البداية والنهايةصفحات 150-189

َ فَتْحُ الرَّيِّ

صفحات 150-189

حَثِيثٌ، وَأَوْشَكَ أَنْ تَبْلُغَ الْمَدَى، فَيَلْحَقَ الطَّالِبُ، فَتَصِيرَ إِلَى مِنْ يَسْأَلُكُ عَمَّا كُنْتَ فِيهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ، وَإِنَّمَا هِيَ مُحَاسَبَةٌ وَتَوْقِيفٌ، فَلَا تُؤْثِرَنَّ عَلَى رِضَا اللَّهِ شَيْئًا.
ثُمَّ وَلَّى مُعَاوِيَةُ فِي آخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ الْبَصْرَةَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَرَادَ أَنْ يُوَلِّيَهَا لِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَامِرٍ: إِنَّ لِي بِهَا أَمْوَالًا وَوَدَائِعَ، وَإِنْ لَمْ تُوَلِّنِيهَا هَلَكَتْ.
فَوَلَّاهُ إِيَّاهَا وَأَجَابَهُ إِلَى سُؤَالِهِ فِي ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: إِنَّمَا حَجَّ بِهِمْ عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[وَمِنْ أَعْيَانِ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذَا الْعَامِ]

رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ: شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا.
رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ الْقُرَشِيُّ، وَهُوَ الَّذِي صَارَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَرَعَهُ، وَكَانَ رُكَانَةُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ، وَكَانَ صَرْعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، كَمَا قَدَّمْنَا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ.
أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، وَقِيلَ: قَبْلَ ذَلِكَ

بِمَكَّةَ لَمَّا صَرَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ، أَبُو وَهَبٍ الْقُرَشِيُّ، أَحَدُ الرُّؤَسَاءِ، تَقَدَّمَ أَنَّهُ هَرَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ الَّذِي اسْتَأْمَنَ لَهُ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ وَكَانَ صَاحِبُهُ وَصَدِيقُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدِمَ بِهِ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَاسْتَأْمَنَ لَهُ، فَأَمَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَاسْتَعَارَ مِنْهُ أَدْرُعًا وَسِلَاحًا وَمَالًا، وَحَضَرَ صَفْوَانُ حُنَيْنًا مُشْرِكًا، ثُمَّ أَسْلَمَ وَدَخَلَ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، فَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا كَانَ مِنْ سَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: ثُمَّ لَمْ يَزَلْ صَفْوَانُ مُقِيمًا بِمَكَّةَ حَتَّى تُوُفِّيَ بِهَا فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ.
عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ الْعَبْدَرِيُّ الْحَجَبِيُّ، أَسْلَمَ هُوَ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَمَانٍ قَبْلَ الْفَتْحِ.
وَقَدْ رَوَى الْوَاقِدِيُّ حَدِيثًا طَوِيلًا عَنْهُ فِي صِفَةِ إِسْلَامِهِ.
وَهُوَ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ عَامَ الْفَتْحِ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] . وَقَالَ لَهُ:

" «خُذْهَا يَا عُثْمَانُ خَالِدَةً تَالِدَةً، لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ» ". وَكَانَ عَلِيٌّ قَدْ طَلَبَهَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنَعَهُ ذَلِكَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: نَزَلَ الْمَدِينَةَ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا مَاتَ نَزَلَ بِمَكَّةَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ.
عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيُّ: كَانَ مِنَ الْعُبَّادِ الزُّهَّادِ، وَكَانَتْ لَهُ حُلَّةً بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ يَلْبَسُهَا إِذَا قَامَ إِلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَكَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ مَخَافَةَ الْخُيَلَاءِ، رَوَى عَنْ مُعَاذٍ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَالْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي " الزُّهْدِ ": ثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ عُمَيْرٍ وَضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ قَالَا: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَدْيِ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ.
عَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: وَهِيَ أُخْتُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَحَدُ الْعَشَرَةِ، أَسْلَمَتْ وَهَاجَرَتْ، وَكَانَتْ مِنْ حِسَانِ النِّسَاءِ وَعُبَّادِهِنَّ، تَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَتَتَيَّمَ بِهَا، فَلَمَّا قُتِلَ عَنْهَا فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ آلَتْ أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ بَعْدَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - وَهُوَ ابْنُ عَمِّهَا - فَتَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا

قُتِلَ عَنْهَا خَلَفَ بَعْدَهُ عَلَيْهَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، فَقُتِلَ عَنْهَا بِوَادِي السِّبَاعِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا عَلِيُّ بْنُ أَبَى طَالِبٍ يَخْطُبُهَا فَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ أَنْ تُقْتَلَ.
فَأَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ، وَلَوْ تَزَوَّجَتْهُ لَقُتِلَ عَنْهَا أَيْضًا، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ بِلَا زَوْجٍ حَتَّى مَاتَتْ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهَا اللَّهُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سُنَّةُ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ]

فِيهَا غَزَا الْمُسْلِمُونَ الْلَّانَ وَالرُّومَ، فَقَتَلُوا مِنْ أُمَرَائِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَغَنِمُوا وَسَلِمُوا.
وَفِيهَا وَلَّى مُعَاوِيَةُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ نِيَابَةَ الْمَدِينَةِ، وَعَلَى مَكَّةَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ هِشَامٍ، وَعَلَى الْكُوفَةِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَعَلَى قَضَائِهَا شُرَيْحٌ الْقَاضِي، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، وَعَلَى خُرَاسَانَ قَيْسُ بْنُ الْهَيْثَمِ مِنْ قِبَلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ وَاسْتَقْضَى مَرْوَانُ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ عُمَيْرَةُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَحَرَّكَتِ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ عَفَا عَنْهُمْ عَلِيٌّ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ وَقَدْ عُوفِيَ جَرْحَاهُمْ وَثَابَتْ إِلَيْهِمْ قُوَاهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَقْتَلُ عَلِيٍّ تَرَحَّمُوا عَلَى قَاتِلِهِ ابْنِ مُلْجَمٍ، وَقَالَ قَائِلُهُمْ: لَا يَقْطَعُ اللَّهُ يَدًا عَلَتْ قَذَالَ عَلِيٍّ بِالسَّيْفِ.
وَجَعَلُوا يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى قَتْلِ عَلِيٍّ، ثُمَّ عَزَمُوا عَلَى الْخُرُوجِ عَلَى النَّاسِ، وَتَوَافَقُوا عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فِيمَا يَزْعُمُونَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ زِيَادُ بْنُ أَبِيهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ قَدِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ قَرِيبًا مِنْ سَنَةٍ فِي قَلْعَةٍ عُرِفَتْ بِهِ يُقَالُ لَهَا: قَلْعَةُ زِيَادٍ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى أَنْ تُهْلِكَ نَفْسَكَ؟ أَقْدِمْ عَلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بِمَا صَارَ إِلَيْكَ مِنْ أَمْوَالِ فَارِسَ

وَمَا صَرَفْتَ مِنْهَا وَمَا بَقِيَ عِنْدَكَ، فَائْتِنِي بِهِ وَأَنْتَ آمِنٌ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُقِيمَ عِنْدَنَا فَعَلْتَ، وَإِلَّا ذَهَبْتَ حَيْثُمَا شِئْتَ مِنَ الْأَرْضِ فَأَنْتَ آمِنٌ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ أَزْمَعَ زِيَادٌ السَّيْرَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَبَلَغَ الْمُغِيرَةَ قُدُومَهُ، فَخَشِيَ أَنْ يَجْتَمِعَ بِمُعَاوِيَةَ قَبْلَهُ، فَسَارَ نَحْوَ دِمَشْقَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَسَبَقَهُ زِيَادٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِشَهْرٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْمُغِيرَةِ: مَا هَذَا وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْكَ وَأَنْتَ جِئْتَ بَعْدَهُ بِشَهْرٍ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ يَنْتَظِرُ الزِّيَادَةَ، وَأَنَا أَنْتَظِرُ النُّقْصَانَ.
فَأَكْرَمَ مُعَاوِيَةُ زِيَادًا، وَقَبَضَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَصَدَّقَهُ فِيمَا صَرَفَهُ وَمَا بَقِيَ عِنْدَهُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ]

فِيهَا غَزَا بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ بِلَادَ الرُّومِ، فَوَغَلَ فِيهَا حَتَّى بَلَغَ مَدِينَةَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَشَتَّى بِبِلَادِهِمْ فِيمَا زَعَمَهُ الْوَاقِدِيُّ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ آخَرُونَ، وَقَالُوا: لَمْ يَكُنْ بِهَا مَشْتًى لِأَحَدٍ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِيهَا مَاتَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِمِصْرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ.
قُلْتُ: وَسَنَذْكُرُ تَرْجَمَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي آخِرِهَا.
فَوَلَّى مُعَاوِيَةُ بَعْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَلَى دِيَارِ مِصْرَ وَلَدَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَعَمِلَ لَهُ عَلَيْهَا سَنَتَيْنِ.
وَقَدْ كَانَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ - وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْخَوَارِجِ وَجُنْدِ الْكُوفَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ صَمَّمُوا، كَمَا قَدَّمْنَا، عَلَى الْخُرُوجِ عَلَى النَّاسِ فِي هَذَا الْحِينِ، فَاجْتَمَعُوا فِي قَرِيبٍ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ، عَلَيْهِمُ الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ عُلَّفَةَ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ جُنْدًا عَلَيْهِمْ مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، وَقَدِمَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَبَا الرَّوَّاغِ فِي طَلِيعَةٍ، هِيَ ثَلَاثُمِائَةٌ عَلَى عِدَّةِ الْخَوَارِجِ، فَلَقِيَهُمْ أَبُو الرَّوَّاغِ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الْمَذَارُ.
فَاقْتَتَلُوا مَعَهُمْ، فَهَزَمَتْهُمُ الْخَوَارِجُ، ثُمَّ كَرُّوا عَلَيْهِمْ، فَهَزَمَتْهُمُ الْخَوَارِجُ، وَلَكِنْ لَمْ يُقْتَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَلَزِمُوا

مَكَانَهُمْ فِي مُقَابَلَتِهِمْ يَنْتَظِرُونَ قُدُومَ أَمِيرِ الْجَيْشِ مَعْقِلِ بْنِ قَيْسٍ عَلَيْهِمْ، فَمَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ إِلَّا فِي آخِرِ نَهَارٍ بَعْدَ أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَنَزَلَ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ، ثُمَّ شَرَعَ فِي مَدْحِ أَبِي الرَّوَّاغِ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنْ لَهُمْ شَدَّاتٍ مُنْكَرَةً، فَكُنْ أَنْتَ رِدْءَ النَّاسِ، وَمُرِ الْفُرْسَانَ فَلْيُقَاتِلُوا بَيْنَ يَدَيْكَ.
فَقَالَ مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ.
فَمَا كَانَ إِلَّا رَيْثَمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى حَمَلَتِ الْخَوَارِجُ عَلَى مَعْقِلٍ وَأَصْحَابِهِ، فَانْجَفَلَ عَنْهُ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ، فَتَرَجَّلَ عِنْدَ ذَلِكَ مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، الْأَرْضَ الْأَرْضَ.
فَتَرَجَّلَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُرْسَانِ وَالشُّجْعَانِ قَرِيبٌ مِنْ مِائَتَيْ فَارِسٍ مِنْهُمْ أَبُو الرَّوَّاغِ الشَّاكِرِيُّ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمُ الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ عُلَّفَةَ أَمِيرُ الْخَوَارِجِ بِأَصْحَابِهِ، فَاسْتَقْبَلُوهُمْ بِالرِّمَاحِ وَالسُّيُوفِ، وَلَحِقَ بَقِيَّةَ الْجَيْشِ بَعْضُ الْفُرْسَانِ، فَذَمَّرُهُمْ وَعَيَّرَهُمْ وَأَنَّبَهُمْ عَلَى الْفِرَارِ، فَرَجَعَ النَّاسُ إِلَى مَعْقِلٍ وَهُوَ يُقَاتِلُ الْخَوَارِجَ بِمَنْ مَعَهُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَالنَّاسُ يَتَرَاجَعُونَ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ، فَصَفَّهُمْ مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً وَرَتَّبَهُمْ وَقَالَ: لَا تَبْرَحُوا عَلَى مَصَافِّكُمْ حَتَّى نُصْبِحَ فَنَحْمِلَ عَلَيْهِمْ.
فَمَا أَصْبَحُوا حَتَّى هُزِمَتِ الْخَوَارِجُ، فَرَجَعُوا مِنْ حَيْثُ أَتَوْا، فَسَارَ مَعْقِلٌ فِي طَلَبِهِمْ، وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَبَا الرَّوَّاغِ فِي سِتِّمِائَةٍ، فَالْتَقَوْا بِهِمْ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَثَارَ إِلَيْهِمُ الْخَوَارِجُ، فَتَبَارَزُوا سَاعَةً، ثُمَّ حَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَصَبَرَ لَهُمْ أَبُو الرَّوَّاغِ بِمَنِّ مَعَهُ، وَجَعَلَ يُذَمِّرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْفِرَارِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الصَّبْرِ، فَصَبَرُوا وَصَدَقُوا فِي الثَّبَاتِ، حَتَّى رَدُّوا الْخَوَارِجَ إِلَى أَمَاكِنِهِمْ، فَلَمَّا رَأَتِ الْخَوَارِجُ ذَلِكَ خَافُوا مِنْ هُجُومِ مَعْقِلٍ عَلَيْهِمْ، فَمَا يَكُونُ دُونَ

قَتْلِهِمْ شَيْءٌ فَهَرَبُوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى قَطَعُوا دِجْلَةَ، وَوَقَعُوا فِي أَرْضِ بَهُرَسِيرَ، وَتَبِعَهُمْ أَبُو الرَّوَّاغِ، وَلَحِقَهُ مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ، وَوَصَلَتِ الْخَوَارِجُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْعَتِيقَةِ، فَرَكِبَ إِلَيْهِمْ سِمَاكُ بْنُ عُبَيْدٍ نَائِبُ الْمَدَائِنِ، وَلَحِقَهُمْ أَبُو الرَّوَّاغِ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُقَدِّمَةِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ نَائِبُ الْمَدِينَةِ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ بِهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
أَمَّا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ السَّهْمِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَيُقَالُ: أَبُو مُحَمَّدٍ.
أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلُوهُ إِلَى النَّجَاشِيِّ لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَنْ هَاجَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى بِلَادِهِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ لِعَدْلِهِ، وَوَعَظَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي ذَلِكَ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ هُوَ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيُّ.
وَكَانَ أَحَدَ أُمَرَاءِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ أَمِيرُ غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، وَأَمَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَدَدٍ، عَلَيْهِمْ أَبُو عُبَيْدَةَ وَمَعَهُ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ الْفَارُوقُ، وَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُمَانَ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا مُدَّةَ حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا الصِّدِّيقُ.

وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: ثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ثَنَا مِشْرَحُ بْنُ هَاعَانَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «: " أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ".» وَقَالَ أَيْضًا: ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ الْجُمَحِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ مِنْ صَالِحِي قُرَيْشٍ ".» وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «ابْنَا الْعَاصِ مُؤْمِنَانِ» وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «نِعْمَ أَهْلُ الْبَيْتِ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ» رَوَوْهُ فِي فَضَائِلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ثُمَّ إِنَّ الصِّدِّيقَ بَعَثَهُ فِي جُمْلَةِ مَنْ بَعَثَ مِنْ أُمَرَاءِ الْجَيْشِ إِلَى الشَّامِ، فَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ تِلْكَ الْحُرُوبَ، وَكَانَتْ لَهُ الْآرَاءُ السَّدِيدَةُ، وَالْمَوَاقِفُ الْحَمِيدَةُ، وَالْأَحْوَالُ السَّعِيدَةُ، ثُمَّ بَعَثَهُ عُمَرُ إِلَى مِصْرَ فَافْتَتَحَهَا وَاسْتَنَابَهُ عَلَيْهَا، وَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ عَزَلَهُ، كَمَا قَدَّمْنَا، وَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، فَاعْتَزَلَ عَمْرٌو بِفِلَسْطِينَ، وَبَقِيَ فِي نَفْسِهِ مِنْ عُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ سَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَشَهِدَ مَوَاقِفَهُ كُلَّهَا بِصِفِّينَ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ هُوَ أَحَدَ الْحَكَمَيْنِ، ثُمَّ لَمَّا أَنِ اسْتَرْجَعَ مُعَاوِيَةُ مِصْرَ وَانْتَزَعَهَا مِنْ يَدِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ اسْتَعْمَلَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَزَلْ نَائِبَهَا إِلَى أَنَّ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ.
وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ

وَأَرْبَعِينَ.
وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ.
رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ كَانَ مَعْدُودًا مِنْ دُهَاةِ الْعَرَبِ وَشُجْعَانِهِمْ وَذَوِي آرَائِهِمْ، وَلَهُ أَمْثَالٌ حَسَنَةٌ وَأَشْعَارٌ جَيِّدَةٌ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْفَ مَثَلٍ.
وَمِنْ شِعْرِهِ: إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَتْرُكْ طَعَامًا يُحِبُّهُ ... وَلَمْ يُنْهَ قَلْبًا غَاوِيًا حَيْثُ يَمَّمَا قَضَى وَطَرًا مِنْهُ وَغَادَرَ سُبَّةً ... إِذَا ذُكِرَتْ أَمْثَالُهَا تَمْلَأُ الْفَمَا وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ - أَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شِمَاسَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ الْوَفَاةُ بَكَى، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: لِمَ تَبْكِي؟ أَجَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنْ مِمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ.
فَقَالَ لَهُ: قَدْ كُنْتَ عَلَى خَيْرٍ.
فَجَعَلَ يُذَكِّرُهُ صُحْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفُتُوحَهُ الشَّامَ.
فَقَالَ عَمْرٌو: تَرَكْتَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ; شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّى كُنْتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَطْبَاقٍ، لَيْسَ فِيهَا طَبَقٌ إِلَّا عَرَفْتُ نَفْسِي فِيهِ، كُنْتُ أَوَّلَ شَيْءٍ كَافِرًا، وَكُنْتُ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَوْ مِتُّ حِينَئِذٍ وَجَبَتْ لِيَ النَّارُ، فَلَمَّا بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْتُ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً مِنْهُ، فَمَا مَلَأْتُ عَيْنَي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا رَاجَعْتُهُ فِيمَا أُرِيدُ، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ ; حَيَاءً مِنْهُ، فَلَوْ مِتُّ

يَوْمَئِذٍ قَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لِعَمْرٍو ; أَسْلَمَ وَكَانَ عَلَى خَيْرٍ فَمَاتَ عَلَيْهِ، نَرْجُو لَهُ الْجَنَّةَ.
ثُمَّ تَلَبَّسْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالسُّلْطَانِ وَأَشْيَاءَ، فَلَا أَدْرِي عَلَيَّ أَمْ لِي، فَإِذَا مِتُّ فَلَا تَبْكِيَنَّ عَلَيَّ بَاكِيَةٌ، وَلَا تُتْبِعْنِي مَادِحًا وَلَا نَارًا، وَشُدُّوا عَلَيَّ إِزَارِي فَإِنِّي مُخَاصِمٌ، وَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، فَإِنَّ جَنْبِي الْأَيْمَنَ لَيْسَ بِأَحَقَّ بِالتُّرَابِ مِنْ جَنْبِي الْأَيْسَرِ، وَلَا تَجْعَلُنَّ فِي قَبْرِي خَشَبَةً وَلَا حَجَرًا، وَإِذَا وَارَيْتُمُونِي فَاقْعُدُوا عِنْدِي قَدْرَ نَحْرِ جَزُورٍ وَتَقْطِيعِهَا ; أَسْتَأْنِسُ بِكُمْ.
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ، وَفِيهِ زِيَادَاتٌ عَلَى هَذَا السِّيَاقِ حَسَنَةٌ، فَمِنْهَا قَوْلُهُ: كَيْ أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ لِأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ بَعْدَ هَذَا حَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ وَجَعَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَمَرْتَنَا فَعَصَيْنَا، وَنَهَيْتَنَا فَمَا انْتَهَيْنَا، وَلَا يَسَعُنَا إِلَّا عَفْوُكَ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ الْغُلِّ مِنْ عُنُقِهِ، وَرَفَعَ رَأَسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا قَوِيٌّ فَأَنْتَصِرَ، وَلَا بَرِيءٌ فَأَعْتَذِرَ، وَلَا مُسْتَكْبِرٌ بَلْ مُسْتَغْفِرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ.
فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حَتَّى مَاتَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ، فَإِنَّهُ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَبْلَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا إِلَّا تَبُوكَ ; فَإِنَّهُ اسْتَخْلَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي قَوْلٍ، وَقِيلَ: اسْتَخْلَفَهُ فِي قَرْقَرَةِ الْكُدْرِ.
وَكَانَ فِيمَنْ قَتَلَ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ الْيَهُودِيَّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ الَّذِي قَتَلَ مَرْحَبًا الْيَهُودِيَّ يَوْمَ خَيْبَرَ أَيْضًا.
وَقَدْ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَحْوٍ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَرِيَّةً، وَكَانَ مِمَّنِ اعْتَزَلَ تِلْكَ الْحُرُوبَ بِالْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَغَيْرِهِمَا، وَاتَّخَذَ سَيْفًا مِنْ خَشَبٍ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ، وَخَرَجَ إِلَى الرَّبَذَةِ.
وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ هُوَ بَرِيدَ عُمَرَ إِلَى عُمَّالِهِ، وَهُوَ الَّذِي شَاطَرَهُمْ عَنْ أَمْرِهِ، وَلَهُ وَقَائِعُ عَظِيمَةٌ وَصِيَانَةٌ وَأَمَانَةٌ بَلِيغَةٌ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَاسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ عَلَى صَدَقَاتِ جُهَيْنَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ، وَتَرَكَ بَعْدَهُ عَشَرَةَ ذُكُورٍ وَسِتَّ بَنَاتٍ، وَكَانَ أَسْمَرَ شَدِيدَ السُّمْرَةِ طَوِيلًا أَصْلَعَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، أَبُو يُوسُفَ الْإِسْرَائِيلِيُّ، أَحَدُ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، كَانَ حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فِي نَخْلٍ لَهُ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَكُنْتُ فِيمَنِ انْجَفَلَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ وَجْهَهُ

عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشَوُا السَّلَامَ، وَأَطْعَمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ ".» وَقَدْ ذَكَرْنَا صِفَةَ إِسْلَامِهِ أَوَّلَ الْهِجْرَةِ، وَمَاذَا سَأَلَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَسْئِلَةِ النَّافِعَةِ الْحَسَنَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ، وَهُوَ مِمَّنْ يُقْطَعُ لَهُ بِدُخُولِهَا.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ]

فِيهَا غَزَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بِلَادَ الرُّومِ، وَمَعَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَشَتُّوا هُنَالِكَ.
وَفِيهَا غَزَا بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ فِي الْبَحْرِ.
وَفِيهَا عَزَلَ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ عَنْ إِمْرَةِ الْبَصْرَةِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ ظَهَرَ فِيهَا الْفَسَادُ بِسَبَبِ لَيِنَهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ لَيِّنَ الْعَرِيكَةِ، سَهْلًا كَرِيمًا، وَكَانَ لَا يَأْخُذُ عَلَى أَيْدَى السُّفَهَاءِ، وَلَا يَقْطَعُ لِصًّا، وَيُرِيدُ أَنْ يَتَأَلَّفَ النَّاسُ فَفَسَدَتِ الْبَصْرَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: شَكَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ إِلَى زِيَادٍ فَسَادَ النَّاسِ، فَقَالَ: جَرِّدْ فِيهِمُ السَّيْفَ.
فَقَالَ ابْنُ عَامِرٍ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُصْلِحَهُمْ بِفَسَادِ نَفْسِي.
قَالَ: فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْكَوَّاءِ فَشَكَاهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَعَزَلَ مُعَاوِيَةُ ابْنَ عَامِرٍ عَنِ الْبَصْرَةِ وَبَعْثَ إِلَيْهَا الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيَّ، وَيُقَالُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ اسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ لِيَزُورَهُ، فَقَدِمَ ابْنُ عَامِرٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ دِمَشْقَ، فَأَكْرَمَهُ وَرَدَّهُ عَلَى عَمَلِهِ، فَلَمَّا وَدَّعَهُ قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: ثَلَاثٌ أَسْأَلُكَهُنَّ فَقُلْ: هُنَّ لَكَ.
قَالَ: هُنَّ لَكَ وَأَنَا ابْنُ أُمِّ حَكِيمٍ.
قَالَ: مُعَاوِيَةُ: تَرُدُّ عَلَيَّ عَمَلِي وَلَا تَغْضَبْ.
قَالَ ابْنُ عَامِرٍ: قَدْ فَعَلْتُ.
قَالَ: وَتَهَبُ لِي مَالَكَ بِعَرَفَةَ.
قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ.
قَالَ:

وَتَهَبُ لِي دَوْرَكَ بِمَكَّةَ.
قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ.
فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: وَصَلَتْكَ رَحِمٌ.
فَقَالَ ابْنُ عَامِرٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّى سَائِلُكَ ثَلَاثًا فَقُلْ: هِيَ لَكَ.
قَالَ: هُنَّ لَكَ وَأَنَا ابْنُ هِنْدٍ.
قَالَ: تَرُدُّ عَلَيَّ مَالِي بِعَرَفَةَ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ قَالَ: وَلَا تُحَاسِبْ لِي عَامِلًا وَلَا تَتَّبِعْ لِي أَثَرًا.
قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ.
قَالَ: وَتُنْكِحُنِي ابْنَتَكَ هِنْدًا.
قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ.
وَيُقَالُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ خَيَّرَهُ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلَاثِ وَبَيْنَ الْوِلَايَةِ عَلَى الْبَصْرَةِ، فَاخْتَارَ هَذِهِ الثَّلَاثَ، وَانْعَزَلَ عَنِ الْبَصْرَةِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَلْحَقَ مُعَاوِيَةُ زِيَادَ ابْنِ أَبِيهِ فَأَلْحَقَهُ بِأَبِي سُفْيَانَ.
وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَى إِقْرَارِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ عَاهَرَ بِسُمَيَّةَ أُمِّ زِيَادٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَّهَا حَمَلَتْ بِزِيَادٍ هَذَا مِنْ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا اسْتَلْحَقَهُ مُعَاوِيَةُ قِيلَ لَهُ: زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ.
وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يُنْكِرُ هَذَا الِاسْتِلْحَاقَ، وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ".» وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا هُشَيْمٌ، ثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: لَمَّا ادَّعَى زِيَادٌ لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمْعُ أُذُنِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «مَنِ ادَّعَى أَبًا فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ ".» فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَخْرَجْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْهُمَا.
قُلْتُ: أَبُو بَكْرَةَ

اسْمُهُ نُفَيْعٌ، وَاسْمُ أُمِّهِ سُمَيَّةُ أَيْضًا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُعَاوِيَةُ.
وَفِيهَا عَمِلَ مُعَاوِيَةُ الْمَقْصُورَةَ بِالشَّامِ، وَعَمِلَ مَرْوَانُ مَثَلَهَا بِالْمَدِينَةِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَاسْمُهَا رَمْلَةُ، أُخْتُ مُعَاوِيَةَ.
أَسْلَمَتْ قَدِيمًا، وَهَاجَرَتْ هِيَ وَزَوْجُهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَتَنَصَّرَ هُنَاكَ زَوجُهَا، وَثَبَتَتْ هِيَ عَلَى دِينِهَا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَحَبِيبَةُ هِيَ أَكْبَرُ أَوْلَادِهَا مِنْهُ، وَلَدَتْهَا بِالْحَبَشَةِ.
وَقِيلَ: بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ.
وَمَاتَ زَوْجُهَا هُنَالِكَ، لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَبَّحَهُ.
وَلَمَّا تَأَيَّمَتْ بَعْدَ زَوْجِهَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إِلَى النَّجَاشِيِّ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ، وَوَلِيَ الْعَقْدَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ النَّجَاشِيُّ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَحَمَلَهَا إِلَيْهِ فِي سَنَةِ سَبْعٍ، وَلَمَّا جَاءَ أَبُوهَا عَامَ الْفَتْحِ لِيَشُدَّ الْعَقْدَ، دَخَلَ عَلَيْهَا، فَثَنَتْ عَنْهُ فِرَاشَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهَا: وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ، مَا أَدْرِي أَرَغِبْتِ بِهَذَا الْفِرَاشِ عَنِّي أَمْ بِي عَنْهُ؟ ! فَقَالَتْ: بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْتَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ.
فَقَالَ لَهَا: وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةَ لَقَدْ لَقِيتِ بَعْدِي شَرًّا.
وَقَدْ كَانَتْ مِنْ سَيِّدَاتِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنَ الْعَابِدَاتِ الْوَرِعَاتِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ:

دَعَتْنِي أُمُّ حَبِيبَةَ عِنْدَ مَوْتِهَا فَقَالَتْ: قَدْ يَكُونُ بَيْنَنَا مَا يَكُونُ بَيْنَ الضَّرَائِرِ.
فَقُلْتُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكِ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَتَجَاوَزَ وَحَلَّلَكِ.
فَقَالَتْ: سَرَرْتِنِي سَرَّكِ اللَّهُ.
وَأَرْسَلَتْ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ]

فِيهَا وَلَّى مُعَاوِيَةُ الْبَصْرَةَ لِلْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ، ثُمَّ عَزَلَهُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَوَلَّى زِيَادًا، فَقَدِمَ زِيَادٌ الْكُوفَةَ وَعَلَيْهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَأَقَامَ بِهَا لِيَأْتِيَهُ رَسُولُ مُعَاوِيَةَ بِوِلَايَةِ الْبَصْرَةِ، فَظَنَّ الْمُغِيرَةُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَلَى إِمْرَةِ الْكُوفَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ لِيَعْلَمَ لَهُ خَبَرَهُ، فَاجْتَمَعَ بِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ، فَجَاءَ الْبَرِيدُ إِلَى زِيَادٍ أَنَّ يَسِيرَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ، ثُمَّ جَمَعَ لَهُ الْهِنْدَ وَالْبَحْرَيْنَ وَعُمَانَ.
وَدَخَلَ زِيَادٌ الْبَصْرَةَ فِي مُسْتَهَلِّ جُمَادَى الْأُولَى، فَقَامَ فِي أَوَّلِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا، وَقَدْ وَجَدَ الْفِسْقَ ظَاهِرًا فِي الْبَصْرَةِ، فَقَالَ فِيهَا: أَيُّهَا النَّاسُ، كَأَنَّكُمْ لَمْ تُسْمِعُوا مَا أَعَدَّ اللَّهُ مِنَ الثَّوَابِ لِأَهْلِ الطَّاعَةِ، وَالْعَذَابِ لِأَهْلِ الْمَعْصِيَةِ، أَتَكُونُونَ كَمَنْ طَرَفَتْ عَيْنُهُ الدُّنْيَا، وَسَدَّتْ مَسَامِعَهَ الشَّهَوَاتُ فَاخْتَارَ الْفَانِيَةَ عَلَى الْبَاقِيَةِ.
ثُمَّ مَا زَالَ يُقِيمُ أَمْرَ السُّلْطَانِ وَيُجَرِّدُ السَّيْفَ حَتَّى خَافَهُ النَّاسُ خَوْفًا عَظِيمًا، وَتَرَكُوا مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ، وَاسْتَعَانَ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَوَلَّى عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ الْقَضَاءَ بِالْبَصْرَةِ، وَوَلَّى الْحَكَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ نِيَابَةَ خُرَاسَانَ، وَوَلَّى سَمُرَةَ بْنَ جُنْدَبٍ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ.
وَكَانَ زِيَادٌ حَازِمَ الرَّأْيِ، ذَا هَيْبَةَ، دَاهِيَةً، وَكَانَ مُفَوَّهًا فَصِيحًا بَلِيغًا ; قَالَ

الشَّعْبِيُّ: مَا سَمِعْتُ مُتَكَلِّمًا قَطُّ تَكَلَّمَ فَأَحْسَنَ إِلَّا أَحْبَبْتُ أَنْ يَسْكُتَ ; خَوْفًا مِنْ أَنْ يُسِيءَ إِلَّا زِيَادًا ; فَإِنَّهُ كَانَ كُلَّمَا أَكْثَرَ كَانَ أَجْوَدَ كَلَامًا.
وَقَدْ كَانَتْ لَهُ وَجَاهَةٌ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو نَائِبُ زِيَادٍ عَلَى خُرَاسَانَ جَبَلَ الْأَشَلِّ، عَنْ أَمْرِ زِيَادٍ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَغَنِمَ أَمْوَالًا جَمَّةً، فَكَتَبَ إِلَيْهِ زِيَادٌ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ جَاءَ كِتَابَهُ أَنَّ يُصْطَفَى لَهُ كُلُّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ - يَعْنِي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ - يُجْمَعُ كُلُّهُ مِنْ هَذِهِ الْغَنِيمَةِ لِبَيْتِ الْمَالِ.
فَكَتَبَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو إِلَيْهِ: إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ مُقَدَّمٌ عَلَى كِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَوْ كَانَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ عَلَى عَبْدٍ فَاتَّقَى اللَّهَ، لَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا.
ثُمَّ نَادَى فِي النَّاسِ أَنِ اغْدُوَا عَلَى قَسْمِ غَنِيمَتِكُمْ.
فَقَسَّمَهَا بَيْنَهُمْ، وَخَالَفَ زِيَادًا فِيمَا كَتَبَ إِلَيْهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَعَزَلَ الْخُمُسَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ الْحَكَمُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ لِي عِنْدَكَ خَيْرٌ فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ.
فَمَاتَ بِمَرْوَ مِنْ خُرَاسَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَكَانَ نَائِبَ الْمَدِينَةَ.
وَكَانَتِ الْوُلَاةُ وَالْعُمَّالُ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ.

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ أَحَدُ كُتَّابِ الْوَحْيِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرْجَمَتَهُ فِيهِمْ فِي أَوَاخِرِ السِّيرَةِ، وَهُوَ الَّذِي كَتَبَ هَذَا الْمُصْحَفَ الْإِمَامَ الَّذِي بِالشَّامِ، عَنْ أَمْرِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَهُوَ خَطٌّ جَيِّدٌ قَوِّيٌّ جِدًّا فِيمَا رَأَيْتُهُ، وَقَدْ كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ ذَكَاءً، تَعَلَّمَ لِسَانَ يَهُودَ وَكِتَابَهُمْ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ: تَعَلَّمَ الْفَارِسِيَّةَ مِنْ رَسُولِ كِسْرَى فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَتَعَلَّمَ الْحَبَشِيَّةَ وَالرُّومِيَّةَ وَالْقِبْطِيَّةَ مِنْ خُدَّامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْخَنْدَقُ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ: " وَأَعْلَمَهُمْ بِالْفَرَائِضِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ". وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَلَى الْقَضَاءِ.
وَقَالَ مَسْرُوقٌ: كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَخَذَ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِالرِّكَابِ فَقَالَ لَهُ: تَنَحَّ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ: لَا هَكَذَا نَفْعَلُ بِعُلَمَائِنَا وَكُبَرَائِنَا.

وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ أَفْكَهِ النَّاسِ فِي بَيْتِهِ، وَمَنْ أَزْمَتِهِ إِذَا خَرَجَ إِلَى الرِّجَالِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى الصَّلَاةِ، فَوَجَدَ النَّاسَ رَاجِعِينَ مِنْهَا، فَتَوَارَى عَنْهُمْ وَقَالَ: مَنْ لَا يَسْتَحِي مِنَ النَّاسِ لَا يَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ.
مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ خَمَسٍ وَخَمْسِينَ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ قَارَبَ السِّتِّينَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ نَائِبُ الْمَدِينَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ مَاتَ الْيَوْمَ عَلَمٌ كَثِيرٌ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَاتَ حَبْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَفِيهَا مَاتَ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، عَنْ سَبْعِينَ سَنَةً، وَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَلَا عَقِبَ لَهُ.
وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَرَجَ إِلَى بَدْرٍ عَلَى قُبَاءَ وَأَهْلِ الْعَالِيَةِ، وَشَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا، وَتُوُفِّيَ عَنْ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَقَدْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَمَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ إِلَى مَسْجِدِ الضِّرَارِ فَحَرَّقَاهُ.

وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَتْ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، وَهَاجَرَتْ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا بَعْدَ بَدْرٍ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عُدَّتُهَا عَرَضَهَا أَبُوهَا عَلَى عُثْمَانَ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجَتِهِ رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَبَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَعَرَضَهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَمَا كَانَ عَنْ قَرِيبٍ حَتَّى خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَزَوَّجَهَا، فَعَاتَبَ عُمَرُ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَدْ ذَكَرَهَا، فَمَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ تَرَكَهَا لَتَزَوَّجْتُهَا.
وَقَدْ رَوَيْنَا فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا» . وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَهُ بِمُرَاجَعَتِهَا، وَقَالَ: إِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ، وَهِيَ زَوْجَتُكَ فِي الْجَنَّةِ» . وَقَدْ أَجْمَعَ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتِّينَ سَنَةً.
وَقِيلَ: إِنَّهَا تُوُفِّيَتْ أَيَّامَ عُثْمَانَ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ]

فِيهَا شَتَّى الْمُسْلِمُونَ بِبِلَادِ الرُّومِ مَعَ أَمِيرِهِمْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَقِيلَ: كَانَ أَمِيرُهُمْ غَيْرَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَخُو مُعَاوِيَةَ، وَالْعُمَّالُ عَلَى الْبِلَادِ هُمُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمْ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، أَحَدُ الْبَكَّائِينَ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ كُلِّهَا.
سُرَاقَةُ بْنُ كَعْبٍ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا.
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَعْرُوفِينَ وَالْأَبْطَالِ الْمَشْهُورِينَ كَأَبِيهِ، وَكَانَ قَدْ عَظُمَ بِبِلَادِ الشَّامِ كَذَلِكَ حَتَّى خَافَ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ، وَمَاتَ وَهُوَ مَسْمُومٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ وَأَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ: أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبَى عُمَرَ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ قَيْسٍ رَوَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحِجَامَةِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَهُوَ مُنْقَطِعٌ.
يَعْنِي مُرْسَلًا.

وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: كَانَ عَظِيمَ الْقَدْرِ فِي أَهْلِ الشَّامِ، شَهِدَ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ كَعْبُ بْنُ جُعَيْلٍ مَدَّاحًا لَهُ وَلِأَخَوَيْهِ مُهَاجِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ.
وَقَالَ ابْنُ سُمَيْعٍ: كَانَ يَلِي الصَّوَائِفَ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ، وَقَدْ حَفِظَ عَنْ مُعَاوِيَةَ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ ابْنُ أُثَالٍ - وَكَانَ رَئِيسَ الذِّمَّةِ بِأَرْضِ حِمْصَ - سَقَاهُ شَرْبَةً فِيهَا سُمٌّ فَمَاتَ.
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ مُعَاوِيَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَصِحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَثَاهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: أَبُوكَ الَّذِي قَادَ الْجُيُوشَ مَغْرِبًا ... إِلَى الرُّومِ لَمَّا أَعْطَتِ الْخَرْجَ فَارِسُ وَكَمْ مِنْ فَتًى نَبَّهْتَهُ بَعْدَ هَجْعَةٍ ... بِقَرْعِ اللِّجَامِ وَهُوَ أَكْتَعُ نَاعِسُ وَمَا يَسْتَوِي الصَّفَّانِ صَفٌّ لِخَالِدٍ ... وَصَفٌّ عَلَيْهِ مِنْ دِمَشْقَ الْبَرَانِسُ وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: مَا فَعَلَ ابْنُ أَثَالٍ؟ فَسَكَتَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حِمْصَ فَثَارَ عَلَى ابْنِ أُثَالٍ فَقَتَلَهُ، فَحَبَسَهُ مُعَاوِيَةُ ثُمَّ أَطْلَقَهُ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ،

فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: مَا فَعَلَ ابْنُ أُثَالٍ؟ فَقَالَ: قَدْ كَفَيْتُكَ إِيَّاهُ، وَلَكِنْ مَا فَعَلَ ابْنُ جُرْمُوزٍ؟ فَسَكَتَ عُرْوَةُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فِي قَوْلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ الْعَبْدِيُّ، كَانَ أَحَدَ عُمَّالِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَلَقِيَ - أُوَيْسًا الْقَرْنِيَّ، وَكَانَ مِنْ عُقَلَاءِ النَّاسِ وَعُلَمَائِهِمْ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا دُفِنَ جَاءَتْ سَحَابَةٌ فَرَشَّتْ قَبْرَهُ وَحْدَهُ، وَنَبَتَ الْعُشْبُ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ]

فِيهَا شَتَّى الْمُسْلِمُونَ بِبِلَادِ الرُّومِ.
وَفِيهَا عَزَلَ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ دِيَارِ مِصْرَ، وَوَلَّى عَلَيْهَا مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَقِيلَ: أَخُوهُ عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ، كَانَ مِنْ سَادَاتِ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، وَكَانَ مِمَّنْ حَرَّمَ الْخَمْرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سَكِرَ يَوْمًا، فَعَبِثَ بِذَاتِ مَحْرَمٍ مِنْهُ، فَهَرَبَتْ مِنْهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَحَرَّمَهَا، وَأَنْشَدَ ذَلِكَ: رَأَيْتُ الْخَمْرَ مَصْلَحَةً وَفِيهَا ... مَقَابِحُ تَفْضَحُ الرَّجُلَ الْكَرِيمَا فَلَا وَاللَّهِ أَشْرَبُهَا حَيَاتِي ... وَلَا أَشْفِي بِهَا أَبَدًا سَقِيمًا وَكَانَ إِسْلَامُهُ مَعَ وَفْدِ بَنَى تَمِيمٍ، وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «هَذَا سَيِّدُ أَهْلِ الْوَبَرِ ".» وَكَانَ جَوَادًا مُمَدَّحًا كَرِيمًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّاعِرُ يَوْمَ مَاتَ:

فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ وَاحِدٍ ... وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْعَلَاءِ يَقُولَانِ: قِيلَ لِلْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ: مِمَّنْ تَعَلَّمْتِ الْحِلْمَ؟ قَالَ: مِنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيِّ ; لَقَدِ اخْتَلَفْنَا إِلَيْهِ فِي الْحُكْمِ كَمَا يُخْتَلَفُ إِلَى الْفُقَهَاءِ فِي الْفِقْهِ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَهُ يَوْمًا وَهُوَ قَاعِدٌ بِفِنَائِهِ مُحْتَبٍ بِكِسَائِهِ، إِذْ أَتَتْهُ جَمَاعَةٌ فِيهِمْ مَقْتُولٌ وَمَكْتُوفٌ، فَقَالُوا: هَذَا ابْنُكَ قَتَلَهُ ابْنُ أَخِيكَ.
قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَّ حَبَوْتَهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ كَلَامِهِ، ثُمَّ الْتَفَتْ إِلَى ابْنٍ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ فَقَالَ: أَطْلِقْ عَنِ ابْنِ عَمِّكَ، وَوَارِ أَخَاكَ، وَاحْمِلْ إِلَى أُمِّهِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا غَرِيبَةٌ.
ثُمَّ نَظَرَ لَهُ فَقَالَ: نَقَصْتَ عَدَدَكَ، وَقَطَعْتَ رَحِمَكَ، وَعَصَيْتَ رَبَّكَ، وَأَطَعْتَ شَيْطَانَكَ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَلَسَ حَوْلَهُ بَنُوهُ، وَكَانُوا اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ذَكَرًا، فَقَالَ لَهُمْ: يَا بَنِيَّ، سَوِّدُوا عَلَيْكُمْ أَكْبَرَكُمْ تَخْلُفُوا أَبَاكُمْ، وَلَا تَسُوِّدُوا أَصْغَرَكُمْ فَيَزْدَرِي بِكُمْ أَكْفَاؤُكُمْ، وَعَلَيْكُمْ بِالْمَالِ وَاصْطِنَاعِهِ فَإِنَّهُ مَأْبَهَةٌ لِلْكَرِيمِ، وَيُسْتَغْنَي بِهِ عَنِ اللَّئِيمِ، وَإِيَّاكُمْ وَمَسْأَلَةَ النَّاسِ ; فَإِنَّهَا مِنْ أَخَسِّ مَكْسَبَةِ الرَّجُلِ، وَلَا تَنُوحُوا عَلَيَّ ; فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنَحْ عَلَيْهِ، وَلَا تَدْفِنُونِي حَيْثُ يَشْعُرُ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ ; فَإِنِّي كُنْتُ أُعَادِيهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:

عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ قَيْسُ بْنَ عَاصِمٍ ... وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا تَحِيَّةَ مَنْ أَوْلَيْتَهُ مِنْكَ مِنَّةً ... إِذَا ذُكِرَتْ أَمْثَالُهَا تَمْلَأُ الْفَمَا فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ وَاحِدٍ ... وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ]

فِيهَا شَتَّى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَيْنِيُّ بِالْمُسْلِمِينَ بِبِلَادِ أَنْطَاكِيَةَ.
وَفِيهَا غَزَا عُقَبَةُ بْنُ عَامِرٍ بِأَهْلِ مِصْرَ الْبَحْرَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ نَائِبُ الْمَدِينَةِ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]

فِيهَا غَزَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بِلَادَ الرُّومِ حَتَّى بَلَغَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ ; ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَوَّلُ جَيْشٍ يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ» فَكَانَ هَذَا الْجَيْشُ أَوَّلَ مَنْ غَزَاهَا، وَمَا وَصَلُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَلَغُوا الْجَهْدَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَقِيلَ: لَمْ يَمُتْ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، بَلْ بَعْدَهَا سَنَةَ إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ كَمَا سَيَأْتِي.
وَفِيهَا عَزَلَ مُعَاوِيَةُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ عَنِ الْمَدِينَةِ وَوَلَّى عَلَيْهَا سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَاسْتَقْضَى سَعِيدٌ عَلَيْهَا أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
وَفِيهَا شَتَّى مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيُّ بِأَرْضِ الرُّومِ.
وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَشَتَّى هُنَالِكَ، فَفَتَحَ الْبَلَدَ وَغَنِمَ شَيْئًا كَثِيرًا.
وَفِيهَا كَانَتْ صَائِفَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُرْزٍ الْبَجَلِيِّ.

وَفِيهَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالْكُوفَةِ، فَخَرَجَ مِنْهَا الْمُغِيرَةُ فَارًّا، فَلَمَّا ارْتَفَعَ الطَّاعُونُ رَجَعَ إِلَيْهَا، فَأَصَابَهُ الطَّاعُونُ فَمَاتَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ كَمَا سَيَأْتِي.
فَجَمَعَ مُعَاوِيَةُ لِزِيَادٍ الْكُوفَةَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مِنْ جُمِعَ لَهُ بَيْنَهُمَا، فَكَانَ زِيَادٌ يُقِيمُ فِي هَذِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَفِي هَذِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ يَسْتَخْلِفُ عَلَى الْبَصْرَةِ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدَبٍ وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ.

[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ]

الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ، سِبْطُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ابْنُ ابْنَتِهِ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ وَرَيْحَانَتُهُ، وَأَشْبَهُ خَلْقِ اللَّهِ بِهِ فِي وَجْهِهِ، وُلِدَ لِلنِّصْفِ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَحَنَّكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِيقِهِ، وَسَمَّاهُ حَسَنًا، وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِ أَبَوَيْهِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا حَتَّى كَانَ يُقَبِّلُ زَبِيبَتَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَرُبَّمَا مَصَّ لِسَانَهُ وَاعْتَنَقَهُ وَدَاعَبَهُ، وَرُبَّمَا جَاءَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ فِي الصَّلَاةِ فَيَرْكَبُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيُقِرُّهُ عَلَى ذَلِكَ وَيُطِيلُ السُّجُودَ مِنْ أَجْلِهِ، وَرُبَّمَا صَعِدَ مَعَهُ إِلَى الْمِنْبَرِ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، «بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ إِذْ رَأَى الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ مُقْبِلِينِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمَا فَاحْتَضَنَهُمَا، وَأَخَذَهُمَا مَعَهُ إِلَى الْمِنْبَرِ، وَقَالَ: " صَدَقَ اللَّهُ ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15] ، إِنِّي رَأَيْتُ هَذَيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَلَمْ أَمْلِكْ أَنْ نَزَلْتُ إِلَيْهِمَا ". ثُمَّ قَالَ: " إِنَّكُمْ لِمَنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَإِنَّكُمْ لَتُبَخِّلُونَ وَتُجَبِّنُونَ» . وَقَدْ ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعِيدِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّى بِهِمُ الْعَصْرَ - بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَيَالٍ - ثُمَّ خَرَجَ هُوَ وَعَلِيٌّ يَمْشِيَانِ، فَرَأَى الْحَسَنَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَاحْتَمَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: بِأَبِي بِأَبِي شِبْهُ النَّبِيِّ، لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِيٍّ.
قَالَ: وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ.
وَرَوَى سُفْيَانُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: ثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ،

سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يُشْبِهُهُ.» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ.
قَالَ وَكِيعٌ: لَمْ يَسْمَعْ إِسْمَاعِيلُ مِنْ أَبِي جُحَيْفَةَ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، ثَنَا زَمْعَةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَانَتْ فَاطِمَةُ تَنْقُزُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَتَقُولُ: يَا بِأَبِي شِبْهُ النَّبِيِّ ... لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِيِّ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ أَشْبَهَهُمْ وَجْهًا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِنَحْوِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا حَجَّاجٌ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هَانِئٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «الْحَسَنُ أَشْبَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ، وَالْحُسَيْنُ أَشْبَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ» . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ،

وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: ثَنَا قَيْسٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ أَشْبَهَ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجْهِهِ إِلَى سُرَّتِهِ، وَكَانَ الْحُسَيْنُ أَشْبَهَ النَّاسِ بِهِ مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ» . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، «أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ كَانَ يُشْبِهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» . وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ، ثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا تَمِيمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، يُحَدِّثُهُ أَبُو عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيَقْعُدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّنَا ثُمَّ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا ".» وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ النَّهْدِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ عَارِمٌ بِهِ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَمُسَدَّدٍ، عَنْ مُعْتَمِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ، فَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا تَمِيمَةَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي رِوَايَةٍ «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا ".»

وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ» أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ.
وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنِ الْبَرَاءِ، فَزَادَ: «وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ ".» وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «قَالَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأُحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ ".» وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ، وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو النَّضْرِ، ثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ فَانْصَرَفَ وَانْصَرَفْتُ مَعَهُ، فَجَاءَ إِلَى فِنَاءِ فَاطِمَةَ، فَنَادَى الْحَسَنَ فَقَالَ: " أَيْ لُكَعُ، أَيْ لُكَعُ، أَيْ لُكَعُ ". فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَانْصَرَفَ وَانْصَرَفْتُ مَعَهُ، فَجَاءَ إِلَى فِنَاءِ عَائِشَةَ فَقَعَدَ.
قَالَ: فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ظَنَنَّا أَنَّ أُمَّهُ حَبَسَتْهُ لِتَجْعَلَ فِي عُنُقِهِ السِّخَابَ، فَلَمَّا دَخَلَ الْتَزَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْتَزَمَ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ:» «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ ".» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا حَمَّادٌ الْخَيَّاطُ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نُعَيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ مُتَّكِئًا عَلَى يَدِي، فَطَافَ فِيهَا، ثُمَّ رَجَعَ فَاحْتَبَى فِي الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: " أَيْنَ لُكَاعُ؟ ادْعُوَا لِي لُكَاعُ ". فَجَاءَ الْحَسَنُ فَاشْتَدَّ حَتَّى وَثَبَ فِي حَبْوَتِهِ، فَأَدْخَلَ فَمَهُ فِي فَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ " ثَلَاثًا.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا رَأَيْتُ الْحَسَنَ إِلَّا فَاضَتْ عَيْنِي.
أَوْ قَالَ: دَمَعِتْ عَيْنِي.
أَوْ: بَكَيْتُ» . وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ، وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ نُعَيمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ.
وَرَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ،

عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ.
وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ نَحْوًا مِنْ هَذَا السِّيَاقِ.
وَرَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْكَنَّاتِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنَحْوِهِ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَبَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي» غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، ثَنَا الْحَجَّاجُ - يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ - عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ، هَذَا عَلَى عَاتِقِهِ وَهَذَا عَلَى عَاتِقِهِ، وَهُوَ يَلْثَمُ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْنَا، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُحِبُّهُمَا.
فَقَالَ: " مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي» . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلَّى، فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، فَجَعَلَا يَتَوَثَّبَانِ عَلَى ظَهْرِهِ إِذَا سَجَدَ، فَأَرَادَ النَّاسُ زَجْرَهُمَا، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ لِلنَّاسِ: " هَذَانِ ابْنَايَ، مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي» . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَاصِمٍ بِهِ.
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ أُمَّيِ الْمُؤْمِنِينَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَمَلَ عَلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَأُمِّهِمَا وَأَبِيهِمَا، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ، ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى سَيِّدِ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ» . وَقَدْ رَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ جَابِرٍ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ.
وَجَاءَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَأَبِي سَعِيدٍ وَبُرَيْدَةَ وَحُذَيْفَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا» . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ: ثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ،

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ قَالَ «جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَسْعَيَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، فَجَعَلَ يَدَهُ فِي رَقَبَتِهِ، ثُمَّ ضَمَّهُ إِلَى إِبِطِهِ، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ فَجَعَلَ يَدَهُ الْأُخْرَى فِي رَقَبَتِهِ، ثُمَّ ضَمَّهُ إِلَى إِبِطِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ هَذَا، ثُمَّ قَبَّلَ هَذَا، ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا ". ثُمَّ قَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ مَجْهَلَةٌ» . وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي خُثَيمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ خَلَفٍ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ حَسَنًا فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: " إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ» . وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ ثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ، ثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ (ح) وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: ثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ: ثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَعَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ، يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمَا فَأَخَذَهُمَا، فَوَضَعَهُمَا فِي حِجْرِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قَالَ: " صَدَقَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15] . رَأَيْتُ هَذَيْنِ الصَّبَّيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ عَنْهُمَا ". ثُمَّ أَخَذَ فِي خُطْبَتِهِ» وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ بِهِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ.
وَقَدْ رَوَاهُ

جارٍ التحميل