بِغَدَائِهِ فَقَالَ لِحَاجِبِهِ: انْظُرْ مَنْ يَأْكُلُ مَعِي.
فَذَهَبَ فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ نَائِمٌ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: أَجِبِ الْأَمِيرَ.
فَقَامَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ قَالَ لَهُ: اغْسِلْ يَدَيْكَ ثُمَّ تَغَدَّ مَعِي.
فَقَالَ: إِنَّهُ دَعَانِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ فَأَجَبْتُهُ.
قَالَ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: اللَّهُ دَعَانِي إِلَى الصَّوْمِ فَأَجَبْتُهُ.
قَالَ: فِي هَذَا الْحَرِّ الشَّدِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ صُمْتُ لِيَوْمٍ هُوَ أَشَدُّ حَرًّا مِنْهُ.
قَالَ: فَأَفْطِرْ وَصُمْ غَدًا.
قَالَ: إِنْ ضَمِنْتَ لِيَ الْبَقَاءَ إِلَى غَدٍ.
قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيَّ.
قَالَ: فَكَيْفَ تَسْأَلُنِي عَاجِلًا بِآجِلٍ لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: إِنَّ طَعَامَنَا طَعَامٌ طَيِّبٌ.
قَالَ: لَمْ تُطَيِّبْهُ أَنْتَ وَلَا الطَّبَّاخُ، إِنَّمَا طَيَّبَتْهُ الْعَافِيَةُ.
[فَصْلُ كَيْفِيَّةِ دُخُولِ الْحَجَّاجِ الْكُوفَةَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ]
قَدْ ذَكَرْنَا كَيْفِيَّةَ دُخُولِ الْحَجَّاجِ الْكُوفَةَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَخُطْبَتَهُ إِيَّاهُمْ بَغْتَةً، وَتَهْدِيدَهُ وَوَعِيدَهُ إِيَّاهُمْ، وَأَنَّهُمْ خَافُوهُ مَخَافَةً شَدِيدَةً، وَأَنَّهُ قَتَلَ عُمَيْرَ بْنَ ضَابِئٍ، وَكَذَلِكَ قَتَلَ كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ صَبْرًا أَيْضًا، ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ فِي قِتَالِ ابْنِ الْأَشْعَثِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ; مِنْ ظَفَرِهِ بِهِ بَعْدَ الْمُطَاوَلَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ، وَتَسَلُّطِهِ عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الرُّؤَسَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْعُبَّادِ وَالْقُرَّاءِ، حَتَّى كَانَ آخِرُ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ الْقَاضِي الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْكَلْبِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا
الْغَلَّابِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَطَاءٍ يَعْنِي ابْنَ مُصْعَبٍ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: خَطَبَ الْحَجَّاجُ أَهْلَ الْعِرَاقِ بَعْدَ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدِ اسْتَبْطَنَكُمْ فَخَالَطَ اللَّحْمَ وَالدَّمَ وَالْعَصَبَ وَالْمَسَامِعَ وَالْأَطْرَافَ ثُمَّ أَفْضَى إِلَى الْأَسْمَاخِ وَالْأَمْخَاخِ وَالْأَشْبَاحِ وَالْأَرْوَاحِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ فَعَشَّشَ، ثُمَّ بَاضَ وَفَرَّخَ، ثُمَّ دَبَّ وَدَرَجَ، فَحَشَاكُمْ نِفَاقًا وَشِقَاقًا، وَأَشْعَرَكُمْ خِلَافًا، اتَّخَذْتُمُوهُ دَلِيلًا تَتَّبِعُونَهُ، وَقَائِدًا تُطِيعُونَهُ، وَمُؤَامِرًا تُشَاوِرُونَهُ وَتَسْتَأْمِرُونَهُ، فَكَيْفَ تَنْفَعُكُمْ تَجْرِبَةٌ أَوْ يَنْفَعُكُمْ بَيَانٌ؟ أَلَسْتُمْ أَصْحَابِي بِالْأَهْوَازِ حَيْثُ رُمْتُمُ الْمَكْرَ وَأَجْمَعْتُمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ يَخْذُلُ دِينَهُ وَخِلَافَتَهُ؟ وَأَنَا أَرْمِيكُمْ بِطَرْفِي وَأَنْتُمْ تَتَسَلَّلُونَ لِوَاذًا، وَتَنْهَزِمُونَ سِرَاعًا.
يَوْمُ الزَّاوِيَةِ وَمَا يَوْمُ الزَّاوِيَةِ؟ مِمَّا كَانَ مِنْ فَشَلِكُمْ وَتَنَازُعِكُمْ وَتَخَاذُلِكُمْ وَبَرَاءَةِ اللَّهِ مِنْكُمْ وَنُكُوسِ قُلُوبِكُمْ; إِذْ وَلَّيْتُمْ كَالْإِبِلِ الشَّارِدَةِ عَنْ أَوْطَانِهَا النَّوَازِعِ، لَا يَسْأَلُ الْمَرْءُ عَنْ أَخِيهِ، وَلَا يَلْوِي الشَّيْخُ عَلَى بَنِيهِ حِينَ عَضَّكُمُ السِّلَاحُ وَنَخَسَتْكُمُ الرِّمَاحُ.
يَوْمُ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ وَمَا يَوْمُ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ! بِهَا كَانَتِ الْمَعَارِكُ وَالْمَلَاحِمُ، بِضَرْبٍ يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ، وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ،
يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، يَا أَهْلَ الْكَفَرَاتِ بَعْدَ الْفَجَرَاتِ، وَالْغَدَرَاتِ بَعْدَ الْخَتَرَاتِ، وَالنَّزْوَةِ بَعْدَ النَّزَوَاتِ، إِنْ بَعَثْنَاكُمْ إِلَى ثُغُورِكُمْ غَلَلْتُمْ وَخُنْتُمْ، وَإِنْ أَمِنْتُمْ أَرَجَفْتُمْ، وَإِنْ خِفْتُمْ نَافَقْتُمْ، لَا تَذْكُرُونَ نِعْمَةً وَلَا تَشْكُرُونَ مَعْرُوفًا، هَلِ اسْتَخَفَّكُمْ نَاكِثٌ أَوِ اسْتَغْوَاكُمْ غَاوٍ، أَوِ اسْتَنْقَذَكُمْ عَاصٍ، أَوِ اسْتَنْصَرَكُمْ ظَالِمٌ، أَوِ اسْتَعْضَدَكُمْ خَالِعٌ إِلَّا لَبَّيْتُمْ دَعْوَتَهُ، وَأَجَبْتُمْ صَيْحَتَهُ، وَنَفَرْتُمْ إِلَيْهِ خِفَافًا وَثِقَالًا، وَفُرْسَانًا وَرِجَالًا؟ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، هَلْ شَغَبَ شَاغِبٌ أَوْ نَعَبَ نَاعِبٌ، أَوْ زَفَرَ زَافِرٌ إِلَّا كُنْتُمْ أَتْبَاعَهُ وَأَنْصَارَهُ؟ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، أَلَمْ تَنْفَعْكُمُ الْمَوَاعِظُ؟ أَلَمْ تَزْجُرْكُمُ الْوَقَائِعُ؟ أَلَمْ يُشَدِّدِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَطْأَتَهُ، وَيُذِقْكُمْ حَرَّ سَيْفِهِ، وَأَلِيمَ بَأْسِهِ وَمَثُلَاتِهِ؟ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الشَّامِ، إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ كَالظَّلِيمِ الرَّامِحِ عَنْ فِرَاخِهِ، يَنْفِي عَنْهَا الْقَذَرَ، وَيُبَاعِدُ عَنْهَا الْحَجَرَ، وَيُكِنُّهَا مِنَ الْمَطَرِ، وَيَحْمِيهَا مِنَ الضَّبَابِ، وَيَحْرُسُهَا مِنَ الذُّبَابِ، يَا أَهْلَ الشَّامِ، أَنْتُمْ
الْجُنَّةُ وَالرِّدَاءُ، وَأَنْتُمُ الْمُلَاءَةُ وَالْحِذَاءُ، أَنْتُمُ الْأَوْلِيَاءُ وَالْأَنْصَارُ، وَالشِّعَارُ وَالدِّثَارُ، بِكُمْ يُذَبُّ عَنِ الْبَيْعَةِ وَالْحَوْزَةِ، وَبِكُمْ تُرْمَى كَتَائِبُ الْأَعْدَاءِ، وَيُهْزَمُ مَنْ عَانَدَ وَتَوَلَّى.
قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، سَمِعْتُ شَيْخًا مِنْ قُرَيْشٍ يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ التَّيْمِيَّ، قَالَ: كَانَ الْحَجَّاجُ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ وَكَانَ لَسِنًا: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ مِنَ الْأَرْضِ فَأَمْشَاهُمْ عَلَى ظَهْرِهَا، فَأَكَلُوا ثِمَارَهَا، وَشَرِبُوا أَنْهَارَهَا، وَهَتَكُوهَا بِالْمَسَاحِي وَالْمُرُورِ، ثُمَّ أَدَالَ اللَّهُ الْأَرْضَ مِنْهُمْ فَرَدَّهُمْ إِلَيْهَا، فَأَكَلَتْ لُحُومَهُمْ كَمَا أَكَلُوا ثِمَارَهَا، وَشَرِبَتْ دِمَاءَهُمْ كَمَا شَرِبُوا أَنْهَارَهَا، وَقَطَّعَتْهُمْ فِي جَوْفِهَا، وَفَرَّقَتْ أَوْصَالَهُمْ كَمَا هَتَكُوهَا بِالْمَسَاحِي وَالْمُرُورِ.
وَمِمَّا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ فِي الْمَوَاعِظِ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، وَكُلُّكُمْ ذَلِكَ الرَّجُلُ، رَجُلٌ خَطَمَ نَفْسَهُ وَزَمَّهَا فَقَادَهَا بِخِطَامِهَا إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَكَفَّهَا بِزِمَامِهَا عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً رَدَّ نَفْسَهُ، امْرَأً اتَّهَمَ نَفْسَهُ، امْرَأً
اتَّخَذَ نَفْسَهُ عَدُوَّهُ، امْرَأً حَاسَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ الْحِسَابُ إِلَى غَيْرِهِ، امْرَأً نَظَرَ إِلَى مِيزَانِهِ، امْرَأً نَظَرَ إِلَى حِسَابِهِ، امْرَأً وَزَنَ عَمَلَهُ، امْرَأً فَكَّرَ فِيمَا يَقْرَأُ غَدًا فِي صَحِيفَتِهِ، وَيَرَاهُ فِي مِيزَانِهِ، وَكَانَ عِنْدَ قَلْبِهِ زَاجِرًا، وَعِنْدَ هَمِّهِ آمِرًا، امْرَأً أَخَذَ بِعِنَانِ عَمَلِهِ كَمَا يَأْخُذُ بِعِنَانِ جَمَلِهِ، فَإِنْ قَادَهُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَبِعَهُ وَإِنْ قَادَهُ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ كَفَّ، امْرَأً عَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ، امْرَأً فَاقَ وَاسْتَفَاقَ وَأَبْغَضَ الْمَعَاصِيَ وَالنِّفَاقَ، وَكَانَ إِلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ بِالْأَشْوَاقِ.
فَمَا زَالَ يَقُولُ امْرَأً امْرَأً.
حَتَّى بَكَى مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ.
وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ مَا سَبَقَهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ; يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَى الدُّنْيَا الْفَنَاءَ، وَعَلَى الْآخِرَةِ الْبَقَاءَ، فَلَا فَنَاءَ لِمَا كُتِبَ عَلَيْهِ الْبَقَاءُ، وَلَا بَقَاءَ لِمَا كُتِبَ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ، فَلَا يَغُرَنَّكُمْ شَاهِدُ الدُّنْيَا عَنْ غَائِبِ الْآخِرَةِ، وَاقْهَرُوا طُولَ الْأَمَلِ بِقِصَرِ الْأَجَلِ.
وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ يَقُولُ: وَقَذَتْنِي كَلِمَةٌ سَمِعْتُهَا مِنَ الْحَجَّاجِ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْوَادِ: إِنَّ امْرَأً ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنْ عُمْرِهِ فِي غَيْرِ مَا خُلِقَ لَهُ لَحَرِيٌّ أَنْ تَطُولَ عَلَيْهَا حَسْرَتُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ شَرِيكٌ الْقَاضِي، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ الْحَجَّاجُ يَوْمًا: مَنْ كَانَ لَهُ بَلَاءٌ أَعْطَيْنَاهُ عَلَى قَدْرِهِ.
فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَعْطِنِي فَإِنِّي قَتَلْتُ
الْحُسَيْنَ.
فَقَالَ: وَكَيْفَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ: دَسَرْتُهُ بِالرُّمْحِ دَسْرًا، وَهَبَرْتُهُ بِالسَّيْفِ هَبْرًا، وَمَا أَشْرَكْتُ مَعِي فِي قَتْلِهِ أَحَدًا.
فَقَالَ: اذْهَبْ، فَوَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ أَنْتَ وَهُوَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا.
وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَضُرِبَ عَلَى اسْمِي فِي الدِّيوَانِ، وَمُنِعْتُ الْعَطَاءَ، وَقَدْ هُدِمَتْ دَارِي.
فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
جَانِيكَ مَنْ يَجْنِي عَلَيْكَ وَقَدْ ... تُعْدِي الصِّحَاحَ مَبَارِكُ الْجُرْبِ
وَلَرُبَّ مَأْخُوذٍ بِذَنْبِ قَرِيبِهِ ... وَنَجَا الْمُقَارِفُ صَاحِبُ الذَّنْبِ
فَقَالَ الرَّجُلُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا، وَقَوْلُ اللَّهِ أَصْدَقُ مِنْ هَذَا.
قَالَ: وَمَا قَالَ؟ قَالَ: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: 78]
[يُوسُفَ: 78، 79] . قَالَ: يَا غُلَامُ، أَعِدِ اسْمَهُ فِي الدِّيوَانِ، وَابْنِ دَارَهُ، وَأَعْطِهِ عَطَاءَهُ، وَمُرْ مُنَادِيًا يُنَادِي: صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ الشَّاعِرُ.
وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَيَّاشٍ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنِ
ابْعَثْ إِلَيَّ بِرَأْسِ أَسْلَمَ بْنِ عَبْدٍ الْبَكْرِيِّ; لِمَا بَلَغَنِي عَنْهُ.
فَأَحْضَرَهُ الْحَجَّاجُ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، أَنْتَ الشَّاهِدُ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْغَائِبُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6] (الْحُجُرَاتِ: 6) وَمَا بَلَغَهُ عَنِّي فَبَاطِلٌ، وَإِنِّي أَعُولُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ امْرَأَةً مَا لَهُنَّ كَاسِبٌ غَيْرِي، وَهُنَّ بِالْبَابِ.
فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ بِإِحْضَارِهِنَّ، فَلَمَّا حَضَرْنَ جَعَلَتْ هَذِهِ تَقُولُ: أَنَا خَالَتُهُ.
وَهَذِهِ: أَنَا عَمَّتُهُ.
وَهَذِهِ: أَنَا أُخْتُهُ.
وَهَذِهِ: أَنَا ابْنَتُهُ.
وَهَذِهِ: أَنَا زَوْجَتُهُ.
وَتَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ فَوْقَ الثَّمَانِي وَدُونَ الْعَشَرَةِ، فَقَالَ لَهَا الْحَجَّاجُ: مَنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا ابْنَتُهُ.
ثُمَّ قَالَتْ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، وَجَثَتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا، وَقَالَتْ:
أَحَجَّاجُ لَمْ تَشْهَدْ مَقَامَ بَنَاتِهِ ... وَعَمَّاتِهِ يَنْدُبْنَهُ اللَّيْلَ أَجْمَعَا
أَحَجَّاجُ كَمْ تَقْتُلْ بِهِ إِنْ قَتَلْتَهُ ... ثَمَانًا وَعَشْرًا وَاثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعَا
أَحَجَّاجُ مَنْ هَذَا يَقُومُ مَقَامَهُ ... عَلَيْنَا فَمَهْلًا أَنْ تَزِدْنَا تَضَعْضُعَا
أَحَجَّاجُ إِمَّا أَنْ تَجُودَ بِنِعْمَةٍ ... عَلَيْنَا وَإِمَّا أَنْ تُقَتِّلَنَا مَعَا
قَالَ: فَبَكَى الْحَجَّاجُ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَعَنْتُ عَلَيْكُنَّ، وَلَا زِدْتُكُنَّ تَضَعْضُعًا، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِمَا قَالَ الرَّجُلُ، وَبِمَا قَالَتِ ابْنَتُهُ هَذِهِ، فَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ يَأْمُرُهُ بِإِطْلَاقِهِ وَحُسْنِ صِلَتِهِ، وَبِالْإِحْسَانِ إِلَى هَذِهِ الْجَارِيَةِ، وَتَفَقُّدِهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْحَجَّاجَ خَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، الصَّبْرُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ أَيْسَرُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى عَذَابِ اللَّهِ.
فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا حَجَّاجُ، مَا أَصْفَقَ وَجْهَكَ، وَأَقَلَّ حَيَاءَكَ، تَفْعَلُ مَا تَفْعَلُ وَتَقُولُ مِثْلَ هَذَا
الْكَلَامِ؟ خِبْتَ وَضَلَّ سَعْيُكَ.
فَقَالَ لِلْحَرَسِ: خُذُوهُ.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ قَالَ لَهُ: مَا الَّذِي جَرَّأَكَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا حَجَّاجُ أَنْتَ تَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ وَلَا أَجْتَرِئُ أَنَا عَلَيْكَ! وَمَنْ أَنْتَ حَتَّى لَا أَجْتَرِئَ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ تَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ فَقَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهُ.
فَأُطْلِقَ.
وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِأَسِيرَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ لِي عِنْدَكَ يَدًا.
قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: ذَكَرَ ابْنُ الْأَشْعَثِ يَوْمًا أُمَّكَ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ.
فَقَالَ: وَمَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ قَالَ: صَاحِبِي هَذَا.
فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ؟ قَالَ: بُغْضُكَ.
قَالَ: أَطْلِقُوا هَذَا لِصِدْقِهِ، وَهَذَا لِفِعْلِهِ، فَأَطْلَقُوهُمَا.
وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْحَجَّاجَ نَادَى فِي الْبَلَدِ; أَنَّ مَنْ خَرَجَ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ مِنْ بَيْتِهِ قُتِلَ، فَأُتِيَ لَيْلَةً بِرَجُلٍ، فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكَ مِنْ بَيْتِكَ هَذِهِ السَّاعَةَ مِنْ بَعْدِ مَا سَمِعْتَ الْمُنَادِيَ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَكْذِبُ الْأَمِيرَ، إِنَّ أُمِّي مَرِيضَةٌ هَالِكَةٌ، وَأَنَا عِنْدَهَا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ السَّاعَةُ أَفَاقَتْ، وَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكَ بِحَقِّي عَلَيْكَ إِلَّا مَضَيْتَ إِلَى أَهْلِكَ وَأَوْلَادِكَ، فَإِنَّهُمْ مَغْمُومُونَ بِتَخَلُّفِكَ عَنْهُمْ.
فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا، فَأَخَذَنِي الْعَسَسُ وَأَتَوْا بِي إِلَيْكَ.
فَقَالَ الْحَجَّاجُ: نَنْهَاكُمْ وَتَعْصُونَنَا.
ثُمَّ أَمَرَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ بِآخَرَ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: مَا أَخْرَجَكَ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَكْذِبُكَ، إِنَّهُ كَانَ عِنْدِي
لِرَجُلٍ دَرَاهِمُ فَأَقْعَدَنِي عَلَى بَابِهِ وَلَزِمَنِي، وَقَالَ: لَا أُفَارِقُكَ إِلَّا بِحَقِّي.
فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّاعَةُ دَخَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَأَغْلَقَ بَابَهُ، وَتَرَكَنِي عَلَى بَابِهِ، فَجَاءَنِي طَائِفُكَ فَأَخَذَنِي إِلَيْكَ.
فَقَالَ الْحَجَّاجُ: اضْرِبُوا عُنُقَهُ.
قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ بِآخَرَ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَخْرَجَكَ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: كُنْتُ أَشْرَبُ مَعَ قَوْمٍ، فَلَمَّا سَكِرْتُ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِمْ وَأَنَا لَا أَدْرِي، فَأَخَذُونِي إِلَيْكَ.
فَقَالَ الْحَجَّاجُ لِرَجُلٍ كَانَ عِنْدَهُ: مَا أَرَاهُ إِلَّا صَادَقًا.
ثُمَّ قَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهُ.
فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ فِيمَا بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: جَحْدَرُ بْنُ مَالِكٍ.
وَكَانَ فَاتِكًا بِأَرْضِ الْيَمَامَةِ، فَأَرْسَلَ الْحَجَّاجُ إِلَى نَائِبِهَا يُؤَنِّبُهُ وَيَلُومُهُ عَلَى عَدَمِ أَخْذِهِ، فَمَا زَالَ نَائِبُهَا فِي طَلَبِهِ حَتَّى أَسَرَهُ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ فَقَالَ: جَرَاءَةُ الْجَنَانِ، وَجَفَاءُ السُّلْطَانِ، وَكَلْبُ الزَّمَانِ، وَلَوِ اخْتَبَرَنِي الْأَمِيرُ لَوَجَدَنِي مِنْ صَالِحِ الْأَعْوَانِ، وَبُهْمِ الْفُرْسَانِ، وَلَوَجَدَنِي مِنْ أَصْلَحِ رَعِيَّتِهِ، وَذَلِكَ أَنِّي مَا لَقِيتُ فَارِسًا قَطُّ إِلَّا كُنْتُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِي مُقْتَدِرًا.
فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: إِنَّا قَاذِفُوكَ فِي حَائِرٍ فِيهِ أَسَدٌ عَاقِرٌ، فَإِنْ قَتَلَكَ كَفَانَا مُؤْنَتَكَ، وَإِنْ قَتَلْتَهُ
خَلَّيْنَا سَبِيلَكَ.
ثُمَّ أَوْدَعَهُ السِّجْنَ مُقَيَّدًا مَغْلُولَةً يَدُهُ الْيُمْنَى إِلَى عُنُقِهِ، وَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى نَائِبِهِ بِكَسْكَرَ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ بِأَسَدٍ عَظِيمٍ ضَارٍ، وَقَدْ قَالَ جَحْدَرٌ هَذَا فِي مَحْبَسِهِ هَذَا أَشْعَارًا يَتَحَزَّنُ فِيهَا عَلَى امْرَأَتِهِ سُلَيْمَى أَمِّ عَمْرٍو، يَقُولُ فِي بَعْضِهَا:
أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو ... وَإِيَّانَا فَذَاكَ بِنَا تَدَانِي
بَلَى وَنَرَى الْهِلَالَ كَمَا تَرَاهُ ... وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ إِذَا عَلَانِي
إِذَا جَاوَزْتُمَا نَخَلَاتِ حَجْرٍ ... وَأَوْدِيَةَ الْيَمَامَةِ فَانْعَيَانِي
وَقُولَا جَحْدَرٌ أَمْسَى رَهِينًا ... يُحَاذِرُ وَقْعَ مَصْقُولٍ يَمَانِي
فَلَمَّا قَدِمَ الْأَسَدُ عَلَى الْحَجَّاجِ أَمَرَ بِهِ فَجُوِّعَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أُبْرِزَ إِلَى حَائِرٍ وَهُوَ الْبُسْتَانُ وَأَمَرَ بِجَحْدَرٍ، فَأُخْرِجَ فِي قُيُودِهِ وَيَدُهُ الْيُمْنَى مَغْلُولَةٌ بِحَالِهَا، وَأُعْطِيَ سَيْفًا فِي يَدِهِ الْيُسْرَى، وَخُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَسَدِ، وَجَلَسَ الْحَجَّاجُ وَأَصْحَابُهُ فِي مَنْظَرَةٍ، وَأَقْبَلَ جَحْدَرٌ نَحْوَ الْأَسَدِ، وَهُوَ يَقُولُ:
لَيْثٌ وَلَيْثٌ فِي مَجَالِ ضَنْكِ ... كِلَاهُمَا ذُو أَنَفٍ وَمَحْكِ
وَشِدَّةٍ فِي نَفْسِهِ وَفَتْكِ ... إِنْ يَكْشِفِ اللَّهُ قِنَاعَ الشَّكِّ
فَهْوَ أَحَقُّ مَنْزِلٍ بِتَرْكِ
فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ الْأَسَدُ زَأَرَ زَأْرَةً شَدِيدَةً، وَتَمَطَّى وَأَقْبَلَ نَحْوَهُ، فَلَمَّا صَارَ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ رُمْحٍ وَثَبَ الْأَسَدُ عَلَى جَحْدَرٍ وَثْبَةً شَدِيدَةً، فَتَلَقَّاهُ جَحْدَرٌ بِالسَّيْفِ، فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً حَتَّى خَالَطَ ذُبَابُ السَّيْفِ لَهَوَاتِهِ، فَخَرَّ الْأَسَدُ كَأَنَّهُ خَيْمَةٌ قَدْ
صَرَعَتْهَا الرِّيحُ، مِنْ شِدَّةِ الضَّرْبَةِ، وَسَقَطَ جَحْدَرٌ مِنْ شِدَّةِ وَثْبَةِ الْأَسَدِ; وَشِدَّةِ مَوْضِعِ الْقُيُودِ عَلَيْهِ، فَكَبَّرَ الْحَجَّاجُ وَكَبَّرَ أَصْحَابُهُ، وَأَنْشَأَ جَحْدَرٌ يَقُولُ:
يَا جُمْلُ إِنَّكِ لَوْ رَأَيْتِ كَرِيهَتِي ... فِي يَوْمِ هَوْلٍ مُسْدِفٍ وَعَجَاجِ
وَتَقَدُّمِي لِلَّيْثِ أَرْسُفُ مُوَثَقًا ... كَيْمَا أُثَاوِرَهُ عَلَى الْأَحْرَاجِ
شَثْنٌ بَرَاثِنُهُ كَأَنَّ نُيُوبَهُ ... زُرْقُ الْمَعَاوِلِ أَوْ شِبَاهُ زُجَاجِ
يَسْمُو بِنَاظِرَتَيْنِ تَحْسَبُ فِيهِمَا ... لَهَبًا أَحَدُّهُمَا شُعَاعُ سِرَاجِ
وَكَأَنَّمَا خِيطَتْ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ ... بَرْقَاءُ أَوْ خِرَقٌ مِنَ الدِّيبَاجِ
لَعَلِمْتِ أَنِّي ذُو حِفَاظٍ مَاجِدٌ ... مِنْ نَسْلِ أَقْوَامٍ ذَوِي أَبْرَاجِ
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ:
عَلِمَ النِّسَاءُ بِأَنَّنِي لَا أَنْثَنِي ... إِذْ لَا يَثِقْنَ بِغَيْرَةِ الْأَزْوَاجِ
وَعَلِمْتُ أَنِّي إِنْ كَرِهْتُ نِزَالَهُ ... أَنِّي مِنَ الْحَجَّاجِ لَسْتُ بِنَاجِ
فَعِنْدَ ذَلِكَ خَيَّرَهُ الْحَجَّاجُ إِنْ شَاءَ أَقَامَ عِنْدَهُ، وَإِنْ شَاءَ انْطَلَقَ إِلَى بِلَادِهِ، فَاخْتَارَ الْمَقَامَ عِنْدَ الْحَجَّاجِ، فَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُ وَأَعْطَاهُ أَمْوَالًا.
وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ مَعَ فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ يَلْحَنُ فِي حُرُوفٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَنْكَرَهَا يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ; مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يُبْدِلُ " إِنِ " الْمَكْسُورَةَ بِ " أَنِ " الْمَفْتُوحَةِ، وَعَكْسُهُ،
وَكَانَ يَقْرَأُ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ [التوبة: 24] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ [التوبة: 24] (التَّوْبَةِ: 24) فَيَقْرَؤُهَا بِرَفْعِ " أَحَبَّ ".
وَأَنْكَرَ يَوْمًا أَنْ يَكُونَ الْحُسَيْنُ مِنْ ذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ; لِكَوْنِهِ ابْنَ بِنْتِهِ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ: كَذَبْتَ.
فَقَالَ الْحَجَّاجُ: لَتَأْتِيَنِّي عَلَى مَا قُلْتَ بِبَيِّنَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ.
فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: 84] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ [الأنعام: 85] (الْأَنْعَامِ: 84، 85) فَعِيسَى مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ مَرْيَمَ، وَالْحُسَيْنُ ابْنُ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ الْحَجَّاجُ: صَدَقْتَ.
وَنَفَاهُ إِلَى خُرَاسَانَ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ يَسْأَلُهُ عَنْ أَمْسِ وَالْيَوْمَ وَغَدٍ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: أَكَانَ خُوَيْلِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عِنْدَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ: أَمَّا أَمْسِ فَأَجَلٌ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَعَمَلٌ، وَأَمَّا غَدًا فَأَمَلٌ.
وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى قَالَ: لَمَّا قَتَلَ الْحَجَّاجُ ابْنَ الْأَشْعَثِ، وَصَفَتْ لَهُ الْعِرَاقُ وَسَّعَ عَلَى النَّاسِ فِي الْعَطَاءِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّكَ تُنْفِقُ فِي الْيَوْمِ مَا لَا يُنْفِقُهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْأُسْبُوعِ، وَتُنْفِقُ فِي الْأُسْبُوعِ مَا لَا يُنْفِقُهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الشَّهْرِ، ثُمَّ قَالَ مُنْشِدًا:
عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ ... وَكُنْ لِوَعِيدِ اللَّهِ تَخْشَى وَتَضْرَعُ
وَوَفِّرْ خَرَاجَ الْمُسْلِمِينَ وَفَيْئَهُمْ ... وَكُنْ لَهُمُ حِصْنًا تُجِيرُ وَتَمْنَعُ
فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ:
لَعَمْرِي لَقَدْ جَاءَ الرَّسُولُ بِكُتْبِكُمْ ... قَرَاطِيسَ تُمْلَى ثُمَّ تُطْوَى فَتُطْبَعُ
كِتَابٌ أَتَانِي فِيهِ لِينٌ وَغِلْظَةٌ ... وَذُكِّرْتُ وَالذِّكْرَى لِذِي اللُّبِّ تَنْفَعُ
وَكَانَتْ أُمُورٌ تَعْتَرِينِي كَثِيرَةٌ ... فَأَرْضَخُ أَوْ أَعْتَلُّ حِينًا فَأَمْنَعُ
إِذَا كُنْتُ سَوْطًا مِنْ عَذَابٍ عَلَيْهِمُ ... وَلَمْ يَكُ عِنْدِي بِالْمَنَافِعِ مَطْمَعُ
أَيَرْضَى بِذَاكَ النَّاسُ أَوْ يَسْخَطُونَهُ ... أَمُ احْمَدُ فِيهِمْ أَمْ أُلَامُ فَأُقْذَعُ
وَكَانَتْ بِلَادٌ جِئْتُهَا حِينَ جِئْتُهَا ... بِهَا كُلُّ نِيرَانِ الْعَدَاوَةِ تَلْمَعُ
فَقَاسَيْتُ مِنْهَا مَا عَلِمْتَ وَلَمْ أَزَلْ ... أُصَارِعُ حَتَّى كِدْتُ بِالْمَوْتِ أُصْرَعُ
وَكَمْ أَرَجَفُوا مِنْ رَجْفَةٍ قَدْ سَمِعْتُهَا ... وَلَوْ كَانَ غَيْرِي طَارَ مِمَّا يُرَوَّعُ
وَكُنْتُ إِذَا هَمُّوا بِإِحْدَى قَنَاتِهِمْ ... حَسَرْتُ لَهُمْ رَأْسِي وَلَا أَتَقَنَّعُ
فَلَوْ لَمْ يَذُدْ عَنِّي صَنَادِيدُ مِنْهُمُ ... تُقَسِّمُ أَعْضَائِي ذِئَابٌ وَأَضْبُعُ
قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ أَنِ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ.
وَقَالَ التَّوْزِيُّ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَوْرِدِ الْجُمَحِيِّ، قَالَ: أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِسَارِقٍ، فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ غَنِيًّا أَنْ يَأْتِيَكَ الْحُكْمُ، فَيُبْطِلَ عَلَيْكَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِكَ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: إِذَا قَلَّ ذَاتُ الْيَدِ سَخَتِ النَّفْسُ بِالْمَتَالِفِ.
قَالَ: صَدَقْتَ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حُسْنُ اعْتِذَارٍ يُبْطِلُ
حَدًّا لَكُنْتُ لَهُ مُوضِعًا، يَا غُلَامُ، سَيْفٌ صَارِمٌ وَرَجُلٌ قَاطِعٌ.
فَقَطَعَ يَدَهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ، عَنِ الْفَرَّاءِ قَالَ: تَغَدَّى الْحَجَّاجُ يَوْمًا مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا انْقَضَى غَدَاؤُهُمَا دَعَاهُ الْوَلِيدُ إِلَى شُرْبِ النَّبِيذِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الْحَلَالُ مَا أَحْلَلْتَ، وَلَكِنِّي أَنْهَى عَنْهُ أَهْلَ عَمَلِي، وَأَكْرَهُ أَنْ أُخَالِفَ قَوْلَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: 88] .
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، عَنْ أَشْيَاخِهِ، قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ يَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي إِسْرَافِهِ فِي صَرْفِ الْأَمْوَالِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ وَنَحْنُ خُزَّانُهُ، وَسِيَّانَ مَنْعُ حَقٍّ وَإِعْطَاءُ بَاطِلٍ.
وَكَتَبَ فِي أَسْفَلِ الْكِتَابِ:
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَتْرُكْ أُمُورًا كَرِهْتَهَا ... وَتَطْلُبْ رِضَائِي فِي الَّذِي أَنَا طَالِبُهْ
وَتَخْشَى الَّذِي يَخْشَاهُ مِثْلُكَ هَارِبًا ... إِلَى اللَّهِ مِنْهُ ضَيَّعَ الدُّرَّ جَالِبُهْ
فَإِنْ تَرَ مِنِّي غَفْلَةً قُرَشِيَّةً ... فَيَا رُبَّمَا قَدْ غَصَّ بِالْمَاءِ شَارِبُهْ
وَإِنْ تَرَ مِنِّي وَثْبَةً أُمَوِيَّةً ... فَهَذَا وَهَذَا كُلُّهُ أَنَا صَاحِبُهْ
فَلَا تَعْدُ مَا يَأْتِيكَ مِنِّي فَإِنْ تَعُدْ ... تَقُمْ فَاعْلَمَنْ يَوْمًا عَلَيْكَ نَوَادِبُهْ
فَلَمَّا قَرَأَهُ الْحَجَّاجُ كَتَبَ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَاءَنِي كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، يَذْكُرُ فِيهِ سَرَفِي فِي الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ، فَوَاللَّهِ مَا بَالَغْتُ فِي عُقُوبَةِ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ وَلَا قَضَيْتُ حَقَّ أَهْلِ الطَّاعَةِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ سَرَفًا فَلْيُحِدَّ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَدًّا أَنْتَهِي
إِلَيْهِ، وَلَا أَتَجَاوَزُهُ.
وَكَتَبَ فِي أَسْفَلِ الْكِتَابِ:
إِذَا أَنَا لَمْ أَطْلُبْ رِضَاكَ وَأَتَّقِي ... أَذَاكَ فَيَوْمِي لَا تَوَارَتْ كَوَاكِبُهْ
إِذَا قَارَفَ الْحَجَّاجُ فِيكَ خَطِيئَةً ... فَقَامَتْ عَلَيْهِ فِي الصَّبَاحِ نَوَادِبُهْ
أُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتَ مِنْ ذِي هَوَادَةٍ ... وَمَنْ لَمْ تُسَالِمْهُ فَإِنِّي مُحَارِبُهْ
إِذَا أَنَا لَمْ أُدْنِ الشَّفِيقَ لِنُصْحِهِ ... وَأُقْصِ الَّذِي تَسْرِي إِلَيَّ عَقَارِبُهْ
فَمَنْ يَتَّقِي يَوْمِي وَيَرْجُو إذًا غَدِي ... عَلَى مَا أَرَى وَالدَّهْرُ جَمٌّ عَجَائِبُهْ
وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لِلْغَازِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنْ يَسْأَلَ الْحَجَّاجَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ; هَلْ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ مِمَّا أَصَابَ مِنَ الدِّمَاءِ شَيْئًا؟ فَسَأَلَهُ كَمَا أَمَرَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي لُبْنَانَ أَوْ سَنِيرًا ذَهَبًا أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَكَانَ مَا أَبْلَانِي اللَّهُ مِنَ الطَّاعَةِ.
[فَصْلٌ فِيمَا رُوِيَ عَنِ الْحَجَّاجِ مِنَ الْكَلِمَاتِ النَّاقِصَةِ وَالْجَرَاءَةِ الْبَالِغَةِ]
فَصْلٌ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الْكَلِمَاتِ النَّاقِصَةِ وَالْجَرَاءَةِ الْبَالِغَةِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: اتَّقَوْا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ لَيْسَ فِيهَا
مَثْنَوِيَّةٌ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لَيْسَ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاللَّهِ لَوْ أَمَرْتُ النَّاسَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَخَرَجُوا مِنْ بَابٍ آخَرَ لَحَلَّتْ لِي دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَاللَّهِ لَوْ أَخَذْتُ رَبِيعَةَ بِمُضَرَ لَكَانَ ذَلِكَ لِي مِنَ اللَّهِ حَلَالًا، وَمَا عَذِيرِي مِنْ عَبْدِ هُذَيْلٍ يَزْعُمُ أَنَّ قُرْآنَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا هِيَ إِلَّا رَجَزٌ مِنْ رَجَزِ الْأَعْرَابِ مَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَذِيرِي مِنْ هَذِهِ الْحَمْرَاءِ، يَزْعُمُ أَحَدُهُمْ يَرْمِي بِالْحَجَرِ فَيَقُولُ: إِلَى أَنْ يَقَعَ الْحَجَرُ حَدَثَ أَمْرٌ.
فَوَاللَّهِ لَأَدَعَنَّهُمْ كَالْأَمْسِ الدَّابِرِ.
قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لِلْأَعْمَشِ، فَقَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ سَمِعْتُهُ مِنْهُ.
وَرْوَرَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ وَالْأَعْمَشِ، أَنَّهُمَا سَمِعَا الْحَجَّاجَ قَبَّحَهُ اللَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ، وَفِيهِ: وَاللَّهِ لَوْ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَخَرَجْتُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، لَحَلَّتْ لِي دِمَاؤُكُمْ، وَلَا أَجِدُ أَحَدًا يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَلَأَحُكَّنَّهَا مِنَ الْمُصْحَفِ وَلَوْ بِضِلْعِ خِنْزِيرٍ.
وَرْوَرَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ بِنَحْوِهِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَاللَّهِ لَوْ أَدْرَكْتُ عَبْدَ هُذَيْلٍ لَضَرَبْتُ عُنُقَهُ.
وَهَذَا مِنْ جَرَاءَةِ الْحَجَّاجِ - قَبَّحَهُ اللَّهُ -
وَإِقْدَامِهِ عَلَى الْكَلَامِ السَّيِّئِ وَالدِّمَاءِ الْحَرَامِ.
وَإِنَّمَا نَقَمَ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِكَوْنِهِ خَالَفَ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ، الَّذِي جَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ عُثْمَانَ وَمُوَافِقِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبَشِّرٍ، عَنْ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ عَلَى مِنْبَرِ وَاسِطٍ يَقُولُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ، لَوْ أَدْرَكْتُهُ لَأَسْقَيْتُ الْأَرْضَ مِنْ دَمِهِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُهُ عَلَى مِنْبَرِ وَاسِطٍ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: 35] قَالَ: وَاللَّهِ إِنْ كَانَ سُلَيْمَانُ لَحَسُودًا.
وَهَذِهِ جَرَاءَةٌ عَظِيمَةٌ تُفْضِي بِهِ إِلَى الْكُفْرِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ وَأَخْزَاهُ، وَأَبْعَدَهُ وَأَقْصَاهُ.
وَمِنِ الطَّامَّاتِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالْقَانِيُّ، ثَنَا جَرِيرٌ (ح) . وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ بَزِيعِ بْنِ خَالِدٍ الضَّبِّيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَخْطُبُ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: رَسُولُ أَحَدِكُمْ فِي حَاجَتِهِ أَكْرَمُ عَلَيْهِ أَمْ خَلِيفَتُهُ فِي أَهْلِهِ؟ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أُصَلِّيَ خَلْفَكَ صَلَاةً أَبَدًا، وَإِنْ وَجَدْتُ قَوْمًا يُجَاهِدُونَكَ لَأُجَاهِدَنَّكَ مَعَهُمْ.
زَادَ إِسْحَاقُ فِي حَدِيثِهِ: فَقَاتَلَ فِي الْجَمَاجِمِ حَتَّى قُتِلَ.
فَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنْهُ فَظَاهِرُهُ
كُفْرٌ إِنْ أَرَادَ تَفْضِيلَ مَنْصِبَ الْخِلَافَةِ عَلَى الرِّسَالَةِ، أَوْ أَرَادَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَفْضَلُ مِنَ الرَّسُولِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، ثَنَا أَبُو حَفْصٍ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: خَطَبَ الْحَجَّاجُ يَوْمًا فَأَقْبَلَ عَنْ يَمِينِهِ فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الْحَجَّاجَ كَافِرٌ، ثُمَّ أَطْرَقَ فَقَالَ: إِنَّ الْحَجَّاجَ كَافِرٌ.
ثُمَّ أَطْرَقَ فَأَقْبَلَ عَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الْحَجَّاجَ كَافِرٌ.
فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، ثُمَّ قَالَ: كَافِرٌ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى.
وَقَالَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ: ثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، ثَنَا ضَمْرَةُ، ثَنَا ابْنُ شَوْذَبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: بَيْنَمَا الْحَجَّاجُ يَخْطُبُنَا يَوْمًا، إِذْ قَالَ: الْحَجَّاجُ كَافِرٌ.
قُلْنَا: مَا لَهُ؟ أَيُّ شَيْءٍ يُرِيدُ؟ قَالَ: الْحَجَّاجُ كَافِرٌ بِيَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ وَالْبَغْلَةِ الشَّهْبَاءِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَوْمًا لِلْحَجَّاجِ: إِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ يَعْرِفُ عَيْبَ نَفْسِهِ، فَصِفْ لِي عَيْبَ نَفْسِكَ.
فَقَالَ: اعْفِنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَأَبَى، فَقَالَ: أَنَا لَجُوجٌ حَقُودٌ حَسُودٌ.
فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا فِي الشَّيْطَانِ شَرٌّ مِمَّا ذَكَرْتَ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: إذًا بَيْنَكَ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ نَسَبٌ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ نِقْمَةً عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ بِمَا سَلَفَ لَهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالْخُرُوجِ عَلَى الْأَئِمَّةِ، وَخُذْلَانِهِمْ لَهُمْ، وَعِصْيَانِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ، وَالِافْتِيَاتِ
عَلَيْهِمْ.
قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مَنْ حَدَّثَهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ حَصَبُوا أَمِيرَهُمْ فَخَرَجَ غَضْبَانَ، فَصَلَّى لَنَا صَلَاةً، فَسَهَا فِيهَا حَتَّى جَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ.
فَلَمَّا سَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: مَنْ هَاهُنَا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ؟ فَقَامَ رَجُلٌ، ثُمَّ قَامَ آخَرُ، ثُمَّ قُمْتُ أَنَا ثَالِثًا أَوْ رَابِعًا، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الشَّامِ، اسْتَعِدُّوا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ بَاضَ فِيهِمْ وَفَرَّخَ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ قَدْ لَبَسُوا عَلَيْهِمْ فَالْبِسْ عَلَيْهِمْ، وَعَجِّلْ عَلَيْهِمْ بِالْغُلَامِ الثَّقَفِيِّ، يَحْكُمُ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَقْبَلُ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَلَا يَتَجَاوَزُ عَنْ مُسِيئِهِمْ.
وَقَدْ رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ " مُسْنَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَذْبَةَ الْحِمَّصِيِّ، عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ اللَّهُمَّ كَمَا ائْتَمَنْتُهُمْ فَخَانُونِي وَنَصَحْتُ لَهُمْ فَغَشُّونِي، فَسَلِّطْ عَلَيْهِمْ فَتَى ثَقِيفٍ الذَّيَّالَ الْمَيَّالَ يَأْكُلُ خَضِرَتَهَا، وَيَلْبَسُ فَرْوَتَهَا، وَيَحْكُمُ فِيهَا بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ.
قَالَ: يَقُولُ الْحَسَنُ: وَمَا خُلِقَ الْحَجَّاجُ يَوْمَئِذٍ.
وَرَوَاهُ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ
الْحَدَثَانِ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: الشَّابُّ الذَّيَّالُ أَمِيرُ الْمِصْرَيْنِ، يَلْبَسُ فَرْوَتَهَا، وَيَأْكُلُ خَضِرَتَهَا وَيَقْتُلُ أَشْرَافَ أَهْلِهَا، يَشْتَدُّ مِنْهُ الْفَرَقُ، وَيَكْثُرُ مِنْهُ الْأَرَقُ، وَيُسَلِّطُهُ اللَّهُ عَلَى شِيعَتِهِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ": أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَ الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ لِرَجُلٍ: لَا مِتَّ حَتَّى تُدْرِكَ فَتَى ثَقِيفٍ.
قِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا فَتَى ثَقِيفٍ؟ قَالَ: لَيُقَالَنَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: اكْفِنَا زَاوِيَةً مِنْ زَوَايَا جَهَنَّمَ.
رَجُلٌ يَمْلِكُ عِشْرِينَ أَوْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ - سَنَةً، لَا يَدَعُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً إِلَّا ارْتَكَبَهَا، حَتَّى لَوْ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَعْصِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ لَكَسَرَهُ حَتَّى يَرْتَكِبَهَا، يَقْتُلُ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى السَّدِّيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَجْلَحِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ عُمَرَ بْنِ سِنَانٍ الْجَدَلِيَّةِ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى عَلِيٍّ فَرَدَّهُ قُنْبُرٌ فَأَدْمَى أَنْفَهُ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهُ يَا أَشْعَثُ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ بِعَبْدِ ثَقِيفٍ
تَمَرَّسْتَ لَاقْشَعَرَّتْ شُعَيْرَاتُ اسْتِكَ.
قِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ عَبْدُ ثَقِيفٍ؟ قَالَ: غُلَامٌ يَلِيهِمْ لَا يُبْقِي أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا أَلْبَسَهُمْ ذُلًّا.
قِيلَ: كَمْ يَمْلِكُ؟ قَالَ: عِشْرِينَ إِنْ بَلَغَ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ، أَنْبَأَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَيُّوبَ، ثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَوْ جَاءَتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِخَبِيثِهَا وَجِئْنَا بِالْحَجَّاجِ لَغَلَبْنَاهُمْ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النُّجُودِ أَنَّهُ قَالَ: مَا بَقِيَتْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حُرْمَةٌ إِلَّا وَقَدِ ارْتَكَبَهَا الْحَجَّاجُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ: «إِنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا» ، وَقَدْ ذَكَرْنَا شَأْنَ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، وَهُوَ الْكَذَّابُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ كَانَ يُظْهِرُ الرَّفْضَ أَوَّلًا، وَيُبْطِنُ الْكُفْرَ الْمَحْضَ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَهُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ هَذَا، وَقَدْ كَانَ نَاصِبِيًّا يُبْغِضُ عَلِيًّا وَشِيعَتَهُ فِي هَوَى آلِ مَرْوَانَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ جَبَّارًا عَنِيدًا مِقْدَامًا عَلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ بِأَدْنَى شُبْهَةٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَلْفَاظٌ بَشِعَةٌ شَنِيعَةٌ ظَاهِرُهَا الْكُفْرُ كَمَا قَدَّمْنَا، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَابَ مِنْهَا وَأَقْلَعَ عَنْهَا، وَإِلَّا فَهُوَ بَاقٍ فِي عُهْدَتِهَا، وَلَكِنْ قَدْ يُخْشَى أَنَّهَا رُوِيَتْ عَنْهُ بِنَوْعٍ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ; فَإِنَّ الشِّيعَةَ كَانُوا
يُبْغِضُونَهُ جِدًّا لِوُجُوهٍ، وَرُبَّمَا حَرَّفُوا عَلَيْهِ بَعْضَ الْكَلِمِ، وَزَادُوا فِيمَا يَحْكُونَهُ عَنْهُ بَشَاعَاتٍ وَشَنَاعَاتٍ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يَتَدَيَّنُ بِتَرْكِ الْمُسْكِرِ، وَكَانَ يُكْثِرُ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ، وَيَتَجَنَّبُ الْمَحَارِمَ، وَلَمْ يَشْتَهِرْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ التَّلَطُّخِ بِالْفُرُوجِ، وَإِنْ كَانَ مُتَسَرِّعًا فِي سَفْكِ الدِّمَاءِ.
فَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَحَقَائِقِ الْأُمُورِ وَسَائِرِهَا، وَخَفِيَّاتِ الصُّدُورِ وَضَمَائِرِهَا.
وَقَالَ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجُرَيْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ طَرَارَا الْبَغْدَادِيُّ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، ثَنَا عَوَانَةُ بْنُ الْحَكَمِ الْكَلْبِيُّ، قَالَ: دَخَلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إِيهٍ إِيهٍ يَا أُنَيْسُ، يَوْمٌ لَكَ مَعَ عَلِيٍّ، وَيَوْمٌ لَكَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَيَوْمٌ لَكَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَاللَّهِ لَأَسْتَأْصِلَنَّكَ كَمَا تُسْتَأْصَلُ الشَّأْفَةُ، وَلَأَدْمَغَنَّكَ كَمَا تُدْمَغُ الصَّمْغَةُ.
فَقَالَ أَنَسٌ: إِيَّايَ يَعْنِي الْأَمِيرُ أَصْلَحَهُ اللَّهُ؟ قَالَ: إِيَّاكَ، سَكَّ اللَّهُ سَمْعَكَ.
قَالَ أَنَسٌ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللَّهِ لَوْلَا الصِّبْيَةُ الصِّغَارُ مَا بَالَيْتُ
أَيَّ قِتْلَةٍ قُتِلْتُ، وَلَا أَيَّ مِيتَةٍ مِتُّ.
ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ الْحَجَّاجِ فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِمَا قَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ، فَلَمَّا قَرَأَ عَبْدُ الْمَلِكِ كِتَابَ أَنَسٍ اسْتَشَاطَ غَضَبًا، وَصَفَّقَ عَجَبًا، وَتَعَاظَمَ ذَلِكَ مِنَ الْحَجَّاجِ، وَكَانَ كِتَابُ أَنَسٍ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَمَّا بَعْدُ; فَإِنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ لِي هُجْرًا، وَأَسْمَعَنِي نُكْرًا، وَلَمْ أَكُنْ لِذَلِكَ أَهْلًا، فَخُذْ لِي عَلَى يَدَيْهِ، فَإِنِّي أَمُتُّ بِخِدْمَتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصُحْبَتِي إِيَّاهُ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
فَبَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ وَكَانَ مُصَادِقًا لِلْحَجَّاجِ فَقَالَ لَهُ: دُونَكَ كِتَابَيَّ هَذَيْنِ فَخُذْهُمَا، وَارْكَبِ الْبَرِيدَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَابْدَأْ بِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَادْفَعْ كِتَابِي إِلَيْهِ، وَأَبْلِغْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، قَدْ كَتَبْتُ إِلَى الْحَجَّاجِ الْمَلْعُونِ كِتَابًا، إِذَا قَرَأَهُ كَانَ أَطْوَعَ لَكَ مِنْ أَمَتِكَ.
وَكَانَ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا بَعْدُ; فَقَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ، وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ مِنْ شِكَايَتِكَ الْحَجَّاجَ، وَمَا سَلَّطْتُهُ عَلَيْكَ، وَلَا أَمَرْتُهُ بِالْإِسَاءَةِ إِلَيْكَ، فَإِنْ عَادَ لِمِثْلِهَا اكْتُبْ إِلَيَّ بِذَلِكَ أُنْزِلْ بِهِ عُقُوبَتِي، وَتَحْسُنْ لَكَ مَعُونَتِي، وَالسَّلَامُ.
فَلَمَّا قَرَأَ أَنَسٌ كِتَابَهُ وَأُخْبِرَ بِرِسَالَتِهِ قَالَ: جَزَى اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِّي خَيْرًا، وَعَافَاهُ وَكَفَاهُ، وَكَافَأَهُ بِالْجَنَّةِ، فَهَذَا كَانَ ظَنِّي بِهِ وَالرَّجَاءَ مِنْهُ.
فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ لِأَنَسٍ:
يَا أَبَا حَمْزَةَ، إِنَّ الْحَجَّاجَ عَامِلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ بِكَ عَنْهُ غِنًى، وَلَا بِأَهْلِ بَيْتِكَ، وَلَوْ جُعِلَ لَكَ فِي جَامِعَةٍ ثُمَّ دُفِعَ إِلَيْكَ لَقَدَرَ أَنْ يَضُرَّ وَيَنْفَعَ، فَقَارِبْهُ وَدَارِهِ; تَعِشْ مَعَهُ بِخَيْرٍ وَسَلَامٍ.
فَقَالَ أَنَسٌ: أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ خَرَجَ إِسْمَاعِيلُ مِنْ عِنْدِهِ فَدَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَلَمَّا رَآهُ الْحَجَّاجُ قَالَ: مَرْحَبًا بِرَجُلٍ أُحِبُّهُ وَكُنْتُ أُحِبُّ لِقَاءَهُ.
فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: أَنَا وَاللَّهِ كُنْتُ أُحِبُّ لِقَاءَكَ فِي غَيْرِ مَا أَتَيْتُكَ بِهِ.
فَتَغَيَّرَ لَوْنُ الْحَجَّاجِ، وَقَالَ: مَا أَتَيْتَنِي بِهِ؟ قَالَ: فَارَقْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ أَشَدُّ النَّاسِ عَلَيْكَ غَضَبًا، وَمِنْكَ بُعْدًا.
قَالَ: فَاسْتَوَى الْحَجَّاجُ جَالِسًا مَرْعُوبًا فَرَمَى إِلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ بِالطُّومَارِ، فَجَعَلَ الْحَجَّاجُ يَنْظُرُ فِيهِ مَرَّةً وَيَعْرَقُ، وَيَنْظُرُ إِلَى إِسْمَاعِيلَ أُخْرَى، فَلَمَّا نَقَضَهُ قَالَ: قُمْ بِنَا إِلَى أَبِي حَمْزَةَ نَعْتَذِرُ إِلَيْهِ وَنَتَرَضَّاهُ.
فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ: لَا تَعْجَلْ.
فَقَالَ: كَيْفَ لَا أَعْجَلُ، وَقَدْ أَتَيْتَنِي بِآبِدَةٍ؟
وَكَانَ فِي الطُّومَارِ: إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، أَمَّا بَعْدُ; فَإِنَّكَ عَبْدٌ طَمَتْ بِكَ الْأُمُورُ فَسَمَوْتَ فِيهَا، وَعَدَوْتَ طَوْرَكَ، وَجَاوَزْتَ قَدْرَكَ، وَرَكِبْتَ دَاهِيَةً إِدًّا، وَأَرَدْتَ أَنْ تَبُورَنِي، فَإِنْ سَوَّغْتُكَهَا مَضَيْتَ قُدُمًا، وَإِنْ لَمْ أُسَوِّغْهَا
رَجَعْتَ الْقَهْقَرَى، فَلَعَنَكَ اللَّهُ عَبْدًا أَخْفَشَ الْعَيْنَيْنِ، مَنْقُوصَ الْجَاعِرَتَيْنِ، أَنَسِيتَ مَكَاسِبَ آبَائِكَ بِالطَّائِفِ، وَحَفْرَهُمُ الْآبَارَ، وَنَقْلَهُمُ الصُّخُورَ عَلَى ظُهُورِهِمْ فِي الْمَنَاهِلِ؟ يَا ابْنَ الْمُسْتَفْرِمَةِ بِعُجْمِ الزَّبِيبِ، وَاللَّهِ لَأَغْمِزَنَّكَ غَمْزَ اللَّيْثِ الثَّعْلَبَ، وَالصَّقْرَ الْأَرْنَبَ، وَثَبْتَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَلَمْ تَقْبَلْ لَهُ إِحْسَانَهُ، وَلَمْ تَجَاوَزْ لَهُ إِسَاءَتَهُ، جُرْأَةً مِنْكَ عَلَى الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ، وَاسْتِخْفَافًا مِنْكَ بِالْعَهْدِ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى رَأَتْ رَجُلًا خَدَمَ عُزَيْرَ بْنَ عِزْرَا وَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ لَعَظَّمَتْهُ وَشَرَّفَتْهُ وَأَكْرَمَتْهُ، فَكَيْفَ وَهَذَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَ سِنِينَ، يُطْلِعُهُ عَلَى سِرِّهِ، وَيُشَاوِرُهُ فِي أَمْرِهِ، ثُمَّ هُوَ مَعَ هَذَا بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا أَصْحَابِهِ، فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي هَذَا فَكُنْ أَطْوَعَ لَهُ مِنْ خُفِّهِ وَنَعْلِهِ، وَإِلَّا أَتَاكَ مِنِّي سَهْمٌ مُثْكَلٌ بِحَتْفٍ قَاضٍ، وَلِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ، وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ ابْنُ طَرَارَا عَلَى مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْغَرِيبِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّبَيْرِ يَعْنِي ابْنَ عَدِيٍّ قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: اصْبِرُوا; فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ عَامٌ أَوْ يَوْمٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ، سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» . وَهَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ» الْحَدِيثَ.
قُلْتُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ بِالْمَعْنَى فَيَقُولُ: كُلُّ عَامٍ تَرْذُلُونَ.
وَهَذَا اللَّفْظُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُصَلُّونَ فِيهِ عَلَى الْحَجَّاجِ.
وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي السَّفْرِ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُمْ لَتَمَنَّوُنَّ الْحَجَّاجَ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: قِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنَّكَ تَقُولُ: الْآخِرُ شَرٌّ مِنَ الْأَوَّلِ.
وَهَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ الْحَجَّاجِ.
فَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ تَنْفِيسَاتٍ.
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ بَعَثَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْحَسَنِ وَقَدْ هَمَّ بِهِ، فَلَمَّا قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: يَا حَجَّاجُ، كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ آدَمَ مِنْ أَبٍ؟ قَالَ: كَثِيرٌ.
قَالَ: فَأَيْنَ
هُمْ؟ قَالَ: مَاتُوا.
قَالَ: فَنَكَّسَ الْحَجَّاجُ رَأْسَهُ، وَخَرَجَ الْحَسَنُ.
وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: إِنَّ الْحَجَّاجَ أَرَادَ قَتْلَ الْحَسَنِ مِرَارًا، فَعَصَمَهُ اللَّهُ مِنْهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ مَعَهُ مُنَاظَرَاتٍ، عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَرَى الْخُرُوجَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَنْهَى أَصْحَابَ ابْنِ الْأَشْعَثِ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مَعَهُمْ مُكْرَهًا، كَمَا قَدَّمْنَا، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ نِقْمَةٌ، فَلَا تُقَابَلُ نِقْمَةُ اللَّهِ بِالسَّيْفِ، وَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ وَالسَّكِينَةِ وَالتَّضَرُّعِ.
وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَضِرِ، عَنِ ابْنِ عَائِشَةَ قَالَ: أُتِيَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِرَجُلٍ مِنَ الْخَوَارِجِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ فَأَثْنَى خَيْرًا، قَالَ: فَعُثْمَانَ؟ فَأَثْنَى خَيْرًا، حَتَّى قِيلَ لَهُ: فَمَا تَقُولُ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ؟ فَقَالَ: الْآنَ جَاءَتِ الْمَسْأَلَةُ، مَا أَقُولُ فِي رَجُلٍ الْحَجَّاجُ خَطِيئَةٌ مِنْ خَطَايَاهُ؟
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيِّ، قَالَ: أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِامْرَأَةٍ مِنَ الْخَوَارِجِ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُهَا وَهِيَ لَا تَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَلَا تَرُدُّ عَلَيْهِ كَلَامًا، فَقَالَ لَهَا بَعْضُ الشُّرَطِ: يُكَلِّمُكِ الْأَمِيرُ وَأَنْتِ مُعْرِضَةٌ عَنْهُ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ.
فَأَمَرَ بِهَا فَقُتِلَتْ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ كَيْفِيَّةَ مَقْتَلِ الْحَجَّاجِ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمَا دَارَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْكَلَامِ وَالْمُرَاجَعَةِ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: ثَنَا أَبُو ظَفَرٍ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ بِسْطَامَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: خَرَجْتَ عَلَى الْحَجَّاجِ؟ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ عَلَيْهِ حَتَّى كَفَرَ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ بَعْدَهُ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا اسْمُهُ مَاهَانُ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ قَبْلَهُ خَلْقًا كَثِيرًا، أَكْثَرُهُمْ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ.
وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: ثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ الْبَلْخِيُّ، ثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، قَالَ: أَحْصَوْا مَا قَتَلَ الْحَجَّاجُ صَبْرًا فَبَلَغَ مِائَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ قَحْذَمٍ، قَالَ: أَطْلَقَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ أَحَدًا وَثَمَانِينَ أَلْفَ أَسِيرٍ، وَعُرِضَتِ السُّجُونُ بَعْدَ الْحَجَّاجِ فَوَجَدُوا فِيهَا ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، لَمْ يَجِبْ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ قَطْعٌ وَلَا صَلْبٌ، وَكَانَ فِي مَنْ حُبِسَ أَعْرَابِيٌّ وُجِدَ يَبُولُ فِي أَصْلِ رَبَضِ مَدِينَةِ وَاسِطٍ، وَكَانَ فِي مَنْ أُطْلِقُ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
إِذَا نَحْنُ جَاوَزْنَا مَدِينَةَ وَاسِطٍ ... خَرَيْنَا وَصَلَّيْنَا بِغَيْرِ حِسَابِ
وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ مَعَ هَذَا الْعُنْفِ الشَّدِيدِ لَا يَسْتَخْرِجُ مِنْ خَرَاجِ الْعِرَاقِ كَبِيرَ أَمْرٍ.
قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْخٍ، ثَنَا
صَالِحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَوْ تَخَابَثَتِ الْأُمَمُ وَجِئْنَا بِالْحَجَّاجِ لَغَلَبْنَاهُمْ، وَمَا كَانَ يَصْلُحُ لِدُنْيَا وَلَا لِآخِرَةٍ، لَقَدْ وَلِيَ الْعِرَاقَ وَهُوَ أَوْفَرُ مَا يَكُونُ فِي الْعِمَارَةِ، فَأَخَسَّ بِهِ حَتَّى صَيَّرَهُ إِلَى أَرْبَعِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَلَقَدْ أُدِّيَ إِلَيَّ فِي عَامِي هَذَا ثَمَانُونَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَإِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ رَجَوْتُ أَنْ يُؤَدَّى إِلَيَّ مَا أُدِّيَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ; مِائَةُ أَلْفِ أَلْفٍ وَعَشَرَةُ آلَافِ أَلْفٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِئِ: ثَنَا أَبُو عَرُوبَةَ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، ثَنَا أَبِي سَمِعْتُ جَدِّي قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَسْتَنُّ بِسَنَنِ الْحَجَّاجِ فَلَا تَسْتَنَّ بِسَنَنِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الصَّلَاةَ لِغَيْرِ وَقْتِهَا، وَيَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِ حَقِّهَا، وَكَانَ لِمَا سِوَى ذَلِكَ أَضْيَعَ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَسَدٍ، ثَنَا ضَمْرَةُ، عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِآلِ أَبِي عَقِيلٍ أَهْلِ بَيْتِ الْحَجَّاجِ إِلَى صَاحِبِ الْيَمَنِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ بِآلِ أَبِي عَقِيلٍ وَهُمْ شَرُّ بَيْتٍ فِي الْعَرَبِ، فَفَرِّقْهُمْ فِي الْعَمَلِ عَلَى قَدْرِ هَوَانِهِمْ عَلَى اللَّهِ وَعَلَيْنَا، وَعَلَيْكَ السَّلَامُ.
وَإِنَّمَا نَفَاهُمْ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ يَقُولُ: كَانَ الْحَجَّاجُ يَنْقُضُ
عُرَى الْإِسْلَامِ.
وَذَكَرَ حِكَايَةً.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ: لَمْ يُبْقِ لِلَّهِ حُرْمَةً إِلَّا ارْتَكَبَهَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عِيسَى الرَّمْلِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ: اخْتَلَفُوا فِي الْحَجَّاجِ، فَسَأَلُوا مُجَاهِدًا، فَقَالَ: تَسْأَلُونِي عَنِ الشَّيْخِ الْكَافِرِ؟
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْحَجَّاجُ مُؤْمِنٌ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، كَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ.
كَذَا قَالَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عَجَبًا لِإِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ; يُسَمُّونَ الْحَجَّاجَ مُؤْمِنًا! وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يُسْأَلُ عَنِ الْحَجَّاجِ: أَتَشْهَدُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: أَتَأْمُرُونِي أَنْ أَشْهَدَ عَلَى اللَّهِ الْعَظِيمِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ لَعْنِ الْحَجَّاجِ أَوْ بَعْضِ الْجَبَابِرَةِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 18] (هُودٍ: 18) ؟ وَبِهِ; قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَفَى بِالرَّجُلِ عَمًى أَنْ يَعْمَى عَنْ أَمْرِ الْحَجَّاجِ.
وَقَالَ سَلَامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ: لَأَنَا لِلْحَجَّاجِ أَرْجَى مِنِّي لِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ; لَأَنَّ الْحَجَّاجَ قَتَلَ
النَّاسَ عَلَى الدُّنْيَا، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ أَحْدَثَ لِلنَّاسِ بِدْعَةً، فَقَتَلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَقَالَ الزِّبْرِقَانُ: سَبَبْتُ الْحَجَّاجَ يَوْمًا عِنْدَ أَبِي وَائِلٍ، فَقَالَ: لَا تَسُبُّهُ; لَعَلَّهُ قَالَ يَوْمًا: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي.
فَيَرْحَمُهُ، إِيَّاكَ وَمُجَالَسَةَ مَنْ يَقُولُ: أَرَأَيْتَ أَرَأَيْتَ.
وَقَالَ عَوْفٌ: ذُكِرَ الْحَجَّاجُ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، فَقَالَ: مِسْكِينٌ أَبُو مُحَمَّدٍ; إِنْ يُعَذِّبْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَبِذَنْبِهِ، وَإِنْ يَغْفِرْ لَهُ فَهَنِيئًا لَهُ، وَإِنْ يَلْقَ اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدْ أَصَابَ الذُّنُوبَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ.
فَقِيلَ لَهُ: مَا الْقَلْبُ السَّلِيمُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ حَقٌّ قَائِمَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ.
وَقَالَ أَبُو قَاسِمٍ الْبَغَوِيُّ: ثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: اشْهَدْ عَلَى الْحَجَّاجِ وَعَلَى أَبِي مُسْلِمٍ أَنَّهُمَا فِي النَّارِ.
قَالَ: لَا، إِذَا أَقَرَّا بِالتَّوْحِيدِ.
وَقَالَ الرِّيَاشِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْأَزْرَقُ، عَنِ السِّرِّيِّ بْنِ يَحْيَى قَالَ: مَرَّ الْحَجَّاجُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ فَسَمِعَ اسْتِغَاثَةً، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ لَهُ: أَهْلُ السُّجُونِ يَقُولُونَ: قَتَلَنَا الْحَرُّ.
فَقَالَ: قُولُوا لَهُمْ: اخْسَئُوا فِيهَا
وَلَا تُكَلِّمُونَ.
قَالَ: فَمَا عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا أَقَلَّ مِنْ جُمُعَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُهُ وَهُوَ يَأْتِي الْجُمُعَةَ، وَقَدْ كَادَ يَهْلِكُ مِنَ الْعِلَّةِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: لَمَّا مَرِضَ الْحَجَّاجُ أَرْجَفَ النَّاسُ بِمَوْتِهِ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: إِنْ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمْ، فَقَالُوا: مَاتَ الْحَجَّاجُ، وَمَاتَ الْحَجَّاجُ.
فَمَهْ، وَهَلْ يَرْجُو الْحَجَّاجُ الْخَيْرَ إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ؟ وَاللَّهُ مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا أَمُوتَ وَأَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَمَا رَأَيْتُ اللَّهَ رَضِيَ التَّخْلِيدَ إِلَّا لِأَهْوَنِ خَلْقِهِ عَلَيْهِ إِبْلِيسَ، قَالَ اللَّهُ لَهُ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: 15] . فَأَنْظَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَلَقَدْ دَعَا اللَّهُ الْعَبْدَ الصَّالِحَ، فَقَالَ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: 35] . فَأَعْطَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا الْبَقَاءَ، فَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ أَيُّهَا الرَّجُلُ، وَكُلُّكُمْ ذَلِكَ الرَّجُلُ، كَأَنِّي وَاللَّهِ بِكُلِّ حَيٍّ مِنْكُمْ مَيِّتًا، وَبِكُلِّ رَطْبٍ يَابِسًا، ثُمَّ نُقِلَ فِي ثِيَابِ أَكْفَانِهِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ طُولًا فِي ذِرَاعٍ عَرْضًا، فَأَكَلَتِ الْأَرْضُ لَحْمَهُ، وَمَصَّتْ صَدِيدَهُ، وَانْصَرَفَ الْحَبِيبُ مِنْ وَلَدِهِ يَقْسِمُ الْحَبِيبَ مِنْ مَالِهِ، إِنَّ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ يَعْقِلُونَ مَا أَقُولُ.
ثُمَّ نَزَلَ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ: مَا حَسَدْتُ الْحَجَّاجَ عَدُوَّ اللَّهِ عَلَى شَيْءٍ
حَسَدِي إِيَّاهُ عَلَى حُبِّهِ الْقُرْآنَ وَإِعْطَائِهِ أَهْلَهُ، وَقَوْلِهِ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، فَإِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تَفْعَلُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُبْغِضُ الْحَجَّاجَ، فَنَفَسَ عَلَيْهِ بِكَلِمَةٍ قَالَهَا عِنْدَ الْمَوْتِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّكَ لَا تَفْعَلُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: قِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ عِنْدَ الْمَوْتِ كَذَا وَكَذَا قَالَ: أَقَالَهَا؟ قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: عَسَى.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ، عَنِ الرِّيَاشِيِّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتِ الْحَجَّاجَ الْوَفَاةُ أَنْشَأَ يَقُولُ:
يَا رَبِّ قَدْ حَلَفَ الْأَعْدَاءُ وَاجْتَهَدُوا ... بِأَنَّنِي رَجُلٌ مِنْ سَاكِنِي النَّارِ
أَيَحْلِفُونَ عَلَى عَمْيَاءَ وَيْحَهُمُ ... مَا عِلْمُهُمْ بِعَظِيمِ الْعَفْوِ غَفَّارِ
قَالَ: فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ الْحَسَنُ فَقَالَ: تَاللَّهِ إِنْ نَجَا فَبِهِمَا.
وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ:
إِنَّ الْمَوَالِيَ إِذَا شَابَتْ عَبِيدُهُمْ ... فِي رِقِّهِمْ عَتَقُوهُمْ عِتْقَ أَبْرَارِ
وَأَنْتَ يَا خَالِقِي أَوْلَى بِذَا كَرَمًا ... قَدْ شِبْتُ فِي الرِّقِّ فَاعْتِقْنِي مِنَ النَّارِ
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ الْحَجَّاجُ لَمْ يُعْلَمْ بِمَوْتِهِ حَتَّى أَشْرَفَتْ جَارِيَةٌ فَبَكَتْ، فَقَالَتْ: أَلَا إِنَّ مُطْعِمَ الطَّعَامِ وَمُفَلِّقَ الْهَامِ، وَسَيِّدَ أَهْلِ الشَّامِ قَدْ مَاتَ، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ:
الْيَوْمَ يَرْحَمُنَا مَنْ كَانَ يَغْبِطُنَا ... وَالْيَوْمَ يَأْمَنُنَا مَنْ كَانَ يَخْشَانَا
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أُخْبِرَ بِمَوْتِ الْحَجَّاجِ مِرَارًا، فَلَمَّا تَحَقَّقَ وَفَاتَهُ قَالَ: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 45] (الْأَنْعَامِ: 45) .
وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْحَسَنَ لَمَّا بُشِّرَ بِمَوْتِ الْحَجَّاجِ سَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ مُخْتَفِيًا فَظَهَرَ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَمَتَّهُ فَأَذْهِبْ عَنَّا سُنَّتَهُ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: لَمَّا أَخْبَرْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ بِمَوْتِ الْحَجَّاجِ بَكَى مِنَ الْفَرَحِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْخٍ، ثَنَا صَالِحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ زِيَادُ بْنُ الرَّبِيعِ الْحَارِثِيُّ لِأَهْلِ السِّجْنِ: يَمُوتُ الْحَجَّاجُ فِي مَرَضِهِ هَذَا فِي لَيْلَةِ كَذَا وَكَذَا.
فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ لَمْ يَنَمْ أَهْلُ السِّجْنِ فَرَحًا، جَلَسُوا يَنْتَظِرُونَ حَتَّى سَمِعُوا الْوَاعِيَةَ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ.
وَقِيلَ: فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ
السَّنَةِ.
وَكَانَ عُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً; لِأَنَّ مَوْلِدَهُ كَانَ عَامَ الْجَمَاعَةِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ.
وَقِيلَ: بَعْدَهَا بِسَنَةٍ.
وَقِيلَ: قَبْلَهَا بِسَنَةٍ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَاتَ بِوَاسِطٍ، وَعُفِيَ قَبْرُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ الْمَاءُ لِكَيْلَا يُنْبَشَ وَيُحْرَقَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: مَا كَانَ أَعْجَبَ الْحَجَّاجَ، مَا تَرَكَ إِلَّا ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَرِيبٍ، ثَنَا عَمِّي قَالَ: زَعَمُوا أَنَّ الْحَجَّاجَ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ إِلَّا ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَمُصْحَفًا، وَسَيْفًا، وَسَرْجًا، وَرَحْلًا، وَمِائَةَ دِرْعٍ مَوْقُوفَةٍ.
وَقَالَ شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ: حَدَّثَنِي عَمِّي يَزِيدُ بْنُ حَوْشَبٍ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ فَقَالَ: حَدِّثْنِي بِوَصِيَّةِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ.
فَقُلْتُ: اعْفِنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: حَدِّثْنِي بِهَا.
فَقُلْتُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ إِلَّا طَاعَةَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَيْهَا يَحْيَا، وَعَلَيْهَا يَمُوتُ، وَعَلَيْهَا يُبْعَثُ، وَأَوْصَى بِتِسْعِمِائَةِ دِرْعٍ حَدِيدٍ; سِتِّمِائَةٍ مِنْهَا لِمُنَافِقِي أَهْلِ الْعِرَاقِ يَغْزُونَ بِهَا، وَثَلَاثِمِائَةٍ لِلتُّرْكِ.
قَالَ: فَرَفَعَ أَبُو جَعْفَرٍ رَأْسَهُ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ الطُّوسِيِّ وَكَانَ قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ: هَذِهِ وَاللَّهِ الشِّيعَةُ لَا شِيعَتُكُمْ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ الْحَجَّاجَ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: قَتَلَنِي بِكُلِّ قَتْلَةٍ قَتَلْتُ بِهَا إِنْسَانًا.
قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُهُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَقُلْتُ:
يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، مَا صَنَعَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: يَا مَاصَّ بَظْرِ أُمِّهِ، أَمَا سَأَلْتَ عَنْ هَذَا عَامَ أَوَّلَ؟ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ كُنْتُ عِنْدَ الرَّشِيدِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَأَيْتُ الْحَجَّاجَ الْبَارِحَةَ فِي النَّوْمِ، قَالَ: فِي أَيِّ زِيٍّ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: فِي زِيٍّ قَبِيحٍ.
فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: مَا أَنْتَ وَذَاكَ يَا مَاصَّ بَظْرِ أُمِّهِ؟ فَقَالَ هَارُونُ: صَدَقْتَ وَاللَّهِ، أَنْتَ رَأَيْتَ الْحَجَّاجَ حَقًّا، مَا كَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ لِيَدَعَ صَرَامَتَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا.
وَقَالَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ: ثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، ثَنَا ضَمْرَةُ، ثَنَا ابْنُ شَوْذَبٍ، عَنْ أَشْعَثَ الْحُدَّانِيِّ.
قَالَ: رَأَيْتُ الْحَجَّاجَ فِي الْمَنَامِ فِي حَالَةٍ سَيِّئَةٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: مَا قَتَلْتُ أَحَدًا قِتْلَةً إِلَّا قَتَلَنِي بِهَا.
فَقُلْتُ: ثُمَّ مَهْ.
قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِي إِلَى النَّارِ.
قُلْتُ: ثُمَّ مَهْ.
قَالَ: ثُمَّ أَرْجُو مَا يَرْجُو أَهْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ: وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَقُولُ: إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَسَنَ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَيُخْلِفَنَّ اللَّهُ رَجَاءَهُ فِيهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيَّ يَقُولُ: كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَا يَجْلِسُ مَجْلِسًا إِلَّا ذَكَرَ فِيهِ الْحَجَّاجَ فَدَعَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَرَآهُ
فِي مَنَامِهِ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْحَجَّاجُ؟ قَالَ: أَنَا الْحَجَّاجُ.
قَالَ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: قُتِلْتُ بِكُلِّ قَتِيلٍ قَتَلْتُهُ، ثُمَّ عُزِلْتُ مَعَ الْمُوَحِّدِينَ.
قَالَ: فَأَمْسَكَ الْحَسَنُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ شَتْمِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ
قَالَ: كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا جِنَازَةً، أَوْ سَمِعْنَا بِمَيِّتٍ عُرِفَ ذَلِكَ فِينَا أَيَّامًا; لِأَنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ صَيَّرَهُ إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ إِلَى النَّارِ، وَإِنَّكُمْ فِي جَنَائِزِكُمْ تَتَحَدَّثُونَ بِأَحَادِيثَ دُنْيَاكُمْ.
وَقَالَ: لَا يَسْتَقِيمُ رَأْيٌ إِلَّا بِرِوَايَةٍ، وَلَا رِوَايَةٌ إِلَّا بِرَأْيٍ.
وَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَتَهَاوَنُ بِالتَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَاغْسِلْ يَدَيْكَ مِنْ فَلَاحِهِ.
وَقَالَ إِنِّي لَأَرَى الشَّيْءَ مِمَّا يُعَابُ فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ عَيْبِهِ إِلَّا مَخَافَةُ أَنْ أُبْتَلَى بِهِ.
وَبَكَى عِنْدَ مَوْتِهِ فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: انْتِظَارُ مَلَكِ الْمَوْتِ، مَا أَدْرِي يُبَشِّرُنِي بِجَنَّةٍ، أَوْ بِنَارٍ.
الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ
كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ، كَانَ الْمُقَدَّمَ عَلَى إِخْوَتِهِ فِي الْفَضْلِ، وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالِاخْتِلَافِ وَالْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ، وَكَانَ مِنْ
ظُرَفَاءِ بَنِي هَاشِمٍ وَعُقَلَائِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَقِبٌ.
قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَغَيْرُهُ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْإِرْجَاءِ.
وَكَتَبَ فِي ذَلِكَ رِسَالَةً ثُمَّ نَدِمَ عَلَيْهَا.
وَقَالَ غَيْرُهُمْ: كَانَ يَتَوَقَّفُ فِي عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، فَلَا يَتَوَلَّاهُمْ، وَلَا يَذُمُّهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَبَاهُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ ضَرَبَهُ فَشَجَّهُ، وَقَالَ: وَيْحَكَ، أَلَا تَتَوَلَّى أَبَاكَ عَلِيًّا؟
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ.
وَقَالَ خَلِيفَةُ: تُوُفِّيَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ
وَأُمُّهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَهِيَ أُخْتُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لِأُمِّهِ، وَكَانَ حُمَيْدٌ فَقِيهًا نَبِيلًا عَالِمًا، لَهُ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ.
مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ
تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ.
وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ لَهُمْ تَرَاجِمُ فِي كِتَابِ " التَّكْمِيلِ ".
وَفِيهَا كَانَ مَوْتُ الْحَجَّاجِ بِوَاسِطٍ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ مَبْسُوطًا مُسْتَقْصًى، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِيهَا كَانَ مَقْتَلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدَائِنِيِّ، وَجَمَاعَةٍ.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَانَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ]
[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]
وَفِيهَا فَتَحَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَاشْغَرَ مِنْ أَرْضِ الصِّينِ، وَبَعَثَ إِلَى مَلِكِ الصِّينِ رُسُلًا يَتَهَدَّدُهُ وَيَتَوَعَّدُهُ، وَيُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَطَأَ بِلَادَهُ، وَيَخْتِمَ مُلُوكَهُمْ وَأَشْرَافَهُمْ، وَيَأْخُذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ، أَوْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، فَدَخَلَ الرُّسُلُ عَلَى الْمَلِكِ الْأَعْظَمِ فِيهَا وَهُوَ فِي مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ يُقَالُ: إِنَّ عَلَيْهَا تِسْعِينَ بَابًا فِي سُورِهَا الْمُحِيطِ بِهَا يُقَالُ لَهَا: خَانُ بَالِقَ.
مِنْ أَعْظَمِ الْمُدُنِ، وَأَكْثَرِهَا رَيْعًا، وَمُعَامَلَاتٍ وَأَمْوَالًا، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ بِلَادَ الْهِنْدِ مَعَ اتِّسَاعِهَا كَالشَّامَةِ فِي مُلْكِ الصِّينِ.
وَالصِّينُ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى أَنْ يُسَافِرُوا فِي مُلْكِ غَيْرِهِمْ; لِكَثْرَةِ أَمْوَالِهِمْ وَمَتَاعِهِمْ، وَغَيْرُهُمْ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِمْ; لِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَتَاعِ وَالدُّنْيَا الْمُتَّسِعَةِ، وَسَائِرُ مُلُوكِ تِلْكَ الْبِلَادِ تُؤَدِّي إِلَى مَلِكِ الصِّينَ الْخَرَاجَ; لِقَهْرِهِ وَكَثْرَةِ جُنْدِهِ وَعُدَدِهِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الرُّسُلَ لَمَّا دَخَلُوا عَلَى مَلِكِ الصِّينِ وَجَدُوا مَمْلَكَةً عَظِيمَةً، وَجُنْدًا كَثِيرًا، وَمَدِينَةً حَصِينَةً ذَاتَ أَنْهَارٍ وَأَسْوَاقٍ، وَحُسْنٍ وَبَهَاءٍ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِي قَلْعَةٍ عَظِيمَةٍ حَصِينَةٍ، بِقَدْرِ مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ، فَقَالَ لَهُمْ مَلِكُ الصِّينِ: مَا أَنْتُمْ؟ وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ رَسُولٍ عَلَيْهِمْ هُبَيْرَةُ فَقَالَ الْمَلِكُ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ: مَا أَنْتُمْ وَمَا تُرِيدُونَ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ رُسُلُ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ يَدْعُوكَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ لَمْ