَتَّى تَأْتِيَكُمْ سَاعَتُكُمْ ".» وَالْمُرَادُ: انْخِرَامُ قَرْنِهِمْ، وَدُخُولُهُمْ فِي عَالَمِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ فَقَدْ دَخَلَ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ.
وَهَذَا الْكَلَامُ بِهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ، وَقَدْ يَقُولُ هَذَا بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ، وَيُشِيرُونَ بِهِ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الزَّنْدَقَةِ وَالْبَاطِلِ.
فَأَمَّا السَّاعَةُ الْعُظْمَى وَهُوَ اجْتِمَاعُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَهَذَا مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِ وَقْتِهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: " «خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: 34] » [لُقْمَانَ: 34] . وَقَدْ سَأَلَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْإِسْلَامِ فَأَخْبَرَهُ بِهِ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ الْإِيمَانِ فَأَخْبَرَهُ بِهِ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ الْإِحْسَانِ فَأَخْبَرَهُ بِهِ، فَلَمَّا سَأَلَهُ عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ لَهُ: " مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ". قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَشْرَاطِهَا.
فَأَخْبَرَهُ عَنْ ذَلِكَ.
كَمَا سَيَأْتِي إِيرَادُهُ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ، مَعَ أَمْثَالِهِ وَأَشْكَالِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
[بَابُ ذِكْرِ الْفِتَنِ جُمْلَةً ثُمَّ نُفَصِّلُ ذِكْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى]
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنِي ابْنُ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّهُ «سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ; مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مَنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: " نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ ". قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: " قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ ". قُلْتُ: فَهَلْ
بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: " نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا.
قَالَ: " هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا ". قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: " تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ". قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: " فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ".» ثُمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَمُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، بِهِ نَحْوَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ; فَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ خَالِدٍ الْيَشْكُرِيِّ الْكُوفِيِّ، عَنْهُ مَبْسُوطًا، وَفِيهِ تَفْسِيرٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مُشْكِلٍ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ، عَنْهُ.
وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ "، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: تَعَلَّمَ أَصْحَابِي الْخَيْرَ، وَتَعَلَّمْتُ اَلشَّرَّ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ
غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ". قِيلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ " النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ ".» وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ، أَنَّ أَبَا حَازِمٍ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنٍ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «إِنَّ الْإِيمَانَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى يَوْمئِذٍ لِلْغُرَبَاءِ، إِذَا فَسَدَ النَّاسُ، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ لِيَأْرِزَنَّ الْإِيمَانُ بَيْنَ هَذَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا» ".
وَقَالَ أَحْمَدُ، ثَنَا حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، ثَنَا جَمِيلٌ الْأَسْلَمِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكْنِي زَمَانٌ - أَوْ قَالَ: لَا تُدْرِكُوا زَمَانًا - لَا يُتَّبَعُ فِيهِ الْعَلِيمُ وَلَا يُسْتَحَيَا فِيهِ مِنَ الْحَلِيمِ، قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الْأَعَاجِمِ، وَأَلْسِنَتُهُمْ أَلْسِنَةُ الْعَرَبِ» ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.
[بَابُ افْتِرَاقِ الْأُمَمِ]
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تَفَرَّقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتْ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ وَهَبِ بْنِ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: " الْجَمَاعَةُ ".» تَفَرَّدَ بِهِ، وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، هُوَ ابْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ» ". وَهَذَا إِسْنَادٌ قَوِيٌّ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ.
وَأَبِي سَعِيدٍ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ، وَقَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ، وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ» ". الْحَدِيثَ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، هُوَ ابْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَرَازِيُّ - قَالَ أَحْمَدُ - عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْهَوْزَنِيِّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، أَنَّهُ قَامَ فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِينَا، فَقَالَ: " أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ
الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ» ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وَفِي " مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ " «أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا سَأَلُوهُ عَنِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: " مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوْدَاةَ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِثْلًا بِمِثْلٍ» ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ".
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّ الْمَخْلَصَ مِنَ الْفِتَنِ عِنْدَ وُقُوعِهَا اتِّبَاعُ الْجَمَاعَةِ وَلُزُومُ الْإِمَامِ بِالطَّاعَةِ إِذَا كَانُوا عَلَى حَقٍّ وَاتِّبَاعِ الشَّرْعِ، وَإِذَا فَسَدُوا فَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، فَإِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا خَالَفْتُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا مُعَانُ بْنُ رِفَاعَةَ السَّلَامِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَلَفٍ الْأَعْمَى، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى
ضَلَالَةٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الِاخْتِلَافَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» ". وَلَكِنْ هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ; لِأَنَّ مُعَانَ بْنَ رِفَاعَةَ السَّلَامِيَّ قَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: " «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ; الْحَقِّ وَأَهْلِهِ» ". وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَقُولُ: السَّوَادُ الْأَعْظَمُ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ الطُّوسِيُّ.
وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْحَقِّ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ هُمْ أَكْثَرَ الْأُمَّةِ; فَكَانَ لَا يُوجَدُ فِيهِمْ مُبْتَدِعٌ لَا فِي الْأَقْوَالِ وَلَا الْأَفْعَالِ، وَفِي الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ فَقَدْ يَجْتَمِعُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ عَلَى بِدْعَةٍ، وَقَدْ يَخْلُو الْحَقُّ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ عِصَابَةٍ يَقُومُونَ بِهِ، كَمَا قَالَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِمَامٌ وَلَا جَمَاعَةٌ؟ قَالَ لَهُ: " فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» ". وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: " «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ» ". وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ» ".
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَتِ الْفِتَنُ، فَإِنَّهُ يَسُوغُ اعْتِزَالُ النَّاسِ حِينَئِذٍ، كَمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيهِ، فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ أَمْرَ الْعَوَامِّ» ".
وَفِي رِوَايَةٍ: " «إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً فَعَلَيْكَ
بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، فَإِنَّ مِنْ بَعْدِكُمْ زَمَانَ الصَّبْرِ، صَبْرٌ فِيهِنَّ كَقَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ» "، وَقَدِ اعْتَزَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ النَّاسَ وَالْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَهُمْ أَئِمَّةٌ كِبَارٌ; كَأَبِي ذَرٍّ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، حَتَّى اعْتَزَلُوا مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي الصَّلَاةُ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ.
وَاعْتَزَلَ مَالِكٌ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مَعْرِفَتِهِ الْحَدِيثَ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَكَانَ لَا يَشْهَدُ جُمُعَةً وَلَا جَمَاعَةً، وَكَانَ إِذَا لِيمَ فِي ذَلِكَ يَقُولُ: مَا كَلُّ مَا يُعْلَمُ يُقَالُ.
وَقِصَّتُهُ مَعْرُوفَةٌ، وَكَذَلِكَ اعْتَزَلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَخَلْقٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ; لِمَا شَاهَدُوهُ مِنَ الظُّلْمِ وَالشُّرُورِ وَالْفِتَنِ خَوْفًا عَلَى إِيمَانِهِمْ أَنْ يُسْلَبَ مِنْهُمْ، وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي كِتَابِ " الْعُزْلَةِ " وَكَذَلِكَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا قَبْلَهُ مِنْ هَذَا جَانِبًا كَبِيرًا.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " " «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ; يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ» ". لَمْ يُخْرِجْهُ مُسْلِمٌ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ بِهِ، وَيَجُوزُ حِينَئِذٍ سُؤَالُ الْمَوْتِ وَطَلَبُهُ مِنَ اللَّهِ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ وَإِنْ كَانَ قَدْ نُهِيَ عَنْهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا صَحَّ بِهِ الْحَدِيثُ ".
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: " «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ وَلَا يَدْعُو بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَثِقَ بِعَمَلِهِ فَإِنَّهُ إِنْ مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمُرُهُ إِلَّا خَيْرًا» ". وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ سُؤَالِ الْمَوْتِ عِنْدَ الْفِتَنِ، الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَهُوَ حَدِيثُ الْمَنَامِ الطَّوِيلُ.
وَفِيهِ: " «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمٍ فِتْنَةً فَتَوَفَّنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ» ".
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ شَدِيدٌ لَا يَكُونُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةٌ قَائِمَةٌ بِالْحَقِّ، إِمَّا فِي جَمِيعِ الْأَرْضِيَّةِ أَوْ فِي بَعْضِهَا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَّلُوا وَأَضَلُّوا» ". وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» ". وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ": " وَهُمْ بِالشَّامِ ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ: وَهُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ شَرَاحِيلَ بْنِ يَزِيدَ الْمَعَافِرِيِّ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا أَمْرَ دِينِهَا» ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ.
ثُمَّ قَالَ ": عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ لَمْ يَجُزْ بِهِ شَرَاحِيلَ.
يَعْنِي أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وَقَدِ ادَّعَى كُلُّ قَوْمٍ فِي إِمَامِهِمْ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَالظَّاهِرُ، وَاللَّهِ أَعْلَمُ، أَنَّهُ يَعُمُّ حَمَلَةَ الْعِلْمِ الْعَامِلِينَ بِهِ مِنْ كُلِّ طَائِفَةٍ، مِمَّنْ عَمَلُهُ مَأْخُوذٌ عَنِ الشَّارِعِ، أَوْ مِمَّنْ هُوَ مُوَافِقٌ مِنْ كُلِّ طَائِفَةٍ وَكُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الْعُلَمَاءِ، مِنْ مُفَسِّرِينَ، وَمُحَدِّثِينَ، وَقُرَّاءَ، وَفُقَهَاءَ، وَنُحَاةٍ، وَلُغَوِيِّينَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا كَانَ فِيهِ شَبَهٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَمَنْ فَسَدَ مِنْ عُبَّادِنَا كَانَ فِيهِ شَبَهٌ مِنَ النَّصَارَى.
وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ وَلَكِنْ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءَ» ". ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْعِلْمَ لَا يُنْتَزَعُ مِنْ صُدُورِ الْعُلَمَاءِ بَعْدَ أَنْ وَهَبَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهُ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بُنْدَارٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُهُ مِنْهُ: " «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَفْشُوَ الزِّنَى، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَذْهَبَ الرِّجَالُ، وَيَبْقَى النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ» ". وَأَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، مِنْ حَدِيثِ غُنْدَرٍ، بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامٌ، يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ، وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ» ". وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، بِهِ ".
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ، حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ، وَيُسْرَى عَلَى الْكِتَابِ فِي لَيْلَةٍ، فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ، وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ; الشَّيْخُ الْكَبِيرُ، وَالْعَجُوزُ، يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَنَحْنُ نَقُولُهَا ". فَقَالَ لَهُ صِلَةُ: مَا تُغْنِي عَنْهُمْ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ، وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: يَا صِلَةُ، تُنْجِيهِمْ مِنَ النَّارِ.
ثَلَاثًا» .
وَهَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يُرْفَعُ مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، حَتَّى إِنَّ الْقُرْآنَ يُسْرَى عَلَيْهِ فَيُرْفَعُ مِنَ الْمَصَاحِفِ وَالصُّدُورِ، وَيَبْقَى النَّاسُ بِلَا عِلْمٍ وَلَا قُرْآنٍ، وَإِنَّمَا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ الْمُسِنَّةُ يُخْبِرَانِ أَنَّهُمْ أَدْرَكُوا النَّاسَ وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَهُمْ يَقُولُونَهَا أَيْضًا عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ بِهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهِيَ نَافِعَةٌ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْعِلْمِ النَّافِعِ غَيْرُهَا، وَقَوْلُهُ: تُنْجِيهِمْ مِنَ النَّارِ.
يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَدْفَعُ عَنْهُمْ دُخُولَ النَّارِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيَكُونُ فَرْضُهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الْقَوْلَ الْمُجَرَّدَ عَنِ الْعَمَلِ، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ بِالْأَعْمَالِ، الَّتِي لَمْ يُخَاطَبُوا بِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ نَجَاتَهُمْ مِنَ النَّارِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ إِلَيْهَا، وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَكُونُ سَبَبَ نَجَاتِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ الدَّائِمِ الْمُسْتَمِرِّ.
وَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُرَادِينِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ: " «وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُخْرِجَنَّ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ". كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي أَحَادِيثِ الشَّفَاعَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أُولَئِكَ قَوْمًا آخَرِينَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ الْعِلْمَ يُرْفَعُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَيَكْثُرُ الْجَهْلُ، فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَيَنْزِلُ الْجَهْلُ.
أَيْ يُلْهَمُ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ الْجَهْلَ، وَذَلِكَ مِنْ قَهْرِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَخِذْلَانِهِ إِيَّاهُمْ، نُعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ لَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ فِي تَزَايُدٍ مِنَ الْجَهَالَةِ وَالضَّلَالَةِ، إِلَى مُنْتَهَى الْآجَالِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ» "، وَ " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى أَشْرَارِ النَّاسِ» ".
وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُطَرِّحِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ لِهَذَا الدِّينِ إِقْبَالًا وَإِدْبَارًا، وَإِنَّ مِنْ إِقْبَالِهِ أَنَّ تَفْقَهَ الْقَبِيلَةُ بِأَسْرِهَا حَتَّى لَا يَبْقَى فِيهَا إِلَّا الْفَاسِقُ أَوِ الْفَاسِقَانِ، فَهُمَا ذَلِيلَانِ فِيهَا مُضْطَهَدَانِ، إِنْ تَكَلَّمَا قُهِرَا وَذُلَّا وَاضْطُهِدَا، وَإِنَّ مِنْ إِدْبَارِ هَذَا الدِّينِ أَنْ تَجْفُوَ الْقَبِيلَةُ بِأَسْرِهَا فَلَا يَبْقَى فِيهَا إِلَّا الْفَقِيهُ أَوِ الْفَقِيهَانِ، فَهُمَا ذَلِيلَانِ مُضْطَهَدَانِ، إِنْ تَكَلَّمَا قُهِرَا وَاضْطُهِدَا، وَيَلْعَنُ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا، أَلَا وَعَلَيْهِمْ حَلَّتِ اللَّعْنَةُ، حَتَّى يُشْرَبَ الْخَمْرُ عَلَانِيَةً، وَحَتَّى تَمُرَّ الْمَرْأَةُ بِالْقَوْمِ، فَيَقُومَ إِلَيْهَا بَعْضُهُمْ، فَيَرْفَعَ بِذَيْلِهَا كَمَا يَرْفَعُ بِذَنَبِ النَّعْجَةِ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: أَلَا وَارَيْتَهَا وَرَاءَ حَائِطٍ.
فَهُوَ يَوْمَئِذٍ فِيهِمْ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِيكُمْ، وَمَنْ أَمَرَ يَوْمَئِذٍ بِمَعْرُوفٍ، وَنَهَى عَنْ مُنْكَرٍ، فَلَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ مِمَّنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي وَأَطَاعَنِي وَبَايَعَنِي» ".
[ذِكْرُ شُرُورٍ تَحْدُثُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ]
ِ وَإِنْ كَانَ قَدْ وُجِدَ بَعْضُهَا فِي زَمَانِنَا أَيْضًا
قَالَ ابْنُ مَاجَهْ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مِنْ " سُنَنِهِ ": حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسُ خِصَالٍ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بِأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» ". تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ غَرَابَةٌ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ أَبُو فَضَالَةَ الشَّامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ
عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ فِيهَا الْبَلَاءُ ". قِيلَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " إِذَا كَانَ الْمَغْنَمُ دُوَلًا، وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ، وَعَقَّ أُمَّهُ، وَبَرَّ صَدِيقَهُ، وَجَفَا أَبَاهُ، وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَشُرِبَتِ الْخَمْرُ، وَلُبِسَ الْحَرِيرُ، وَاتُّخِذَتِ الْقَيْنَاتُ، وَالْمَعَازِفُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا، فَلْيُرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ، أَوْ خَسْفًا وَمَسْخًا» ". ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ غَيْرَ الْفَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ،، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَرْقَمَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى صَلَاتَهُ نَادَاهُ رَجُلٌ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَزَبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْتَهَرَهُ، وَقَالَ: " اسْكُتْ ". حَتَّى إِذَا أَسْفَرَ رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: " تَبَارَكَ رَافِعُهَا وَمُدَبِّرُهَا ". ثُمَّ رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى الْأَرْضِ، فَقَالَ: " تَبَارَكَ دَاحِيهَا وَخَالِقُهَا ". ثُمَّ قَالَ: " أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟ " فَجَثَا الرَّجُلُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: أَنَا بِأَبِي وَأُمِّي سَأَلْتُكَ.
فَقَالَ: " ذَلِكَ عِنْدَ حَيْفِ الْأَئِمَّةِ، وَتَصْدِيقٍ بِالنُّجُومِ، وَتَكْذِيبٍ بِالْقَدَرِ، وَحَتَّى تُتَّخَذَ الْأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَالصَّدَقَةُ مَغْرَمًا، وَالْفَاحِشَةُ زِيَادَةً.
فَعِنْدَ ذَلِكَ هَلَكَ قَوْمُكَ» ". ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَيُونُسُ بْنُ أَرْقَمَ كَانَ صَادِقًا، رَوَى عَنْهُ النَّاسُ، وَفِيهِ شِيعِيَّةٌ شَدِيدَةٌ.
ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الْمُسْتَلِمِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ رُمَيْحٍ الْجُذَامِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا اتُّخِذَ الْفَيْءُ دُوَلًا، وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَتُعُلِّمَ لِغَيْرِ الدِّينِ، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَعَقَّ أُمَّهُ، وَأَدْنَى صَدِيقَهُ، وَأَقْصَى أَبَاهُ، وَظَهَرَتِ الْأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَسَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَظَهَرَتِ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ، وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ، وَخَسْفًا، وَمَسْخًا، وَقَذْفًا، وَآيَاتٍ تَتَابَعُ، كَنِظَامٍ بَالٍ قُطِعَ سِلْكُهُ فَتَتَابَعَ» ". وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ، وَمَسْخٌ، وَقَذْفٌ ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: وَمَتَى ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " إِذَا ظَهَرَتِ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ، وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ» ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطَاءَ، وَخَدَمَهَا أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ، أَبْنَاءُ فَارِسَ وَالرُّومِ، سُلِّطَ شِرَارُهَا عَلَى خِيَارِهَا ".» وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَهُ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُ أَصْلًا، وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، مُرْسَلًا.
ثُمَّ رَوَى مِنْ حَدِيثِ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ، فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ، فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا» ". ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ، وَلَهُ غَرَائِبُ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا، وَهُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ.
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُبَارَكِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا طَغَى نِسَاؤُكُمْ، وَفَتَقَ شَأْنُكُمْ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَكَائِنٌ؟! قَالَ: " وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، لَا تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ". قَالُوا: وَإِنَّ ذَلِكَ لَكَائِنٌ؟! قَالَ: " وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، تَرَوْنَ الْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرَ مَعْرُوفًا ". قَالُوا: وَإِنَّ ذَلِكَ لَكَائِنٌ؟! قَالَ: " وَأَشَدُّ مِنْهُ; تَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ". قَالُوا: وَإِنَّ ذَلِكَ لَكَائِنٌ؟ قَالَ: " وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بِئْسَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ، وَبِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ، وَبِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ يَسْتَحِلُّونَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالشَّهَوَاتِ بِالشُّبُهَاتِ، وَبِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ يَمْشِي الْمُؤْمِنُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِالتَّقِيَّةِ وَالْكِتْمَانِ» ".
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لِتَضْرِبَنَّ مُضَرُ عِبَادَ اللَّهِ حَتَّى لَا يُعْبَدَ لِلَّهِ اسْمٌ، وَلْيَضْرِبَنَّهُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى لَا يَمْنَعُوا ذَنَبَ تَلْعَةٍ» ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ» ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْجَرْمِيِّ، زَادَ أَبُو دَاوُدَ: وَعَنْ قَتَادَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِهِ، وَسَيَأْتِي فِي ذِكْرِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِيهِ: " «وَتُزَخْرَفُ الْمَحَارِيبُ، وَتَخْرَبُ الْقُلُوبُ» ".
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ زَاذَانَ أَبِي عُمَرَ، عَنْ عُلَيْمٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عَلَى سَطْحٍ، مَعَنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَزِيدُ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَبْسًا الْغِفَارِيَّ - وَالنَّاسُ يَخْرُجُونَ فِي الطَّاعُونِ، فَقَالَ عَبْسٌ: يَا طَاعُونُ، خُذْنِي.
ثَلَاثًا يَقُولُهَا، فَقَالَ لَهُ عُلَيْمٌ: لِمَ تَقُولُ هَذَا؟ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ؟ فَإِنَّهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ عَمَلِهِ، وَلَا يُرَدُّ فَيَسْتَعْتِبُ» ". فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «بَادِرُوا بِالْمَوْتِ سِتًّا: إِمْرَةَ السُّفَهَاءِ، وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ، وَبَيْعَ الْحُكْمِ، وَاسْتِخْفَافًا بِالدَّمِ، وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وَنَشَوًا يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَهُ يُغَنِّيهِمْ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُمْ فِقْهًا» ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَلَّى عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الزِّيَادَاتِ عَلَى " مُسْنَدِ أَحْمَدَ "، وَاللَّهَ سُبْحَانَهُ أَحْمَدُ، وَقَدْ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا جَمِيلُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِعُ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَلَّى، قَالَ: قَالَ الْحَكَمُ الْغِفَارِيُّ: يَا طَاعُونُ، خُذْنِي إِلَيْكَ.
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لِمَ تَقُولُ هَذَا، وَقَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ» "؟ فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ مَا سَمِعْتُمْ، وَلَكِنِّي أُبَادِرُ سِتًّا: بَيْعَ الْحُكْمِ، وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ، وَإِمَارَةَ الصِّبْيَانِ، وَسَفْكَ الدِّمَاءِ، وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وَنَشَوًا يَكُونُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَمَسْخٌ ". قِيلَ: وَمَتَى ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " إِذَا ظَهَرَتِ الْمَعَازِفُ وَالْقَيْنَاتُ، وَاسْتُحِلَّتِ الْخَمْرُ» ". لَهُ شَاهِدٌ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ أَوْ أَبِي عَامِرٍ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ،
سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: " عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ بِمَشَارِيطِهَا، وَمَا يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهَا، إِنَّ بَيْنَ يَدَيْهَا فِتَنًا وَهَرْجًا ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْفِتْنَةُ عَرَفْنَاهَا، فَالْهَرْجُ مَا هُوَ؟ قَالَ: " هُوَ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ الْقَتْلُ ". قَالَ: " وَيُلْقَى بَيْنَ النَّاسِ التَّنَاكُرُ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يَعْرِفُ أَحَدًا ".» تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: ثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنِي السَّفْرُ بْنُ نُسَيْرٍ الْأَزْدِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي شَرٍّ، فَذَهَبَ اللَّهُ بِذَلِكَ الشَّرِّ، وَجَاءَ بِخَيْرٍ عَلَى يَدَيْكَ، فَهَلْ بَعْدَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: " فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، تَأْتِيكُمْ مُشْتَبِهَةً كَوُجُوهِ الْبَقَرِ لَا تَدْرُونَ أَيًّا مِنْ أَيٍّ ".»
وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا سُلَيْمَانُ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي عَمْرٌو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْهَلِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتُلُوا إِمَامَكُمْ، وَتَجْتَلِدُوا بِأَسْيَافِكُمْ، وَيَرُبَّ دُنْيَاكُمْ شِرَارُكُمْ» ".
وَبِهِ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ ابْنُ لُكَعَ» ". وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ
أَبُو أُمَيَّةَ الْحَرَّانِيُّ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ صَدَقَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حِزَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِنَّكُمْ قَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَانٍ كَثِيرٍ فُقَهَاؤُهُ، قَلِيلٍ خُطَبَاؤُهُ، كَثِيرٍ مُعْطُوهُ، قَلِيلٍ سَائِلُوهُ، الْعَمَلُ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْعِلْمِ، وَسَيَأْتِي زَمَانٌ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ، كَثِيرٌ خُطَبَاؤُهُ، كَثِيرٌ سُؤَّالُهُ، قَلِيلٌ مُعْطُوهُ، الْعِلْمُ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ» ".
وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، أَخْبَرَنِي مِسْعَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، أَرَاهُ قَالَ: " فَيَذْهَبُ النَّاسُ أَسْرَعَ ذَهَابٍ ". قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّهُمْ هَالِكٌ أَوْ بَعْضُهُمْ؟ قَالَ: " حَسْبُهُمْ - أَوْ: بِحَسْبِهِمُ - الْقَتْلُ» ". تَفَرَّدَ بِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَا خَالِدُ، إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَحْدَاثٌ وَفِتَنٌ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ لَا الْقَاتِلَ فَافْعَلْ» ".
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ عَجْلَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ الْمُحَارِبِيُّ،
سَمِعْتُ خَرَشَةَ الْمُحَارِبِيَّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «سَتَكُونُ فِتَنٌ، النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْظَانِ، وَالْجَالِسُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، أَلَا فَمَنْ أَتَتْ عَلَيْهِ فَلْيَمْشِ بِسَيْفِهِ إِلَى الصَّفَا فَلْيَضْرِبْ بِهِ حَتَّى يَنْكَسِرَ، ثُمَّ لِيَضْطَجِعَ حَتَّى تَنْجَلِيَ عَمَّا انْجَلَتْ» ". وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْمَهْدِيِّ الَّذِي يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ]
وَهُوَ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْمُنْتَظَرِ الَّذِي تَزْعُمُ الرَّافِضَةُ، وَتَرْتَجِي ظُهُورَهُ مِنْ سِرْدَابِ سَامَرَّا، فَإِنَّ ذَلِكَ مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَلَا عَيْنَ، وَلَا أَثَرَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ، وَأَنَّهُ دَخَلَ السِّرْدَابَ وَعُمْرُهُ خَمْسُ سِنِينَ، وَأَمَّا مَا سَنَذْكُرُهُ فَقَدْ نَطَقَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الْمَرْوِيَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَأَظُنُّ ظُهُورَهُ يَكُونُ قَبْلَ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؟ فَإِنَّ هَذَا يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا، وَهَكَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ وَأَبُو نُعَيْمٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا فِطْرٌ، عَنِ
الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ حَجَّاجٌ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَبَعَثَ اللَّهُ رَجُلًا مِنَّا يَمْلَؤُهَا عَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا» ". قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: " رَجُلًا مِنِّي ". وَقَالَ: سَمِعْتُهُ مَرَّةً يَذْكُرُهُ عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا فَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا يَاسِينُ الْعِجْلِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الْمَهْدِيُّ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ، يُصْلِحُهُ اللَّهُ فِي لَيْلَةٍ» ". وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْحَفَرِيِّ، عَنْ يَاسِينَ الْعِجْلِيِّ، وَلَيْسَ هَذَا يَاسِينَ بْنَ مُعَاذٍ الزَّيَّاتَ، الزَّيَّاتُ ضَعِيفٌ، وَالْعِجْلِيُّ أَوْثَقُ مِنْهُ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حُدِّثْتُ عَنْ هَارُونَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: «قَالَ عَلِيٌّ، وَنَظَرَ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ كَمَا سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلٌ يُسَمَّى بَاسِمِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُشْبِهُهُ فِي الْخُلُقِ، وَلَا يُشْبِهُهُ فِي الْخَلْقِ - ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ - يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا» .
وَقَدْ عَقَدَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، كِتَابَ الْمَهْدِيِّ مُفْرَدًا فِي
" سُنَنِهِ "، فَأَوْرَدَ فِي صَدْرِهِ حَدِيثَ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثَنَا عَشَرَ خَلِيفَةً، كُلُّهُمْ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ ". وَفِي رِوَايَةٍ: " لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً ". قَالَ: فَكَبَّرَ النَّاسُ وَضَجُّوا، ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً خَفِيَّةً، قُلْتُ لِأَبِي: مَا قَال؟ قَالَ: " كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ ". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ أَتَتْهُ قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: ثُمَّ يَكُونُ مَاذَا؟ قَالَ: " ثُمَّ يَكُونُ الْهَرْجُ» ". ثُمَّ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَزَائِدَةَ، وَفِطْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، وَهُوَ ابْنُ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ ". قَالَ زَائِدَةُ: " لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ ". ثُمَّ اتَّفَقُوا: " حَتَّى يَبْعَثَ فِيهِ رَجُلًا مِنِّي - أَوْ: مِنْ أَهْلِ بَيْتِي - يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي ". زَادَ فِي حَدِيثِ فِطْرٍ: " يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا ". وَقَالَ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: " لَا تَذْهَبُ - أَوْ: لَا تَنْقَضِي - الدُّنْيَا حَتَّى يَمْلِكَ الْعَرَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي» ". وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ،
كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ، بِهِ.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ السُّفْيَانَيْنِ، بِهِ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «يَلِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي» ". قَالَ عَاصِمٌ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَلِيَ» " ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ تَمَّامِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الْمَهْدِيُّ مِنِّي، أَجْلَى الْجَبْهَةِ، أَقْنَى الْأَنْفِ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدَلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ» ".
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ،
حَدَّثَنَا أَبُو الْمَلِيحِ الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ بَيَانٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ نُفَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي، مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ» ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ: سَمِعْتُ أَبَا الْمَلِيحِ يُثْنِي عَلَى عَلِيِّ بْنِ نُفَيْلٍ، وَيَذْكُرُ عَنْهُ صَلَاحًا.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الرَّقِّيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ بَيَانٍ، بِهِ.
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ الْمَهْدِيُّ ابْنُ الْمَنْصُورِ، مِنْ طَرِيقِ الدَّارَقُطْنِيِّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مُوسَى الْهَاشِمِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ، ثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ، وَصِلَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الْمَهْدِيُّ مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ عَمِّي» ". فَإِنَّهُ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ، تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، قَالَ: وَلَمْ يُكْتَبْ إِلَّا عَنْ شَيْخِنَا أَبِي إِسْحَاقَ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّي، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ صَاحِبٍ لَهُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «يَكُونُ اخْتِلَافٌ عِنْدَ مَوْتِ خَلِيفَةٍ، فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هَارِبًا إِلَى مَكَّةَ، فَيَأْتِيهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَيُخْرِجُونَهُ وَهُوَ كَارِهٌ، فَيُبَايِعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ مِنَ الشَّامِ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ بِالْبَيْدَاءِ; بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَإِذَا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ أَتَاهُ أَبْدَالُ الشَّامِ، وَعَصَائِبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَيُبَايِعُونَهُ، ثُمَّ يَنْشَأُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، أَخْوَالُهُ كَلْبٌ، فَيَبْعَثُ إِلَيْهِمْ بَعْثًا، فَيَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ بَعْثُ كَلْبٍ، وَالْخَيْبَةُ لِمَنْ لَمْ يَشْهَدْ غَنِيمَةَ كَلْبٍ، فَيَقْسِمُ الْمَالَ، وَيَعْمَلُ فِي النَّاسِ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيُلْقِي الْإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ إِلَى الْأَرْضِ، فَيَلْبَثُ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ يُتَوَفَّى، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ» ".
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ هَارُونُ، يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَمْرٍو، سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ، يُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ.
حَرَّاثٌ، عَلَى مُقَدِّمَتِهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: مَنْصُورٌ.
يُوَطِّئُ - أَوْ: يُمَكِّنُ - لِآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا مَكَّنَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَبَتْ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ نُصْرَتُهُ» ". أَوْ قَالَ: " إِجَابَتُهُ ".
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى الْمِصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَمْرِو بْنِ جَابِرٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَيُوَطِّئُونَ لِلْمَهْدِيِّ» ". يَعْنِي سُلْطَانَهُ.
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ فِتْيَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا نَزَالُ نَرَى فِي وَجْهِكَ شَيْئًا تَكْرَهُهُ.
فَقَالَ: " إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا، وَإِنَّ أَهْلَ بَيْتِي سَيَلْقَوْنَ بَعْدِي بَلَاءً وَتَشْرِيدًا وَتَطْرِيدًا، حَتَّى يَأْتِيَ قَوْمٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَعَهُمْ رَايَاتٌ سُودٌ، فَيَسْأَلُونَ الْخَيْرَ، فَلَا يُعْطَوْنَهُ، فَيُقَاتِلُونَ فَيُنْصَرُونَ، فَيُعْطَوْنَ مَا سَأَلُوا، فَلَا يَقْبَلُونَهُ حَتَّى يَدْفَعُوهَا إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَيَمْلَؤُهَا قِسْطًا، كَمَا مَلَئُوهَا جَوْرًا، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَأْتِهِمْ وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ» ". فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى مُلْكِ بَنِي الْعَبَّاسِ، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ ابْتِدَاءِ دَوْلَتِهِمْ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَهْدِيَّ يَكُونُ بَعْدَ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ مِنْ ذُرِّيَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ مِنْ وَلَدِ الْحَسَنِ، لَا الْحُسَيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، وَأَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَقْتَتِلُ عِنْدَ كَنْزِكُمْ ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمُ ابْنُ خَلِيفَةٍ.
ثُمَّ لَا يَصِيرُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ تَطْلُعُ الرَّايَاتُ السُّودُ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، فَيَقْتُلُونَكُمْ قَتْلًا لَمْ يُقْتَلْهُ قَوْمٌ ". ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئًا لَا أَحْفَظُهُ، فَقَالَ: " فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَبَايِعُوهُ، وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ; فَإِنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ الْمَهْدِيُّ» ". تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ صَحِيحٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْكَنْزِ الْمَذْكُورِ كَنْزُ الْكَعْبَةِ، يَقْتَتِلُونَ عِنْدَهُ; لِيَأْخُذَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَوْلَادِ الْخُلَفَاءِ، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَرَجَ الْمَهْدِيُّ مِنْ بِلَادِ الْمَشْرِقِ، وَقِيلَ: مِنْ مَكَّةَ.
لَا مِنْ سِرْدَابِ سَامَرَّا، كَمَا تَزْعُمُهُ الرَّافِضَةُ مِنْ أَنَّهُ مَحْبُوسٌ فِيهِ الْآنَ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَهَذَا مِنَ الْهَذَيَانِ، وَقِسْطٌ كَبِيرٌ مِنَ الْخِذْلَانِ، وَهَوَسٌ شَدِيدٌ مِنَ الشَّيْطَانِ; إِذْ - لَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا بُرْهَانَ، مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا مَعْقُولٍ صَحِيحٍ وَلَا بَيَانٍ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ رَايَاتٌ سُودٌ، فَلَا يَرُدُّهَا شَيْءٌ حَتَّى تُنْصَبَ بِإِيلْيَاءَ» ". هَذَا - حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَهَذِهِ الرَّايَاتُ السُّودُ لَيْسَتْ هِيَ الَّتِي أَقْبَلَ بِهَا أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ، فَاسْتَلَبَ بِهَا دَوْلَةَ بَنِي أُمَيَّةَ، فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، بَلْ هِيَ رَايَاتٌ سُودٌ أُخْرَى تَأْتِي صُحْبَةَ الْمَهْدِيِّ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيُّ الْفَاطِمِيُّ الْحَسَنِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، يُصْلِحُهُ اللَّهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، أَيْ: يَتُوبُ عَلَيْهِ، وَيُوَفِّقُهُ، يُلْهِمُهُ رُشْدَهُ، بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ بِنَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، يَنْصُرُونَهُ، وَيُقِيمُونَ سُلْطَانَهُ، وَيُشَيِّدُونَ أَرْكَانَهُ، وَتَكُونُ رَايَاتُهُمْ سُودًا أَيْضًا،
وَهُوَ زِيٌّ عَلَيْهِ الْوَقَارُ; لِأَنَّ «رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ سَوْدَاءَ، يُقَالُ لَهَا: الْعُقَابُ.
وَقَدْ رَكَّزَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى الثَّنِيَّةِ الَّتِي هِيَ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، حِينَ أَقْبَلَ مِنَ الْعِرَاقِ،» فَعُرِفَتْ بِهَا الثَّنِيَّةُ، فَهِيَ إِلَى الْآنِ يُقَالُ لَهَا: ثَنِيَّةُ الْعُقَابِ.
وَقَدْ كَانَتْ عِقَابًا عَلَى الْكُفَّارِ، مِنْ نَصَارَى الشَّامِ وَالرُّومِ وَالْعَرَبِ وَالْفُرْسِ.
وَأَطَّدَتْ حُسْنَ الْعَاقِبَةِ لِعِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ وَعَدَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَرِثُوا الْأَرْضَ، مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلِمَنْ كَانَ مَعَهُمْ وَبَعْدَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
وَكَذَلِكَ «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ وَكَانَ أَسْوَدَ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَمًّا بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ، فَوْقَ الْبَيْضَةِ» .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمَهْدِيَّ الْمَوْعُودَ بِهِ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَيَكُونُ أَصْلُ خُرُوجِهِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ، ثُمَّ يَأْتِي مَكَّةَ، فَيُبَايَعُ لَهُ عِنْدَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَفْرَدْتُ فِي ذِكْرِ الْمَهْدِيِّ جُزْءًا عَلَى حِدَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الْعُقَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَبِي صِدِّيقٍ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «يَكُونُ فِي أُمَّتِي الْمَهْدِيُّ إِنْ قُصِرَ فَسَبْعٌ وَإِلَّا فَتِسْعٌ تَنْعَمُ فِيهِ أُمَّتِي نِعْمَةً لَمْ (يَنْعَمُوا مِثْلَهَا) قَطُّ; تُؤْتِي الْأَرْضُ أُكُلَهَا، وَلَا تَدَّخِرُ مِنْهُ شَيْئًا، وَالْمَالُ يَوْمَئِذٍ كُدُوسٌ، يَقُومُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: يَا مَهْدِيُّ،