البداية والنهايةصفحات 390-429

َ فَتْحُ الرَّيِّ

صفحات 390-429

وَخَمْسِينَ.
قَالُوا: وَصَلَّى عَلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ نَائِبُ الْمَدِينَةِ وَفِي الْقَوْمِ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو سَعِيدٍ وَخَلْقٌ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي دَارِهِ بِالْعَقِيقِ، فَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ دُفِنَ بِالْبَقِيعِ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ.
وَكَتَبَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِوَفَاةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ أَنِ انْظُرْ وَرَثَتَهُ فَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ، وَاصْرِفْ إِلَيْهِمْ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَحْسِنْ جِوَارَهُمْ، وَاعْمَلْ إِلَيْهِمْ مَعْرُوفًا ; فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّنْ نَصَرَ عُثْمَانَ، وَكَانَ مَعَهُ فِي الدَّارِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

[سَنَةُ سِتِّينَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]

فِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَدِينَةَ سُورِيَّةَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِيهَا دَخَلَ جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ جَزِيرَةَ رُودِسَ وَهَدَمَ مَدِينَتَهَا.
وَفِيهَا أَخَذَ مُعَاوِيَةُ الْبَيْعَةَ لِيَزِيدَ مِنَ الْوَفْدِ الَّذِينَ قَدِمُوا صُحْبَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ إِلَى دِمَشْقَ.
وَفِيهَا مَرِضَ مُعَاوِيَةُ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فِي رَجَبٍ مِنْهَا، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.
فَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِخْنَفٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ مُسَاحِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا مَرِضَ مَرْضَتَهُ الَّتِي هَلَكَ فِيهَا، دَعَا ابْنَهُ يَزِيدَ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي قَدْ كَفَيْتُكَ الرِّحْلَةَ وَالرِّجَالَ، وَوَطَّأْتُ لَكَ الْأَشْيَاءَ، وَذَلَّلْتُ لَكَ الْأَعْدَاءَ، وَأَخْضَعْتُ لَكَ أَعْنَاقَ الْعَرَبِ، وَإِنِّي لَا أَتَخَوَّفُ أَنْ يُنَازِعَكَ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي اسْتَتَبَّ لَكَ إِلَّا أَرْبَعَةُ نَفَرٍ ; الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ - كَذَا قَالَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ قَبْلَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ بِسَنَتَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَا - فَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَرَجُلٌ قَدْ وَقَذَتْهُ الْعِبَادَةَ، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ غَيْرُهُ بَايَعَكَ، وَأَمَّا الْحُسَيْنُ فَإِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ لَا يَدْعُونَهُ حَتَّى يُخْرِجُوهُ، فَإِنْ

خَرَجَ عَلَيْكَ فَظَفِرْتَ بِهِ فَاصْفَحْ عَنْهُ، فَإِنَّ لَهُ رَحِمًا مَاسَّةً، وَحَقًّا عَظِيمًا، وَأَمَّا ابْنُ أَبِي بَكْرٍ فَرَجُلٌ إِنْ رَأَى أَصْحَابَهُ صَنَعُوا شَيْئًا صَنَعَ مِثْلَهُ، لَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ إِلَّا فِي النِّسَاءِ وَاللَّهْوِ، وَأَمَّا الَّذِي يَجْثُمُ لَكَ جُثُومَ الْأَسَدِ، وَيُرَاوِغُكَ رَوَغَانَ الثَّعْلَبِ، وَإِذَا أَمْكَنَتْهُ فُرْصَةٌ وَثَبَ، فَذَاكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَإِنْ هُوَ فَعَلَهَا بِكَ فَقَدَرْتَ عَلَيْهِ فَقَطِّعْهُ إِرْبًا إِرْبًا.
قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: فَحِينَ حَضَرَتْ مُعَاوِيَةَ الْوَفَاةُ كَانَ يَزِيدُ فِي الصَّيْدِ، فَاسْتَدْعَى مُعَاوِيَةُ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ الْفِهْرِيَّ - وَكَانَ عَلَى شُرْطَةِ دِمَشْقَ - وَمُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا أَنْ يُبَلِّغَا يَزِيدَ السَّلَامَ وَيَقُولَا لَهُ يَتَوَصَّى بِأَهْلِ الْحِجَازِ، وَإِنْ سَأَلَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَنْ يَعْزِلَ عَنْهُمْ عَامِلًا وَيُوَلِّيَ عَلَيْهِمْ آخَرَ فَلْيَفْعَلْ، فَعَزْلُ وَاحِدٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ يُسَلَّ عَلَيْكَ مِائَةُ أَلْفِ سَيْفٍ، وَأَنْ يَتَوَصَّى بِأَهْلِ الشَّامِ خَيْرًا، وَأَنْ يَجْعَلَهُمْ أَنْصَارَهُ، وَأَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَلَسْتُ أَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ قُرَيْشٍ سِوَى ثَلَاثَةٍ ; الْحُسَيْنِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ - وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ وَهَذَا أَصَحُّ - فَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَقَدْ وَقَذَتْهُ الْعِبَادَةُ، وَأَمَّا الْحُسَيْنُ فَرَجُلٌ خَفِيفٌ، وَأَرْجُو أَنْ يَكْفِيَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَنْ قَتَلَ أَبَاهُ وَخَذَلَ أَخَاهُ، وَإِنَّ لَهُ رَحِمًا مَاسَّةً وَحَقًّا عَظِيمًا، وَقَرَابَةً مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا أَظُنُّ أَهْلَ الْعِرَاقِ تَارِكِيهِ حَتَّى يُخْرِجُوهُ، فَإِنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ فَاصْفَحْ عَنْهُ، فَإِنِّي لَوْ أَنِّي صَاحِبُهُ عَفَوْتُ عَنْهُ، وَأَمَّا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ خَبٌّ ضَبٌّ، فَإِنْ شَخَصَ لَكَ فَالْبَدْ لَهُ إِلَّا

أَنْ يَلْتَمِسَ مِنْكَ صُلْحًا، فَإِنْ فَعَلَ فَاقْبَلْ مِنْهُ، وَاصْفَحْ عَنْ دِمَاءِ قَوْمِكَ مَا اسْتَطَعْتَ.
وَكَانَ مَوْتُ مُعَاوِيَةَ لِاسْتِهْلَالِ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
قَالَهُ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ.
وَقِيلَ: لِلنِّصْفِ مِنْهُ.
قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ.
وَقِيلَ: يَوْمَ الْخَمِيسِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْهُ.
قَالَهُ الْمَدَائِنِيُّ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ هَلَكَ فِي رَجَبٍ مِنْهَا.
وَكَانَ مُدَّةُ مُلْكِهِ اسْتِقْلَالًا مِنْ جُمَادَى سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ حِينَ بَايَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بِأَذْرُحَ، فَذَلِكَ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَكَانَ نَائِبًا فِي الشَّامِ عِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسًا وَسَبْعِينَ سَنَةً.
وَقِيلَ: ثَمَانِيًا وَسَبْعِينَ سَنَةً.
وَقِيلَ: خَمْسًا وَثَمَانِينَ سَنَةً.
وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ فِي آخِرِ تَرْجَمَتِهِ.
وَقَالَ أَبُو السِّكِّينِ زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنِي عَمُّ أَبِي زَحْرُ بْنُ حِصْنٍ، عَنْ جَدِّهِ حُمَيْدِ بْنِ مِنْهَبٍ قَالَ: كَانَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ عِنْدَ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ، وَكَانَ الْفَاكِهُ مِنْ فِتْيَانِ قُرَيْشٍ، وَكَانَ لَهُ بَيْتٌ لِلضِّيَافَةِ يَغْشَاهُ النَّاسُ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، فَخَلَا ذَلِكَ الْبَيْتُ يَوْمًا، فَاضْطَجَعَ الْفَاكِهُ وَهِنْدُ فِيهِ فِي وَقْتِ الْقَائِلَةِ، ثُمَّ خَرَجَ الْفَاكِهُ لِبَعْضِ شَأْنِهِ، وَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَغْشَاهُ، فَوَلَجَ الْبَيْتَ، فَلَمَّا رَأَى الْمَرْأَةَ

وَلَّى هَارِبًا، وَأَبْصَرَهُ الْفَاكِهُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْبَيْتِ، فَأَقْبَلَ إِلَى هِنْدَ فَضَرَبَهَا بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: مَنْ هَذَا الَّذِي كَانَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا، وَلَا انْتَبَهْتُ حَتَّى أَنْبَهْتَنِي أَنْتَ.
فَقَالَ لَهَا: الْحَقِي بِأَبِيكِ.
وَتَكَلَّمَ فِيهَا النَّاسُ، فَقَالَ لَهَا أَبُوهَا: يَا بُنَيَّةُ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَكْثَرُوا فِيكِ، فَأَنْبِئِينِي نَبَأَكِ، فَإِنْ يَكُنِ الرَّجُلُ عَلَيْكِ صَادِقًا دَسَسْتُ إِلَيْهِ مَنْ يَقْتُلُهُ فَيَنْقَطِعُ عَنْكِ الْقَالَةُ، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا حَاكَمْتُهُ إِلَى بَعْضِ كُهَّانِ الْيَمَنِ.
فَحَلَفَتْ لَهُ بِمَا كَانُوا يَحْلِفُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ عَلَيْهَا.
فَقَالَ عُتْبَةُ لِلْفَاكِهِ: يَا هَذَا، إِنَّكَ قَدْ رَمَيْتَ ابْنَتِي بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، فَحَاكِمْنِي إِلَى بَعْضِ كُهَّانِ الْيَمَنِ.
فَخَرَجَ الْفَاكِهُ فِي بَعْضِ جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، وَخَرَجَ عُتْبَةُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَخَرَجُوا مَعَهُمْ بِهِنْدَ وَنِسْوَةٍ مَعَهَا، فَلَمَّا شَارَفُوا الْبِلَادَ وَقَالُوا: غَدًا نَرِدُ عَلَى الْكَاهِنِ.
تَنَكَّرَتْ حَالُ هِنْدَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهَا، فَقَالَ لَهَا أَبُوهَا: يَا بُنَيَّةُ، قَدْ أَرَى مَا بِكِ مِنْ تَنَكُّرِ الْحَالِ، وَمَا ذَاكَ عِنْدَكِ إِلَّا لِمَكْرُوهٍ فَأَلَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يُشْتَهَرَ فِي النَّاسِ مَسِيرُنَا؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ يَا أَبَتَاهُ مَا هَذَا الَّذِي تَرَاهُ مِنِّي لِمَكْرُوهٍ وَقْعَ مِنِّي، وَإِنِّي لَبَرِيئَةٌ، وَلَكِنَّ هَذَا الَّذِي تَرَاهُ مِنَ الْحُزْنِ وَتَغَيُّرِ الْحَالِ هُوَ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَأْتُونَ هَذَا الْكَاهِنَ، وَهُوَ بَشَرٌ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَلَا آمَنُهُ أَنْ يَسِمَنِي مَيْسَمًا يَكُونُ عَلَيَّ سُبَّةً فِي

الْعَرَبِ.
فَقَالَ لَهَا أَبُوهَا: لَا تَخَافِي فَإِنِّي سَوْفَ أَخْتَبِرُهُ وَأَمْتَحِنُهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي شَأْنِكِ وَأَمْرِكِ، فَإِنْ أَخْطَأَ فِيمَا أَمْتَحِنُهُ بِهِ لَمْ أَدَعْهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِكِ.
ثُمَّ إِنَّهُ انْفَرَدَ عَنِ الْقَوْمِ - وَكَانَ رَاكِبًا مُهْرًا - حَتَّى تَوَارَى عَنْهُمْ خَلْفَ رَابِيَةٍ، فَنَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ، ثُمَّ صَفَّرَ لَهُ حَتَّى أَدْلَى، ثُمَّ أَخَذَ حَبَّةَ بُرٍّ، فَأَدْخَلَهَا فِي إِحْلِيلِ الْمُهْرِ، وَأَوْكَى عَلَيْهَا بِسَيْرٍ، فَلَمَّا وَرَدُوا عَلَى الْكَاهِنِ أَكْرَمَهُمْ وَنَحَرَ لَهُمْ، فَلَمَّا تَغَدُّوا قَالَ لَهُ عُتْبَةُ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكَ فِي أَمْرٍ، وَلَكِنْ لَا أَدْعُكَ تَتَكَلَّمُ فِيهِ حَتَّى تُبَيِّنَ لَنَا مَا خَبَّأْتُ لَكَ، فَإِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكَ خَبِيئًا، فَانْظُرْ مَا هُوَ.
قَالَ الْكَاهِنُ: ثَمَرَةٌ فِي كَمَرَةٍ.
قَالَ: أُرِيدُ أَبْيَنَ مِنْ هَذَا.
قَالَ: حَبَّةٌ مِنْ بُرٍّ فِي إِحْلِيلِ مُهْرٍ.
قَالَ: صَدَقْتَ، فَخُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ، انْظُرْ فِي أَمْرِ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ.
فَأَجْلَسَ النِّسَاءَ خَلْفَهُ، وَهِنْدُ مَعَهُمْ لَا يَعْرِفُهَا، ثُمَّ جَعَلَ يَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ فَيَضْرِبُ كَتِفَهَا وَيَقُولُ: انْهَضِي.
حَتَّى دَنَا مِنْ هِنْدَ، فَضَرَبَ كَتِفَهَا وَقَالَ: انْهَضِي، غَيْرَ رَسْحَاءَ، وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَتَلِدِنَّ مَلِكًا يُقَالُ لَهُ: مُعَاوِيَةُ.
فَوَثَبَ إِلَيْهَا الْفَاكِهُ فَأَخْذَ بِيَدِهَا، فَنَتَرَتْ يَدَهَا مِنْ يَدِهِ، وَقَالَتْ لَهُ إِلَيْكَ عَنِّي، وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُ رَأْسِي وَرَأْسَكَ وِسَادَةٌ، وَاللَّهِ لَأَحْرِصَنَّ عَلَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَلِكُ مِنْ غَيْرِكَ.
فَتَزَوَّجَهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَجَاءَتْ مِنْهُ بِمُعَاوِيَةَ.

[تَرْجَمَةُ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ أَيَّامِهِ وَدَوْلَتِهِ]

[تَرْجَمَةُ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ مُعَاوِيَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ أَيَّامِهِ، وَدَوْلَتِهِ، وَمَا وَرَدَ فِي مَنَاقِبِهِ وَفَضَائِلِهِ هُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، خَالُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَاتِبُ وَحْيِ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَأُمُّهُ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ.
أَسْلَمَ مُعَاوِيَةُ عَامَ الْفَتْحِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَسْلَمْتُ يَوْمَ الْقَضِيَّةِ، وَلَكِنْ كَتَمْتُ إِسْلَامِي مِنْ أَبِي، ثُمَّ عَلِمَ بِذَلِكَ فَقَالَ لِي: هَذَا أَخُوكَ يَزِيدُ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ.
فَقُلْتُ لَهُ: لَمْ آلُ نَفْسِي جُهْدًا.
قَالَ مُعَاوِيَةُ: وَلَقَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَإِنِّي لَمُصَدِّقٌ بِهِ، ثُمَّ لَمَّا دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ أَظْهَرْتُ إِسْلَامِي، فَجِئْتُهُ فَرَحَّبَ بِي، وَكَتَبْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَشَهِدَ مَعَهُ حُنَيْنًا، وَأَعْطَاهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، وَزَنَهَا لَهُ بِلَالٌ.
وَشَهِدَ الْيَمَامَةَ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ، حَكَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
وَقَدْ يَكُونُ لَهُ شِرْكٌ فِي قَتْلِهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي طَعَنَهُ وَحْشِيٌّ، وَجَلَّلَهُ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ بِالسَّيْفِ.

وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَتَفَرَّدَ فِيهِمْ بِالسُّؤْدَدِ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ، ثُمَّ لَمَّا أَسْلَمَ حَسُنَ بَعْدَ ذَلِكَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ لَهُ مَوَاقِفُ شَرِيفَةٌ، وَآثَارٌ مَحْمُودَةٌ فِي يَوْمِ الْيَرْمُوكِ وَمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ.
وَصَحِبَ مُعَاوِيَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَتَبَ الْوَحْيَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَعَ الْكُتَّابِ، وَرَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَغَيْرَهُمَا مِنَ " السُّنَنِ " وَ " الْمَسَانِيدِ "، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَينِ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: كَانَ مُعَاوِيَةُ طَوِيلًا أَبْيَضَ جَمِيلًا، إِذَا ضَحِكَ انْقَلَبَتْ شَفَتُهُ الْعُلْيَا، وَكَانَ يُخَضِّبُ.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْأَدَمِيُّ، ثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ رَبٍّ قَالَ: رَأَيْتُ مُعَاوِيَةَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ كَأَنَّهَا الذَّهَبُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ أَبْيَضَ طَوِيلًا، أَجْلَحَ أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، يُخَضِّبُهُمَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَقَدْ أَصَابَتْهُ لَقْوَةٌ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، فَكَانَ يَسْتُرُ وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا دَعَا لِي بِالْعَافِيَةِ، فَقَدْ رُمِيتُ فِي أَحْسَنِي وَمَا يَبْدُو مِنِّي، وَلَوْلَا هَوَايَ فِي يَزِيدَ لَأَبْصَرْتُ رُشْدِي.
وَكَانَ حَلِيمًا وَقُورًا رَئِيسًا سَيِّدًا فِي النَّاسِ، كَرِيمًا عَادِلًا شَهْمًا.

وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: رَأَى بَعْضُ مُتَفَرِّسِي الْعَرَبِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَظُنُّ هَذَا الْغُلَامَ سَيَسُودُ قَوْمَهُ.
فَقَالَتْ هِنْدُ: ثَكِلْتُهُ إِنْ كَانَ لَا يَسُودُ إِلَّا قَوْمَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: رَأَيْتُ هِنْدَ بِمَكَّةَ كَأَنَّ وَجْهَهَا فِلْقَةُ قَمَرٍ، وَخَلْفَهَا مِنْ عَجِيزَتِهَا مِثْلُ الرَّجُلِ الْجَالِسِ، وَمَعَهَا صَبِيٌّ يَلْعَبُ، فَمَرَّ رَجُلٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي لَأَرَى غُلَامًا إِنْ عَاشَ لَيَسُودَنَّ قَوْمَهُ.
فَقَالَتْ هِنْدُ: إِنْ لَمْ يَسُدْ إِلَّا قَوْمَهُ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ.
وَهُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَيْفٍ قَالَ: نَظَرَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمًا إِلَى مُعَاوِيَةَ وَهُوَ غُلَامٌ، فَقَالَ لِهِنْدَ: إِنَّ ابَنِي هَذَا لَعَظِيمُ الرَّأْسِ، وَإِنَّهُ لَخَلِيقٌ أَنْ يَسُودَ قَوْمَهُ.
فَقَالَتْ هِنْدُ: قَوْمَهُ فَقَطْ؟ ! ثَكِلْتُهُ إِنْ لَمْ يَسُدِ الْعَرَبَ قَاطِبَةً.
وَكَانَتْ هِنْدُ تَحْمِلُهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَتَقُولُ: إِنَّ بُنَيَّ مُعْرِقٌ كَرِيمُ ... مُحَبَّبٌ فِي أَهْلِهِ حَلِيمُ لَيْسَ بِفَحَّاشٍ وَلَا لَئِيمُ ... وَلَا بِطُخْرُورٍ وَلَا سَئُومُ صَخْرُ بَنِي فَهْرٍ بِهِ زَعِيمُ ... لَا يُخْلِفُ الظَّنَّ وَلَا يَخِيمُ

قَالَ: فَلَمَّا وَلَّى عُمَرُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ مَا وَلَّاهُ مِنَ الشَّامِ، خَرَجَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِهِنْدَ: كَيْفَ رَأَيْتِ صَارَ ابْنُكِ تَابِعًا لِابْنِي؟ فَقَالَتْ: إِنِ اضْطَرَبَ حَبْلُ الْعَرَبِ فَسَتَعْلَمُ أَيْنَ يَقَعُ ابْنُكَ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ ابْنِي.
فَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَنَةَ بِضْعَ عَشْرَةَ، وَجَاءَ الْبَرِيدُ إِلَى عُمَرَ بِمَوْتِهِ، رَدَّ عُمَرُ الْبَرِيدَ إِلَى الشَّامِ بِوِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ مَكَانَ أَخِيهِ يَزِيدَ، ثُمَّ عَزَّى أَبَا سُفْيَانَ فِي ابْنِهِ يَزِيدَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنْ وَلَّيْتَ مَكَانَهُ؟ قَالَ: أَخَاهُ مُعَاوِيَةَ.
قَالَ: وَصَلَتْكَ رَحِمٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَالَتْ هِنْدُ لِمُعَاوِيَةَ فِيمَا كَتَبَتْ بِهِ إِلَيْهِ: وَاللَّهِ يَا بُنَيَّ، إِنَّهُ قَلَّ أَنْ تَلِدَ حُرَّةٌ مِثْلَكَ، وَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدِ اسْتَنْهَضَكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَاعْمَلْ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَحْبَبْتَ وَكَرِهْتَ.
وَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، إِنَّ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ سَبَقُونَا وَتَأَخَّرْنَا، فَرَفَعَهُمْ سَبْقُهُمْ، وَقَصَّرَ بِنَا تَأَخُّرُنَا، فَصَارُوا قَادَةً، وَصِرْنَا أَتْبَاعًا، وَقَدْ وَلَّوْكَ جَسِيمًا مِنْ أُمُورِهِمْ فَلَا تُخَالِفْهُمْ، فَإِنَّكَ تَجْرِي إِلَى أَمَدٍ فَنَافِسْ فِيهِ، فَإِنْ بَلَغْتَهُ أَوْرَثَتْهُ عَقِبَكَ.
فَلَمْ يَزَلْ مُعَاوِيَةُ نَائِبًا عَلَى الشَّامِ فِي الدَّوْلَةِ الْعُمَرِيَّةِ وَالْعُثْمَانِيَّةِ مُدَّةَ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَافْتَتَحَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ جَزِيرَةَ قُبْرُسَ، وَسَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ قَرِيبًا

مِنْ سِتِّينَ سَنَةً فِي أَيَّامِهِ وَمِنْ بَعْدِهِ، وَلَمْ تَزَلِ الْفُتُوحَاتُ وَالْجِهَادُ قَائِمًا عَلَى سَاقِهِ فِي أَيَّامِهِ فِي بِلَادِ الرُّومِ وَالْفِرِنْجِ وَغَيْرِهَا، فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ مَا كَانَ، لَمْ يَقَعْ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ فَتْحٌ بِالْكُلِّيَّةِ، لَا عَلَى يَدَيْهِ وَلَا عَلَى يَدَيْ عَلِيٍّ، وَطَمِعَ فِي مُعَاوِيَةَ مَلِكُ الرُّومِ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ أَخْسَأَهُ وَأَذَلَّهُ، وَقَهَرَ جُنْدَهُ وَدَحَاهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَلِكُ الرُّومِ اشْتِغَالَ مُعَاوِيَةَ بِحَرْبِ عَلِيٍّ تَدَانَى إِلَى بَعْضِ الْبِلَادِ فِي جُنُودٍ عَظِيمَةٍ، وَطَمِعَ فِيهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ وَتَرْجِعْ إِلَى بِلَادِكَ يَا لَعِينُ لَأَصْطَلِحَنَّ أَنَا وَابْنُ عَمِّي عَلَيْكَ وَلَأُخْرِجَنَّكَ مِنْ جَمِيعِ بِلَادِكَ، وَلَأُضَيِّقَنَّ عَلَيْكَ الْأَرْضَ بِمَا رَحُبَتْ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ خَافَ مَلِكُ الرُّومِ وَانْكَفَّ، وَبَعَثَ يَطْلُبُ الْهُدْنَةَ.
ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْرِ التَّحْكِيمِ مَا كَانَ، وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ إِلَى وَقْتِ اصْطِلَاحِهِ مَعَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ، فَانْعَقَدَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى مُعَاوِيَةَ، وَاجْتَمَعَتِ الرَّعَايَا عَلَى بَيْعَتِهِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ كَمَا قَدَّمْنَا، فَلَمْ يَزَلْ مُسْتَقِلًّا بِالْأَمْرِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا وَفَاتُهُ، وَالْجِهَادُ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ قَائِمٌ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ عَالِيَةٌ، وَالْغَنَائِمُ تَرِدُ إِلَيْهِ مِنْ أَطْرَافِ الْأَرْضِ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ فِي رَاحَةٍ وَعَدْلٍ وَصَفْحٍ وَعَفْوٍ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي زُمَيْلٍ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَلَاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ.
قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: تُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ.
قَالَ: " نَعَمْ ". وَذَكَرَ الثَّالِثَةَ، وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنَتِهِ الْأُخْرَى عَزَّةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ.
وَاسْتَعَانَ عَلَى ذَلِكَ بِأُخْتِهَا أُمِّ حَبِيبَةَ، فَقَالَ: " إِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِي» " وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ، وَذَكَرْنَا أَقْوَالَ الْأَئِمَّةِ وَاعْتِذَارَهُمْ عَنْهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْكُتَّابِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْوَحْيَ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالْحَاكِمُ فِي " مُسْتَدْرَكِهِ " مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ الْوَضَّاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَاءَ فَقُلْتُ: مَا جَاءَ إِلَّا إِلَيَّ.
فَاخْتَبَأْتُ عَلَى بَابٍ، فَجَاءَنِي فَحَطَأَنِي حَطْأَةً ثُمَّ قَالَ: " اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ ". وَكَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ.
قَالَ: فَذَهَبْتُ فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَقِيلَ: إِنَّهُ يَأْكُلُ.
فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: إِنَّهُ يَأْكُلُ.
فَقَالَ: " اذْهَبْ فَادْعُهُ ". فَأَتَيْتُهُ الثَّانِيَةَ فَقِيلَ: إِنَّهُ يَأْكُلُ.
فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: " لَا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَهُ ". قَالَ: فَمَا شَبِعَ بَعْدَهَا» .

وَقَدِ انْتَفَعَ مُعَاوِيَةُ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ.
أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ لَمَّا صَارَ فِي الشَّامِ أَمِيرًا، كَانَ يَأْكُلُ فِي الْيَوْمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، يُجَاءُ بِقَصْعَةٍ فِيهَا لَحْمٌ كَثِيرٌ وَبَصَلٌ فَيَأْكُلُ مِنْهَا، وَيَأْكُلُ فِي الْيَوْمِ سَبْعَ أَكَلَاتٍ بِلَحْمٍ، وَمِنَ الْحَلْوَى وَالْفَاكِهَةِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَشْبَعُ، وَإِنَّمَا أَعْيَى.
وَهَذِهِ نِعْمَةٌ وَمَعِدَةٌ يَرْغَبُ فِيهَا كُلُّ الْمُلُوكِ.
وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَقَدِ أَتْبَعَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ هُوَ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّمَا عَبْدٍ سَبَبْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ أَوْ دَعَوْتُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ أَهْلًا، فَاجْعَلْ ذَلِكَ كَفَّارَةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".» فَرَكَّبَ مُسْلِمٌ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَهَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةً لِمُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يُورِدْ لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْمُسَيَّبُ بْنُ وَاضِحٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَتَى جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ مُعَاوِيَةَ السَّلَامَ، وَاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا ; فَإِنَّهُ أَمِينُ اللَّهِ عَلَى كِتَابِهِ وَوَحْيِهِ، وَنِعْمَ الْأَمِينُ.» ثُمَّ أَوْرَدَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمانَ، ثُمَّ أَوْرَدَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَشَارَ جِبْرِيلَ فِي اسْتِكْتَابِهِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: اسْتَكْتِبْهُ فَإِنَّهُ أَمِينٌ» . وَلَكِنْ فِي الْأَسَانِيدِ إِلَيْهِمَا غَرَابَةٌ.

ثُمَّ أَوْرَدَ عَنْ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ غَرَائِبَ كَثِيرَةً، وَكَذَا عَنْ غَيْرِهِ أَيْضًا.
وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ الْأَقْمَرِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ مُعَاوِيَةُ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْدَلَانِيُّ، ثَنَا السَّرِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُمِّ حَبِيبَةَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَقَّ الْبَابَ دَاقٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " انْظُرُوا مَنْ هَذَا ". قَالُوا: مُعَاوِيَةُ.
قَالَ: " ائْذَنُوا لَهُ ". فَدَخَلَ وَعَلَى أُذُنِهِ قَلَمٌ لَمْ يُخَطَّ بِهِ، فَقَالَ: " مَا هَذَا الْقَلَمُ عَلَى أُذُنِكَ يَا مُعَاوِيَةُ؟ " قَالَ: قَلَمٌ أَعْدَدْتُهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ.
فَقَالَ: " جَزَاكَ اللَّهُ عَنْ نَبِيِّكَ خَيْرًا، وَاللَّهِ مَا اسْتَكْتَبْتُكَ إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَا أَفْعَلُ مِنْ صَغِيرَةٍ وَلَا كَبِيرَةٍ إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، كَيْفَ بِكَ لَوْ قَمَّصَكَ اللَّهُ قَمِيصًا؟ ". يَعْنِي الْخِلَافَةَ.
فَقَامَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ، فَجَلَسَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ اللَّهَ مُقَمِّصُهُ قَمِيصًا؟ ! قَالَ: " نَعَمْ، وَلَكِنْ فِيهِ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ وَهَنَاتٌ ". فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَادْعُ اللَّهَ لَهُ.
فَقَالَ: " اللَّهُمَّ اهْدِهِ بِالْهُدَى، وَجَنِّبْهُ الرَّدَى، وَاغْفِرْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ".» قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ السَّرِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِشَامٍ.
وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ.
وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ عَسَاكِرَ بَعْدَ هَذَا أَحَادِيثَ كَثِيرَةً مَوْضُوعَةً، وَالْعَجَبُ مِنْهُ مَعَ حِفْظِهِ وَاطِّلَاعِهِ كَيْفَ لَا يُنَبِّهُ عَلَيْهَا وَعَلَى نَكَارَتِهَا وَضَعْفِ رِجَالِهَا.
وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
وَقَدْ أَوْرَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ مَرْفُوعًا: " «الْأُمَنَاءُ ثَلَاثَةٌ ; جِبْرِيلُ، وَأَنَا، وَمُعَاوِيَةُ» ". وَلَا يَصِحُّ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ.
وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «الْأُمَنَاءُ سَبْعَةٌ ; الْقَلَمُ، وَاللَّوْحُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَجِبْرِيلُ، وَأَنَا، وَمُعَاوِيَةُ» ". وَهَذَا أَنْكَرُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي قَبْلَهُ، وَأَضْعَفُ إِسْنَادًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، يَعْنِي ابْنَ

صَالِحٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ سَيْفٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي رُهْمٍ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُونَا إِلَى السَّحُورِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ: " هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ ". ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ عَلِّمْ مُعَاوِيَةَ الْكِتَابَ وَالْحِسَابَ، وَقِهِ الْعَذَابَ ".» تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَسَدُ بْنُ مُوسَى، وَبِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
وَفِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ السَّرِيِّ: «وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ ".» وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَغَيْرُهُ، مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْ مُعَاوِيَةَ الْكِتَابَ وَالْحِسَابَ، وَقِهِ الْعَذَابَ ".» وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: ثَنَا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ وَالْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ قَالَا: ثَنَا أَبُو هِلَالٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ، ثَنَا جَبَلَةُ بْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ

مَسْلَمَةَ بْنَ مُخَلَّدٍ، وَقَالَ الْأَشْيَبُ: قَالَ أَبُو هِلَالٍ: أَوْ عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ.
وَقَالَ سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ: أَوْ حَدَّثَهُ مَسْلَمَةُ عَنْ رَجُلٍ، أَنَّهُ رَأَى مُعَاوِيَةَ يَأْكُلُ، فَقَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّ ابْنَ عَمِّكَ هَذَا لَمِخْضَدٌ.
قَالَ: أَمَا إِنِّي أَقُولُ لَكَ هَذَا، وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ، وَمَكِّنْ لَهُ فِي الْبِلَادِ، وَقِهِ الْعَذَابَ ".» وَقَدْ أَرْسَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، مِنْهُمُ ; الزُّهْرِيُّ وَعُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ وَحَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ الرَّحَبِيُّ الْحِمْصِيُّ، وَيُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: ثَنَا أَبُو زُرْعَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ الدِّمَشْقِيَّانِ قَالَا: ثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَيْرَةَ الْمُزَنِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ وَالْحِسَابَ، وَقِهِ الْعَذَابَ ".» قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَهَذَا غَرِيبٌ، وَالْمَحْفُوظُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ الَّذِي تَقَدَّمَ.
ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي مُسْهِرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَيْرَةَ الْمُزَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

يَقُولُ لِمُعَاوِيَةَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا، وَاهْدِهِ وَاهْدِ بِهِ ".» وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَيْرَةَ الْأَزْدِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ ذَكَرَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ ".» وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي مُسْهِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِهِ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَدْ رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ الْحَرَّانِيُّ، كَمَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَأَبُو مُسْهِرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَيْرَةَ.
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّاطَرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لِمُعَاوِيَةَ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْعِلْمَ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا، وَاهْدِهِ وَاهْدِ بِهِ ".» وَقَدْ رَوَاهُ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ وَصَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَعِيسَى بْنُ هِلَالٍ وَأَبُو الْأَزْهَرِ، عَنْ مَرْوَانَ الطَّاطَرِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرُوا أَبَا إِدْرِيسَ فِي إِسْنَادِهِ.
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدَانَ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ الرَّمْلِيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي

عُمَيْرَةَ الْمُزَنِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ ".» قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ هُوَ الصَّوَابُ.
وَقَدِ اعْتَنَى ابْنُ عَسَاكِرَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأَطْنَبَ فِيهِ وَأَطْيَبَ وَأَطْرَبَ، وَأَفَادَ وَأَجَادَ، وَأَحْسَنَ الِانْتِقَادَ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ، كَمْ لَهُ مِنْ مَوْطِنٍ قَدْ بَرَّزَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْحُفَّاظِ وَالنُّقَّادِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ حَلْبَسٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: لَمَّا عَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ عَنِ الشَّامِ، وَوَلَّى مُعَاوِيَةَ، قَالَ النَّاسُ: عَزَلَ عُمَيْرًا وَوَلَّى مُعَاوِيَةَ.
فَقَالَ عُمَيْرٌ: لَا تَذْكُرُوا مُعَاوِيَةَ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اهْدِ بِهِ ".» تَفَرَّدَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَعَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ ضَعِيفٌ.
هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ فِي مُسْنَدِ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ.
وَعِنْدِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَيَكُونُ الصَّوَابُ: فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَذْكُرُوا مُعَاوِيَةَ إِلَّا بِخَيْرٍ.
لِيَكُونَ عُذْرًا لَهُ فِي تَوْلِيَتِهِ لَهُ.
وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا أَنَّ هِشَامَ بْنَ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي السَّائِبِ، وَهُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ

بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَلَّى مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالُوا: وَلَّى حَدَثَ السِّنِّ.
فَقَالَ: تَلُومُونَنِي فِي وِلَايَتِهِ، وَأَنَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا، وَاهْدِ بِهِ ".» وَهَذَا مُنْقَطِعٌ يُقَوِّيهِ مَا قَبْلَهُ.
قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ، ثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ سَابُورَ، ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ جَنَاحٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَشَارَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي أَمْرٍ، فَقَالَ: " أَشِيرُوا عَلَيَّ ". فَقَالَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
فَقَالَ: " ادْعُوا مُعَاوِيَةَ ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: أَمَا كَانَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجُلَيْنِ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ مَا يُتْقِنُونَ أَمْرَهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى غُلَامٍ مِنْ غِلْمَانِ قُرَيْشٍ؟ ! فَقَالَ: " ادْعُوَ لِي مُعَاوِيَةَ ". فَدُعِيَ لَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَحْضِرُوهُ أَمْرَكُمْ وَأَشْهِدُوهُ أَمْرَكُمْ، فَإِنَّهُ قَوِيٌّ أَمِينٌ» وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ نُعَيْمٍ، وَزَادَ: " وَحَمِّلُوهُ أَمْرَكُمْ ". ثُمَّ سَاقَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً مَوْضُوعَةً، بِلَا شَكٍّ، فِي فَضْلِ مُعَاوِيَةَ، أَضْرَبْنَا عَنْهَا صَفْحًا، وَاكْتَفَيْنَا بِمَا أَوْرَدْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ وَالْمُسْتَجَادَاتِ، عَمَّا سِوَاهَا مِنَ الْمَوْضَعَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ.

ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَأَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي فَضْلِ مُعَاوِيَةَ حَدِيثُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّهُ كَانَ كَاتِبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمَ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ ". وَبَعْدَهُ حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ: " «اللَّهُمَّ عَلِّمْ مُعَاوِيَةَ الْكِتَابَ» ". وَبَعْدَهُ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي عُمَيْرَةَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا ".» قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْمَنَاقِبِ: ذِكْرُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، ثَنَا الْمُعَافَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ الْعَشَاءِ بِرَكْعَةٍ، وَعِنْدَهُ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، ثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ لَكَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ؟ مَا أَوْتَرَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ! قَالَ: أَصَابَ، إِنَّهُ فَقِيهٌ.
ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، ثَنَا ابْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ:

سَمِعْتُ حُمْرَانَ عَنْ أَبَانٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: «إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهِمَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا.
يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ» . ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ: ذِكْرُ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ: وَقَالَ عَبْدَانُ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، ثَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، ثُمَّ مَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ.
فَقَالَ: " وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ". فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ: " لَا، بِالْمَعْرُوفِ ". فَالْمِدْحَةُ فِي قَوْلِهِ: " وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ". وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ يَوَدُّ أَنَّ هِنْدَ وَأَهْلَهَا وَكُلَّ كَافِرٍ يَذِلُّوا فِي حَالِ كُفْرِهِمْ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعِزُّوا، فَأَعَزَّهُمُ اللَّهُ» يَعْنِي أَهْلَ خِبَائِهَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، ثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَدِّي يُحَدِّثُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَخَذَ الْإِدَاوَةَ بَعْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَتَبِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا - وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَدِ اشْتَكَى - فَبَيْنَمَا هُوَ يُوَضِّئُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: «يَا مُعَاوِيَةُ، إِنْ وُلِّيتَ أَمْرًا فَاتَّقِ اللَّهَ وَاعْدِلْ» ". قَالَ مُعَاوِيَةُ: فَمَا زِلْتُ أَظُنُّ أَنِّي سَأُبْتَلَى بِعَمَلٍ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ابْتُلِيتُ.
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.
وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمَذَانِيِّ سَعِيدِ بْنِ زُنْبُورِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بِهِ.
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: اتَّبَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَضُوءٍ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ نَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: «يَا مُعَاوِيَةُ، إِنْ وُلِّيتَ أَمْرًا فَاتَّقِ اللَّهَ وَاعْدِلْ ".» فَمَا زِلْتُ أَظُنُّ أَنِّي مُبْتَلًى بِعَمَلٍ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى وُلِّيتُ.
وَرَوَاهُ غَالِبٌ الْقَطَّانُ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ:

صَبَبْتُ يَوْمًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوءَهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكَ سَتَلِي أَمْرَ أُمَّتِي بَعْدِي، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَاقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ ".» وَقَالَ: فَمَا زِلْتُ أَرْجُو حَتَّى قُمْتُ مَقَامِي هَذَا.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ بِسَنَدِهِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: وَاللَّهِ مَا حَمَلَنِي عَلَى الْخِلَافَةِ إِلَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مُعَاوِيَةُ، إِنْ مَلَكْتَ فَأَحْسِنْ ".» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هَذَا ضَعِيفٌ، إِلَّا أَنَّ لِلْحَدِيثِ شَوَاهِدَ.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا رَاقَدٌ فِي كَنِيسَةِ يُوحَنَّا - وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مَسْجِدٌ يُصَلَّى فِيهَا - إِذِ انْتَبَهْتُ مِنْ نَوْمِي، فَإِذَا أَنَا بِأَسَدٍ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيَّ، فَوَثَبْتُ إِلَى سِلَاحِي، فَقَالَ الْأَسَدُ: مَهْ، إِنَّمَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكَ بِرِسَالَةٍ لِتُبَلِّغَهَا.
قُلْتُ: وَمَنْ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ لِتُبَلِّغَ مُعَاوِيَةَ السَّلَامَ، وَتُعْلِمَهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
فَقُلْتُ لَهُ: وَمَنْ مُعَاوِيَةُ؟ قَالَ: مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ.
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْقَرَاطِيسِيِّ، عَنِ الْمُعَلَى بْنِ الْوَلِيدِ الْقَعْقَاعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيِّ.
وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا، وَلَعَلَّ الْجَمِيعَ مَنَامٌ، وَيَكُونُ

قَوْلُهُ: إِذِ انْتَبَهْتُ مِنْ نَوْمِي.
مُدْرَجًا لَمْ يَضْبِطْهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَدِمَ عُمَرُ الْجَابِيَةَ فَنَزَعَ شُرَحْبِيلَ، وَأَمَرَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بِالْمَسِيرِ إِلَى مِصْرَ، وَبَقِيَ الشَّامُ عَلَى أَمِيرَيْنِ ; أَبِي عُبَيْدَةَ وَيَزِيدَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَاسْتَخْلَفَ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ ثُمَّ تُوُفِّيَ يَزِيدُ، فَأَمَّرَ مُعَاوِيَةَ مَكَانَهَ، ثُمَّ نَعَاهُ عُمَرُ لِأَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، احْتَسِبْ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ.
قَالَ: مَنْ أَمَّرْتَ مَكَانَهُ؟ قَالَ: مُعَاوِيَةَ.
فَقَالَ: وَصَلَتْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَحِمٌ.
فَكَانَ عَلَى الشَّامِ مُعَاوِيَةُ، وَعُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، حَتَّى قُتِلَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَاتَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسَ وَاسْتَخْلَفَ مُعَاذًا، فَمَاتَ مُعَاذٌ، وَاسْتَخْلَفَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فَمَاتَ، وَاسْتَخْلَفَ أَخَاهُ مُعَاوِيَةَ، فَأَقَرَّهُ عُمَرُ، وَوَلَّى عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِلَسْطِينَ وَالْأُرْدُنَّ، وَمُعَاوِيَةَ دِمَشْقَ وَبَعْلَبَكَّ وَالْبَلْقَاءَ، وَوَلَّى سَعِيدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ حِذْيَمٍ حِمْصَ، ثُمَّ جَمَعَ الشَّامَ كُلَّهَا لِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى الشَّامِ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ: أَفْرَدَ عُمرُ مُعَاوِيَةَ بِإِمْرَةِ الشَّامِ وَجَعَلَ لَهُ فِي كُلِّ

شَهْرٍ ثَمَانِينَ دِينَارًا.
وَالصَّوَابُ أَنَّ الَّذِي جَمَعَ لِمُعَاوِيَةَ الشَّامَ كُلَّهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَأَمَّا عُمَرُ إِنَّمَا وَلَّاهُ بَعْضَ أَعْمَالِهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا عُزِّيَتْ هِنْدُ فِي يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ - وَلَمْ يَكُنْ مِنْهَا - قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ قَدْ جَعَلَ مُعَاوِيَةَ أَمِيرًا مَكَانَهُ.
فَقَالَتْ: أَوَ مِثْلُ مُعَاوِيَةَ يُجْعَلُ خَلَفًا مِنْ أَحَدٍ؟ ! فَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ الْعَرَبَ اجْتَمَعَتْ مُتَوَافِرَةً، ثُمَّ رُمِيَ بِهِ فِيهَا لَخَرَجَ مِنْ أَيِّ أَعْرَاضِهَا شَاءَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: ذُكِرَ مُعَاوِيَةُ عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: دَعُوا فَتَى قُرَيْشٍ وَابْنَ سَيِّدِهَا، إِنَّهُ لَمَنْ يَضْحَكُ فِي الْغَضَبِ وَلَا يُنَالُ مِنْهُ إِلَّا عَلَى الرِّضَا، وَمَنْ لَا يَأْخُذُ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ إِلَّا مِنْ تَحْتِ قَدْمَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَحْرٍ، عَنْ شَيْخٍ لَهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الشَّامَ تَلَقَّاهُ مُعَاوِيَةُ فِي مَوْكِبٍ عَظِيمٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ عُمَرَ قَالَ لَهُ: أَنْتَ صَاحِبُ الْمَوْكِبِ الْعَظِيمِ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ: مَعَ مَا بَلَغَنِي مِنْ طُولِ وُقُوفِ ذَوِي الْحَاجَاتِ بِبَابِكَ؟ قَالَ: مَعَ مَا بَلَغَكَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: وَلِمَ تَفْعَلُ هَذَا؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّا بِأَرْضٍ جَوَاسِيسُ الْعَدُوِّ فِيهَا كَثِيرَةٌ، فَيَجِبُ أَنْ يَظْهَرَ مَنْ عِزِّ السُّلْطَانِ مَا يُرْهِبُهُمْ بِهِ، فَإِنْ أَمَرْتَنِي فَعَلْتُ، وَإِنْ نَهَيْتَنِي انْتَهَيْتُ.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ:

يَا مُعَاوِيَةُ، مَا سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا تَرَكْتَنِي فِي مِثْلِ رَوَاجِبِ الضِّرْسِ، لَئِنْ كَانَ مَا قُلْتَ حَقًّا، إِنَّهُ لَرَأْيُ أَرِيبٍ، وَلَئِنْ كَانَ بَاطِلًا إِنَّهُ لَخَدِيعَةُ أَدِيبٍ.
قَالَ: فَمُرْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ: لَا آمُرُكَ وَلَا أَنْهَاكَ.
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَحْسَنَ مَا صَدَرَ الْفَتَى عَمَّا أَوْرَدْتَهُ فِيهِ! فَقَالَ عُمَرُ: لِحُسْنِ مَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ جَشَّمْنَاهُ مَا جَشَّمْنَاهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ تَلَقَّى عُمَرَ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ وَمُعَاوِيَةُ فِي مَوْكِبٍ كَثِيفٍ، فَاجْتَازَ بِعُمَرَ وَهُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَاكِبَانِ عَلَى حِمَارٍ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِمَا، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ جَاوَزْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَرَجَعَ، فَلَمَّا رَأَى عُمَرَ تَرَجَّلَ، وَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ مَا ذَكَرْنَا، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: مَا أَحْسَنَ مَا صَدَرَ عَمَّا أَوْرَدْتَهُ فِيهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَقَالَ: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ جَشَّمْنَاهُ مَا جَشَّمْنَاهُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ " الزُّهْدِ ": أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدَبٍ، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ، وَهُوَ أَبْيَضُ أَوْ أَبَضُّ النَّاسِ وَأَجْمَلُهُمْ، فَخَرَجَ إِلَى الْحَجِّ مَعَ عُمَرَ، فَكَانَ عُمَرُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَيُعْجَبُ لَهُ، ثُمَّ يَضَعُ أُصْبُعَهُ عَلَى مَتْنِهِ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا عَنْ مِثْلِ الشِّرَاكِ، فَيَقُولُ: بَخٍ بَخٍ، نَحْنُ إِذًا خَيْرُ النَّاسِ ; أَنْ جُمِعَ لَنَا خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا أَمِيرَ

الْمُؤْمِنِينَ، سَأُحَدِّثُكَ ; إِنَّا بِأَرْضِ الْحَمَّامَاتِ وَالرِّيفِ.
فَقَالَ عُمَرُ: سَأُحَدِّثُكَ ; مَا بِكَ إِلْطَافُكَ نَفْسَكَ بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ وَتَصَبُّحُكَ حَتَّى تَضْرِبَ الشَّمْسُ مَتْنَيْكَ، وَذَوُو الْحَاجَاتِ وَرَاءَ الْبَابِ.
قَالَ: فَلَمَّا جِئْنَا ذَا طَوًى أَخْرَجَ مُعَاوِيَةُ حُلَّةً فَلَبِسَهَا، فَوَجَدَ عُمَرُ مِنْهَا رِيحًا كَأَنَّهُ رِيحُ طِيبٍ، فَقَالَ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ فَيَخْرُجُ حَاجًّا تَفِلًا، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَعْظَمَ بُلْدَانَ اللَّهِ حُرْمَةً أَخْرَجَ ثَوْبَيْهِ كَأَنَّهُمَا كَانَا فِي الطِّيبِ فَلَبِسَهُمَا! فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّمَا لَبِسْتُهُمَا لِأَدْخُلَ فِيهِمَا عَلَى عَشِيرَتِي أَوْ قَوْمِي.
وَاللَّهِ لَقَدْ بَلَغَنِي أَذَاكَ هَاهُنَا وَبِالشَّامِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَقَدْ عَرَفْتُ الْحَيَاءَ فِيهِ.
ثُمَّ نَزَعَ مُعَاوِيَةُ ثَوْبَيْهِ، وَلَبِسَ ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيِّ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا رَأَى مُعَاوِيَةَ قَالَ: هَذَا كِسْرَى الْعَرَبِ.
وَهَكَذَا حَكَى الْمَدَائِنِيُّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: دَخَلَ مُعَاوِيَةُ عَلَى عُمَرَ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ خَضْرَاءُ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا الصَّحَابَةُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عُمَرُ وَثَبَ إِلَيْهِ بِالدِّرَّةِ، فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِهَا، وَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهَ اللَّهَ فِيَّ.
فَرَجَعَ عُمَرُ إِلَى مَجْلِسِهِ، فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: لِمَ ضَرَبْتَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا فِي قَوْمِكَ

مِثْلُهُ؟ ! فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا بَلَغَنِي إِلَّا خَيْرٌ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُهُ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ - فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَضَعَ مِنْهُ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، ثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا مَرْيَمَ الْأَزْدِيَّ أَخْبَرَهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: مَا أَنْعَمَنَا بِكَ أَبَا فَلَانٍ؟ - وَهِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ - فَقُلْتُ: حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ أُخْبِرُكَ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ ".» قَالَ: فَجَعَلَ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، ثَنَا حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى النَّاسِ، فَقَامُوا لَهُ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ".»

وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَامَ لَهُ ابْنُ عَامِرٍ، وَلَمْ يَقُمْ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِابْنِ عَامِرٍ: اجْلِسْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الْعِبَادُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ".» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ: مِنْ حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ الْمُقْرَائِيِّ الْحِمْصِيِّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكَ إِنْ تَتَبَّعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ.
أَوْ: كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ ".» قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ نَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا.
تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ.
يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ جَيِّدَ السِّيرَةِ، حَسَنَ التَّجَاوُزِ، جَمِيلَ الْعَفْوِ، كَثِيرَ السِّتْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ ".» وَفِي رِوَايَةٍ: «وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ".» وَقَدْ خَطَبَ مُعَاوِيَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ

مَرَّةً ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ يُخْبِرُ عَنْ مُعَاذٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَهُمْ بِالشَّامِ» فَحَثَّ بِهَذَا أَهْلَ الشَّامِ عَلَى مُنَاجَزَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ - وَإِنَّ أَهْلَ الشَّامِ هُمُ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ عَلَى مَنْ خَالَفَهَا.
وَهَذَا مِمَّا كَانَ يَحْتَجُّ بِهِ مُعَاوِيَةُ لِأَهْلِ الشَّامِ فِي قِتَالِهِمْ أَهْلَ الْعِرَاقِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فَتَحَ مُعَاوِيَةُ قَيْسَارِيَّةَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ فِي دَوْلَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: وَفَتَحَ قُبْرُسَ سَنَةَ خَمْسٍ.
وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ.
وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ.
فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ.
قَالُوا: وَكَانَ عَامَ غَزْوَةِ الْمَضِيقِ - يَعْنِي مَضِيقَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ - فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ الْأَمِيرُ عَلَى النَّاسِ يَوْمَئِذٍ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَجَمَعَ عُثْمَانُ لِمُعَاوِيَةَ جَمِيعَ الشَّامِ، وَقَدِ اسْتَقْضَى مُعَاوِيَةُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ بَعْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، ثُمَّ كَانَ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيٍّ بَعْدَ قَتَلِ عُثْمَانَ، عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا قِتَالٌ عَظِيمٌ، كَمَا قَدَّمْنَا، وَكَانَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ مَعَ عَلِيٍّ، وَمُعَاوِيَةُ مَعْذُورٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا، وَقَدْ شَهِدَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالْإِسْلَامِ لِلْفَرِيقَيْنِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ ; أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الشَّامِ.
كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ " الصَّحِيحِ ": " «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَقْتُلُهَا أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ» ". فَكَانَتِ الْمَارِقَةُ الْخَوَارِجَ، وَقَتَلَهُمْ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ قُتِلَ عَلِيٌّ، فَاسْتَقَلَّ مُعَاوِيَةُ بِالْأَمْرِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَكَانَ يَغْزُو الرُّومَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ ; مَرَّةً فِي الصَّيْفِ، وَمَرَّةً فِي الشِّتَاءِ، وَيَأْمُرُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ فَيَحُجُّ بِالنَّاسِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُعَاوِيَةُ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَحَجَّ ابْنُهُ يَزِيدُ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَفِيهَا أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا أَغْزَاهُ بِلَادَ الرُّومِ، فَسَارَ مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ كُبَرَاءِ الصَّحَابَةِ حَتَّى حَاصَرَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ ": " «أَوَّلُ جَيْشٍ يَغْزُو الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ مَغْفُورٌ لَهُمْ» ". وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ.
وَقَالَ وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: كَانَ الْحَادِي يَحْدُو بِعُثْمَانَ فَيَقُولُ: إِنَّ الْأَمِيرَ بَعْدَهُ عَلِيُّ ... وَفِي الزُّبَيْرِ خَلَفٌ مَرْضِيُّ فَقَالَ كَعْبٌ: بَلْ هُوَ صَاحِبُ الْبَغْلَةِ الشَّهْبَاءِ.
يَعْنِي مُعَاوِيَةَ.
فَأَتَاهُ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، تَقُولُ هَذَا، وَهَاهُنَا عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَأَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: أَنْتَ صَاحِبُهَا.
وَرَوَاهُ سَيْفٌ، عَنْ بَدْرِ بْنِ الْخَلِيلِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطِيَّةَ الْأَسَدِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَ: مَا زَالَ مُعَاوِيَةُ يَطْمَعُ فِيهَا مُنْذُ سَمِعَ الْحَادِي فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْأَمِيرَ بَعْدَهُ عَلِيُّ ... وَفِي الزُّبَيْرِ خَلَفٌ مَرْضِيُّ

فَقَالَ كَعْبٌ: كَذَبْتَ، بَلْ صَاحِبُ الْبَغْلَةِ الشَّهْبَاءِ بَعْدَهُ.
يَعْنِي مُعَاوِيَةَ.
فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ فِيَّ ذَلِكَ، فَقَالَ: نَعَمْ، أَنْتَ الْأَمِيرُ بَعْدَهُ، وَلَكِنَّهَا وَاللَّهِ لَا تَصِلُ إِلَيْكَ حَتَّى تُكَذِّبَ بِحَدِيثِي هَذَا، فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِ مُعَاوِيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي هَارُونَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: إِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ بَعْدِي، فَإِنْ فَعَلْتُمْ فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، وَسَتَعْلَمُونَ إِذَا وُكِلْتُمْ إِلَى رَأْيِكُمْ كَيْفَ يَسْتَبِزُّهَا دُونَكُمْ.
وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ عَلِيًّا حِينَ بَعَثَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ إِلَى مُعَاوِيَةَ قَبْلَ وَقْعَةِ صِفِّينَ - وَذَلِكَ حِينَ عَزَمَ عَلِيٌّ عَلَى قَصْدِ الشَّامِ، وَجَمَعَ الْجُيُوشَ لِذَلِكَ - وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا إِلَى مُعَاوِيَةَ يَذْكُرُ لَهُ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ لَزِمَتْهُ بَيْعَتُهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ بَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَإِنْ لَمْ تُبَايِعِ اسْتَعَنْتُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ وَقَاتَلْتُكَ.
وَقَدْ أَكْثَرْتَ الْقَوْلَ فِي قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ، ثُمَّ حَاكِمِ الْقَوْمَ إِلَيَّ أَحْمِلْكَ وَإِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ.
فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَكْثَرَهُ فِيمَا سَلَفَ - فَقَرَأَهُ مُعَاوِيَةُ عَلَى النَّاسِ، وَقَامَ جَرِيرٌ فَخَطَبَ النَّاسَ، وَأَمَرَ فِي خُطْبَتِهِ مُعَاوِيَةَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَحَذَّرَهُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ وَالْمُعَانَدَةِ، وَنَهَاهُ عَنْ إِيقَاعِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَنْ يَضْرِبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالسُّيُوفِ.
فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: انْتَظِرْ حَتَّى آخُذَ رَأْيَ أَهْلِ الشَّامِ.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمَرَ مُعَاوِيَةُ مُنَادِيًا، فَنَادَى فِي النَّاسِ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً.
فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ

الَّذِي جَعَلَ الدَّعَائِمَ لِلْإِسْلَامِ أَرْكَانًا، وَالشَّرَائِعَ لِلْإِيمَانِ بُرْهَانًا، يَتَوَقَّدُ مِصْبَاحُهُ بِالسَّنَةِ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ مَحِلَّ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَحَلَّهَا أَهْلَ الشَّامِ وَرَضِيَهُمْ لَهَا، وَرَضِيَهَا لَهُمْ ; لِمَا سَبَقَ مِنْ مَكْنُونِ عِلْمِهِ مِنْ طَاعَتِهِمْ وَمُنَاصَحَتِهِمْ أَوْلِيَاءَهُ فِيهَا، وَالْقُوَّامَ بِأَمْرِهِ، الذَّابِّينَ عَنْ دِينِهِ وَحُرُمَاتِهِ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ نِظَامًا، وَفِي أَعْلَامِ الْخَيْرِ عِظَامًا، يَرْدَعُ اللَّهُ بِهِمُ النَّاكِثِينَ، وَيَجْمَعُ بِهِمْ أُلْفَةَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهَ نَسْتَعِينُ عَلَى مَا تَشَعَّثَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَبَاعَدَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ الْقُرْبِ وَالْأُلْفَةِ، اللَّهُمَّ انْصُرْنَا عَلَى قَوْمٍ يُوقِظُونَ نَائِمًا، وَيُخِيفُونَ آمِنَنًا، وَيُرِيدُونَ هِرَاقَةَ دِمَائِنَا، وَإِخَافَةَ سَبِيلِنَا، وَقَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّا لَا نُرِيدُ لَهُمْ عِقَابًا، وَلَا نَهْتِكُ لَهُمْ حِجَابًا، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ الْحَمِيدَ كَسَانَا مِنَ الْكَرَامَةِ ثَوْبًا لَنْ نَنْزِعَهُ طَوْعًا مَا جَاوَبَ الصَّدَى، وَسَقَطَ النَّدَى، وَعُرِفَ الْهُدَى، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى خِلَافِنَا الْبَغْيُ وَالْحَسَدُ لَنَا، فَاللَّهَ نَسْتَعِينُ عَلَيْهِمْ، أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي خَلِيفَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَنِّي خَلِيفَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ عَلَيْكُمْ، وَأَنِّي لَمْ أُقِمْ رَجُلًا مِنْكُمْ عَلَى خِزَايَةٍ قَطُّ، وَأَنِّي وَلِيُّ عُثْمَانَ وَابْنُ عَمِّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] . وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تُعْلِمُونِي ذَاتَ أَنْفُسِكُمْ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ.
فَقَالَ أَهْلُ الشَّامِ بِأَجْمَعِهِمْ: بَلْ نَطْلُبُ بِدَمِهِ.
فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَبَايَعُوهُ، وَوَثَّقُوا لَهُ أَنْ يَبْذُلُوا فِي ذَلِكَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، أَوْ يُدْرِكُوا بِثَأْرِهِ، أَوْ يُفْنِيَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ.
فَلَمَّا رَأَى جَرِيرٌ مِنْ طَاعَةِ أَهْلِ

الشَّامِ لِمُعَاوِيَةَ مَا رَأَى، أَفْزَعَهُ ذَلِكَ، وَعَجِبَ مِنْهُ.
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِجَرِيرٍ: إِنْ وَلَّانِي عَلَى الشَّامِ وَمِصْرَ بَايَعْتُهُ عَلَى أَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ عَلَيَّ بَيْعَةٌ.
فَقَالَ: اكْتُبْ إِلَى عَلِيٍّ بِمَا شِئْتَ، وَأَنَا أَكْتُبُ مَعَكَ.
فَلَمَّا بَلَغَ عَلِيًّا الْكِتَابُ قَالَ: هَذِهِ خَدِيعَةٌ، وَقَدْ سَأَلَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنْ أُوَلِّيَ مُعَاوِيَةَ الشَّامَ وَأَنَا بِالْمَدِينَةِ، فَأَبَيْتُ ذَلِكَ ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: 51] . ثُمَّ كَتَبَ إِلَى جَرِيرٍ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَمَا قَدِمَ إِلَّا وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ إِلَى عَلِيٍّ، وَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - وَكَانَ مُعْتَزِلًا بِفِلَسْطِينَ حِينَ قُتِلَ عُثْمَانُ - وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ عَزَلَهُ عَنْ مِصْرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ يَسْتَدْعِيهِ لِيَسْتَشِيرَهُ فِي أُمُورِهِ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ، فَاجْتَمَعَا عَلَى حَرْبِ عَلِيٍّ.
وَقَدْ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فِي كِتَابِ مُعَاوِيَةَ إِلَى عَلِيٍّ حِينَ سَأَلَهُ نِيَابَةَ الشَّامِ وَمِصْرَ، فَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُؤَنِّبُهُ وَيَلُومُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيُعَرِّضُ بِأَشْيَاءَ فِيهِ: مُعَاوِيَ إِنَّ الشَّامَ شَامُكَ فَاعْتَصِمْ ... بِشَامِكَ لَا تُدْخِلْ عَلَيْكَ الْأَفَاعِيَا وَحَامِ عَلَيْهَا بِالْقَبَائِلِ وَالْقَنَا ... وَلَا تَكُ مَخْشُوشَ الذِّرَاعَيْنِ وَانِيَا فَإِنَّ عَلِيًّا نَاظِرٌ مَا تُجِيبُهُ ... فَأَهْدِ لَهُ حَرْبًا تُشِيبُ النَّوَاصِيَا وَإِلَّا فَسَلِّمْ إِنَّ فِي الْأَمْنِ رَاحَةً ... لِمَنْ لَا يُرِيدُ الْحَرْبَ فَاخْتَرْ مُعَاوِيَا وَإِنَّ كِتَابًا يَا ابْنَ حَرْبٍ كَتَبْتَهُ ... عَلَى طَمَعٍ جَانٍ عَلَيْكَ الدَّوَاهِيَا سَأَلْتَ عَلِيًّا فِيهِ مَا لَا تَنَالُهُ ... وَلَوْ نِلْتَهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا لَيَالِيَا إِلَى أَنْ تَرَى مِنْهُ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَهَا ... بَقَاءٌ فَلَا تُكْثِرْ عَلَيْكَ الْأَمَانِيَا

وَمِثْلُ عَلِيٍّ تَغْتَرِرْهُ بِخَدْعَةٍ ... وَقَدْ كَانَ مَا جَرَّبْتَ مِنْ قَبْلُ كَافِيَا وَلَوْ نَشِبَتْ أَظْفَارُهُ فِيكَ مَرَّةً ... حَذَاكَ ابْنَ هِنْدَ بَعْدَ مَا كُنْتَ حَاذَيَا وَقَدْ وَرَدَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيَّ وَجَمَاعَةً مَعَهُ دَخَلُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ تُنَازِعُ عَلِيًّا أَمْ أَنْتَ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنِّي وَأَفْضَلُ، وَأَحَقُّ بِالْأَمْرِ مِنِّي، وَلَكِنْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ مَظْلُومًا، وَأَنَا ابْنُ عَمِّهِ، وَأَنَا أَطْلُبُ بِدَمِهِ، وَأَمْرُهُ إِلَيَّ؟ فَقُولُوا لَهُ فَلْيُسَلِّمْ إِلَيَّ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، وَأَنَا أُسَلِّمُ لَهُ أَمْرَهُ.
فَأَتَوْا عَلِيًّا، فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ، فَلَمْ يَدْفَعْ إِلَيْهِمْ أَحَدًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ صَمَّمَ أَهْلُ الشَّامِ عَلَى الْقِتَالِ مَعَ مُعَاوِيَةَ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شَمِرٍ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَوْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ رَجُلًا إِلَى دِمَشْقَ يُنْذِرُهُمْ أَنَّ عَلِيًّا قَدْ نَهَدَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَيْكُمْ ; لِيَسْتَعْلِمَ طَاعَتَهُمْ لِمُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ، أَمَرَ مُعَاوِيَةُ فَنُودِيَ فِي النَّاسِ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً.
فَمَلَئُوا الْمَسْجِدَ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: إِنَّ عَلِيًّا قَدْ نَهَدَ إِلَيْكُمْ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَمَا الرَّأْيُ؟ فَضَرَبَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى صَدْرِهِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَا رَفَعُوا إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ، وَقَامَ ذُو الْكَلَاعِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عَلَيْكَ الرَّأْيُ وَعَلَيْنَا امْفِعَالٌ.
يَعْنِي: الْفِعَالَ.
ثُمَّ نَادَى مُعَاوِيَةُ فِي النَّاسِ أَنِ اخْرُجُوا

إِلَى مُعَسْكَرِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، فَمَنْ تَخَلَّفَ فَقَدْ أَحَلَّ بْنَفْسِهِ.
فَاجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ، فَرَكِبَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرَهُ، فَأَمَرَ عَلِيٌّ مُنَادِيًا فَنَادَى: الصَّلَاةَ جَامِعَةً.
فَاجْتَمَعُوا، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ جَمَعَ النَّاسَ لِحَرْبِكُمْ، فَمَا الرَّأْيُ؟ فَقَالَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ مَقَالَةً، وَاخْتَلَطَ كَلَامُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، فَلَمْ يَدِرِ عَلِيٌّ مِمَّا قَالُوا شَيْئًا، فَنَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ذَهَبَ وَاللَّهِ بِهَا ابْنُ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ.
ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْفَرِيقَيْنِ بِصِفِّينَ مَا كَانَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ مَبْسُوطًا فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ: أَنْبَأَنَا أَبُو حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَقَدْ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الرِّكَابِ، وَهَمَمْتُ يَوْمَ صِفِّينَ بِالْهَزِيمَةِ، فَمَا مَنَعَنِي إِلَّا قَوْلُ ابْنِ الْإِطْنَابَةِ حَيْثُ يَقُولُ: أَبَتْ لِي عِفَّتِي وَأَبَى بَلَائِي ... وَأَخْذِي الْحَمْدَ بِالثَّمَنِ الرَّبِيحِ وَإِكْرَاهِي عَلَى الْمَكْرُوهِ نَفْسِي ... وَضَرْبِي هَامَةَ الْبَطَلِ الْمُشِيحِ وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ ... مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: الْخُلَفَاءُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ.
فَقِيلَ لَهُ: فَمُعَاوِيَةُ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَحَقَّ بِالْخِلَافَةِ فِي زَمَانِ عَلِيٍّ مِنْ عَلِيٍّ، وَرَحِمَ اللَّهُ مُعَاوِيَةَ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: مَا كَانَتْ فِي عَلِيٍّ خَصْلَةٌ تَقْصُرُ بِهِ عَنِ الْخِلَافَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي مُعَاوِيَةَ خَصْلَةٌ يُنَازِعُ عَلِيًّا بِهَا.

وَقِيلَ لِشَرِيكٍ الْقَاضِي: كَانَ مُعَاوِيَةُ حَلِيمًا؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِحَلِيمٍ مَنْ سَفِهَ الْحَقَّ وَقَاتَلَ عَلِيًّا.
رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ ذَكَرَ مُعَاوِيَةَ وَأَنَّهُ لَبَّى عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَقَالَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا، ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيًّا لَبَّى عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَتَرَكَهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ جَالِسَانِ عِنْدَهُ، فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ إِذْ أُتِيَ بَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، فَأُدْخِلَا بَيْتًا وَأُجِيفَ الْبَابُ وَأَنَا أَنْظُرُ، فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ خَرَجَ عَلِيٌّ وَهُوَ يَقُولُ: قُضِيَ لِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.
ثُمَّ مَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ خَرَجَ مُعَاوِيَةُ وَهُوَ يَقُولُ: غُفِرَ لِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنِّي أُبْغِضُ مُعَاوِيَةَ.
فَقَالَ لَهُ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ قَاتَلَ عَلِيًّا.
فَقَالَ لَهُ أَبُو زُرْعَةَ: وَيْحَكَ! إِنَّ رَبَّ مُعَاوِيَةَ رَبٌّ رَحِيمٌ، وَخَصْمُ مُعَاوِيَةَ خَصْمٌ كَرِيمٌ، فَأَيْشِ دُخُولُكَ أَنْتَ بَيْنَهُمَا؟ ! رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَمَّا جَرَى بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، فَقَرَأَ:

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 134] . وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: سُئِلَ الْحَسَنُ عَمَّا جَرَى بَيْنَ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ فَقَالَ: كَانَتْ لِهَذَا سَابِقَةٌ وَلِهَذَا سَابِقَةٌ، وَلِهَذَا قَرَابَةٌ وَلِهَذَا قَرَابَةٌ، فَابْتُلِيَ هَذَا وَعُوفِيَ هَذَا.
وَسُئِلَ عَمَّا جَرَى بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ فَقَالَ: كَانَتْ لِهَذَا قَرَابَةٌ وَلِهَذَا قَرَابَةٌ، وَلِهَذَا سَابِقَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ لِهَذَا سَابِقَةٌ، فَابْتُلِيَا جَمِيعًا.
وَقَالَ كُلْثُومُ بْنُ جَوْشَنٍ: سَأَلَ النَّضْرُ أَبُو عُمَرَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ أَفْضَلُ أَمْ عَلِيٌّ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَلَا سَوَاءَ، سَبَقَتْ لِعَلِيٍّ سَوَابِقُ شَرِكَهُ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَحْدَثَ عَلِيٌّ أَحْدَاثًا لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، أَبُو بَكْرٍ أَفْضَلُ.
فَقَالَ: فَعُمَرُ أَفْضَلُ أَمْ عَلِيٌّ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: عُمَرُ أَفْضَلُ.
ثُمَّ قَالَ: عُثْمَانُ أَفْضَلُ أَمْ عَلِيٌّ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: عُثْمَانُ أَفْضَلُ.
قَالَ: فِعَلِيٌّ أَفْضَلُ أَمْ مُعَاوِيَةُ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَلَا سَوَاءَ، سَبَقَتْ لِعَلِيٍّ سَوَابِقُ لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهَا مُعَاوِيَةُ، وَأَحْدَثَ عَلِيٌّ أَحْدَاثًا شَرِكَهُ فِيهَا مُعَاوِيَةُ، عَلِيٌّ أَفْضَلُ مِنْ مُعَاوِيَةَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَنْقِمُ عَلَى مُعَاوِيَةَ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ ; قِتَالَهُ عَلِيًّا، وَقَتْلَهُ حُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ وَاسْتِلْحَاقَهُ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ، وَمُبَايَعَتَهُ لِيَزِيدَ ابْنِهِ.
وَقَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: لَمَّا جَاءَ خَبَرُ قَتْلِ عَلِيٍّ إِلَى

مُعَاوِيَةَ جَعَلَ يَبْكِي، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَتَبْكِيهِ وَقَدْ قَاتَلْتَهُ؟ فَقَالَ: وَيْحَكِ! إِنَّكِ لَا تَدْرِينَ مَا فَقَدَ النَّاسُ مِنَ الْفَضْلِ وَالْفِقْهِ وَالْعِلْمِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: بِالْأَمْسِ تُقَاتِلُهُ وَالْيَوْمَ تَبْكِيهِ؟ ! قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ مَقْتَلُ عَلِيٍّ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَلِهَذَا قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ بُويِعَ لَهُ بِإِيلِيَاءَ بَيْعَةَ الْجَمَاعَةِ، وَدَخَلَ الْكُوفَةَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ.
وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْجُمْهُورُ ; أَنَّهُ بُويِعَ لَهُ بِإِيلِيَاءَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، حِينَ بَلَغَ أَهْلَ الشَّامِ مَقْتَلُ عَلِيٍّ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا دَخَلَ الْكُوفَةَ بَعْدَ مُصَالَحَةِ الْحَسَنِ لَهُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَهُوَ عَامُ الْجَمَاعَةِ، وَذَلِكَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: أَذْرُحُ.
وَقِيلَ: بِمَسْكِنَ.
مِنْ أَرْضِ سَوَادِ الْعِرَاقِ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَنْبَارِ، فَاسْتَقَلَّ مُعَاوِيَةُ بِالْأَمْرِ إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ مُعَاوِيَةَ: لِكُلِّ عَمَلٍ ثَوَابٌ.
وَقِيلَ: بَلْ كَانَ: لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَا ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا مُعَاوِيَةُ بِالنُّخَيْلَةِ - يَعْنِي خَارِجَ الْكُوفَةِ - الْجُمُعَةِ فِي الضُّحَى، ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: مَا قَاتَلْتُكُمْ لِتَصُومُوا، وَلَا لِتُصَلُّوا، وَلَا لِتَحُجُّوا، وَلَا لِتُزَكُّوا، قَدْ عَرَفْتُ

جارٍ التحميل