البداية والنهايةصفحات 680-719

َ فَتْحُ الرَّيِّ

صفحات 680-719

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا جَمَعَتِ الْفِرِنْجُ جُمُوعَهَا وَأَقْبَلُوا فَحَاصَرُوا تِبْنِينَ، فَاسْتَدْعَى الْعَادِلُ بَنِي أَخِيهِ لِقِتَالِهِمْ، فَجَاءَهُ الْعَزِيزُ مِنْ مِصْرَ وَالْأَفْضَلُ مِنْ صَرْخَدَ فَأَقْلَعَتِ الْفِرِنْجُ عَنِ الْحِصْنِ وَبَلَغَهُمْ مَوْتُ مَلِكِ الْأَلْمَانِ، فَطَلَبُوا مِنَ الْعَادِلِ الْهُدْنَةَ وَالْأَمَانَ، فَهَادَنَهُمْ وَرَجَعَتِ الْمُلُوكُ إِلَى أَمَاكِنِهَا، وَقَدْ عَظُمَ الْمُعَظَّمُ عِيسَى بْنُ الْعَادِلِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ وَاسْتَنَابَهُ أَبُوهُ عَلَى دِمَشْقَ وَسَارَ إِلَى مُلْكِهِ بِالْجَزِيرَةِ فَأَحْسَنَ فِيهِمُ السِّيرَةَ.
وَكَانَ قَدْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ السُّلْطَانُ صَاحِبُ سِنْجَارَ وَغَيْرِهَا مِنِ الْمَدَائِنِ الْكِبَارِ، وَهُوَ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِيُّ بْنُ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِيٍّ الْأَتَابِكِيُّ، كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ وَأَحْسَنِهِمْ شَكْلًا وَسِيرَةً، وَأَجْوَدِهِمْ طَوِيَّةً وَسَرِيرَةً، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُبْخَّلُ، وَكَانَ شَدِيدَ الْمَحَبَّةِ لِلْعُلَمَاءِ، وَلَا سِيَّمَا الْحَنَفِيَّةَ، وِقَدِ ابْتَنَى لَهُمْ مَدْرَسَةً بِسِنْجَارَ، وَشَرَطَ لَهُمْ طَعَامًا يُطْبَخُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَهَذَا نَظَرٌ حَسَنٌ، وَالْفَقِيهُ أَوْلَى بِهَذِهِ الْحَسَنَةِ مِنَ الْفَقِيرِ ; لِاشْتِغَالِ الْفَقِيهِ بِتَكْرَارِهِ وَمُطَالَعَتِهِ عَنِ الْفِكْرِ فِيمَا يُقِيتُهُ، فَعَدَا عَلَى أَوْلَادِهِ ابْنُ عَمِّهِ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ فَأَخَذَ الْمُلْكَ مِنْهُمْ، فَاسْتَغَاثَ

بَنُوهُ بِالْمَلِكِ الْعَادِلِ، فَرَدَّ فِيهِمُ الْمُلْكَ وَدَرَأَ عَنْهُمُ الضَّيْمَ، وَاسْتَقَرَّتِ الْمَمَلَكَةُ لِوَلَدِهِ قُطْبِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ سَارَ الْعَادِلُ إِلَى مَارِدِينَ فَحَاصَرَهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَاسْتَوْلَى عَلَى رَبَضِهَا وَمُعَامَلَتِهَا، وَأَعْجَزَتْهُ قَلْعَتُهَا فَصَافَ عَلَيْهَا وَشَتَا، وَمَا ظَنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ تَمَلَّكَهَا ; حَتَّى هَنَّتْهُ الشُّعَرَاءُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَثْبُوتًا وَلَا مُقَدَّرًا.
وَفِيهَا مَلَكَتِ الْغُورُ مَدِينَةَ بَلْخَ وَكَسَرُوا الْخِطَا وَقَهَرُوهُمْ وَهَزَمُوهُمْ وَتَوَقَّعُوا بِإِرْسَالِ الْخَلِيفَةِ إِلَيْهِمْ أَنْ يَمْنَعُوا خُوَارِزْمَ شَاهْ مِنْ دُخُولِ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُ كَانَ يَرُومُ أَنْ يُخْطَبَ لَهُ بِبَغْدَادَ.
وَفِيهَا حَاصَرَ خُوَارِزْمُ شَاهْ مَدِينَةَ بُخَارَا فَفَتَحَهَا بَعْدَ مُدَّةٍ، وَقَدْ كَانَتِ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ دَهْرًا وَنَصَرَهُمُ الْخِطَا فَقَهَرَهُمْ جَمِيعًا وَأَخَذَهَا عَنْوَةً، وَعَفَا عَنْ أَهْلِهَا وَصَفَحَ عَنْهُمْ، وَقَدْ كَانُوا أَلْبَسُوا كَلْبًا أَعْوَرَ قَبَاءً وَسَمَّوْهُ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَرَمَوْهُ فِي الْمَنْجَنِيقِ إِلَى الْخُوَارِزْمِيَّةِ، وَقَالُوا: هَذَا مَلِكُكُمْ.
وَكَانَ خُوَارِزْمُ شَاهْ أَعْوَرَ، فَلَمَّا قَدِرَ عَلَيْهِمْ عَفَا عَنْهُمْ، جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنِ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنِ الْأَعْيَانِ: الْقِوَامُ بْنُ زَبَادَةَ كَاتِبُ الْإِنْشَاءِ بِبَابِ الْخِلَافَةِ، وَهُوَ أَبُو طَالِبٍ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زَبَادَةَ، قِوَامُ الدِّينِ، انْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ التَّرَسُّلِ

وَالْإِنْشَاءِ وَالْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ فِي زَمَانِهِ بِالْعِرَاقِ، وَلَهُ عُلُومٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَخَذَهُ عَنِ ابْنِ فَضْلَانَ، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ جَيِّدَةٌ بِالْأَصْلَيْنِ وَالْحِسَابِ وَاللُّغَةِ وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ، وَقَدْ وَلِيَ عِدَّةَ مَنَاصِبَ، كَانَ مَشْكُورًا فِي جَمِيعِهَا، وَمِنْ مُسْتَجَادِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ: لَا تَحْقِرَنَّ عَدُوًّا تَزْدَرِيهِ فَكَمْ ... قَدْ أَتْعَسَ الدَّهْرُ جَدَّ الْجِدِّ بِاللَّعِبِ فَهَذِهِ الشَّمْسُ يَعْرُوهَا الْكُسُوفُ لَهَا ... عَلَى جَلَالَتِهَا بِالرَّأْسِ وَالذَّنَبِ وَقَوْلُهُ: بِاضْطِرَابِ الزَّمَانِ تَرْتَفِعُ الْأَنْ ... ذَالُ فِيهِ حَتَّى يَعُمَّ الْبَلَاءُ وَكَذَا الْمَاءُ رَاكِدٌ فِإِذَا ... حُرِّكَ ثَارَتْ مِنْ قَعْرِهِ الْأَقْذَاءُ وَلَهُ أَيْضًا: قَدْ سَلَوْتُ الدُّنْيَا وَلَمْ يَسْلُهَا ... مَنْ عَلَقَتْ فِي آمَالِهِ وَالْأَرَاجِي فَإِذَا مَا صَرَفْتُ وَجْهِي عَنْهَا ... قَذَفُونِي فِي بَحْرِهَا الْعَجَاجِ يَسْتَضِيئُونَ بِي وَأَهْلِكُ وَحْدِي ... فَكَأَنِّي ذُبَالَةٌ فِي سِرَاجِ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَلَهُ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَدُفِنَ عِنْدَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ.
الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ جَابِرِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَطَائِحِيُّ.
قَدِمَ بَغْدَادَ

فَتَفَقَّهَ بِهَا وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَأَقَامَ بِرَحْبَةِ مَالِكِ بْنِ طَوْقٍ مُدَّةً يَشْتَغِلُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّبِيهِ الْفَرَضِيِّ ثُمَّ وَلِيَ قَضَاءَ الْعِرَاقِ مُدَّةً، وَكَانَ أَدِيبًا، وَقَدْ سَمِعَ مِنْ شَيْخِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّبِيهِ يُنْشِدُ لِنَفْسِهِ مُعَارِضًا لِلْحَرِيرِيِّ فِي بَيْتَيْهِ اللَّذَيْنِ زَعَمَ أَنَّهُمَا لَا يُعَزَّزَانِ بِثَالِثٍ لَهُمَا، وَهُمَا قَوْلُهُ: سِمْ سِمَةً يُحْمَدُ آثَارُهَا ... وَاشْكُرْ لِمَنْ أَعْطَى وَلَوْ سِمْسِمَهْ وَالْمَكْرُ مَهْمَا اسْتَطَعْتَ لَا تَأْتَهِ ... لِتَقْتَنِيَ السُّؤْدُدَ وَالْمَكْرُمَهْ فَقَالَ ابْنُ النَّبِيهِ: مَا الْأَمَةُ الْوَكْعَاءُ بَيْنَ الْوَرَى ... أَحْسَنُ مِنْ حُرٍّ أَتَى مَلَأَمَهْ فَمَهْ إِذَا اسْتُجْدِيتَ عَنْ قَوْلِ لَا ... فَالْحُرُّ لَا يَمْلَأُ مِنْهَا فَمَهْ الْأَمِيرُ عِزُّ الدِّينِ جُرْدَيْكُ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ فِي زَمَانِ نُورِ الدِّينِ، وَكَانَ مِمَّنْ شَرِكَ فِي قَتْلِ شَاوِرٍ، وَحَظِيَ عِنْدَ صَلَاحِ الدِّينِ، وِقَدِ اسْتَنَابَهُ عَلَى الْقُدْسِ حِينَ افْتَتَحَهَا، وَكَانَ يَسْتَنْدِبُهُ لِلْمُهِمَّاتِ الْكِبَارِ فَيَسُدُّهَا بِنَهْضَتِهِ وَشَجَاعَتِهِ، وَلَمَّا وَلِيَ الْأَفْضَلُ عَزَلَهُ عَنْ بَيْتِ الْمَقَدْسِ، فَتَرَكَ بِلَادَ الشَّامِ وَانْتَقَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَمَاتَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنِ الْأَحْدَاثِ]

وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ الْمَلَكِ الْعَزِيزِ صَاحِبِ مِصْرَ وَذَلِكَ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الصَّيْدِ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ الْعِشْرِينَ مِنِ الْمُحَرَّمِ، سَاقَ خَلْفَ ذِئْبٍ، فَكَبَا بِهِ الْفَرَسُ فَسَقَطَ عَنْهُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بَعْدَ أَيَّامٍ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى الْبَلَدِ، فَنُقِلَ وَدُفِنَ بِدَارِهِ، ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى عِنْدِ تُرْبَةِ الشَّافِعِيِّ، وَلَهُ سَبْعٌ أَوْ ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً؛ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ قَدْ عَزَمَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى إِخْرَاجِ الْحَنَابِلَةِ مِنْ بَلَدِهِ، وَيَكْتُبُ إِلَى بَقِيَّةِ إِخْوَتِهِ أَنْ يُخْرِجُوهُمْ مِنْ بِلَادِهِمْ، وَشَاعَ ذَلِكَ عَنْهُ وَسُمِعَ مِنْهُ وَذَاعَ وَصُرِّحَ بِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ مُعَلِّمِيهِ وَخُلَطَائِهِ وَعُشَرَائِهِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ، وَقِلَّةِ عِلْمِهِ بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، فَلَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ عَظُمَ قَدْرُ الْحَنَابِلَةِ بِدِيَارِ مِصْرَ وَالشَّامِ عِنْدَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ.
وَقِيلَ: إِنَّ بَعْضَ صَالِحِيهِمْ دَعَا عَلَيْهِ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ خَرَجَ إِلَى الصَّيْدِ، فَكَانَ هَلَاكُهُ سَرِيعًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكُتَبَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ كِتَابَ التَّعْزِيَةِ بِالْعَزِيزِ إِلَى عَمِّهِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مُحَاصَرَةِ مَارِدِينَ وَمَعَهُ الْعَسَاكِرُ، وَوَلَدُهُ مُحَمَّدٌ الْكَامِلُ، وَهُوَ نَائِبُهُ عَلَى بِلَادِ الْجَزِيرَةِ الْمُقَارِبَةِ لِبِلَادِ الْحِيرَةِ، وَصُورَةُ الْكِتَابِ: أَدَامَ اللَّهُ سُلْطَانَ مَوْلَانَا الْمَلِكِ

الْعَادِلِ، وَبَارَكَ فِي عُمْرِهِ وَأَعْلَا أَمْرَهُ بِأَمْرِهِ، وَأَعَزَّ نَصْرَ الْإِسْلَامِ بِنَصْرِهِ، وَفَدَتِ الْأَنْفُسُ نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ، وَأَصْغَرَ اللَّهُ الْعَظَائِمَ بِنِعَمِهِ فِيهِ الْعَظِيمَةِ، وَأَحْيَاهُ حَيَاةً طَيِّبَةً يَقِفُ فِيهَا هُوَ وَالْإِسْلَامُ فِي مَوَاقِفِ الْفُتُوحِ الْجَسِيمَةِ، وَيَنْقَلِبُ عَنْهَا بِالْأُمُورِ الْمُسْلِمَةِ وَالْعَوَاقِبِ السَّلِيمَةِ، وَلَا نَقَصَ لَهُ رِجَالًا وَلَا عَدَدًا، وَلَا أَعْدَمَهُ نَفْسًا وَلَا وَلَدًا، وَلَا قَصَّرَ لَهُ ذَيْلًا وَلَا يَدًا، وَلَا أَسْخَنَ لَهُ قَلْبًا وَلَا كَبِدًا، وَلَا كَدَّرَ لَهُ خَاطِرًا وَلَا مَوْرِدًا، وَلَمَّا قَدَّرَ اللَّهُ مَا قَدَّرَ فِي الْمَلِكِ الْعَزِيزِ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَتَحِيَّاتُهُ مُكَرَّرَةٌ إِلَيْهِ مِنَ انْقِضَاءِ مُهْلِهِ وَحُضُورِ أَجَلِهِ، كَانَتْ بَدِيهَةُ الْمُصَابِ عَظِيمَةً، وَطَالِعَةُ الْمَكْرُوهِ أَلِيمَةً، فَرَحِمَ اللَّهُ ذَلِكَ الْوَجْهَ وَنَضَّرَهُ، ثُمَّ إِلَى سَبِيلِ الْجَنَّةِ يَسَّرَهُ وَإِذَا مَحَاسِنُ أَوْجُهٍ بَلِيَتْ ... فَعَفَا الثَّرَى عَنْ وْجِهِهِ الْحَسَنِ فَأَعَزِزْ عَلَى الْمَمْلُوكِ وَعَلَى الْأَوْلِيَاءِ بَلْ عَلَى قَلْبِ مَوْلَانَا، لَا سَلَبَهُ ثِيَابَ الْعَزَاءِ، لِسُرْعَةِ مَصْرَعِهِ وَانْقِلَابِهِ إِلَى مَضْجَعِهِ، وَلِبَاسِهِ ثَوْبَ الْبَلِي قَبْلَ أَنْ يَبْلَى ثَوْبُ الشَّبَابِ، وَزَفَّهُ إِلَى التُّرَابِ وَسَرِيرُهُ مَحْفُوفٌ بِاللَّذَّاتِ وَالْأَتْرَابِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ الْمَرَضِ بَعْدَ الْعُودِ مِنَ الْفَيُّومِ أُسْبُوعَيْنِ، وَكَانَتْ فِي السَّاعَةِ السَّابِعَةِ مِنْ لَيْلَةِ الْأَحَدِ الْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَالْمَمْلُوكُ فِي حَالِ تَسْطِيرِهَا مَجْمُوعٌ بَيْنَ مَرَضِ قَلْبٍ وَجَسَدٍ وَوَجَعِ أَطْرَافٍ وَغَلِيلِ كَبِدٍ، وَقَدْ فُجِعَ بِهَذَا الْمَوْلَى، وَالْعَهْدُ بِوَالِدِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - غَيْرُ بَعِيدٍ، وَالْأَسَى عَلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ جَدِيدٍ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ الْعَزِيزُ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ، خَلَّفَ مِنَ الْوَلَدِ عَشَرَةَ ذُكُورٍ، فَعَمَدَ أُمَرَاؤُهُ فَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ وَلَدَهُ مُحَمَّدًا، وَلَقَّبُوهُ بِالْمَنْصُورِ، وَجُمْهُورُ الْأُمَرَاءِ فِي الْبَاطِنِ مَائِلُونَ إِلَى تَمْلِيكِ الْعَادِلِ، وَلَكِنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا مَكَانَهُ، فَأَرْسَلُوا إِلَى الْأَفْضَلِ وَهُوَ بِصَرْخَدَ فَأَحْضَرُوهُ عَلَى الْبَرِيدِ سَرِيعًا، فَلَمَّا حَصَلَ عِنْدَهُمْ مُنِعَ رِفْدُهُمْ، وَوَجَدُوا الْكَلِمَةَ

مُخْتَلِفَةً عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتِمَّ لَهُ مَا صَارَ إِلَيْهِ، وَخَامَرَ عَلَيْهِ أَكَابِرُ الْأُمَرَاءِ النَّاصِرِيَّةِ، وَخَرَجُوا مِنْ دِيَارِ مِصْرَ فَأَقَامُوا فِي بَيْتِ الْمَقَدْسِ وَأَرْسَلُوا يَسْتَحِثُّونَ الْجُيُوشَ الْعَادِلِيَّةِ، فَأَقَرَّ ابْنُ أَخِيهِ عَلَى السَّلْطَنَةِ، وَنَوَّهَ بِاسْمِهِ عَلَى السِّكَّةِ وَالْخُطْبَةِ فِي سَائِرِ مَا هُنَالِكَ مِنِ الْمَمْلَكَةِ، لَكِنِ اسْتَفَادَ بِهَذِهِ السَّفْرَةِ أَنْ أَخَذَ جَيْشًا كَثِيفًا مِنَ الْمِصْرِيِّينَ، وَأَقْبَلَ بِهِمْ لِيَسْتَرِدَّ دِمَشْقَ فِي غَيْبَةِ عَمِّهِ بِمُحَاصَرَةِ مَارِدِينَ وَذَلِكَ بِإِشَارَةِ أَخِيهِ صَاحِبِ حَلَبَ وَابْنِ عَمِّهِ مَلِكِ حِمْصَ أَسَدِ الدِّينِ.
فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهَا وَنَزَلَ حَوَالَيْهَا، قَطَعَ أَنْهَارَهَا وَعَقَرَ أَشْجَارَهَا وَقَلَّلَ ثِمَارَهَا وَنَزَلَ بِمُخَيَّمِهِ عَلَى مَسْجِدِ الْقَدِمِ، وَقَدْ لَحِقَهُ الْأَسَفُ وَالنَّدَمُ، وَجَاءَ إِلَيْهِ أَخُوهُ الظَّاهِرُ وَابْنُ عَمِّهِ الْأَسَدُ الْكَاسِرُ وَاللَّيْثُ الْكَاشِرُ وَجَيْشُ حَمَاةَ، فَكَثُرَ جَيْشُهُ وَقَوِيَ الْأَفْضَلُ بْنُ النَّاصِرِ، وَقَدْ دَخَلَ جَيْشُهُ إِلَى الْبَلَدِ، وَنَادَوْا بِشِعَارِهِ، فَلَمْ يُتَابِعْهُمْ مِنَ الْعَامَّةِ أَحَدٌ وَأَقْبَلَ الْعَادِلُ مِنْ مَارِدِينَ بِعَسَاكِرِهِ، وِقَدِ الْتَفَّ عَلَيْهِ طَائِفَةُ بَنِي أَخِيهِ وَأَمَدَّهُ كُلُّ مِصْرٍ بِأَكَابِرِهِ، وَسَبَقَ الْأَفْضَلُ إِلَى دِمَشْقَ بِيَوْمَيْنِ فَحَصَّنَهَا وَحَفِظَهَا مِنْ كُلِّ حَاسِدٍ وَذِي عَيْنَيْنِ، وِقَدِ اسْتَنَابَ عَلَى مَارِدِينَ وَلَدَهُ مُحَمَّدًا الْكَامِلَ رَئِيسَ السَّلَاطِينِ.
وَلَمَّا دَخَلَ دِمَشْقَ خَامَرَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْأُمَرَاءِ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ وَضَعُفَ أَمْرُ الْأَفْضَلِ وَيَئِسَ مِنْ بِرِّهِمْ وَخَيْرِهِمْ، فَأَقَامَ مُحَاصِرًا الْبَلَدَ بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى انْسَلَخَ الْحَوْلُ وَهُوَ كَذَلِكَ، ثُمَّ انْفَصَلَ الْحَالُ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ الْآتِيَةِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِيهَا شَرَعَ فِي بِنَاءِ سُورِ بَغْدَادَ بِالْآجُرِّ وَالْكِلْسِ، وَفَرَّقَ عَلَى الْأُمَرَاءِ، وَكَمَلَتْ عِمَارَتُهُ بَعْدَ هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَمِنَتْ بَغْدَادُ مِنَ الْغَرَقِ وَالْحِصَارِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا سُورٌ قَبْلَ ذَلِكَ.

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ السُّلْطَانُ الْكَبِيرُ أَبُو مُحَمَّدٍ يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، صَاحِبُ الْمَغْرِبِ وَالْأَنْدَلُسِ بِمَدِينَتِهِ سَلَا، وَكَانَ قَدِ ابْتَنَى عِنْدَهَا مَدِينَةً مَلِيحَةً سَمَّاهَا الْمَهْدِيَّةَ، وَقَدْ كَانَ دَيِّنًا حَسَنَ السِّيرَةِ، صَحِيحَ السَّرِيرَةِ، وَكَانَ مَالِكِيَّ الْمَذْهَبِ، ثُمَّ صَارَ ظَاهِرِيًّا حَزْمِيًّا، ثُمَّ مَالَ إِلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَاسْتَقْضَى فِي بَعْضِ بِلَادِهِ مِنْهُمْ قُضَاةً، وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ كَثِيرَ الْجِهَادِ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَانَ يَؤُمُّ النَّاسَ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَكَانَ قَرِيبًا إِلَى الْمَرْأَةِ وَالضَّعِيفِ، وَهُوَ الَّذِي كَتَبَ إِلَيْهِ صَلَاحُ الدِّينِ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى الْفِرِنْجِ، فَلَمَّا لَمْ يُخَاطِبْهُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ غَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى مَا طَلَبَ مِنْهُ، وَقَامَ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ مُحَمَّدٌ، فَسَارَ كَسِيرَةِ وَالِدِهِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْبُلْدَانِ اللَّاتِي كَانَتْ قَدْ عَصَتْ عَلَى أَبِيهِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ تَفَرَّقَتْ بِهِمُ الْأَهْوَاءُ، وَبَادَ هَذَا الْبَيْتُ بَعْدَ الْمَلِكِ يَعْقُوبَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ادَّعَى رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ بِدِمَشْقَ أَنَّهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَأَمَرَ الْأَمِيرُ صَارِمُ الدِّينِ بُزْغُشُ نَائِبُ الْقَلْعَةِ، بِصَلْبِهِ فَصُلِبَ عِنْدَ حَمَّامِ الْعِمَادِ الْكَاتِبِ، خَارِجَ بَابِ الْفَرَجِ مُقَابِلَ الطَّاحُونِ الَّتِي بَيْنَ الْبَابَيْنِ، وَقَدْ بَادَ هَذَا الْحَمَّامُ قَدِيمًا، وَبَعْدَ صَلْبِهِ بِيَوْمَيْنِ ثَارَتِ الْعَامَّةُ عَلَى الرَّوَافِضِ وَعَمَدُوا إِلَى قَبْرِ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِبَابِ الصَّغِيرِ يُقَالُ لَهُ: وَثَّابٌ.
فَنَبَشُوهُ وَصَلَبُوهُ مَعَ كَلْبَيْنِ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْهَا.

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ كَبِيرَةٌ بِبِلَادِ خُرَاسَانَ وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ فَخْرَ الدِّينِ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ الرَّازِيَّ أُسْتَاذَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي زَمَانِهِ وَفَدَ إِلَى الْمَلِكِ غِيَاثِ الدِّينِ الْغُورِيِّ صَاحِبِ غَزْنَةَ، فَأَكْرَمَهُ وَبَنَى لَهُ مَدْرَسَةً بِهَرَاةَ، وَكَانَ أَكْثَرُ الْغُورِيَّةِ كَرَّامِيَّةً ; فَأَبْغَضُوا الرَّازِيَّ وَأَحَبُّوا إِبْعَادَهُ عَنِ الْمَلِكِ، فَجَمَعُوا لَهُ جَمَاعَةً مِنَ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ، وَخَلْقًا مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَحَضَرَ ابْنُ الْقَدْوَةِ، وَكَانَ شَيْخًا مُعَظَّمًا فِي النَّاسِ، وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ كِرَامٍ وَابْنِ الْهَيْصَمِ، فَتَنَاظَرَ هُوَ وَالرَّازِيُّ، وَخَرَجَا مِنَ الْمُنَاظَرَةِ إِلَى السَّبِّ وَالشَّتْمِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَقَامَ وَاعِظٌ فَتَكَلَّمَ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا لَا نَقُولُ إِلَّا مَا صَحَّ عِنْدَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا عِلْمُ أَرِسْطَاطَالِيسَ وَكُفْرِيَّاتُ ابْنِ سِينَا وَفَلْسَفَةُ الْفَارَابِيِّ، فَلَا نَعْلَمُهَا، وَلِأَيِّ حَالٍ يُشْتَمُ بِالْأَمْسِ شَيْخٌ مِنْ شُيُوخِ الْإِسْلَامِ، يَذُبُّ عَنْ دِينِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ.
قَالَ: فَبَكَى النَّاسُ وَضَجُّوا، وَبَكَتِ الْكَرَّامِيَّةُ وَاسْتَغَاثُوا، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ خَوَاصِّ النَّاسِ، وَأَنْهَوْا إِلَى الْمَلِكِ صُورَةَ مَا وَقَعَ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ الرَّازِيِّ مِنْ بِلَادِهِ، وَعَادَ إِلَى هَرَاةَ ; فَلِهَذَا أُشْرِبَ قَلْبُ الرَّازِيِّ بُغْضَ الْكَرَّامِيَّةِ، وَصَارَ يَلْهَجُ بِهِمْ فِي كَلَامِهِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ، وَكُلَّمَا هَبَّتِ الصَّبَا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ الرِّضَا عَنِ الشَّيْخِ جَمَالِ الدِّينِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ، شَيْخِ الْوُعَّاظِ فِي زَمَانِهِ وَبَعْدِهِ، وَقَدْ كَانَ أُخْرِجُ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى وَاسِطٍ فَأَقَامَ بِهَا خَمْسَ سِنِينَ فَانْتَفَعَ بِهِ أَهْلُهَا وَاشْتَغَلُوا عَلَيْهِ وَاسْتَفَادُوا مِنْهُ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى بَغْدَادَ خَلَعَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ وَأَذِنَ لَهُ فِي الْجُلُوسِ عَلَى عَادَتِهِ عِنْدَ التُّرْبَةِ الشَّرِيفَةِ الْمُجَاوِرَةِ لِقَبْرِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ، فَكَثُرَ الْجَمْعُ جِدًّا، وَحَضَرَ الْخَلِيفَةُ، وَأَخَذَ فِي الْعِتَابِ، وَأَنْشَدَ يَوْمَئِذٍ فِيمَا يُخَاطِبُ بِهِ الْخَلِيفَةَ: لَا تُعْطِشِ الرَّوْضَ الَّذِي نَبْتُهُ ... بِصَوْبِ إِنْعَامِكَ قَدْ رُوِّضَا

لَا تَبْرِ عُودًا أَنْتَ قَدْ رِشْتَهُ ... حَاشَا لِبَانِي الْمَجْدِ أَنْ يَنْقُضَا إِنْ كَانَ لِي ذَنْبٌ وَلَمْ آتِهِ ... فَاسْتَأْنِفِ الْعَفْوَ وَهَبْ لِي الرِّضَا قَدْ كُنْتُ أَرْجُوكَ لِنَيْلِ الْمُنَى ... فَالْيَوْمَ لَا أَطْلُبُ إِلَّا الرِّضَا وَمِمَّا أَنْشَدُهُ يَوْمَئِذٍ: شَقِينَا بِالنَّوَى زَمَنًا فَلَمَّا ... تَلَاقَيْنَا كَأَنَّا مَا شَقِينَا سَخِطْنَا عِنْدَمَا جَنَتِ اللَّيَالِي ... وَمَا زَالَتْ بِنَا حَتَّى رَضِينَا وَمَنْ لَمْ يَحْيَ بَعْدَ الْمَوْتِ يَوْمًا ... فَإِنَّا بَعْدَ مَا مِتْنَا حَيِينَا وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَدْعَى الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ قَاضِيَ الْمَوْصِلِ ضِيَاءَ الدِّينِ بْنِ الشَّهْرُزُورِيِّ، فَوَلَّاهُ قَضَاءَ قُضَاةِ بَغْدَادَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِدِمَشْقَ بِسَبَبِ الْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْمَقْدَسِيِّ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِي مَقْصُورَةِ الْحَنَابِلَةِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، فَذَكَرَ يَوْمًا شَيْئًا مِنَ الْعَقَائِدِ فَاجْتَمَعَ الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الزَّكِيِّ وَضِيَاءُ الدِّينِ الْخَطِيبُ الدَّوْلَعِيُّ بِالسُّلْطَانِ الْمُعَظَّمِ وَالْأَمِيرُ صَارِمُ الدِّينِ بُزْغُشُ، فَعُقِدَ لَهُ مَجْلِسٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ وَالنُّزُولِ وَالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ، فَوَافَقَ النَّجْمُ الْحَنْبَلِيُّ بَقِيَّةَ الْفُقَهَاءِ وَاسْتَمَرَّ الْحَافِظُ عَلَى مَا يَقُولُهُ لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ وَاجْتَمَعَ بَقِيَّةُ الْفُقَهَاءِ عَلَيْهِ وَأَلْزَمُوهُ بِإِلْزَامَاتٍ شَنِيعَةٍ لَمْ يَلْتَزِمْهَا، حَتَّى قَالَ لَهُ الْأَمِيرُ بُزْغُشُ: كُلُّ هَؤُلَاءِ عَلَى الضَّلَالَةِ وَأَنْتَ وَحْدَكَ عَلَى الْحَقِّ؟ ! قَالَ: نَعَمْ.
فَغَضِبَ الْأَمِيرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِنَفْيِهِ مِنَ الْبَلَدِ، فَاسْتَنْظَرَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَأَنْظَرَهُ، وَأَرْسَلَ بُزْغُشُ الْأُسَارَى مِنَ الْقَلْعَةِ

، فَكَسَرُوا مِنْبَرَ الْحَافِظِ، وَتَعَطَّلَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ يَوْمَئِذٍ فِي مِحْرَابِ الْحَنَابِلَةِ، وَأُخْرِجَتِ الْخَزَائِنُ وَالصَّنَادِيقُ الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ، وَجَرَتْ خَبْطَةٌ شَدِيدَةٌ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَكَانَ عَقْدُ الْمَجْلِسِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَارْتَحَلَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ إِلَى بَعْلَبَكَّ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَآوَاهُ الْمُحَدِّثُونَ، فَحَنُّوا عَلَيْهِ وَأَكْرَمُوهُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنِ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنِ الْأَعْيَانِ: الْأَمِيرُ مُجَاهِدُ الدِّينِ قَايْمَازُ الرُّومِيُّ نَائِبُ الْمَوْصِلِ وَالْمُسْتَوْلِي عَلَى مَمْلَكَتِهَا أَيَّامَ ابْنِ أُسْتَاذِهِ نُورِ الدِّينِ أَرَسْلَانَ، وَكَانَ عَاقِلًا ذَكِيًّا فَقِيهًا حَنَفِيًّا، وَقِيلَ: شَافِعِيًّا.
يَحْفَظُ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ التَّوَارِيخِ وَالْحِكَايَاتِ، وِقَدِ ابْتَنَى عِدَّةَ جَوَامِعَ وَمَدَارِسَ وَرُبُطٍ وَخَانَاتٍ، وَلَهُ صَدَقَاتٌ كَثِيرَةٌ دَارَّةٌ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَقَدْ كَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الدُّنْيَا.
أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَبَّاسِيُّ الْهَاشِمِيُّ ، قَاضِي الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ، بَعْدَ ابْنِ النَّجَّارِيِّ، كَانَ شَافِعِيًّا، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِّ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ وَلِيَ الْقَضَاءَ وَالْخَطَابَةَ بِمَكَّةَ، وَأَصْلُهُ مِنْهَا، وَلَكِنِ ارْتَحَلَ إِلَى بَغْدَادَ فَنَالَ مِنْهَا مَا نَالَ مِنَ الدُّنْيَا، وَآلَ بِهِ الْأَمْرُ إِلَى مَا آلَ، ثُمَّ إِنَّهُ عُزِلَ

عَنِ الْقَضَاءِ بِسَبَبِ مَحْضَرٍ رُقِمَ خَطُّهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِيمَا قِيلَ مُزَوَّرًا عَلَيْهِ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَجَلَسَ فِي مَنْزِلِهِ حَتَّى مَاتَ.
الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ بَرَكَةَ بْنِ فَضْلَانَ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ بِبَغْدَادَ، تَفَقَّهَ أَوَّلًا عَلَى سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ الرَّزَّازِ مُدَرِّسِ النِّظَامِيَّةِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى خُرَاسَانَ فَأَخَذَ عَنِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الزَّبِيدِيِّ تِلْمِيذِ الْغَزَالِيِّ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَادَ وِقَدِ اقْتَبَسَ عِلْمَ الْمُنَاظَرَةِ وَالْأَصْلَيْنِ، وَسَادَ أَهْلَ بَغْدَادَ، وَانْتَفَعَ بِهِ الطَّلَبَةُ وَالْفُقَهَاءُ، وَبُنِيَتْ لَهُ مَدْرَسَةٌ فَدَرَّسَ بِهَا، وَبَعُدَ صِيتُهُ وَكَثُرَتْ تَلَامِيذُهُ، وَكَانَ كَثِيرَ التِّلَاوَةِ وَإِسْمَاعِ الْحَدِيثِ، وَكَانَ شَيْخًا حَسَنًا لَطِيفًا ظَرِيفًا، وَمِنْ شِعْرِهِ: وَإِذَا أَرَدْتَ مَنَازِلَ الْأَشْرَافِ ... فَعَلَيْكَ بِالْإِسْعَافِ وَالْإِنْصَافِ وَإِذَا بَغَا بَاغٍ عَلَيْكَ فَخَلِّهِ ... وَالدَّهْرَ فَهُوَ لَهُ مُكَافٍ كَافِ

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنِ الْأَحْدَاثِ]

اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ، وَالْمَلِكُ الْأَفْضَلُ بِالْجَيْشِ الْمِصْرِيِّ مُحَاصِرٌ لِعَمِّهِ الْعَادِلِ بِدِمَشْقَ، وَقَدْ قَطَعَ عَنْهَا الْأَنْهَارَ وَالْمِيرَةَ فَلَا خُبْزَ وَلَا مَاءَ إِلَّا قَلِيلًا، وَقَدْ تَطَاوَلَ الْحَالُ، وَقَدْ خَنْدَقُوا مِنْ أَرْضِ اللَّوَانِ إِلَى يَلْدَا خَنْدَقًا ; لِئَلَّا يَصِلَ إِلَيْهِمْ جَيْشُ دِمَشْقَ وَجَاءَ فَصْلُ الشِّتَاءِ وَكَثُرَتِ الْأَمْطَارُ وَالْأَوْحَالُ، فَلَمَّا دَخَلَ شَهْرُ صَفَرٍ، قَدِمَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَادِلِ عَلَى أَبِيهِ بِخَلْقٍ مِنَ التُّرْكُمَانِ، وَعَسَاكِرَ مِنْ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ وَالرُّهَا وَحَرَّانَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ انْصَرَفَتِ الْعَسَاكِرُ الْمِصْرِيَّةُ، وَتَفَرَّقُوا أَيَادِي سَبَا، فَرَجَعَ الظَّاهِرُ إِلَى الْمَمْلَكَةِ الْحَلَبِيَّةِ، وَالْأَسَدُ إِلَى حِمْصَ وَالْأَفْضَلُ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَسَلِمَ الْعَادِلُ مِنْ كَيْدِ الْأَعَادِي، بَعْدَمَا كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى تَسْلِيمِ الْبَلَدِ وَاسْتَسْلَمَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ.
وَسَارَتِ الْأُمَرَاءُ النَّاصِرِيَّةِ خَلْفَ الْأَفْضَلِ لِيَمْنَعُوهُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى الْقَاهِرَةِ وَكَاتَبُوا الْعَادِلَ أَنْ يُسْرِعَ السَّيْرَ إِلَيْهِمْ وَالْقُدُومَ عَلَيْهِمْ، فَنَهَضَ إِلَيْهِمْ سَرِيعًا سَامِعًا لِمَشُورَتِهِمْ مُطِيعًا، فَتَحَصَّنَ الْأَفْضَلُ بِالْقَلْعَةِ مِنَ الْجَبَلِ، وِقَدِ اعْتَرَاهُ الضَّعْفُ وَالْفَشَلُ، وَنَزَلَ الْعَادِلُ عَلَى الْبَرَكَةِ وَاسْتَبَدَّ بِمُلْكِ مِصْرَ آمِنًا مِنَ الشَّرِكَةِ، وَنَزَلَ إِلَيْهِ ابْنُ أَخِيهِ الْأَفْضَلُ خَاضِعًا

ذَلِيلًا بَعْدَمَا كَانَ مَهِيبًا جَلِيلًا، فَأَقْطَعُهُ بِلَادًا مِنَ الْجَزِيرَةِ وَنَفَاهُ عَنِ الشَّامِ لِسُوءِ السِّيرَةِ، وَدَخَلَ الْعَادِلُ إِلَى دَارِ السُّلْطَانِ بِالْقَاهِرَةِ، وَأَعَادَ الْقَضَاءَ إِلَى صَدْرِ الدِّينِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ دِرْبَاسٍ الْمَارَانِيِّ الْكُرْدِيِّ، وَأَبْقَى الْخُطْبَةَ وَالسِّكَّةَ بِاسْمِ ابْنِ أَخِيهِ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ هُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِالْأُمُورِ، وَاسْتَوْزَرَ الصَّاحِبَ صَفِيَّ الدِّينِ بْنَ شُكْرٍ لِصَرَامَتِهِ وَشَهَامَتِهِ وَسِيَادَتِهِ وَدِيَانَتِهِ، وَكَتَبَ الْعَادِلُ إِلَى وَلَدِهِ الْكَامِلِ يَسْتَدْعِيهِ مِنْ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ ; لِيُمَلِّكَهُ عَلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَيَسْتَرْعِيَهُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ فَأَكْرَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ وَعَانَقَهُ وَالْتَزَمَهُ، وَأَحْضَرَ الْمَلِكُ الْفُقَهَاءَ وَاسْتَفْتَاهُمْ فِي صِحَّةِ مَمْلَكَةِ ابْنِ أَخِيهِ الْمَنْصُورِ بْنِ الْعَزِيزِ، وَأَنَّهُ صَغِيرٌ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، فَأَفْتَوْا بِأَنَّ وِلَايَتَهُ لَا تَصِحُّ ; لِأَنَّهُ مُتَوَلَّى عَلَيْهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبَ الْأُمَرَاءَ وَدَعَاهُمْ إِلَى مُبَايَعَتِهِ فَامْتَنَعُوا، فَأَرْغَبَهُمْ وَأَرْهَبَهُمْ، وَقَالَ فِيمَا قَالَ: قَدْ سَمِعْتُمْ مَا أَفْتَى بِهِ الْعُلَمَاءُ وَالْأَئِمَّةُ وَالْفُقَهَاءُ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَحْفَظُهَا الْأَطْفَالُ الصِّغَارُ، وَإِنَّمَا يَحْرُسُهَا الْمُلُوكُ الْكِبَارُ، فَأَذْعَنُوا عِنْدَ ذَلِكَ وَبَايَعُوهُ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ الْكَامِلِ، فَخَطَبَ الْخُطَبَاءُ بِذَلِكَ بَعْدَ الْخَلِيفَةِ لَهُمَا، فَضُرِبَتِ السِّكَّةُ بِاسْمِهِمَا، وَاسْتَقَرَّتْ دِمَشْقُ بِاسْمِ الْمُعَظَّمِ عِيسَى بْنِ الْعَادِلِ، وَمِصْرُ بِاسْمِ الْكَامِلِ.
وَفِي شَوَّالٍ رَجَعَ إِلَى دِمَشْقَ الْأَمِيرُ فَلَكُ الدِّينِ أَبُو مَنْصُورٍ سُلَيْمَانُ بْنُ شَرْوَةَ بْنِ خَلْدَكَ، وَهُوَ أَخُو الْمَلِكِ الْعَادِلِ لِأُمِّهِ، وَهُوَ وَاقِفُ الْفَلَكِيَّةِ دَاخِلَ بَابِ الْفَرَادِيسِ، وَبِهَا قَبْرُهُ فَأَقَامَ بِهَا مُحْتَرَمًا مُعَظَّمًا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَفِيهَا وَفَى الَّتِي بَعْدَهَا كَانَ بِدِيَارِ مِصْرَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، فَهَلَكَ بِسَبَبِهِ الْغَنِيُّ

وَالْفَقِيرُ، وَهَرَبَ النَّاسُ مِنْهَا نَحْوَ الشَّامِ فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا إِلَّا الْقَلِيلُ، وَتَخَطَّفَهُمُ الْفِرِنْجُ مِنَ الطُّرُقَاتِ وَغَرُّوهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَاغْتَالُوهُمْ بِالْقَلِيلِ مِنَ الْأَقْوَاتِ، وَأَمَّا بِلَادُ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُ كَانَ مُرْخَصًا.
قَالَ ابْنُ السَّاعِي: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَاضَ دِيكٌ بِبَغْدَادَ، فَسَأَلْتُ جَمَاعَةً عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرُونِي بِهِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنِ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنِ الْأَعْيَانِ: السُّلْطَانُ عَلَاءُ الدِّينِ خُوَارِزِمُشَاهْ تِكِشُ بْنُ أَلْبِ أَرْسَلَانَ بْنِ أَتْسِزَ مِنْ وَلَدِ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ صَاحِبُ خُوَارِزْمَ وَبَعْضُ خُرَاسَانَ وَالرَّيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقَالِيمِ الْمُتَّسِعَةِ، وَهُوَ الَّذِي قَطَعَ دَوْلَةَ السَّلَاجِقَةِ، كَانَ عَادِلًا حَسَنَ السِّيرَةِ، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ جَيِّدَةٌ بِالْمُوسِيقَى، حَسَنَ الْمُعَاشَرَةِ، فَقِيهًا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَعْرِفُ الْأُصُولَ وَبَنَى لِلْحَنَفِيَّةِ مَدْرَسَةً عَظِيمَةً، وَدُفِنَ بِتُرْبَةٍ بَنَاهَا بِخُوَارِزْمَ، وَقَامَ فِي الْمُلْكِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ عَلَاءُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ، وَكَانَ يُلَقَّبُ بِقُطْبِ الدِّينِ.
وَفِيهَا قُتِلَ وَزِيرُ السُّلْطَانِ خُوَارِزْمُ شَاهْ.
نِظَامُ الدِّينِ مَسْعُودُ بْنُ عَلِيٍّ وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ، لَهُ مَدْرَسَةٌ عَظِيمَةٌ بِخُوَارِزْمَ، وَجَامِعٌ هَائِلٌ، وَبَنَى بِمَرْوَ جَامِعًا عَظِيمًا

لِلشَّافِعِيَّةِ، فَحَسَدَهُمُ الْحَنَابِلَةُ، وَشَيْخُهُمْ بِهَا يُقَالُ لَهُ: شَيْخُ الْإِسْلَامِ.
فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ أَحْرَقُوهُ.
وَهَذَا إِنَّمَا يَصْدُرُ مِنْ قِلَّةِ الدِّينِ وَالْعَقْلِ وَاحْتِرَامِ مَعَابِدِ الْإِسْلَامِ، فَأَغْرَمَهُمُ السُّلْطَانُ خُوَارِزِمُشَاهْ مَا غَرِمَ الْوَزِيرُ عَلَى بِنَائِهِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الشَّيْخُ الْمُسْنِدُ الْمُعَمَّرُ رُحْلَةُ الْوَقْتِ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ صَدَقَةَ بْنِ الْخَضِرِ بْنِ كُلَيْبٍ الْحَرَّانَيُّ الْأَصْلُ، الْبَغْدَادِيُّ الْمَوْلِدُ وَالدَّارُ وَالْوَفَاةُ ، عَنْ سِتٍّ وَتِسْعِينَ سَنَةً، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَأَسْمَعَ، وَتَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَشَايِخِ، وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ التُّجَّارِ وَذَوِي الثَّرْوَةِ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
الْفَقِيهُ مَجْدُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ طَاهِرُ بْنُ نَصْرِ بْنِ جَهْبَلٍ، مُدَرِّسُ الْقُدْسِ الشَّرِيفِ، أَوَّلُ مَنْ دَرَّسَ بِالصَّلَاحِيَّةِ، وَهُوَ وَالِدُ الْفُقَهَاءِ ; بَنِي جَهْبَلٍ الَّذِينَ كَانُوا بِالْمَدْرَسَةِ الْجَارُوخِيَّةِ، ثُمَّ صَارُوا إِلَى الْعِمَادِيَّةِ وَالدَّمَاغِيَّةِ فِي أَيَّامِنَا هَذِهِ، ثُمَّ مَاتُوا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا شَرْحُهُمْ.
الْأَمِيرُ صَارِمُ الدِّينِ قَايْمَازُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّجْمِيُّ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الدَّوْلَةِ

الصَّلَاحِيَّةِ كَانَ عِنْدَ صَلَاحِ الدِّينِ بِمَنْزِلَةِ أُسْتَادَّارٍ؛ وَهُوَ الَّذِي تَسَلَّمَ الْقَصْرَ حِينَ مَاتَ الْعَاضِدُ، فَحَصَلَ لَهُ أَمْوَالٌ جَزِيلَةٌ جِدًّا، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَاتِ وَالْأَوْقَافِ، تَصَدَّقَ فِي يَوْمٍ بِسَبْعَةِ آلَافِ دِينَارٍ عَيْنًا، وَهُوَ وَاقِفُ الْمَدْرَسَةِ الْقَيْمَازِيَّةِ شَرْقِيَّ الْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ، وَقَدْ كَانَتْ دَارُ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةُ دَارًا لِهَذَا الْأَمِيرِ، وَلَهُ بِهَا حَمَّامٌ، فَاشْتَرَى ذَلِكَ الْمَلِكُ الْأَشْرَفُ فِيمَا بَعْدُ مُوسَى بْنُ الْعَادِلِ، وَبَنَاهَا دَارَ حَدِيثٍ، وَأَخْرَبَ الْحَمَّامَ وَبَنَاهُ مَسْكَنًا لِلشَّيْخِ الْمُدَرِّسِ بِهَا، وَلَمَّا تُوُفِّيَ وَدُفِنَ فِي قَبْرِهِ، نُبِشَتْ دُورُهُ وَحَوَاصِلُهُ، وَكَانَ مُتَّهَمًا بِمَالٍ جَزِيلٍ، فَكَانَ مُتَحَصَّلُ مَا جُمِعَ مِنْ ذَلِكَ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ يُظَنُّ أَنَّ عِنْدَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ كَانَ يَدْفِنُ أَمْوَالَهُ فِي الْخَرَابِ مِنْ أَرَاضِي ضِيَاعِهِ وَقَرَايَاهْ.
فَسَامَحَهُ اللَّهُ وَبَلَّ بِالرَّحْمَةِ ثَرَاهُ.
الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ لُؤْلُؤٌ أَحَدُ الْحُجَّابِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ فِي الدَّوْلَةِ الصَّلَاحِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَتَسَلَّمُ الْأُسْطُولَ بِالْبَحْرِ، فَيَكُونُ كَالشَّجَا فِي حُلُوقِ الْفِرِنْجِ وَالنَّحْرِ فِي النَّحْرِ، فَكَمْ مِنْ شُجَاعٍ قَدْ أُسِرَ، وَكَمْ مِنْ مَرْكَبٍ قَدْ

كُسِرَ، وَكَمْ مِنْ أُسْطُولٍ لَهُمْ قَدْ فَرَّقَ شَمْلَهُ، وَمَنْ بَطْسَةٍ وَقَارِبٍ قَدْ غَرَّقَ أَهْلَهُ، وَقَدْ كَانَ مَعَ كَثْرَةِ جِهَادِهِ دَارَّ الصَّدَقَاتِ، كَثِيرَ النَّفَقَاتِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَكَانَ بِدِيَارِ مِصْرَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ فَتَصَدَّقَ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَغِيفٍ، لِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ فَقِيرٍ؛ فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا وَرَحْمَةً فِي قَبْرِهِ، وَبَيَّضَ وَجْهَهُ يَوْمَ مَحْشَرِهِ وَمَنْشَرِهِ؛ آمِينَ.
الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْفَقِيهُ الْعَلَّامَةُ شِهَابُ الدِّينِ الطُّوسِيُّ أَحَدُ مَشَايِخِ الشَّافِعِيَّةِ بِدِيَارِ مِصْرَ، وَشَيْخُ الْمَدْرَسَةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى تَقِيِّ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ شَاهِنْشَاهْ بْنِ أَيُّوبَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: مَنَازِلُ الْعِزِّ.
وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى تِلْمِيذِ الْغَزَالِيِّ، كَانَ لَهُ قَدْرٌ وَمَنْزِلَةٌ عِنْدَ مُلُوكِ مِصْرَ، يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَى جِنَازَتِهِ، وَتَأَسَّفُوا عَلَيْهِ.
الشَّيْخُ ظَهِيرُ الدِّينِ عَبْدُ السَّلَامِ الْفَارِسِيُّ شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ بِحَلَبَ، أَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى تِلْمِيذِ الْغَزَالِيِّ، وَتَلْمَذَ لِلْفَخْرِ الرَّازِيِّ، وَرَحَلَ إِلَى مِصْرَ فَعُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يُدَرِّسَ بِتُرْبَةِ الشَّافِعِيِّ فَلَمْ يَقْبَلْ، فَسَارَ إِلَى حَلَبَ فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ عَسْكَرَ رَئِيسُ الْحَنَفِيَّةِ بِدِمَشْقَ، قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْعَقَّادَةِ.

الشَّاعِرُ الْمَاهِرُ الْهُمَامُ الْعَبْدِيُّ، وَهُوَ أَبُو الْحَسَنِ.
عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ بْنِ رَبِيعَةَ وَهُوَ بَغْدَادِيٌّ، قَدِمَ دِمَشْقَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَمَعَهُ دِيوَانُ شِعْرٍ لَهُ، فِيهِ دُرَرٌ حِسَانٌ وَفَرَائِدُ وَعَقَائِدُ وَعِقْيَانُ، وَقَدْ تَصَدَّى لِمَدْحِ الْمَلِكِ الْأَمْجَدِ صَاحِبِ بَعْلَبَكَّ وَمَنْ قَبْلَهُ وَلَهُ: وَمَا النَّاسُ إِلَّا كَامِلُ الْحَظِّ نَاقِصٌ ... وَآخَرُ مِنْهُمْ نَاقِصُ الْحَظِّ كَامِلُ وَإِنِّي لِمُثْرٍ مِنْ حَيَاءٍ وَعِفَّةٍ ... وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مِنِ الْمَالِ طَائِلٌ وَفِيهَا تُوُفِّيَ: الْقَاضِي الْفَاضِلُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ الْفُصَحَاءِ وَالْبُلَغَاءِ.
أَبُو عَلِيٍّ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ الْقَاضِي الْأَشْرَفِ أَبِي الْمَجْدِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْبَيْسَانِيِّ الْمَوْلَى الْأَجَلُّ الْقَاضِي الْفَاضِلُ، كَانَ أَبُوهُ قَاضِيًا بِعَسْقَلَانَ، فَأَرْسَلَ وَلَدَهُ فِي الدَّوْلَةِ الْفَاطِمِيَّةِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَاشْتَغَلَ بِهَا بِكِتَابَةِ الْإِنْشَاءِ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ قَادُوسَ وَغَيْرِهِ، فَسَادَ أَهْلُ الْبِلَادِ حَتَّى بَغْدَادَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي زَمَانِهِ نَظِيرٌ، وَلَا عَدِيدٌ وَلَا فِيمَا بَعْدَهُ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا مُمَاثِلٌ وَلَا مُنَاظِرٌ وَلَا نَدِيدٌ، وَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ جَعَلَهُ كَاتِبَهُ وَصَاحِبَهُ وَوَزِيرَهُ وَجَلِيسَهُ وَأَنِيسَهُ، وَكَانَ أَعَزَّ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَأَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيفِهِ وَتِلَادِهِ، وَتَسَاعَدَا حَتَّى فَتَحَ الْأَقَالِيمَ وَالْبُلْدَانَ وَالْحُصُونَ وَالْمَعَاقِلَ، هَذَا بِحُسَامِهِ وَسِنَانِهِ، وَهَذَا بِقَلَمِهِ وَلِسَانِهِ وَبَيَانِهِ، وَقَدْ كَانَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ مِنْ كَثْرَةِ أَمْوَالِهِ وَوَجَاهَتِهِ وَرِيَاسَتِهِ كَثِيرَ الصَّدَقَاتِ

وَالصِّلَاتِ وَالصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ، وَكَانَ يُوَاظِبُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَلَى خَتْمَةٍ كَامِلَةٍ، مَعَ مَا يَزِيدُ عَلَيْهَا مِنْ نَافِلَةٍ، رَحِيمَ الْقَلْبِ، حَسَنَ السِّيرَةِ، طَاهِرَ الْقَلْبِ وَالسَّرِيرَةِ، لَهُ مَدْرَسَةٌ بِدِيَارِ مِصْرَ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَأَوْقَافٌ عَلَى تَخْلِيصِ الْأُسَارَى مِنْ أَيْدِي النَّصَّارَى، وِقَدِ اقْتَنَى مِنَ الْكُتُبِ نَحْوًا مِنْ مِائَةِ أَلْفِ كِتَابٍ، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَفْرَحْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْوُزَرَاءِ وَلَا الْعُلَمَاءِ وَلَا الْمُلُوكِ وَلَا الْكُتَّابِ، كَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي يَوْمِ دَخَلَ الْعَادِلُ إِلَى قَصْرِ مِصْرَ بِمَدْرَسَتِهِ فَجْأَةً، يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ سَادِسِ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَاحْتَفَلَ النَّاسُ بِجِنَازَتِهِ، وَزَارَ قَبْرَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي الْمَلِكُ الْعَادِلُ، وَتَأْسَّفَ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ اسْتَوْزَرَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ صَفِيَّ الدِّينِ بْنَ شُكْرٍ، فَلَمَّا سَمِعَ الْفَاضِلُ بِذَلِكَ دَعَا اللَّهَ أَنْ لَا يُحَيِيَهُ إِلَى هَذِهِ الدَّوْلَةِ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُنَافَسَةِ، فَمَاتَ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَلَمْ يُنِلْهُ أَحَدٌ بِضَيْمٍ وَلَا أَذًى، وَلَا رَأَى فِي الدَّوْلَةِ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَقَدْ رَثَاهُ الشُّعَرَاءُ بِأَشْعَارٍ حَسَنَةٍ، مِنْهَا قَوْلُ الْقَاضِي هِبَةِ اللَّهِ بْنِ سَنَاءِ الْمُلْكِ: عَبْدُ الرَّحِيمِ عَلَى الْبَرِيَّةِ رَحْمَةٌ ... أَمِنَتْ بِصُحْبَتِهَا حُلُولَ عِقَابِهَا يَا سَائِلًا عَنْهُ وَعَنْ أَسْبَابِهِ ... نَالَ السَّمَاءَ فَسَلْهُ عَنْ أَسْبَابِهَا وَالدَّهْرُ يَعْلَمُ أَنَّ فَيْصَلَ خَطْبِهِ ... بِخُطَا يَرَاعَتِهِ وَفَصْلِ خِطَابِهِا وَلَقَدْ عَلَتْ رُتَبُ الْأَجَلِّ عَلَى الْوَرَى ... بِسُمُوِّ مَنْصِبِهِا وَطِيبِ نِصَابِهَا وَأَتَتْهُ خَاطِبَةً إِلَيْهِ وِزَارَةٌ ... وَلَطَالَمَا أَعْيَتْ عَلَى خُطَّابِهَا

مَا لَقَّبُوهُ بِهَا لِأَنْ يَعْلُو بِهَا ... أَسْمَاؤُهُ أَغْنَتْهُ عَنْ أَلْقَابِهَا قَالَ الزَّمَانُ لِغَيْرِهِ إِذْ رَامَهَا ... تَرِبَتْ يَمِينُكَ لَسْتَ مِنْ أَتْرَابِهَا اذْهَبْ طَرِيقَكَ لَسْتَ مِنْ أَرْبَابِهَا ... وَارْجِعْ وَرَاءَكَ لَسْتَ مِنْ أَصْحَابِهَا وَبِعِزِّ سَيِّدِنَا وَسَيِّدِ غَيْرِنَا ... ذَلَّتْ مِنَ الْأَيَامِ شَمْسُ صِعَابِهَا وَأَتَتْ سَعَادَتُهُ إِلَى أَبْوَابِهِ ... لَا كَالَّذِي يَسْعَى إِلَى أَبْوَابِهَا تَعْنُو الْمُلُوكُ لِوَجْهِهِ بِوُجُوهِهَا ... لَا بَلْ تُسَاقُ لِبَابِهِ بِرِقَابِهَا شُغِلَ الْمُلُوكُ بِمَا يَزُولُ وَنَفْسِهِ ... مَشْغُولَةٌ بِالذِّكْرِ فِي مِحْرَابِهَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَوَاتِ أَتْعَبَ نَفْسَهُ ... وَضَمَانُ رَاحَتِهِ عَلَى إِتْعَابِهَا وَتَعَجَّلَ الْإِقْلَاعَ عَنِ لَذَّاتِهِ ... ثِقَةً بِحُسْنِ مَآلِهَا وَمَآبِهَا فَلْتَفْخَرِ الدُّنْيَا بِسَائِسِ مُلْكِهَا ... مِنْهُ وَدَارِسِ عِلْمِهَا وَكِتَابِهَا صَوَّامِهَا قَوَّامِهَا عَلَّامِهَا ... عَمَّالِهَا بَذَّالِهَا وَهَّابِهَا وَالْعَجَبُ أَنَّ الْقَاضِيَ الْفَاضِلَ مَعَ بَرَاعَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ الَّتِي لَا تُدَانَى وَلَا تُجَارَى لَا يُعْرَفُ لَهُ قَصِيدَةٌ طَوِيلَةٌ طَنَّانَةٌ، بَلْ لَهُ مَا بَيْنَ بَيْتٍ وَبَيْتَيْنِ فِي أَثْنَاءِ الرَّسَائِلِ وَغَيْرِهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: سَبَقْتُمْ بِإِسْدَاءِ الْجَمِيلِ تَكَرُّمًا ... وَمَا مِثْلُكُمْ فِيمَنْ تَحَدَّثَ أَوْ حَكَى وَقَدْ كَانَ ظَنِّي أَنْ أُسَابِقَكُمْ بِهِ ... وَلَكِنْ بَكَتْ قَبْلِي فَهِيجَ لِيَ الْبُكَا وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

وَلِي صَاحِبٌ مَا خِفْتُ مِنْ جَوْرِ حَادِثٍ ... مِنَ الدَّهْرِ إِلَّا كَانَ لِي مِنْ وَرَائِيَهْ إِذَا عَضَّنِي صَرْفُ الزَّمَانِ فَإِنَّنِي ... بِرَايَاتِهِ أَسْطُو عَلَيْهِ وَرَائِيَهْ وَلَهُ فِي بَدُوِّ أَمْرِهِ: أَرَى الْكُتَّابَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا ... بِأَرْزَاقٍ تَعُمُّهُمْ سِنِينَا وَمَا لِيَ بَيْنَهُمْ رِزْقٌ كَأَنِّي ... خُلِقْتُ مِنَ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَا وَلَهُ فِي النَّحْلَةِ وَالزَّلْقَطَةِ: وَمُغَرِّدَيْنِ تَجَاوَبَا فِي مَجْلِسٍ ... فَنَفَاهُمَا لَأَذَاهُمَا الْأَقْوَامُ هَذَا يَجُودُ بِعَكْسِ مَا يَأْتِي بِهِ ... هَذَا فَيُحْمَدُ ذَا وَذَاكَ يُذَامُ وَلَهُ فِي مِمْسَحَةِ الْقَلَمِ: مِمْسَحَةٌ نَهَارُهَا يَجِنُّ لَيْلَ الظُّلَمِ ... كَأَنَّهَا مِنْ طَرَفِهَا مَنْدِيلُ كَفِّ الْقَلَمِ وَقَوْلُهُ: بِتْنَا عَلَى حَالٍ تَسُرُّ الْهَوَى ... لَكِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الشَّرْحُ بَوَّابُنَا اللَّيْلُ وَقُلْنَا لَهُ ... إِنْ غِبْتَ عَنَّا هَجَمَ الصُّبْحُ وَسَأَلَهُ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ عُثْمَانُ بْنُ النَّاصِرِ عَنْ جَارِيَةٍ مِنْ حَظَايَاهُ؛ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ زِرًّا مِنْ ذَهَبٍ مُغَلَّفٍ بِعَنْبَرٍ أَسْوَدَ، فَأَنْشَأَ الْفَاضِلُ يَقُولُ:

أَهْدَتْ لَكَ الْعَنْبَرَ فِي وَسْطِهِ ... زِرٌّ مِنَ التِّبْرِ رَقِيقُ اللِّحَامِ فَالزِّرُّ فِي الْعَنْبَرِ مَعْنَاهُمَا ... زُرْ هَكَذَا مُخْتَفِيًا فِي الظَّلَامِ قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ وِقَدِ اخْتُلِفَ فِي لَقَبِهِ، فَقِيلَ: مُحْيِي الدِّينِ، وَقِيلَ: مُجِيرُ الدِّينِ.
وَحُكِيَ عَنْ عُمَارَةَ الْيَمَنِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَهُ بِذِكْرٍ جَمِيلٍ، وَأَنَّ الْعَادِلَ بْنَ الصَّالِحِ بْنِ رُزِّيكَ هُوَ الَّذِي اسْتَقْدَمَهُ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَقَدْ كَانَ مَعْدُودًا فِي حَسَنَاتِهِ.
وَقَدْ بَسَطَ ابْنُ خَلِّكَانَ تَرْجَمَتَهُ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، وَفِي هَذِهِ زِيَادَةٌ كَثِيرَةٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا اشْتَدَّ الْغَلَاءُ بِأَرْضِ مِصْرَ جِدًّا، فَهَلَكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ جِدًّا مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ، ثُمَّ أَعْقَبَهُ فَنَاءٌ عَظِيمٌ، حَتَّى حَكَى الشَّيْخُ أَبُو شَامَةَ فِي " الذَّيْلِ " أَنَّ الْعَادِلَ كَفَّنَ مِنْ مَالِهِ فِي مُدَّةِ شَهْرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ نَحْوًا مِنْ مِائَتَيْ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ مَيِّتٍ، وَأُكِلَتِ الْكِلَابُ وَالْمَيْتَاتُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِمِصْرَ، وَأُكِلَ مِنَ الصِّغَارِ وَالْأَطْفَالِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، يَشْوِيهِ وَالِدَاهُ وَيَأْكُلَانِهِ، وَكَثُرَ هَذَا فِي النَّاسِ حَتَّى صَارَ لَا يُنْكَرُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ صَارُوا يَحْتَالُونَ عَلَى بَعْضِهِمْ بَعْضًا فَيَأْكُلُونَ مَنْ يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، وَمَنْ غَلَبَ مِنْ قَوِيٍّ ضَعِيفًا ذَبَحَهُ وَأَكَلَهُ.
وَكَانَ الرَّجُلُ يُضِيفُ صَاحِبَهُ فَإِذَا خَلَا بِهِ ذَبَحَهُ وَأَكَلَهُ، وَوُجِدَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَرْبَعُمِائَةِ رَأْسٍ.
وَهَلَكَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَطِبَّاءِ الَّذِينَ يُسْتَدْعُونَ إِلَى الْمَرْضَى، فَيُذْبَحُونَ وَيُؤَكَلُونَ ; وِقَدِ اسْتَدْعَى رَجُلٌ طَبِيبًا فَخَافَ الطَّبِيبُ وَذَهَبَ مَعَهُ عَلَى وَجَلٍ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَصَدَّقُ عَلَى مَنْ وَجَدَهُ فِي الطَّرِيقِ وَيَذْكُرُ وَيُسَبِّحُ، وَيُكْثِرُ مِنْ ذَلِكَ، فَارْتَابَ بِهِ الطَّبِيبُ وَتَخَيَّلَ، وَمَعَ هَذَا حَمَلَهُ الطَّمَعُ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ مَعَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الدَّارِ إِذَا هِيَ خَرِبَةٌ فَارْتَابَ أَيْضًا، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الدَّارِ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: وَمَعَ هَذَا الْبُطْءِ جِئْتَ لَنَا بِصَيْدٍ.
فَلَمَّا سَمِعَهَا الطَّبِيبُ هَرَبَ، فَخَرَجَا خَلْفَهُ سِرَاعًا فَمَا

خَلَصَ إِلَّا بَعْدَ جُهْدٍ جَهِيدٍ.
وَفِيهَا وَقَعَ وَبَاءٌ شَدِيدٌ بِبِلَادِ عَنَزَةَ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ، وَكَانُوا يَسْكُنُونَ فِي عِشْرِينَ قَرْيَةً، فَبَادَتْ مِنْهَا ثَمَانِي عَشْرَةَ قَرْيَةً، وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا دَيَّارٌ وَلَا نَافِخُ نَارٍ، وَبَقِيَتْ أَنْعَامُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ لَا قَانِيَ لَهَا، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَسْكُنَ تِلْكَ الْقُرَى وَلَا يَدْخُلَهَا، بَلْ كَانَ مَنِ اقْتَرَبَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْقُرَى هَلَكَ مِنْ سَاعَتِهِ، فَسُبْحَانَ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجِعُونَ، أَمَّا الْقَرْيَتَانِ الْبَاقِيَتَانِ فَإِنَّهُمَا لَمْ يَمُتْ مِنْهُمَا أَحَدٌ وَلَا عِنْدَهُمْ شُعُورٌ بِمَا جَرَى عَلَى مَنْ حَوْلَهُمْ؛ بَلْ هُمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ لَمْ يُفْقَدْ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
وَاتَّفَقَ بِالْيَمَنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَائِنَةٌ غَرِيبَةٌ جِدًّا، وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ كَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ بِلَادِ الْيَمَنِ، وَجَمَعَ نَحَوًا مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ وَمِنَ الرَّجَّالَةِ جَمْعًا كَثِيرًا، وَخَافَهُ مَلِكُ الْيَمَنِ الْمُعِزُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَيْفِ الْإِسْلَامِ بْنِ طُغْتِكِينَ بْنِ أَيُّوبَ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُ مُلْكِهِ عَلَى يَدَيْ هَذَا الْمُتَغَلِّبِ، وَأَيْقَنَ بِالْهَلَكَةِ لِضَعْفِهِ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ، وَاخْتِلَافِ أُمَرَائِهِ مَعَهُ فِي الْمَشُورَةِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ صَاعِقَةً، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَاضْطَرَبَ الْجَيْشُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَأَقْبَلَ الْمُعِزُّ بِعَسْكَرِهِ فَقُتِلَ مِنْهُمْ سِتَّةُ آلَافِ قَتِيلٍ، وَاسْتَقَرَّ فِي مُلْكِهِ آمِنًا.
وَفِيهَا تَكَاتَبَ الْأَخَوَانِ ; الْأَفْضَلُ مِنْ صَرَخْدَ وَالظَّاهِرُ مِنْ حَلَبَ عَلَى أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى حِصَارِ دِمَشْقَ وَيَنْزِعَاهَا مِنَ الْمُعَظَّمِ بْنِ الْعَادِلِ، وَتَكُونُ لِلْأَفْضَلِ، ثُمَّ يَسِيرَا إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَيَأْخُذَاهَا مِنَ الْعَادِلِ وَابْنِهِ الْكَامِلِ اللَّذَيْنِ نَقَضَا الْعَهْدَ

وَأَبْطَلَا خُطْبَةَ الْمَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَنَكَثَا الْمَوَاثِيقَ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ لَهُمَا مُلْكُ مِصْرَ كَانَتْ لِلْأَفْضَلِ، وَتَصِيرُ دِمَشْقُ مُضَافَةً إِلَى الظَّاهِرِ مَعَ حَلَبَ فَلَمَّا بَلَغَ الْعَادِلَ مَا تَمَالَآ عَلَيْهِ، أَرْسَلَ جَيْشًا مَدَدًا لِابْنِهِ الْمُعَظَّمِ بِدِمَشْقَ، فَوَصَلُوا قَبْلَ وُصُولِ الظَّاهِرِ وَأَخِيهِ الْأَفْضَلِ، وَكَانَ وُصُولُهُمَا إِلَيْهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ نَاحِيَةِ بَعْلَبَكَّ فَنَزَلَا بِجَيْشِهِمَا فِي مَسْجِدِ الْقَدَمِ، وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ لِلْبَلَدِ، وَتَسَلَّقَ كَثِيرٌ مِنَ الْجَيْشِ مِنْ نَاحِيَةِ خَانِ ابْنِ الْمُقَدَّمِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا فَتْحُ الْبَلَدِ، لَوْلَا هُجُومُ اللَّيْلِ.
ثُمَّ إِنَّ الظَّاهِرَ بَدَا لَهُ فِيمَا كَانَ عَاهَدَ أَخَاهُ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِ دِمَشْقَ تَكُونُ لِلْأَفْضَلِ، فَرَأَى أَنْ تَكُونَ لَهُ أَوَّلًا، ثُمَّ إِذَا فُتِحَتْ مِصْرُ يُسَلِّمُهَا لِلْأَفْضَلِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلِ الْأَفْضَلُ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَا وَتَفَرَّقَتْ كَلِمَتُهُمَا، وَتَنَازَعَا عَلَى الْمُلْكِ بِدِمَشْقَ، فَتَفَرَّقَتِ الْأُمَرَاءُ عَنْهُمَا، وَكُوتِبَ الْعَادِلُ فِي الصُّلْحِ، فَأَرْسَلَ يُجِيبُ إِلَى مَا سَأَلَا مِنْ إِقْطَاعِهِمَا شَيْئًا مِنْ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ وَبَعْضِ مُعَامَلَةِ الْمَعَرَّةِ.
وَتَفَرَّقَتِ الْعَسَاكِرُ عَنِ الْبَلَدِ فِي مُحَرَّمٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ، وَسَارَ كُلٌّ مِنَ الْمَلِكَيْنِ إِلَى تَسَلُّمِ الْبِلَادِ الَّتِي أُقْطِعَهَا، وَجَرَتْ خُطُوبٌ يَطُولُ شَرْحُهَا، وَقَدْ كَانَ الظَّاهِرُ وَأَخُوهُ كَتَبَا إِلَى صَاحِبِ الْمَوْصِلِ نُورِ الدِّينِ أَرْسَلَانَ الْأَتَابِكِيِّ أَنْ يُحَاصِرَ مُدُنَ الْجَزِيرَةِ الَّتِي مَعَ عَمِّهِمَا الْعَادِلِ، فَرَكِبَ فِي جَيْشِهِ وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ قُطْبِ الدِّينِ صَاحِبِ سِنْجَارَ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمَا صَاحِبُ مَارِدِينَ الَّذِي كَانَ الْعَادِلُ قَدْ حَاصَرَهُ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَقَصَدَتِ الْعَسَاكِرُ حَرَّانَ وَبِهَا الْفَائِزُ بْنُ الْعَادِلِ، فَحَاصَرُوهُ مُدَّةً، ثُمَّ لَمَّا بَلَغَهُمْ وُقُوعُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْعَادِلِ وَابْنَيْ أَخِيهِ الظَّاهِرِ وَالْأَفْضَلِ عَدَلُوا إِلَى الْمُصَالَحَةِ أَيْضًا، وَذَلِكَ بَعْدَ طَلَبِ الْفَائِزِ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَتَمَهَّدَتِ الْأُمُورُ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ؛ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ غِيَاثُ الدِّينِ وَأَخُوهُ شِهَابُ الدِّينِ الْغُورِيَّانِ جَمِيعَ مَا

كَانَ يَمْلِكُهُ خُوَارِزْمُ شَاهْ مِنَ الْبُلْدَانِ وَالْحَوَاصِلِ وَالْأَمْوَالِ، وَجَرَتْ لَهُمْ خُطُوبٌ طَوِيلَةٌ جِدًّا.
وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ، ابْتَدَأَتْ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ إِلَى الْجَزِيرَةِ وَبِلَادِ الرُّومِ وَالْعِرَاقِ، وَكَانَ جُمْهُورُهَا وَعُظْمُهَا بِالشَّامِ ; تَهَدَّمَتْ مِنْهَا دُورٌ كَثِيرَةٌ، وَخُسِفَ بِقَرْيَةٍ مِنْ أَرْضِ بُصْرَى، وَأَمَّا السَّوَاحِلُ فَهَلَكَ فِيهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَخَرِبَتْ مَحَالٌّ كَثِيرَةٌ مِنْ طَرَابُلُسَ وَصُورَ وَعَكَّا وَنَابُلُسَ، وَلَمْ يَبْقَ بِنَابُلُسَ سِوَى حَارَةِ السَّامَرَّةِ وَمَاتَ بِهَا وَبِقُرَاهَا ثَلَاثُونَ أَلْفًا تَحْتَ الرَّدْمِ، وَسَقَطَ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرْفَةً مِنْهُ، وَغَالِبُ الْكَلَّاسَةِ وَالْمَارَسْتَانِ النُّورِيِّ، وَخَرَجَ النَّاسُ إِلَى الْمَيَادِينِ يَسْتَغِيثُونَ، وَسَقَطَ غَالِبُ قَلْعَةِ بَعْلَبَكَّ مَعَ وَثَاقَةِ بِنَائِهَا، وَانْفَرَقَ الْبَحْرُ إِلَى قُبْرُسَ وَحَذَفَ بِالْمَرَاكِبِ إِلَى سَاحِلِهِ، وَتَعَدَّى إِلَى نَاحِيَةِ الشَّرْقِ، فَسَقَطَ بِسَبَبِهَا دُورٌ كَثِيرَةٌ، وَمَاتَ أُمَمٌ لَا يُحْصُونَ حَتَّى قَالَ صَاحِبُ " مِرْآةِ الزَّمَانِ ": إِنَّهُ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِسَبَبِ الزَّلْزَلَةِ نَحْوٌ مِنْ أَلْفِ أَلْفِ وَمِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ.
نَقَلَهُ فِي " ذَيْلِ الرَّوْضَتَيْنِ " عَنْهُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْمَشَاهِيرِ وَالْأَعْيَانِ: الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَّادَى بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَوْزِيُّ - نِسْبَةً إِلَى فُرْضَةِ

نَهْرٍ بِالْبَصْرَةِ - ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ النَّضِرِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، الشَّيْخُ الْحَافِظُ الْوَاعِظُ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو الْفَرَجِ، الْمَشْهُورُ بِابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، أَحَدُ أَفْرَادِ الْعُلَمَاءِ، بَرَزَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْعُلُومِ، وَجَمَعَ الْمُصَنَّفَاتِ الْكِبَارَ وَالصِّغَارَ نَحَوًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ مُصَنَّفٍ، وَكَتَبَ بِيَدِهِ نَحْوًا مِنْ أَلْفَيْ مُجَلَّدَةٍ، وَتَفْرَّدَ بِفَنِّ الْوَعْظِ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ إِلَى مِثْلِهِ، وَلَا يُلْحَقُ شَأْوُهُ فِي طَرِيقَتِهِ وَشَكْلِهِ، وَفِي فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ وَعُذُوبَةِ كَلَامِهِ، وَحَلَاوَةِ تَرْصِيعِهِ، وَنُفُوذِ وَعْظِهِ، وَغَوْصِهِ عَلَى الْمَعَانِي الْبَدِيعَةِ، وَتَقْرِيبِهِ الْأَشْيَاءَ الْغَرِيبَةَ فِيمَا يُشَاهَدُ مِنَ الْأُمُورِ الْحِسِّيَّةِ، بِعِبَارَةٍ وَجِيزَةٍ سَرِيعَةٍ، هَذَا وَلَهُ فِي الْعُلُومِ كُلِّهَا الْيَدُ الطُّولَى، وَالْمُشَارَكَاتُ فِي سَائِرِ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ مِنَ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّارِيخِ وَالْحِسَابِ، وَالنَّظَرِ فِي النُّجُومِ، وَلَهُ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ فِي ذَلِكَ مَا يَضِيقُ هَذَا الْمَقَامُ عَنْ تِعْدَادِهَا، وَحَصْرِ أَفْرَادِهَا ; مِنْهَا كِتَابُهُ فِي التَّفْسِيرِ الْمَشْهُورُ بِ " زَادِ الْمَسِيرِ " وَلَهُ أَبْسَطُ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ وَلَا مَنْكُورٍ، وَلَهُ " جَامِعُ الْمَسَانِيدِ " اسْتَوْعَبَ فِيهِ غَالِبَ " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " وَ " صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ " وَ " جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ "، وَلَهُ كِتَابُ " الْمُنْتَظَمِ فِي تَوَارِيخِ الْأُمَمِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ " فِي عِشْرِينَ مُجَلَّدًا، قَدْ أَوْرَدْنَا فِي كِتَابِنَا هَذَا كَثِيرًا مِنْ حَوَادِثِهِ وَتَرَاجِمِهِ، فَلَمْ يَزَلْ يُؤَرِّخُ أَخْبَارَ الْعَالَمِ حَتَّى صَارَ هُوَ تَارِيخًا، وَمَا أَحَقَّهُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: مَا زِلْتَ تَدْأَبُ فِي التَّارِيخِ مُجْتَهِدًا ... حَتَّى رَأْيْتُكَ فِي التَّارِيخِ مَكْتُوبًا وَلَهُ مَقَامَاتٌ وَخُطَبٌ، وَلَهُ " الْأَحَادِيثُ الْمَوْضُوعَةُ " وَ " الْعِلَلُ الْمُتَنَاهِيَةُ فِي الْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ " وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وُلِدَ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَمَاتَ أَبُوهُ وَعُمْرُهُ ثَلَاثُ سِنِينَ، وَكَانَ أَهْلُهُ تُجَّارًا

فِي النُّحَاسِ، فَلَمَّا تَرَعْرَعَ جَاءَتْ بِهِ عَمَّتُهُ إِلَى مَسْجِدِ مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِرٍ الْحَافِظِ، فَلَزِمَ الشَّيْخَ، وَسَمِعَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ، وَتَفَقَّهَ بِابْنِ الزَّاغُونِيِّ، وَحَفِظَ الْوَعْظَ، وَوَعَظَ وَهُوَ دُونَ الْعِشْرِينَ، وَأَخَذَ اللُّغَةَ عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ الْجَوَالِيقِيِّ، وَكَانَ صَيِّنًا دَيِّنًا، مَجْمُوعًا عَلَى نَفْسِهِ لَا يُخَالِطُ أَحَدًا، وَلَا يَأْكُلُ مِمَّا فِيهِ شُبْهَةٌ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا لِلْجُمُعَةِ، وَقَدْ حَضَرَ مَجْلِسَ وَعْظِهِ الْخُلَفَاءُ وَالْوُزَرَاءُ وَالْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ وَالْفُقَرَاءُ، وَمِنْ سَائِرِ صُنُوفِ بَنِي آدَمَ، وَأَقَلُّ مَا كَانَ يَجْتَمِعُ فِي مَجْلِسِهِ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَرُبَّمَا اجْتَمَعَ فِيهِ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، وَرُبَّمَا تَكَلَّمَ مِنْ خَاطِرِهِ عَلَى الْبَدِيهَةِ نَظْمًا وَنَثْرًا؛ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ أُسْتَاذًا فَرْدًا فِي الْوَعْظِ، لَهُ مُشَارَكَاتٌ حَسَنَةٌ فِي بَقِيَّةِ الْعُلُومِ، وَقَدْ كَانَ فِيهِ بَهَاءٌ، وَتَرَفُّعٌ فِي نَفْسِهِ، وَيَسْمُو بِنَفْسِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَقَامِهِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي نَثْرِهِ وَنَظْمِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: مَا زِلْتُ أُدْرِكُ مَا غَلَا بَلْ مَا عَلَا ... وَأَكَابِدُ النَّهْجَ الْعَسِيرَ الْأَطْوَلَا تَجْرِي بِيَ الْآمَالُ فِي حَلَبَاتِهِ ... طَلَقَ السَّعِيدِ جَرَى مَدَى مَا أَمَّلَا يُفْضِي بِيَ التَّوْفِيقُ فِيهِ إِلَى الَّذِي ... أَعْمَى سِوَايَ تَوَصُّلًا وَتَغَلْغُلَا لَوْ كَانَ هَذَا الْعِلْمُ شَخْصًا نَاطِقًا ... وَسَأَلْتُهُ هَلْ زُرْتَ مِثْلِي قَالَ لَا وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا، وَيُرْوَى لِغَيْرِهِ: إِذَا قَنِعْتَ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقُوتِ ... أَصْبَحْتَ فِي النَّاسِ حُرًّا غَيْرَ مَمْقُوتِ يَا قُوتَ نَفْسِي إِذَا مَا دَرَّ خِلْفُكَ لِي ... فَلَسْتَ آسَى عَلَى دُرٍّ وَيَاقُوتِ

وَلَهُ مِنَ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ شَيْءٌ كَثِيرٌ لَا يَنْضَبِطُ، وَلَهُ كِتَابٌ مُفْرَدٌ سَمَّاهُ: " نَظْمَ الْجُمَانِ فِي كَانَ وَكَانَ ". وَمِنْ لَطَائِفِ كَلَامِهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ» إِنَّمَا طَالَتْ أَعْمَارُ مَنْ قَبْلَنَا لِطُولِ الْبَادِيَةِ، فَلَمَّا شَارَفَ الرَّكْبُ بَلَدَ الْإِقَامَةِ، قِيلَ لَهُمْ: حُثُّوا الْمَطِيَّ.
وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَيُّمَا أَفْضَلُ؟ أَجْلِسُ أُسَبِّحُ أَوْ أَسْتَغْفِرُ؟ فَقَالَ: الثَّوْبُ الْوَسِخُ أَحْوَجُ إِلَى الصَّابُونِ مِنِ الْبَخُورِ.
وَسُئِلَ عَمَّنْ أَوْصَى وَهُوَ فِي السِّيَاقِ، فَقَالَ: هَذَا طِينٌ سُطُوحُهُ فِي كَانُونٍ.
وَالْتَفَتَ يَوْمًا إِلَى نَاحِيَةِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَضِيءِ وَهُوَ فِي الْوَعْظِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ; إِنْ تَكَلَّمْتُ خِفْتُ مِنْكَ، وَإِنْ سَكْتُّ خِفْتُ عَلَيْكَ، وَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: اتَّقِ اللَّهَ، خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّكُمْ أَهْلُ بَيْتٍ مَغْفُورٌ لَكُمْ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: إِذَا بَلَغَنِي عَنْ عَامِلٍ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَلَمْ أُغَيِّرْهُ، فَأَنَا الظَّالِمُ.
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ; وَكَانَ يُوسُفُ لَا يَشْبَعُ فِي زَمَنِ الْقَحْطِ حَتَّى لَا يَنْسَى الْجِيعَانَ، وَكَانَ عُمْرُ يَضْرِبُ بَطْنَهُ عَامَ الرَّمَادَةِ وَيَقُولُ: قَرْقِرْ أَوْ لَا تُقَرْقِرْ، وَاللَّهِ لَا سَمْنًا وَلَا سَمِينًا حَتَّى يُخْصِبَ النَّاسُ.
قَالَ: فَتَصَدَّقَ الْمُسْتَضِيءُ بِمَالٍ جَزِيلٍ، وَأَطْلَقَ الْمَحَابِيسَ، وَكَسَى خَلْقًا مِنَ الْفُقَرَاءِ.
وُلِدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي حُدُودِ سَنَةِ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، كَمَا تَقَدْمَ، وَكَانَتْ

وَفَاتُهُ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ سَبْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَحُمِلَتْ جِنَازَتُهُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، فَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ عِنْدَ أَبِيهِ بِالْقُرْبِ مِنَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ أَفْطَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ بِسَبَبِ شِدَّةِ الْحَرِّ وَكَثْرَةِ الزِّحَامِ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ أَوْصَى أَنْ تُكْتَبَ عَلَى قَبْرِهِ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ: يَا كَثِيرَ الْعَفْوِ عَمَّنْ ... كَثُرَ الْذَّنْبُ لَدَيْهِ جَاءَكَ الْمُذْنِبُ يَرْجُو الصَّفْ ... حَ عَنْ جُرْمِ يَدَيْهِ أَنَا ضَيْفٌ وَجَزَاءُ الضَّيْ ... فِ إِحْسَانٌ إِلَيْهِ وَقَدْ كَانَ لِلشَّيْخِ جَمَالِ الدِّينِ بْنِ الْجَوْزِيِّ مِنَ الْأَوْلَادِ الذُّكُورِ ثَلَاثَةٌ ; عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَهُوَ أَكْبَرُ أَوْلَادِهِ، مَاتَ شَابًّا فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ، ثُمَّ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيٌّ، وَقَدْ كَانَ عَاقًّا لِوَالِدِهِ إِلْبًا عَلَيْهِ فِي زَمَنِ الْمِحْنَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ تَسَلَّطَ عَلَى كُتُبِهِ فِي غَيْبَتِهِ بِوَاسِطٍ، فَبَاعَهَا بِأَبْخَسِ الْأَثْمَانِ، ثُمَّ مُحْيِي الدِّينِ يُوسُفُ، وَكَانَ أَنْجَبَ الْأَوْلَادِ وَأَصْغَرَهُمْ ; وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَوَعَظَ بَعْدَ أَبِيهِ، وَاشْتَغَلَ وَحَرَّرَ وَأَتْقَنَ وَسَادَ أَقْرَانَهُ، ثُمَّ بَاشَرَ حِسْبَةَ بَغْدَادَ ثُمَّ كَانَ رَسُولَ الْخُلَفَاءِ إِلَى الْمُلُوكِ بِأَطْرَافِ الْبِلَادِ، وَلَا سِيَّمَا إِلَى بَنِي أَيُّوبَ بِالشَّامِ، وَقَدْ حَصَلَ مِنْهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْكَرَامَاتِ مَا ابْتَنَى بِهِ الْمَدْرَسَةَ الْجَوْزِيَّةَ الَّتِي بِالنَّشَابِينَ بِدِمَشْقَ، ثُمَّ صَارَ أُسْتَاذَ دَارِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَعْصِمِ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَاسْتَمَرَّ مُبَاشِرَهَا إِلَى أَنْ قُتِلَ مَعَ الْخَلِيفَةِ عَامَ هُولَاكُو بْنِ تُولِي بْنِ جِنْكِزَخَانَ، وَكَانَ لِأَبِي الْفَرَجِ عِدَّةُ بَنَاتٍ ; مِنْهُنَّ رَابِعَةُ أُمُّ سِبْطِهِ أَبِي الْمُظَفَّرِ بْنِ قَزَاوَغْلِيٍّ صَاحِبِ " مِرْآةِ الزَّمَانِ " وَهِيَ كِتَابٌ

مِنْ أَجْمَعِ التَّوَارِيخِ وَأَكْثَرِهَا فَائِدَةً، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ فِي " الْوَفِيَّاتِ " فَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَدَحَهُ وَشَكَرَ تَصَانِيفَهُ وَعُلُومَهُ.
الْعِمَادُ الْكَاتِبُ الْأَصْبَهَانِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَامِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ أَلُّهْ - بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَضَمِّهَا - الْمَعْرُوفُ بِالْعِمَادِ الْكَاتِبِ الْأَصْبَهَانِيِّ، صَاحِبُ الْمُصَنَّفَاتِ وَالرَّسَائِلِ وَالشِّعْرِ، وُلِدَ بِأَصْبَهَانَ فِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وِقَدِمَ بَغْدَادَ فَاشْتَغَلَ بِهَا عَلَى الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ سَعِيدِ بْنِ الرَّزَّازِ مُدَرِّسِ النِّظَامِيَّةِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى الشَّامِ فَحَظِيَ عِنْدَ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِيٍّ، وَكَتَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَوَلَّاهُ الْمَدْرَسَةَ الَّتِي أَنْشَأَهَا دَاخِلَ بَابِ الْفَرَجِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الْعِمَادِيَّةِ ; نِسْبَةً إِلَى الْعِمَادِ هَذَا لِكَثْرَةِ إِقَامَتِهِ بِهَا، وَتَدْرِيسِهِ فِيهَا، وَلَمْ يَكُنْ أَوَّلَ مَنْ دَرَّسَ بِهَا، بَلْ قَدْ سَبَقَهُ إِلَى تَدْرِيسِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ نُورِ الدِّينِ.
ثُمَّ صَارَ الْعِمَادُ كَاتِبًا فِي الدَّوْلَةِ الصَّلَاحِيَّةِ، وَكَانَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ يُثْنِي عَلَيْهِ وَيَشْكُرُهُ، قَالُوا: وَكَانَ مَنْطُوقُهُ يَعْتَرِيهِ جُمُودٌ وَفَتْرَةٌ، وَقَرِيحَتُهُ فِي غَايَةِ الْجَوْدَةِ وَالْحِدَّةِ.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ لِأَصْحَابِهِ يَوْمًا: قُولُوا، فَتَكَلَّمُوا وَشَبَّهُوهُ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ بِصِفَاتٍ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا الْقَاضِي، وَقَالَ: هُوَ كَالزِّنَادِ، ظَاهِرُهُ بَارِدٌ

وَدَاخِلُهُ نَارٌ، وَلَهُ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ: " خَرِيدَةُ الْقَصْرِ فِي شُعَرَاءِ الْعَصْرِ " وَ " الْفَتْحُ الْقُدْسِيِّ " وَ " الْبَرْقُ الشَّامِيِّ " وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ الْمُسْجَعَةِ، وَالْعِبَارَاتِ الْمُصَرَّعَةِ، وَالْقَصَائِدِ الْمُطَوَّلَةِ، وَالْمَعَانِي وَالْأَلْفَاظِ الْمُؤَثَّلَةِ.
وَمِنْ لَطِيفِ تَغَزُّلِهِ، قَوْلُهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: كَيْفَ قُلْتُمْ فِي مُقْلَتَيْهِ فُتُورُ ... وَأَرَاهَا بِلَا فُتُورٍ تَجُورُ لَوْ بَصَرْتُمْ بِطَرْفِهِ كَيْفَ يَسْبِي ... قُلْتُمْ ذَاكَ كَاسِرٌ لَا كَسِيرُ مُوتِرٌ قَوْسَ حَاجِبَيْهِ لِإِصْمَا ... ءِ فُؤَادِي كَأَنَّهُ مَوْتُورُ لَا تَسَلْنِي عَنِ الْعَقَارِ فَعَقْلِي ... طَافِحٌ مِنْ عَقَارِهِنَّ عَقِيرُ كَيْفَ يَصْحُو مِنْ سُكْرِهِ مُسْتَهَامُ ... مَزَجَتْ كَأْسَهُ الْحِسَانُ الْحُورُ أَوْرَثَتْهُ سَقَامَهَا الْحُدْقُ النَّجْ ... لُ وَأَهْدَتْ لَهُ النُّحُولُ الْخُصُورُ مَا تَصِيدُ الْأُسْدُ الْخَوَادِرُ إِلَّا ... ظَبِيَاتٍ كُنَاسُهُنَّ الْخُدُورُ كُلُّ غُصْنِيَّةِ الْمَوَشَّحِ هَيْفَا ... ءُ عَلَى الْبَدْرِ جَيْبُهَا مَزْرُورُ وَجَنَّاتٌ تَجْنِي الشَّقَائِقَ مِنْهَا ... وَثَنَايَا كَأَنَّهَا الْمَنْثُورُ وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي مُسْتَهَلِّ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً؛ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ.
الْأَمِيرُ بَهَاءُ الدِّينِ قَرَاقُوشُ الْفَحْلُ الْخَصِيُّ، أَحَدُ كُبَرَاءِ أُمَرَاءِ الدَّوْلَةِ الصَّلَاحِيَّةِ، كَانَ شَهْمًا شُجَاعًا فَاتِكًا، تَسَلَّمَ الْقَصْرَ لَمَّا مَاتَ الْعَاضِدُ، وَعَمَّرَ سُورَ

الْقَاهِرَةِ مُحِيطًا عَلَى مِصْرَ أَيْضًا، وَانْتَهَى إِلَى الْمَقْسَمِ ; وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي اقْتَسَمَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ مَا غَنِمُوا مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَبَنَى قَلْعَةَ الْجَبَلِ، وَقَدْ كَانَ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ سَلَّمَهُ عَكَّا لِيُعَمِّرَ فِيهَا أَمَاكِنَ كَثِيرَةً، فَوَقَعَ الْحِصَارُ وَهُوَ بِهَا، فَلَمَّا خَرَجَ الْبَدَلُ مِنْهَا كَانَ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ خَرَجَ، ثُمَّ دَخَلَهَا ابْنُ الْمَشْطُوبِ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ أُسِرَ فَافْتَدَى نَفْسَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَعَادَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ فَفَرِحَ بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا، وَلَمَّا تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ احْتَاطَ الْعَادِلُ عَلَى تَرِكَتِهِ وَصَارَتْ أَقْطَاعُهُ وَأَمْلَاكُهُ لِلْمَلِكِ الْكَامِلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَادِلِ.
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: وَقَدْ نُسِبَ إِلَيْهِ أَحْكَامٌ عَجِيبَةٌ، حَتَّى صَنَّفَ بَعْضُهُمْ جُزْءًا لَطِيفًا سَمَّاهُ: كِتَابَ " الْفَاشُوشِ فِي أَحْكَامِ قَرَاقُوشَ " فَذَكَرَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً جِدًّا وَأَظُنُّهَا مَوْضُوعَةً عَلَيْهِ ; فَإِنَّ الْمَلِكَ صَلَاحَ الدِّينِ كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ! وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَكْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُسْتَنْجِدِيُّ كَانَ تُرْكِيًّا عَابِدًا زَاهِدًا، سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ وَقْتَ السَّحَرِ وَهُوَ يُنْشِدُ عَلَى الْمَنَارَةِ: يَا رِجَالَ اللَّيْلِ جِدُّوا ... رُبَّ صَوْتٍ لَا يُرَدُّ مَا يَقُومُ اللَّيْلُ إِلَّا ... مَنْ لَهُ عَزْمٌ وَجِدُّ فَبَكَى مَكْلَبَةُ، وَقَالَ لِلْمُؤَذِّنِ: يَا مُؤَذِّنِي زِدْنِي، فَقَالَ الْمُؤَذِّنُ: قَدْ مَضَى اللَّيْلُ وَوَلَّى ... وَحَبِيبِي قَدْ تَجَلَّى

فَصَرَخَ مَكْلَبَةُ صَرْخَةً كَانَ فِيهَا حَتْفُهُ، فَأَصْبَحَ أَهْلُ الْبَلَدِ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى بَابِهِ، فَالسَّعِيدُ مَنْ وَصَلَ إِلَى نَعْشِهِ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
أَبُو مَنْصُورِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ شُجَاعٍ الْمُزَكْلِشُ بِبَغْدَادَ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ نُقْطَةَ، كَانَ يَدُورُ فِي أَسْوَاقِ بَغْدَادَ بِالنَّهَارِ يُنْشِدُ كَانَ وَكَانَ وَالْمَوَالِيَا، وَيُسَحِّرُ النَّاسَ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ، وَكَانَ مَطْبُوعًا ظَرِيفًا خَلِيعًا، وَكَانَ أَخُوهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الزَّاهِدُ مِنْ أَكَابِرِ الصَّالِحِينَ، لَهُ زَاوِيَةٌ بِبَغْدَادَ يُزَارُ فِيهَا، وَكَانَ لَهُ أَتْبَاعٌ وَمُرِيدُونَ، وَلَا يَدَّخِرُ شَيْئًا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْفُتُوحِ.
تَصَدَّقَ فِي لَيْلَةٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَأَصْحَابُهُ صُيَّامٌ لَمْ يَدَّخِرْ مِنْهَا شَيْئًا لِعَشَائِهِمْ.
وَزَوْجَتُهُ أَمُّ الْخَلِيفَةِ بِجَارِيَةٍ مِنْ خَوَاصِّهَا وَجَهَّزَتْهَا بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ إِلَيْهِ، فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَعِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، بَلْ جَمِيعُ ذَلِكَ يُؤْثِرُ بِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ سِوَى هَاوُنٍ، فَوَقَفَ سَائِلٌ بِبَابِهِ فَأَلَحَ فِي الطَّلَبِ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ الْهَاوُنَ، فَقَالَ: خُذْ هَذَا وَكُلْ بِهِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَلَا تُشَنِّعْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الصَّالِحِينَ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ قِيلَ لِأَخِيهِ أَبِي مَنْصُورٍ هَذَا: وَيْحَكَ، أَنْتَ تَدُورُ فِي الْأَسْوَاقِ وَتُنْشِدُ الْأَشْعَارَ، وَأَخُوكَ مَنْ قَدْ عَرَفْتَ! فَأَنْشَأَ يَقُولُ فِي جَوَابِ ذَلِكَ بَيْتَيْنِ مُوَالِيًا مِنْ شِعْرِهِ عَلَى الْبَدِيهَةِ: قَدْ خَابَ مَنْ شَبَّهَ الْجَزْعَهْ إِلَى الدُّرَّهْ ... وَشَابَهَ قَحْبَهْ إِلَى مُسْتَجِنَّهْ حُرَّهْ

أَنَا مُغَنِّي وَأَخِي زَاهِدْ إِلَى مُرَّهْ ... فِي الدَّارِ بِئْرَيْنِ ذِي حَلْوَهْ وَذِي مُرَّهْ وَقَدْ جَرَى عِنْدَهُ مَرَّةً ذِكْرُ قَتْلِ عُثْمَانَ، وَعَلِيٌّ حَاضِرٌ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: كَانَ وَكَانَ، وَمَنْ قُتِلَ فِي جِوَارِهِ مِثْلُ ابْنِ عَفَّانَ فَاعْتَذَرَ، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَ فِي الشَّامِ عُذْرَ يَزِيدَ.
فَأَرَادَتِ الرَّوَافِضُ قَتْلَهُ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي يُسَحِّرُ النَّاسَ فِي رَمَضَانَ إِذْ مَرَّ بِدَارِ الْخَلِيفَةِ فَعَطَسَ الْخَلِيفَةُ فِي الطَّارِقَةِ فَشَمَّتَهُ أَبُو مَنْصُورٍ هَذَا مِنَ الطَّرِيقِ فِي نَظْمٍ ارْتَجَلَهُ عَلَى الْبَدِيهَةِ مُوَالِيًا يَقُولُ فِي آخِرِهِ: أَيْ مَنْ عَطَسَ فِي الْمَنْظَرِهْ يَرْحَمُكَ اللَّهْ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مِائَةَ دِينَارٍ، وَرَسَمَ بِحِمَايَتِهِ مِنَ الرَّوَافِضِ، إِلَى أَنْ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ: مُسْنِدُ الشَّامِ أَبُو طَاهِرٍ بَرَكَاتُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَاهِرٍ الْخُشُوعِيُّ، شَارَكَ ابْنَ عَسَاكِرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَشْيَخَتِهِ، وَطَالَتْ حَيَاتُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَأَلْحَقَ فِيهَا الْأَحْفَادَ بِالْأَجْدَادِ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا شَرَعَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِالْجَبَلِ، فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الشَّيْخُ أَبُو دَاوُدَ مَحَاسِنُ الْفَامِيُّ.
حَتَّى بَلَغَ الْبِنَاءُ مِقَدْارَ قَامَةٍ، فَنَفِدَ مَا عِنْدَهُ، وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمَالِ، فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ كُوكُبُورِي بْنُ زَيْنِ الدِّينِ صَاحِبُ إِرْبِلَ مَالًا جَزِيلًا لِيُتَمِّمَهُ بِهِ فَكَمَلَ، وَأَرْسَلَ أَلْفَ دِينَارٍ لِيُسَاقَ بِهَا إِلَيْهِ الْمَاءُ مِنْ بَرْزَةَ، فَلَمْ يُمَكِّنْ مِنْ ذَلِكَ الْمَلِكُ الْمُعَظَّمُ صَاحِبُ دِمَشْقَ وَاعْتَذَرَ بِأَنَّ هَذَا يُشَوِّشُ قُبُورًا كَثِيرَةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَصُنِعَ لَهُ بِئْرٌ وَبَغْلٌ يَدُورُ، وَأُوقِفُ عَلَيْهِ وَقْفٌ لِذَلِكَ.
وَفِيهَا كَانَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ وَخُطُوبٌ طَوِيلَةٌ بَيْنَ الْخُوَارِزْمِيَّةِ وَالْغُورِيَّةِ بِبِلَادِ الْمَشْرِقِ، بَسَطَهَا ابْنُ الْأَثِيرِ، وَاخْتَصَرَهَا ابْنُ كَثِيرٍ.
وَفِيهَا دَرَّسَ بِالنِّظَامِيَّةِ مَجْدُ الدِّينِ يَحْيَى بْنُ الرَّبِيعِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ خِلْعَةٌ سَنِيَّةٌ سَوْدَاءُ وَطَرْحَةٌ كُحْلِيَّةٌ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْعُلَمَاءُ وَالْأَعْيَانُ.
وَفِيهَا وَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيلِيُّ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ أَيْضًا.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْقَاضِي ابْنُ الزَّكِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبُو الْمَعَالِي الْقُرَشِيُّ، مُحْيِي الدِّينِ قَاضِي الْقُضَاةِ بِدِمَشْقَ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ كَانَ قَاضِيًا ; أَبُوهُ وَجَدُّهُ وَأَبُو جَدِّهِ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَلِيَ الْحُكْمَ بِدِمَشْقَ مِنْهُمْ، وَكَانَ جَدَّ الْحَافِظِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ عَسَاكِرَ لِأُمِّهِ، وَقَدْ تَرْجَمَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي التَّارِيخِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْقُرَشِيِّ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو شَامَةَ: وَلَوْ كَانَ أُمَوِيًّا عُثْمَانِيًّا كَمَا يَزْعُمُونَ لَذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَسَاكِرَ، إِذْ كَانَ فِيهِ شَرَفٌ لِجَدِّهِ وَخَالَيْهِ، مُحَمَّدٍ وَسُلْطَانَ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا لَمَا خُفِيَ عَلَى ابْنِ عَسَاكِرَ.
اشْتَغَلَ ابْنُ الزَّكِيِّ عَلَى الْقَاضِي شَرَفِ الدِّينِ أَبِي سَعْدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَصْرُونَ، وَنَابَ عَنْهُ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَرَكَ النِّيَابَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ بِالْقُدْسِ لَمَّا فَتَحَهُ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ، ثُمَّ وَلَّاهُ قَضَاءَ دِمَشْقَ وَأَضَافَ إِلَيْهِ قَضَاءَ حَلَبَ أَيْضًا، وَكَانَ نَاظِرَ أَوْقَافِ الْجَامِعِ، ثُمَّ عُزِلَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشُهُورٍ، وَوَلِيَهَا شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْبَيْنِيِّ ضَمَانًا، وَقَدْ كَانَ الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الزَّكِيِّ يَنْهَى الطَّلَبَةَ عَنِ الِاشْتِغَالِ

بِالْمَنْطِقِ وَعِلْمِ الْكَلَامِ، وَيُمَزِّقُ كُتُبَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالْمَدْرَسَةِ التَّقَوِيَّةِ، وَكَانَ يَحْفَظُ الْعَقِيدَةَ الْمُسَمَّاةَ بِالْمِصْبَاحِ لِلْغَزَالِيِّ، وَيُحَفِّظُهَا أَوْلَادَهُ أَيْضًا، وَكَانَ لَهُ دَرْسٌ فِي التَّفْسِيرِ يَذْكُرُهُ بِالْكَلَّاسَةِ، تُجَاهَ تُرْبَةِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَكَانَ قَدْ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، فَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَاتَّخَذَ لَهُ بَابًا مِنْ دَارِهِ إِلَى الْجَامِعِ ; لِيَخْرُجَ مِنْهُ إِلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ خُولِطَ فِي عَقْلِهِ، فَكَانَ يَعْتَرِيهِ شِبْهُ الصَّرْعِ إِلَى أَنْ تُوفِّيَ فِي سَابِعِ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ فِي تُرْبَةٍ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ.
الْخَطِيبُ الدَّوْلَعِيُّ ضِيَاءُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ زَيْدِ بْنِ يَاسِينَ التَّغْلِبِيُّ الدَّوْلَعِيُّ، نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ بِالْمَوْصِلِ، يُقَالُ لَهَا: الدَّوْلَعِيَّةُ.
وُلِدَ بِهَا فِي سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَتَفَقَّهَ بِبَغْدَادَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، فَسَمِعَ " التِّرْمِذِيَّ " عَلَى أَبِي الْفَتْحِ الْكَرُوخِيِّ، وَ " النَّسَائِيَّ " عَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْيَزْدِيِّ، ثُمَّ قَدِمَ دِمَشْقَ فَوَلِيَ بِهَا الْخَطَابَةَ وَتَدْرِيسَ الْغَزَّالِيَّةَ، وَكَانَ زَاهِدًا مُتَوَرِّعًا، حَسَنَ الطَّرِيقَةَ مَهِيبًا فِي الْحَقِّ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ثَانِي عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ بَابِ الصَّغِيرِ عِنْدَ قُبُورِ الشُّهَدَاءِ، وَكَانَ يَوْمُ جِنَازَتِهِ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَتَوَلَّى بَعْدَهُ الْخَطَابَةَ وَلَدُ أَخِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَضْلِ بْنِ زَيْدٍ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقَدْ كَانَ ابْنُ الزَّكِيِّ وَلَّى وَلَدَهُ

الزَّكِيَّ الطَّاهِرَ، فَصَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً، فَتَشْفَّعَ جَمَالُ الدِّينِ بِالْأَمِيرِ فَلَكِ الدِّينِ أَخِي الْعَادِلِ، فَوَلَّاهُ إِيَّاهَا فَبَقِيَ فِيهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ.
الشَّيْخُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غُلَيْسٍ الْيَمَنِيُّ الْعَابِدُ الزَّاهِدُ، كَانَ مُقِيمًا شَرْقِيَّ الْكَلَّاسَةِ، وَكَانَتْ لَهُ أَحْوَالٌ وَكَرَامَاتٌ، نَقَلَهَا الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ عَنْهُ، وَسَاقَهَا أَبُو شَامَةَ عَنْهُ فِي " الذَّيْلِ ". الصَّدْرُ أَبُو الثَّنَاءِ حَمَّادُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ الْحَرَّانَيُّ التَّاجِرُ وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، عَامَ وُلِدَ نُورُ الدِّينِ بْنُ زَنْكِيٍّ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ بِبَغْدَادَ وَمِصْرَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَحَدَّثَ، وَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ.
وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ: تَنَقُّلُ الْمَرْءِ فِي الْآفَاقِ يُكْسِبُهُ ... مَحَاسِنًا لَمْ تَكُنْ فِيهِ بِبَلْدَتِهِ أَمَا تَرَى بَيْذَقَ الشِّطْرَنْجِ أَكْسَبَهُ ... حُسْنُ التَّنَقُّلِ فِيهَا فَوْقَ رُتْبَتِهِ السِّتُّ الْجَلِيلَةُ الْمَصُونَةُ بَنَفْشَا بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ عَتِيقَةُ الْإِمَامِ

جارٍ التحميل