وَأَيْنَ مَسْكَنُهُ؟ قَالَ: يَثْرِبُ ذَاتُ النَّخْلِ قَالَ: فَرَكِبْتُ رَاحِلَتِي حِينَ بَرَقَ لِيَ الصُّبْحُ وَجَدَدْتُ السَّيْرَ حَتَّى تَقَحَّمْتُ الْمَدِينَةَ فَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثَنِي بِحَدِيثِي قَبْلَ أَنْ أَذْكُرَ لَهُ مِنْهُ شَيْئًا، وَدَعَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمْتُ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَكُنَّا نَرَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6] .
وَرَوَى الْخَرَائِطِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إِذَا كُنْتَ بِوَادٍ تَخَافُ السَّبْعَ فَقُلْ: أَعُوذُ بِدَانْيَالَ وَالْجُبِّ مِنْ شَرِّ الْأَسَدِ.
وَرَوَى الْبَلَوِيُّ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قِصَّةَ قِتَالِ عَلِيٍّ الْجِنَّ بِالْبِئْرِ ذَاتِ الْعَلَمِ الَّتِي بِالْجُحْفَةِ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَقِي لَهُمُ الْمَاءَ فَأَرَادُوا مَنْعَهُ، وَقَطَعُوا الدَّلْوَ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، وَهِيَ قِصَّةٌ مُطَوَّلَةٌ مُنْكَرَةٌ جِدًّا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْخَرَائِطِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَارِثِ مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ الدِّمَشْقِيُّ
وَغَيْرُهُ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِنْتِ شُرَحْبِيلَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنَا مَجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَذَاكَرُونَ فَضَائِلَ الْقُرْآنِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَوَاتِيمُ سُورَةِ النَّحْلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سُورَةُ يس، وَقَالَ عَلِيٌّ: فَأَيْنَ أَنْتُمْ، عَنْ فَضِيلَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ؟ أَمَا إِنَّهَا خَمْسُونَ كَلِمَةً فِي كُلِّ كَلِمَةٍ سَبْعُونَ بَرَكَةً.
قَالَ: وَفِي الْقَوْمِ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ لَا يُحِيرُ جَوَابًا فَقَالَ: أَيْنَ أَنْتُمْ عَنْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: حَدِّثْنَا يَا أَبَا ثَوْرٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذْ جَهَدَنِي الْجُوعُ فَأَقْحَمْتُ فَرَسِي فِي الْبَرِّيَّةِ، فَمَا أَصَبْتُ إِلَّا بَيْضَ النَّعَامِ، فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ، إِذَا أَنَا بِشَيْخٍ عَرَبِيٍّ فِي خَيْمَةٍ، وَإِلَى جَانِبِهِ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا شَمْسٌ طَالِعَةٌ، وَمَعَهُ غُنَيْمَاتٌ لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: اسْتَأْسِرْ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ فَرَفَعَ رَأَسَهُ إِلَيَّ، وَقَالَ: يَا فَتَى إِنْ أَرَدْتَ قِرًى فَانْزِلْ، وَإِنْ أَرَدْتَ مَعُونَةً أَعَنَّاكَ، فَقُلْتُ لَهُ: اسْتَأْسِرْ فَقَالَ
عَرَضْنَا عَلَيْكَ النُّزْلَ مِنَّا تَكَرُّمًا ... فَلَمْ تَرْعَوِي جَهْلًا كَفِعْلِ الْأَشَائِمِ
وَجِئْتَ بِبُهْتَانٍ وَزُورٍ وَدُونَ مَا ... تَمَنَّيْتَهُ بِالْبَيْضِ حَزُّ الْحَلَاقِمِ
قَالَ: وَوَثَبَ إِلَيَّ وَثْبَةً، وَهُوَ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَكَأَنِّي مَثَلْتُ تَحْتَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَقْتُلُكَ أَمْ أُخَلِّي عَنْكَ؟ قُلْتُ: بَلْ خَلِّ عَنِّي، قَالَ: فَخَلَّى عَنِّي، ثُمَّ إِنْ نَفْسِي حَدَّثَتْنِي بِالْمُعَاوَدَةِ فَقُلْتُ: اسْتَأْسِرْ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ فَقَالَ:
بِبِسْمِ اللَّهِ وَالرَّحْمَنِ فُزْنَا ... هُنَالِكَ وَالرَّحِيمِ بِهِ قَهَرْنَا
وَمَا تُغْنِي جَلَادَةُ ذِي حِفَاظٍ ... إِذَا يَوْمًا لِمَعْرَكَةٍ بَرَزْنَا
ثُمَّ وَثَبَ لِي، وَثْبَةً كَأَنِّي مَثَلْتُ تَحْتَهُ فَقَالَ: أَقْتُلُكَ أَمْ أُخَلِّي عَنْكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ خَلِّ عَنِّي فَخَلَّى عَنِّي فَانْطَلَقْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ قُلْتُ فِي نَفْسِي: يَا عَمْرُو، أَيَقْهَرُكَ هَذَا الشَّيْخُ وَاللَّهِ لَلْمَوْتُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْحَيَاةِ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: اسْتَأْسِرْ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، فَوَثَبَ إِلَيَّ وَثْبَةً وَهُوَ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَكَأَنِّي مَثَلْتُ تَحْتَهُ فَقَالَ: أَقْتُلُكَ أَمْ أُخَلِّي عَنْكَ؟ قُلْتُ: بَلْ خَلِّ عَنِّي فَقَالَ: هَيْهَاتَ يَا جَارِيَةُ، ائْتِينِي بِالْمُدْيَةِ فَأَتَتْهُ بِالْمُدْيَةِ فَجَزَّ نَاصِيَتِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا ظَفِرَتْ بِرَجُلٍ فَجَزَّتْ نَاصِيَتَهُ اسْتَعْبَدَتْهُ فَكُنْتُ مَعَهُ أَخْدِمُهُ مُدَّةً، ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ: يَا عَمْرُو أُرِيدُ أَنْ تَرْكَبَ مَعِيَ الْبَرِّيَّةَ، وَلَيْسَ بِي مِنْكَ وَجَلٌ; وَإِنِّي بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَوَاثِقٌ.
قَالَ: فَسِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا وَادِيًا أَشِبًا مُهَوِّلًا مُغَوِّلًا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَلَمْ يَبْقَ
طَيْرٌ فِي وَكْرِهِ إِلَّا طَارَ، ثُمَّ أَعَادَ الصَّوْتَ فَلَمْ يَبْقَ سَبْعٌ فِي مَرْبِضِهِ إِلَّا هَرَبَ، ثُمَّ أَعَادَ الصَّوْتَ فَإِذَا نَحْنُ بِحَبَشِيٍّ قَدْ خَرَجَ عَلَيْنَا مِنَ الْوَادِي كَالنَّخْلَةِ السَّحُوقِ، فَقَالَ لِي: يَا عَمْرُو إِذْ رَأَيْتَنَا قَدِ اتَّحَدْنَا فَقُلْ: غَلَبَهُ صَاحِبِي بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهُمَا قَدِ اتَّحَدَا قُلْتُ: غَلَبَهُ صَاحِبِي بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلَمْ يَصْنَعِ الشَّيْخُ شَيْئًا فَرَجَعَ إِلَيَّ وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ قَدْ خَالَفْتَ قَوْلِي.
قُلْتُ أَجَلْ وَلَسْتُ بِعَائِدٍ.
فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَنَا قَدِ اتَّحَدْنَا فَقُلْ: غَلَبَهُ صَاحِبِي بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقُلْتُ: أَجَلْ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمَا قَدِ اتَّحَدَا قُلْتُ: غَلَبَهُ صَاحِبِي بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ: فَاتَّكَأَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ فَبَعَجَهُ بِسَيْفِهِ فَاشْتَقَّ جَوْفَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ شَيْئًا كَهَيْئَةِ الْقِنْدِيلِ الْأَسْوَدِ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَمْرُو هَذَا غِشُّهُ وَغِلُّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرِي مَنْ تِلْكَ الْجَارِيَةُ؟ قُلْتُ: لَا.
قَالَ: تِلْكَ الْفَارِعَةُ بِنْتُ السَّلِيلِ الْجُرْهُمِيِّ، وَكَانَ أَبُوهَا مِنْ خِيَارِ الْجِنِّ، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُهَا، وَبَنُو عَمِّهَا يَغْزُونِي مِنْهُمْ كُلَّ عَامٍ رَجُلٌ، يَنْصُرُنِي اللَّهُ عَلَيْهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ رَأَيْتَ مَا كَانَ مِنِّي إِلَى الْحَبَشِيِّ وَقَدْ غَلَبَ عَلَيَّ الْجُوعُ فَائْتِنِي بِشَيْءٍ آكُلُهُ.
فَأَقْحَمْتُ بِفَرَسِي الْبَرِّيَّةَ، فَمَا أَصَبْتُ إِلَّا بَيْضَ النَّعَامِ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ فَوَجَدْتُهُ نَائِمًا، وَإِذَا تَحْتَ
رَأْسِهِ شَيْءٌ كَهَيْئَةِ الْخَشَبَةِ فَاسْتَلَلْتُهُ، فَإِذَا هُوَ سَيْفٌ عَرْضُهُ شِبْرٌ فِي سَبْعَةِ أَشْبَارٍ فَضَرَبْتُ سَاقَيْهِ ضَرْبَةً أَبَنْتُ السَّاقَيْنِ مَعَ الْقَدَمَيْنِ فَاسْتَوَى عَلَى فِقَارِ ظَهْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: قَاتَلَكَ اللَّهُ مَا أَغْدَرَكَ يَا غَدَّارُ.
قَالَ عُمَرُ: ثُمَّ مَاذَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: فَلَمْ أَزَلْ أَضْرِبُهُ بِسَيْفِي حَتَّى قَطَّعْتُهُ إِرْبًا إِرْبًا.
قَالَ: فَوَجَمَ لِذَلِكَ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
بِالْغَدْرِ نِلْتَ أَخَا الْإِسْلَامِ عَنْ كَثَبٍ ... مَا إِنْ سَمِعْتُ كَذَا فِي سَالِفِ الْعَرَبِ
وَالْعُجْمُ تَأْنَفُ مَمَّا جِئْتَهُ كَرَمًا ... تَبًّا لِمَا جِئْتَهُ فِي السَّيِّدِ الْأَرَبِ
إِنِّي لَأَعْجَبُ أَنِّي نِلْتَ قِتْلَتَهُ ... أَمْ كَيْفَ جَازَاكَ عِنْدَ الذَّنْبِ لَمْ تَنُبِ
قِرْمٌ عَفَا عِنْكَ مَرَّاتٍ وَقَدْ عَلِقَتْ ... بِالْجِسْمِ مِنْكَ يَدَاهُ مَوْضِعَ الْعَطَبِ
لَوْ كُنْتُ آخُذُ فِي الْإِسْلَامِ مَا فَعَلُوا ... فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَهْلُ الشِّرْكِ وَالصُّلُبِ
إِذًا لَنَالَتْكَ مِنْ عَدْلِي مُشَطِّبَةٌ ... تَدْعُو لِذَائِقِهَا بِالْوَيْلِ وَالْحَرَبِ
قَالَ: ثُمَّ مَا كَانَ مِنْ حَالِ الْجَارِيَةِ؟ قُلْتُ: ثُمَّ إِنِّي أَتَيْتُ الْجَارِيَةَ فَلَمَّا رَأَتْنِي قَالَتْ: مَا فَعَلَ الشَّيْخُ؟ قُلْتُ: قَتَلَهُ الْحَبَشِيُّ فَقَالَتْ: كَذَبْتَ بَلْ قَتَلْتَهُ أَنْتَ بِغَدْرِكَ، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ
عَيْنُ جُودِي لِلْفَارِسِ الْمِغْوَارِ ... ثُمَّ جُودِي بِوَاكِفَاتٍ غِزَارِ
لَا تَمَلِّي الْبُكَاءَ إِذْ خَانَكِ الدَّ
هْرُ بِوَافٍ حَقِيقَةً صَبَّارِ ... وَتَقِيٍّ وَذِي وَقَارٍ وَحِلْمٍ
وَعَدِيلِ الْفَخَارِ يَوْمَ الْفَخَارِ ... لَهْفَ نَفْسِي عَلَى بَقَائِكَ عَمْرُو
أَسْلَمَتْكَ الْأَعْمَارُ لِلْأَقْدَارِ ... وَلَعَمْرِي لَوْ لَمْ تَرُمْهُ بِغَدْرٍ
رُمْتَ لَيْثًا بِصَارِمٍ بِتَّارِ
قَالَ: فَأَحْفَظَنِي قَوْلُهَا فَاسْتَلَلْتُ سَيْفِي، وَدَخَلْتُ الْخَيْمَةَ لِأَقْتُلَهَا فَلَمْ أَرَ فِي الْخَيْمَةِ أَحَدًا فَاسْتَقْتُ الْمَاشِيَةَ، وَجِئْتُ إِلَى أَهْلِي.
وَهَذَا أَثَرٌ عَجِيبٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّيْخَ كَانَ مِنَ الْجَانِّ، وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ، وَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، وَفِيمَا تَعَلَّمَهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وَكَانَ يَتَعَوَّذُ بِهَا.
وَقَالَ الْخَرَائِطِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيُّ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدَّتِهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: كَانَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَوَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَذْكُرَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّجَاشِيَّ بَعْدَ رُجُوعِ أَبْرَهَةَ مِنْ مَكَّةَ قَالَا: فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ قَالَ لَنَا: اصْدُقَانِي أَيُّهَا الْقُرَشِيَّانِ هَلْ وُلِدَ فِيكُمْ مَوْلُودٌ أَرَادَ أَبُوهُ ذَبْحَهُ فَضَرَبَ عَلَيْهِ بِالْقِدَاحِ فَسَلِمَ وَنُحِرَتْ عَنْهُ إِبِلٌ كَثِيرَةٌ؟ قُلْنَا: نَعَمْ قَالَ: فَهَلْ لَكُمَا عِلْمٌ بِهِ مَا فَعَلَ؟ قُلْنَا: تَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالَ لَهَا: آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ تَرَكَهَا حَامِلًا وَخَرَجَ قَالَ: فَهَلْ تَعْلَمَانِ وُلِدَ أَمْ لَا؟ قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: أُخْبِرُكَ أَيُّهَا
الْمَلِكُ أَنِّي لَيْلَةً قَدْ بِتُّ عِنْدَ وَثَنٍ لَنَا كُنَّا نُطِيفُ بِهِ وَنَعْبُدُهُ إِذْ سَمِعْتُ مِنْ جَوْفِهِ هَاتِفًا يَقُولُ:
وُلِدَ النَّبِيُّ فَذَلَّتِ الْأَمْلَاكُ ... وَنَأَى الضَّلَالُ وَأَدْبَرَ الْإِشْرَاكُ
ثُمَّ انْتَكَسَ الصَّنَمُ عَلَى وَجْهِهِ.
فَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: عِنْدِي كَخَبَرِهِ أَيُّهَا الْمَلِكُ.
قَالَ: هَاتِ قَالَ: أَنَا فِي مِثْلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا حَدِيثَهُ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ أَهْلِي وَهُمْ يَذْكُرُونَ حَمْلَ آمِنَةَ حَتَّى أَتَيْتُ جَبَلَ أَبِي قُبَيْسٍ; أُرِيدُ الْخُلُوَّ فِيهِ لِأَمْرٍ رَابَنِي إِذْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ لَهُ جَنَاحَانِ أَخْضَرَانِ فَوَقَفَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ ثُمَّ أَشْرَفَ عَلَى مَكَّةَ فَقَالَ: ذَلَّ الشَّيْطَانْ، وَبَطَلَتِ الْأَوْثَانْ، وَوُلِدَ الْأَمِينُ ثُمَّ نَشَرَ ثَوْبًا مَعَهُ وَأَهْوَى بِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَرَأَيْتُهُ قَدْ جَلَّلَ مَا تَحْتَ السَّمَاءِ وَسَطَعَ نُورٌ كَادَ أَنْ يَخْتَطِفَ بَصَرِي وَهَالَنِي مَا رَأَيْتُ وَخَفَقَ الْهَاتِفُ بِجَنَاحَيْهِ حَتَّى سَقَطَ عَلَى الْكَعْبَةِ فَسَطَعَ لَهُ نُورٌ أَشْرَقَتْ لَهُ تِهَامَةُ وَقَالَ: ذَكَتِ الْأَرْضُ وَأَدَّتْ رَبِيعَهَا وَأَوْمَأَ إِلَى الْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْكَعْبَةِ فَسَقَطَتْ كُلُّهَا.
قَالَ النَّجَاشِيُّ وَيْحَكُمَا! أُخْبِرُكُمَا عَمَّا أَصَابَنِي إِنِّي لَنَائِمٌ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمَا فِي قُبَّةٍ وَقْتَ خَلْوَتِي، إِذْ خَرَجَ عَلَيَّ مِنَ الْأَرْضِ عُنُقٌ وَرَأَسٌ وَهُوَ يَقُولُ: حَلَّ الْوَيْلُ بِأَصْحَابِ الْفِيلْ،
رَمَتْهُمْ طَيْرٌ أَبَابِيلْ، بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلْ، هَلَكَ الْأَشْرَمْ، الْمُعْتَدِي الْمُجْرِمْ، وَوُلِدَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ، الْمَكِّيُّ الْحَرَمِيُّ، مَنْ أَجَابَهُ سَعَدْ، وَمَنْ أَبَاهُ عَنَدْ.
ثُمَّ دَخَلَ الْأَرْضَ فَغَابَ فَذَهَبْتُ أَصِيحُ فَلَمْ أُطِقِ الْكَلَامَ، وَرُمْتُ الْقِيَامَ فَلَمْ أُطِقِ الْقِيَامَ، فَصَرَعْتُ الْقُبَّةَ بِيَدِي فَسَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلِي فَجَاءُونِي فَقُلْتُ: احْجُبُوا عَنِّي الْحَبَشَةَ فَحَجَبُوهُمْ عَنِّي ثُمَّ أُطْلِقَ عَنْ لِسَانِي وَرِجْلِي.
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ فِي تَرْجَمَةِ الْحَارِثِ بْنِ هَانِئِ بْنِ الْمُدْلِجِ بْنِ الْمِقْدَادِ بْنِ زَمْلِ بِنِ عَمْرٍو الْعُذْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَمِلِ بْنِ عَمْرٍو الْعُذْرِيِّ قَالَ: كَانَ لِبَنِي عُذْرَةَ صَنَمٌ يُقَالُ لَهُ: حَمَامٌ.
وَكَانُوا يُعَظِّمُونَهُ وَكَانَ فِي بَنِي هِنْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ ضِنَّةَ بْنِ عَبْدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ عُذْرَةَ وَكَانَ سَادِنُهُ رَجُلًا يُقَالَ لَهُ: طَارِقٌ وَكَانُوا يَعْتِرُونَ عِنْدَهُ فَلَمَّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْنَا صَوْتًا يَقُولُ: يَا بَنِي هِنْدِ بْنِ حَرَامٍ ظَهَرَ الْحَقُّ وَأَوْدَى حَمَامُ، وَدَفَعَ الشِّرْكَ الْإِسْلَامُ.
قَالَ: فَفَزِعْنَا لِذَلِكَ وَهَالَنَا فَمَكَثْنَا أَيَّامًا ثُمَّ سَمِعْنَا صَوْتًا وَهُوَ يَقُولُ: يَا طَارِقُ يَا طَارِقْ، بُعِثَ النَّبِيُّ
الصَّادِقْ، بِوَحْيٍ نَاطِقْ، صَدَعَ صَادِعٌ بِأَرْضِ تِهَامَةْ، لِنَاصِرِيهِ السَّلَامَةْ، وَلِخَاذِلِيهِ النَّدَامَةْ، هَذَا الْوَدَاعُ مِنِّي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةْ.
قَالَ زَمِلٌ: فَوَقَعَ الصَّنَمُ لِوَجْهِهِ.
«قَالَ زَمِلٌ: فَابْتَعْتُ رَاحِلَةً، وَرَحَلْتُ حَتَّى أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي وَأَنْشَدْتُهُ شِعْرًا قُلْتُهُ:
إِلَيْكَ رَسُولَ اللَّهِ أَعْمَلْتُ نَصَّهَا ... وَكَلَّفْتُهَا حَزْنًا وَقَوْزًا مِنَ الرَّمْلِ
لِأَنْصُرَ خَيْرَ النَّاسِ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ... وَأَعْقِدُ حَبْلًا مِنْ حِبَالِكَ فِي حَبْلِي
وَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ ... أَدِينُ بِهِ مَا أَثْقَلَتْ قَدَمِي نَعْلِي
قَالَ: فَأَسْلَمْتُ وَبَايَعَتْهُ وَأَخْبَرْنَاهُ بِمَا سَمِعْنَا فَقَالَ: ذَاكَ مِنْ كَلَامِ الْجِنِّ ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الْأَنَامِ كَافَّةً أَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَنِّي رَسُولُهُ وَعَبْدُهُ، وَأَنْ يَحُجُّوا الْبَيْتَ وَيَصُومُوا شَهْرًا مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ فَمَنْ أَجَابَنِي فَلَهُ الْجَنَّةُ نُزُلَا، وَمَنْ عَصَانِي كَانَتِ النَّارُ لَهُ مُنْقَلَبًا.
قَالَ: فَأَسْلَمْنَا وَعَقَدَ لَنَا لِوَاءً وَكَتَبَ لَنَا كِتَابًا نُسْخَتُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لِزَمِلِ بْنِ عَمْرٍو وَمِنْ أَسْلَمَ مَعَهُ خَاصَّةً إِنِّي بَعَثْتُهُ إِلَى قَوْمِهِ عَامِدًا فَمِنْ أَسْلَمَ فَفِي حِزْبِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ أَبَى فَلَهُ أَمَانُ شَهْرَيْنِ شَهِدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ.» ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: غَرِيبٌ جِدًّا.
وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُنْذِرِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَانِيِّ قَالَ: كَانَ مِنَّا رَجُلٌ يُقَالَ لَهُ: مَازِنُ بْنُ الْغَضُوبَةِ.
يَسْدُنُ صَنَمًا بِقَرْيَةٍ يُقَالَ لَهَا: سَمَايَا مِنْ عُمَانَ وَكَانَتْ تُعَظِّمُهُ بَنُو الصَّامِتِ وَبَنُو حُطَامَةَ وَمَهْرَةُ وَهُمْ أَخْوَالُ مَازِنٍ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حُوَيْصٍ أَحَدِ بَنِي نُمْرَانَ.
قَالَ مَازِنٌ: فَعَتَرْنَا يَوْمًا عِنْدَ الصَّنَمِ عَتِيرَةً وَهِيَ الذَّبِيحَةُ فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ الصَّنَمِ يَقُولُ: يَا مَازِنُ، اسْمَعْ تُسَرَّ، ظَهَرَ خَيْرٌ وَبَطَنَ شَرٌّ، بُعِثَ نَبِيٌّ مِنْ مُضَرْ، بِدِينِ اللَّهِ الْأَكْبَرْ، فَدَعْ نَحِيَتًا مَنْ حَجَرْ; تَسْلَمْ مِنْ حَرِّ سَقَرْ، قَالَ: فَفَزِعْتُ لِذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا ثُمَّ عَتَرْنَا بَعْدَ أَيَّامٍ عَتِيرَةً أُخْرَى، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ الصَّنَمِ يَقُولُ: أَقْبِلْ إِلَيَّ أَقْبِلْ، تَسْمَعْ مَا لَا تَجْهَلْ، هَذَا نَبِيٌّ مُرْسَلْ، جَاءَ بِحَقٍّ مُنْزَلْ، فَآمِنْ بِهِ
كَيْ تَعْدِلْ، عَنْ حَرِّ نَارٍ تُشْعَلْ، وَقُودُهَا الْجَنْدَلْ.
قَالَ مَازِنٌ: فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَعَجَبٌ، وَإِنَّ هَذَا لَخَيْرٌ يُرَادُ بِي وَقَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنَ الْحِجَازِ فَقُلْتُ: مَا الْخَبَرُ وَرَاءَكَ؟ فَقَالَ: ظَهَرَ رَجُلٌ يُقَالَ لَهُ: أَحْمَدُ يَقُولُ لِمَنْ أَتَاهُ: أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ فَقُلْتُ: هَذَا نَبَأُ مَا سَمِعْتُ فَثُرْتُ إِلَى الصَّنَمِ فَكَسَرْتُهُ جُذَاذًا وَرَكِبْتُ رَاحِلَتِي حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلْإِسْلَامِ فَأَسْلَمْتُ وَقُلْتُ:
كَسَرْتُ بَاجِرَ أَجْذَاذًا وَكَانَ لَنَا ... رَبًّا نُطِيفُ بِهِ ضَلًّا بِتَضْلَالِ
بِالْهَاشِمِيِّ هَدَانَا مِنْ ضَلَالَتِنَا ... وَلَمْ يَكُنْ دِينُهُ مِنِّي عَلَى بَالِ
يَا رَاكِبًا بَلِّغَنْ عَمْرًا وَإِخْوَتَهُ ... أَنِّي لِمَنْ قَالَ رَبِّي بَاجِرٌ قَالِ
يَعْنِي: بِعَمْرٍو الصَّامِتَ وَإِخْوَتِهُ حُطَامَةَ.
«فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرُؤٌ مُولَعٌ بِالطَّرَبِ وَبِالْهَلُوكِ مِنَ النِّسَاءِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَلَحَّتْ عَلَيْنَا السُّنُونَ فَأَذْهَبْنَ الْأَمْوَالَ وَأَهْزَلْنَ السَّرَارِيَّ وَلَيْسَ لِي وَلَدٌ، فَادْعُو اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَ عَنِّي مَا أَجِدُ، وَيَأْتِيَنَا بِالْحَيَا، وَيَهَبَ لِي وَلَدًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ أَبْدِلْهُ بِالطَّرَبِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَبِالْحَرَامِ الْحَلَالَ، وَبِالْإِثْمِ وَبِالْعَهْرِ عِفَّةً، وَآتِهِ بِالْحَيَا، وَهَبْ لَهُ وَلَدًا.» قَالَ: فَأَذْهَبُ اللَّهُ عَنِّي مَا أَجِدُ وَأُخْصِبَتْ عُمَانُ، وَتَزَوَّجْتُ أَرْبَعَ حَرَائِرَ وَحَفِظْتُ شَطْرَ الْقُرْآنِ، وَوَهَبَ لِي حَيَّانَ بْنَ مَازِنٍ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
إِلَيْكَ رَسُولَ اللَّهِ خَبَّتْ مَطِيَّتِي ... تَجَوبُ الْفَيَافِي مِنْ عُمَانَ إِلَى الْعَرْجِ
لِتَشْفَعَ لِي يَا خَيْرَ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى ... فَيَغْفِرَ لِي رَبِّي فَأَرْجِعَ بِالْفَلْجِ
إِلَى مَعْشَرٍ خَالَفْتُ فِي اللَّهِ دِينَهُمْ ... فَلَا رَأْيُهُمْ رَأْيِي وَلَا شَرْجُهُمْ شَرْجِي
وَكُنْتُ امْرَأً بِالْخَمْرِ وَالْعَهْرِ مُولَعًا ... شَبَابِيَ حَتَّى آذَنَ الْجِسْمُ بِالنَّهْجِ
فَبَدَّلَنِي بِالْخَمْرِ خَوْفًا وَخَشْيَةً ... وَبِالْعَهْرِ إِحْصَانًا فَحَصَّنَ لِي فَرْجِي
فَأَصْبَحْتُ هَمِّي فِي الْجِهَادِ وَنِيَّتِي ... فَلِلَّهِ مَا صَوْمِي وَلِلَّهِ مَا حَجِّي
قَالَ: فَلَمَّا أَتَيْتُ قَوْمِي أَنَّبُونِي وَشَتَمُونِي وَأَمَرُوا شَاعِرًا لَهُمْ فَهَجَانِي فَقُلْتُ: إِنْ رَدَدْتُ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا أَهْجُو نَفْسِي فَرَحَلْتُ عَنْهُمْ، فَأَتَتْنِي مِنْهُمْ زُلْفَةٌ عَظِيمَةٌ وَكُنْتُ الْقَيِّمَ بِأُمُورِهِمْ فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَمٍّ، عِبْنَا عَلَيْكَ أَمَرًا وَكَرِهْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ أَبَيْتَ ذَلِكَ فَارْجِعْ وَقُمْ بِأُمُورِنَا، وَشَأْنُكَ وَمَا تَدِينُ بِهِ.
فَرَجَعْتُ مَعَهُمْ وَقُلْتُ:
لَبُغْضُكُمْ عِنْدَنَا مُرٌّ مَذَاقَتُهُ ... وَبُغْضُنَا عِنْدَكُمْ يَا قَوْمَنَا لَبَنُ
لَا يَفْطِنُ الدَّهْرُ إِنْ بُثَّتْ مَعَائِبُكُمْ ... وَكُلُّكُمْ حِينَ يُثْنَى عَيْبُنَا فَطِنُ
شَاعِرُنَا مُفْحَمٌ عَنْكُمْ وَشَاعِرُكُمْ ... فِي حَدْبِنَا مُبْلِغٌ فِي شَتْمِنَا لَسِنُ
مَا فِي الْقُلُوبِ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا ... وَغِرٌ وَفِي قُلُوبِكُمُ الْبَغْضَاءُ وَالْإِحَنُ
قَالَ مَازِنٌ: فَهَدَاهُمُ اللَّهُ بَعْدُ إِلَى الْإِسْلَامِ جَمِيعًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ فِي مُغَازِيهِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ يَعْنِي عَمَّهُ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: إِنَّهُ ذُكِرَ لِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «هَتَفَ هَاتِفٌ مِنَ الْجِنِّ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ فَقَالَ:
قَبَّحَ اللَّهُ رَأْيَكُمْ آلَ فِهْرٍ ... مَا أَرَقَّ الْعُقُولَ وَالْأَفْهَامَ
حِينَ تَعْصِي لِمَنْ يَعِيبُ عَلَيْهَا ... دِينَ آبَائِهَا الْحُمَاةِ الْكِرَامِ
حَالَفَ الْجِنُّ جِنَّ بُصْرَى عَلَيْكُمُ ... وَرِجَالَ النَّخِيلِ وَالآطَامِ تُوشِكُ الْخَيْلُ أَنْ تَرَوْهَا تَهَادَى
تَقْتُلُ الْقَوْمَ فِي حَرَامٍ بِهَامِ ... هِلْ كَرِيمٌ مِنْكُمُ لَهُ نَفْسُ حُرٍّ
مَاجِدُ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَعْمَامِ ... ضَارِبٌ ضَرْبَةً تَكُونُ نَكَالًا
وَرَوَاحًا مِنْ كُرْبَةٍ وَاغْتِمَامِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَصْبَحَ هَذَا الشِّعْرُ حَدِيثًا لِأَهْلِ مَكَّةَ يَتَنَاشَدُونَهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا شَيْطَانٌ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْأَوْثَانِ يُقَالَ لَهُ: مِسْعَرٌ وَاللَّهُ مُخْزِيهِ فَمَكَثُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِذَا هَاتِفٌ يَهْتِفُ عَلَى الْجَبَلِ يَقُولُ
نَحْنُ قَتَلْنَا فِي ثَلَاثٍ مِسْعَرَا ... إِذْ سَفَّهَ الْجِنَّ وَسَنَّ الْمُنْكَرَا
قَنَّعْتُهُ سَيْفًا حُسَامًا مُشْهَرَا ... بِشَتْمِهِ نَبِيَّنَا الْمُطَهَّرَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ اسْمُهُ سَمْجٌ آمَنَ بِي سَمَّيْتُهُ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ فِي طَلَبِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَالَ عَلِيٌّ: جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ.» وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُوسَى بْنِ أَبِي حَرْبٍ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْفَرَجِ الرِّيَاشِيُّ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ
أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ فِي حَاجَةٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ فَسَمِعْتُ هَاتِفًا يَقُولُ:
أَبَا عَمْرٍو تَنَاوَبَنِي السُّهُودُ ... وَرَاحَ النَّوْمُ وَامْتَنَعَ الْهُجُودُ
لِذِكْرِ عِصَابَةٍ سَلَفُوا وَبَادُوا ... وَكُلُّ الْخَلْقِ قَصْرُهُمُ يَبِيدُ
تَوَلَّوْا وَارِدِينَ إِلَى الْمَنَايَا ... حِيِاضًا لَيْسَ مَنْهَلَهَا الْوُرُودُ
مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ وَبَقِيتُ خَلْفًا ... وَحِيدًا لَيْسَ يُسْعِفُنِي وَحِيدُ
سُدًى لَا أَسْتَطِيعُ عِلَاجَ أَمْرٍ ... إِذَا مَا عَالَجَ الطِّفْلُ الْوَلِيدُ
فَلَأْيًا مَا بَقِيتُ إِلَى أُنَاسٍ ... وَقَدْ بَاتَتْ بِمَهْلِكِهَا ثَمُودُ
وَعَادٌ وَالْقُرُونُ بِذِي شُعُوبٍ ... سَوَاءٌ كُلُّهُمْ إِرَمٌ حَصِيدُ
قَالَ: ثُمَّ صَاحَ بِهِ آخَرُ: يَا خَرْعَبْ، ذَهَبَ بِكَ الْعَجَبْ، إِنَّ الْعَجَبَ كُلَّ الْعَجَبْ، بَيْنَ زُهْرَةَ وَيَثْرِبْ،.
قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا شَاحِبْ؟ قَالَ: نَبِيُّ السَّلَامْ، بُعِثَ بِخَيْرِ الْكَلَامْ، إِلَى جَمِيعِ الْأَنَامْ، فَاخْرُجْ مِنَ الْبَلَدِ الْحَرَامْ، إِلَى
نَخِيلٍ وَآطَامْ.
قَالَ: مَا هَذَا النَّبِيُّ الْمُرْسَلْ، وَالْكِتَابُ الْمُنَزَّلْ، وَالْأُمِّيُّ الْمُفَضَّلْ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ.
قَالَ: هَيْهَاتَ، فَاتَ عَنْ هَذَا سِنِّي وَذَهَبَ عَنْهُ زَمَنِي لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَالنَّضْرَ بْنَ كِنَانَةَ نَرْمِي غَرَضًا وَاحِدًا وَنَشْرَبُ حَلَبًا بَارِدًا وَلَقَدْ خَرَجْتُ بِهِ مِنْ دَوْحَةٍ فِي غَدَاةٍ شَبِمَةٍ وَطَلَعَ مَعَ الشَّمْسِ وَغَرَبَ مَعَهَا يَرْوِي مَا يَسْمَعُ وَيُثْبِتُ مَا يُبْصِرُ وَلَئِنْ كَانَ هَذَا مِنْ وَلَدِهِ لَقَدْ سُلَّ السَّيْفُ، وَذَهَبَ الْخَوْفُ، وَدُحِضَ الزِّنَا وَهَلَكَ الرِّبَا.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي مَا يَكُونُ؟ قَالَ: ذَهَبَتِ السَّرَّاءَ وَالْمَجَاعَةْ، وَالشِّدَّةُ وَالشَّجَاعَةْ، إِلَّا بَقِيَّةً فِي خُزَاعَةْ.
وَذَهَبَتِ الضَّرَّاءُ وَالْبُؤْسُ، وَالْخُلُقُ الْمَنْقُوسُ إِلَّا بَقِيَّةً مِنَ الْخَزْرَجِ وَالْأَوْسِ.
وَذَهَبَتِ الْخُيَلَاءُ وَالْفَخْرُ، وَالنَّمِيمَةُ وَالْغَدْرُ، إِلَّا بَقِيَّةً فِي بَنِي بَكْرٍ - يَعْنِي ابْنَ هَوَازِنَ - وَذَهَبَ الْفِعْلُ الْمُنَدِّمْ، وَالْعَمَلُ الْمُؤَثِّمْ، إِلَّا بَقِيَّةً فِي خَثْعَمْ.
قَالَ: أَخْبِرْنِي مَا يَكُونُ؟ قَالَ: إِذَا غُلِبَتِ الْبَرَّةْ، وَلُطِمَتِ الْحُرَّةْ، فَاخْرُجْ مِنْ بِلَادِ الْهِجْرَةْ، وَإِذَا كُفَّ
السَّلَامْ، وَقُطِعَتِ الْأَرْحَامْ، فَاخْرُجْ مِنَ الْبَلَدِ الْحَرَامْ، قَالَ: أَخْبِرْنِي مَا يَكُونُ؟ قَالَ: لَوْلَا أُذُنٌ تَسْمَعْ، وَعَيْنٌ تَلْمَعْ; لَأَخْبَرْتُكَ بِمَا يُفْزِعْ.
ثُمَّ قَالَ:
لَا مَنَامٌ هَدَّأْتَهُ بِنَعِيمٍ ... يَا ابْنَ غَوْطٍ وَلَا صَبَاحٌ أَتَانَا
قَالَ: ثُمَّ صَرْصَرَ صَرْصَرَةً كَأَنَّهَا صَرْصَرَةُ حُبْلَى فَذَهَبَ الْفَجْرُ فَذَهَبْتُ لِأَنْظُرَ فَإِذَا عَظَايَةٌ وَثُعْبَانٌ مَيِّتَانِ.
قَالَ: فَمَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ.
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامٍ، عَنْ شَهْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: لَمَّا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ خَرَجْتُ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لِبَعْضِ الْحَاجَةِ قَالَ: فَقَضَيْتُ حَاجَتِي ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ نِمْتُ فَفَزِعْتُ مِنَ اللَّيْلِ بِصَائِحٍ يَقُولُ
أَبَا عَمْرٍو تَنَاوَبَنِي السُّهُودُ ... وَرَاحَ النَّوْمُ وَانْقَطَعَ الْهُجُودُ
وَذَكَرَ مِثْلَهُ بِطُولِهِ.
وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ
عَلِيٍّ حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ سَلَمَةَ حَدَّثَنَا أَبُو غَزِيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى عَنِ الْعَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ الْوَابِصَيِّ عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ تَمِيمًا الدَّارِيَّ يَقُولُ: كُنْتُ بِالشَّامِ حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَأَدْرَكَنِي اللَّيْلُ فَقُلْتُ: أَنَا فِي جِوَارِ عَظِيمِ هَذَا الْوَادِي اللَّيْلَةَ.
قَالَ: فَلَمَّا أَخَذْتُ مَضْجَعِي إِذَا أَنَا بِمُنَادٍ يُنَادِي لَا أَرَاهُ: عُذْ بِاللَّهِ فَإِنَّ الْجِنَّ لَا تُجِيرُ أَحَدًا عَلَى اللَّهِ فَقُلْتُ: ايْمُ اللَّهِ تَقُولُ؟ فَقَالَ: قَدْ خَرَجَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ رَسُولُ اللَّهِ وَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ بِالْحَجُونِ فَأَسْلَمْنَا وَاتَّبَعْنَاهُ وَذَهَبَ كَيْدُ الْجِنِّ وَرُمِيَتْ بِالشُّهُبِ فَانْطَلِقْ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأَسْلِمْ.
قَالَ تَمِيمٌ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ ذَهَبْتُ إِلَى دَيْرِ أَيُّوبَ فَسَأَلْتُ رَاهِبًا وَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ فَقَالَ الرَّاهِبُ: قَدْ صَدَقُوكَ يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ، وَمُهَاجَرُهُ الْحَرَمُ وَهُوَ خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا تُسْبَقْ إِلَيْهِ قَالَ تَمِيمٌ: فَتَكَلَّفْتُ الشُّخُوصَ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمْتُ.
وَقَالَ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْهُذَلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَاعِدَةَ الْهُذَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ صَنَمِنَا سُوَاعٍ، وَقَدْ جَلَبْنَا إِلَيْهِ غَنَمًا لَنَا، مِائَتَيْ شَاةٍ قَدْ أَصَابَهَا جَرَبٌ، فَأَدْنَيْنَاهَا مِنْهُ لِنَطْلُبَ بَرَكَتَهُ فَسَمِعْتُ مُنَادِيًا مِنْ جَوْفِ الصَّنَمِ يُنَادِي: قَدْ ذَهَبَ كَيْدُ الْجِنِّ وَرُمِينَا بِالشُّهُبِ لِنَبِيٍّ اسْمُهُ أَحْمَدُ
قَالَ: فَقُلْتُ: غَوَيْتُ وَاللَّهِ.
فَصَرَفْتُ وَجْهَ غَنَمِي مُنْجِدًا إِلَى أَهْلِي فَلَقِيتُ رَجُلًا فَخَبَّرَنِي بِظُهُورِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ هَكَذَا مُعَلَّقًا ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ السِّنْدِيِّ حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ سَلَمَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ عَطَاءٍ الظَّفَرِيِّ - مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ مِنْ وَلَدِ رَاشِدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ - عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَاشِدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهُ قَالَ: كَانَ الصَّنَمُ الَّذِي يُقَالَ لَهُ: سُوَاعٌ بِالْمَعْلَاةِ مِنْ رُهَاطٍ تَدِينُ لَهُ هُذَيْلٌ وَبَنُو ظَفَرِ بْنِ سُلَيْمٍ فَأَرْسَلَتْ بَنُو ظَفَرٍ رَاشِدَ بْنَ عَبْدِ رَبِّهِ بِهَدِيَّةٍ مِنْ سُلَيْمٍ إِلَى سُوَاعٍ قَالَ رَاشِدٌ: فَأَلْقَيْتُ مَعَ الْفَجْرِ إِلَى صَنَمٍ قَبْلَ صَنَمِ سُوَاعٍ فَإِذَا صَارِخٌ يَصْرُخُ مِنْ جَوْفِهِ: الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبْ، مِنْ خُرُوجِ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبْ، يُحَرِّمُ الزِّنَا وَالرِّبَا وَالذَّبْحَ لِلْأَصْنَامِ وَحُرِسَتِ السَّمَاءُ، وَرُمِينَا بِالشُّهُبْ، الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبْ.
ثُمَّ هَتَفَ صَنَمٌ آخَرُ مِنْ جَوْفِهِ تُرِكَ الضِّمَارُ وَكَانَ يُعْبَدْ، خَرَجَ أَحْمَدْ، يُصَلِّي الصَّلَاةَ، وَيَأْمُرُ بِالزَّكَاةِ
وَالصِّيَامِ، وَالْبِرِّ وَالصِّلَاتِ لِلْأَرْحَامِ ثُمَّ هَتَفَ مِنْ جَوْفِ صَنَمٍ آخَرَ هَاتِفٌ يَقُولُ:
إِنَّ الَّذِي وَرِثَ النُّبُوَّةَ وَالْهُدَى ... بَعْدَ ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَدِ
نَبِيٌّ أَتَى يُخَبِّرُ بِمَا قَدْ سَبَقْ ... وَبِمَا يَكُونُ مِنَ الْغَدِ
«قَالَ رَاشِدٌ: فَأَلْفَيْتُ سُوَاعًا مَعَ الْفَجْرِ وَثَعْلَبَانِ يَلْحَسَانِ مَا حَوْلَهُ وَيَأْكُلَانِ مَا يُهْدَى لَهُ، ثُمَّ يُعَرِّجَانِ عَلَيْهِ بِبَوْلِهِمَا.
فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ رَاشِدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ:
أَرَبٌّ يَبُولُ الثَّعْلَبَانِ بَرَأْسِهِ ... لَقَدْ ذَلَّ مَنْ بالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِبُ
وَذَلِكَ عِنْدَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُهَاجَرِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَتَسَامَعَ النَّاسُ بِهِ فَخَرَجَ رَاشِدٌ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْمَدِينَةَ، وَمَعَهُ كَلْبٌ لَهُ وَاسْمُ رَاشِدٍ: يَوْمَئِذٍ ظَالِمٌ وَاسْمُ كَلْبِهِ: رَاشِدٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا اسْمُكَ قَالَ: ظَالِمٌ.
قَالَ: فَمَا اسْمُ كَلْبِكَ؟ قَالَ: رَاشِدٌ.
قَالَ: اسْمُكَ رَاشِدٌ وَاسْمُ كَلْبِكَ ظَالِمٌ.
وَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَايَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَعَهُ.
ثُمَّ طَلَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطِيعَةً بِرُهَاطٍ، وَوَصَفَهَا لَهُ فَأَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَعْلَاةِ مِنْ رُهَاطٍ شَأْوَ الْفَرَسِ وَرَمْيَتُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَجَرٍ وَأَعْطَاهُ إِدَاوَةً مَمْلُوءَةً مِنْ مَاءٍ وَتَفَلَ فِيهَا، وَقَالَ لَهُ: فَرِّغْهَا فِي أَعْلَى الْقَطِيعَةِ وَلَا تَمْنَعِ النَّاسَ فُضُولَهَا فَفَعَلَ.
فَجَعَلَ الْمَاءَ مَعِينًا يَجْرِي إِلَى الْيَوْمِ فَغَرَسَ عَلَيْهَا النَّخْلَ» وَيُقَالَ: إِنَّ رُهَاطًا كُلَّهَا تَشْرَبُ مِنْهُ فَسَمَّاهَا النَّاسُ مَاءَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَهْلُ رُهَاطٍ يَغْتَسِلُونَ بِهَا وَبَلَغَتْ رَمْيَةُ رَاشِدٍ الرَّكِيبَ الَّذِي يُقَالَ لَهُ: رَكِيبُ الْحَجَرِ وَغَدَا رَاشِدٌ عَلَى سُوَاعٍ فَكَسَرَهُ.
وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخُزَاعِيُّ الْأَهْوَازِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ بْنِ دِلْهَاثِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْرِعِ بْنِ يَاسِرِ بْنِ سُوَيْدٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ دِلْهَاثٍ عَنْ أَبِيهِ إِسْمَاعِيلَ أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ مُسْرِعِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ أَبَاهُ يَاسِرًا حَدَّثَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ: خَرَجْتُ حَاجًّا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَرَأَيْتُ
فِي الْمَنَامِ وَأَنَا بِمَكَّةَ نُورًا سَاطِعًا مِنَ الْكَعْبَةِ حَتَّى أَضَاءَ فِي جَبَلِ يَثْرِبَ وَأَشْعَرِ جُهَيْنَةَ فَسَمِعْتُ صَوْتًا فِي النُّورِ وَهُوَ يَقُولُ: انْقَشَعَتِ الظَّلْمَاءُ وَسَطَعَ الضِّيَاءُ وَبُعِثَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ أَضَاءَ إِضَاءَةً أُخْرَى حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى قُصُورِ الْحِيرَةِ وَأَبْيَضِ الْمَدَائِنِ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا فِي النُّورِ وَهُوَ يَقُولُ: ظَهَرَ الْإِسْلَامُ وَكُسِرَتِ الْأَصْنَامُ وَوُصَلَتِ الْأَرْحَامُ، فَانْتَبَهْتُ فَزِعًا فَقُلْتُ لِقَوْمِي: وَاللَّهِ لَيَحْدُثَنَّ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ حَدَثٌ، وَأَخْبَرْتُهُمْ بِمَا رَأَيْتُ فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى بِلَادِنَا جَاءَنَا رَجُلٌ فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَجُلًا يُقَالَ لَهُ: أَحْمَدُ قَدْ بُعِثَ، فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ فَقَالَ: يَا عَمْرُو بْنَ مُرَّةَ إِنِّي الْمُرْسَلُ إِلَى الْعِبَادِ كَافَّةً أَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَآمُرُهُمْ بِحَقْنِ الدِّمَاءِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَعِبَادَةِ اللَّهِ وَرَفْضِ الْأَصْنَامِ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرٍ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فَمَنْ أَجَابَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ عَصَى فَلَهُ النَّارُ، فَآمِنْ يَا عَمْرُو بْنَ مُرَّةَ يُؤَمِّنْكَ اللَّهُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ.
فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ آمَنْتُ بِكُلِّ مَا جِئْتَ بِهِ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ، وَإِنْ أَرْغَمَ ذَلِكَ كَثِيرًا مِنَ الْأَقْوَامِ.
ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ أَبْيَاتًا قُلْتُهَا حِينَ سَمِعْتُ بِهِ وَكَانَ لَنَا صَنَمٌ وَكَانَ أَبِي سَادِنًا لَهُ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَكَسَرْتُهُ ثُمَّ لَحِقْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَقُولُ:
شَهِدْتُ بِأَنَّ اللَّهَ حَقٌّ وَأَنَّنِي ... لِآلِهَةِ الْأَحْجَارِ أَوَّلُ تَارِكِ
فَشَمَّرْتُ عَنْ سَاقِي إِزَارَ مُهَاجِرٍ ... إِلَيْكَ أَدِبُّ الْغَوْرَ بَعْدَ الدَّكَادِكِ
لِأَصْحَبَ خَيْرَ النَّاسِ نَفْسًا وَوَالِدًا
رَسُولَ مَلِيكِ النَّاسِ فَوْقَ الْحَبَائِكِ
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَرْحَبًا بِكَ يَا عَمْرُو بْنَ مُرَّةَ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ابْعَثْ بِي إِلَى قَوْمِي لَعَلَّ اللَّهَ أَنَّ يَمُنَّ بِي عَلَيْهِمْ كَمَا مَنَّ بِكَ عَلِيَّ، فَبَعَثَنِي إِلَيْهِمْ وَقَالَ: عَلَيْكَ بِالْقَوْلِ السَّدِيدِ وَلَا تَكُنْ فَظًّا، وَلَا مُتَكَبِّرًا، وَلَا حَسُودًا.
فَأَتَيْتُ قَوْمِي فَقُلْتُ لَهُمْ: يَا بَنِي رِفَاعَةَ، ثُمَّ يَا بَنِي جُهَيْنَةَ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، أَدْعُوكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأُحَذِّرُكُمُ النَّارَ، وَآمُرُكُمْ بِحَقْنِ الدِّمَاءِ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَفْضِ الْأَصْنَامِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، شَهْرٍ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، فَمَنْ أَجَابَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ عَصَى فَلَهُ النَّارُ، يَا مَعْشَرَ جُهَيْنَةَ إِنَّ اللَّهَ - وَلَهُ الْحَمْدُ - جَعَلَكُمْ خِيَارَ مَنْ أَنْتُمْ مِنْهُ، وَبَغَّضَ إِلَيْكُمْ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ مَا حَبَّبَ إِلَى غَيْرِكُمْ مِنَ الرَّفَثِ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَيَخْلُفُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَةِ أَبِيهِ، وَالتِّرَاتِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَأَجِيبُوا هَذَا النَّبِيَّ الْمُرْسَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَنِي لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ تَنَالُوا شَرَفَ الدُّنْيَا وَكَرَامَةَ الْآخِرَةِ، سَارِعُوا سَارِعُوا فِي ذَلِكَ تَكُنْ لَكُمْ فَضِيلَةٌ عِنْدَ اللَّهِ فَأَجَابُوا إِلَّا رَجُلًا مِنْهُمْ قَامَ فَقَالَ: يَا عَمْرُو بْنَ مُرَّةَ أَمَرَّ اللَّهُ عَلَيْكَ عَيْشَكَ، أَتَأْمُرُنَا أَنْ نَرْفُضَ آلِهَتَنَا، وَنُفَرِّقَ جَمَاعَتَنَا بِمُخَالَفَةِ دِينِ آبَائِنَا إِلَى مَا يَدْعُو هَذَا الْقُرَشِيُّ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ؟ ! لَا وَلَا مَرْحَبًا وَلَا كَرَامَةَ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
إِنَّ ابْنَ مُرَّةَ قَدْ أَتَى بِمَقَالَةٍ ... لَيْسَتْ مَقَالَةَ مَنْ يُرِيدُ صَلَاحَا
إِنِّي لَأَحْسَبُ قَوْلَهُ وَفَعَالَهُ ... يَوْمًا وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ رِيَاحَا
أَتُسَفِّهُ الْأَشْيَاخَ مِمَّنْ قَدْ مَضَى ... مَنْ رَامَ ذَلِكَ لَا أَصَابَ فَلَاحَا
فَقَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ: الْكَاذِبُ مِنِّي وَمِنْكَ أَمَرَّ اللَّهُ عَيْشَهُ وَأَبْكَمَ لِسَانَهُ وَأَكْمَهَ بَصَرَهُ.
قَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ: وَاللَّهِ مَا مَاتَ حَتَّى سَقَطَ فُوهُ وَكَانَ لَا يَجِدُ طَعْمَ الطَّعَامِ وَعَمِيَ وَخَرِسَ.
وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ حَتَّى أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَحَّبَ بِهِمْ وَحَبَاهُمْ وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا هَذِهِ نُسْخَتُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ بِكِتَابٍ صَادِقٍ وَحَقٍّ نَاطِقٍ مَعَ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ لِجُهَيْنَةَ بْنِ زَيْدٍ: إِنَّ لَكُمْ بُطُونَ الْأَرْضِ وَسُهُولَهَا وَتِلَاعَ الْأَوْدِيَةِ وَظُهُورَهَا تَرْعَوْنَ نَبَاتَهُ وَتَشْرَبُونَ صَافِيَهُ عَلَى أَنْ تُقِرُّوا بِالْخُمْسِ، وَتُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَفِي التَّبِعَةِ وَالصُّرَيْمَةِ شَاتَانِ إِنِ اجْتَمَعَتَا وَإِنْ تَفَرَّقَتَا فَشَاةٌ شَاةٌ، لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَةِ صَدَقَةٌ، وَلَا عَلَى الْوَارِدَةِ لَبِقَةٌ، وَشَهِدَ مَنْ حَضَرَنَا مِنَ
الْمُسْلِمِينَ بِكِتَابِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ دِينَهُ ... وَبَيَّنَ بُرْهَانَ الْقُرَانِ لِعَامِرِ كِتَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ نُورٌ لِجَمْعِنَا ... وَأَحْلَافِنَا فِي كُلِّ بَادٍ وَحَاضِرِ إِلَى خَيْرِ مَنْ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ كُلِّهَا ... وَأَفْضَلِهَا عِنْدَ اعْتِكَارِ الضَّرَائِرِ أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا تَقَطَّعَتْ ... بُطُونُ الْأَعَادِي بِالظُّبَا وَالْخَوَاطِرِ فَنَحْنُ قَبِيلٌ قَدْ بُنِيَ الْمَجْدُ حَوْلَنَا ... إِذَا اجْتُلِيَتْ فِي الْحَرْبِ هَامُ الْأَكَابِرِ بَنُو الْحَرْبِ نَفْرِيهَا بِأَيْدٍ طَوِيلَةٍ ... وَبِيضٍ تَلَأْلَأَ فِي أَكُفِّ الْمَغَاوِرِ تَرَى حَوْلَهُ الْأَنْصَارَ تَحْمِي أَمِيرَهُمْ ... بِسُمْرِ الْعَوَالِي وَالصِّفَاحِ الْبَوَاتِرِ إِذَا الْحَرْبُ دَارَتْ عِنْدَ كُلِّ عَظِيمَةٍ ... وَدَارَتْ رَحَاهَا بِاللِّيُوثِ الْهَوَاصِرِ
تَبَلَّجَ مِنْهُ اللَّوْنُ وَازْدَادَ وَجْهُهُ
كَمِثْلِ ضِيَاءِ الْبَدْرِ بَيْنَ الزَّوَاهِرِ
وَقَالَ: أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ فِي مَغَازِيهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا الْمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ وَالْأَجْلَحُ عَنِ الشَّعْبِيِّ حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ جُهَيْنَةَ قَالَ: مَرِضَ مِنَّا رَجُلٌ مَرَضًا شَدِيدًا فَثَقُلَ حَتَّى حَفَرْنَا لَهُ قَبْرَهُ، وَهَيَّأْنَا أَمْرَهُ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ فَتَحَ عَيْنَيْهِ وَأَفَاقَ فَقَالَ: أَحْفَرْتُمْ لِي؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: فَمَا فَعَلَ الْفَصْلُ؟ وَهُوَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ قُلْنَا: صَالِحٌ مَرَّ آنِفًا يَسْأَلُ عَنْكَ.
قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يُجْعَلَ فِي حُفْرَتِي إِنَّهُ أَتَانِي آتٍ حِينَ أُغْمِيَ عَلَيَّ فَقَالَ: ابْكِ هُبَلْ، أَمَا تَرَى حُفْرَتَكَ تُنْتَثَلْ، وَأُمُّكَ قَدْ كَادَتْ تَثْكَلْ؟ أَرَأَيْتُكَ إِنْ حَوَّلْنَاهَا عَنْكَ بِالْمِحْوَلْ، ثُمَّ مَلَأْنَاهَا بِالْجَنْدَلْ، وَقَذَفْنَا فِيهَا الْفَضَلْ، الَّذِي مَضَى فَأَجْزَأَكْ، وَظَنَّ أَنْ لَنْ يَفْعَلْ، أَتَشْكُرُ لِرَبِّكَ وَتُصَلِّ وَتَدَعُ دِينَ مَنْ أَشْرَكَ وَضَلَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: قُمْ قَدْ بَرِئْتَ.
قَالَ: فَبَرِئَ الرَّجُلُ وَمَاتَ الْفَضْلُ، فَجُعِلَ فِي حُفْرَتِهِ.
قَالَ الْجُهَنِيُّ: فَرَأَيْتُ الْجُهَنِيَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُصَلِّي وَيَسُبُّ الْأَوْثَانَ وَيَقَعُ فِيهَا.
وَقَالَ الْأُمَوِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَجْلِسٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنِ الْجِنِّ فَقَالَ خُرَيْمُ بْنُ فَاتِكٍ الْأَسَدِيُّ: أَلَا
أُحَدِّثُكَ كَيْفَ كَانَ إِسْلَامِي؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: إِنِّي يَوْمًا فِي طَلَبِ ذَوْدٍ لِي، أَنَا مِنْهَا عَلَى أَثَرٍ، تَنْصَبُ وَتَصْعَدُ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِأَبْرَقِ الْعِرَاقِ، أَنَخْتُ رَاحِلَتِي وَقُلْتُ: أَعُوذُ بِعَظِيمِ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، أَعُوذُ بِرَئِيسِ هَذَا الْوَادِي.
فَإِذَا بِهَاتِفٍ يَهْتِفُ بِي
وَيْحَكَ عُذْ بِاللَّهِ ذِي الْجَلَالِ ... وَالْمَجْدِ وَالنَّعْمَاءِ وَالْإِفْضَالِ
ثُمَّ اتْلُ آيَاتٍ مِنَ الْأَنْفَالِ ... وَوَحِّدِ اللَّهَ وَلَا تُبَالِي
قَالَ: فَذُعِرْتُ ذُعْرًا شَدِيدًا ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي فَقُلْتُ:
يَا أَيُّهَا الْهَاتِفُ مَا تَقُولُ ... أَرَشَدٌ عِنْدَكَ أَمْ تَضْلِيلُ
بَيِّنْ هَدَاكَ اللَّهُ مَا الْحَوِيلُ
قَالَ: فَقَالَ:
هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ذُو الْخَيْرَاتِ ... بِيَثْرِبَ يَدْعُو إِلَى النَّجَاةِ
يَأَمْرُ بِالْبِرِّ وَبِالصَّلَاةِ ... وَيَزَعُ النَّاسَ عَنِ الْهَنَاتِ
قَالَ: قُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ لَا أَبْرَحُ حَتَّى آتِيَهُ، وَأُومِنَ بِهِ فَنَصَبْتُ رِجْلِي فِي غَرْزِ رَاحِلَتِي وَقُلْتُ:
أَرْشِدْنِي أَرْشِدْنِي هُدِيتَا ... لَا جُعْتَ مَا عِشْتَ وَلَا عَرِيتَا
وَلَا بَرِحْتَ سَيِّدًا مَقِيتًا ... لَا تُؤْثِرِ الْخَيْرَ الَّذِي أُتِيتَا
عَلَى جَمِيعِ الْجِنِّ مَا بَقِيَتَا فَقَالَ:
صَاحَبَكَ اللَّهُ وَأَدَّى رَحْلَكَا ... وَعَظَّمَ الْأَجْرَ وَعَافَى نَفْسَكَا
آمِنْ بِهِ أَفْلَجَ رَبِّي حَقَّكَا ... وَانْصُرْهُ أَعَزَّ رَبِّي نَصْرَكَا
قَالَ: قُلْتُ: مَنْ أَنْتَ عَافَاكَ اللَّهُ حَتَّى أُخْبِرَهُ إِذَا قَدِمْتَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: أَنَا مَالِكُ بْنُ مَالِكٍ وَأَنَا نَقِيبُهُ عَلَى جِنِّ نَصِيبِينَ، وَكَفَيْتُ إِبِلَكَ حَتَّى أَضُمَّهَا إِلَى أَهْلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّاسُ أَرْسَالٌ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ كَأَنَّهُ الْبَدْرُ يَخْطُبُ النَّاسَ فَقُلْتُ: أُنِيخُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يُصَلِّيَ، وَأَدْخُلُ عَلَيْهِ فَأُسَلِّمُ وَأُخْبِرُهُ عَنْ إِسْلَامِي.
فَلَمَّا أَنَخْتُ خَرَجَ إِلَيَّ أَبُو ذَرٍ فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا وَسَهْلًا قَدْ بَلَغَنَا إِسْلَامُكَ فَادْخُلْ فَصَلِّ.
فَفَعَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَنِي بِإِسْلَامِي فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
قَالَ: أَمَا إِنَّ صَاحِبَكَ قَدْ وَفَّى لَكَ وَهُوَ أَهْلُ ذَلِكَ وَأَدَّى إِبِلَكَ إِلَى أَهْلِكَ.
وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي تَرْجَمَةِ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ مِنْ مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ
قَائِلًا: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ الْيَسِيرِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشَّامِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْإِسْكَنْدَرِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ خُرَيْمُ بْنُ فَاتِكٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا أُخْبِرُكَ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ إِسْلَامِي؟ قَالَ: بَلَى.
فَذَكَرَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقَالَ: ادْخُلْ فَقَدْ بَلَغَنَا إِسْلَامُكَ.
فَقُلْتُ: لَا أُحْسِنُ الطُّهُورَ فَعَلِّمْنِي فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهُ الْبَدْرُ، وَهُوَ يَقُولُ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى صَلَاةً يَحْفَظُهَا وَيَعْقِلُهَا إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ.
فَقَالَ لِي عُمَرُ: لَتَأْتِيَنِّي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ لَأُنَكِّلَنَّ بِكَ، فَشَهِدَ لِي شَيْخُ قُرَيْشٍ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَأَجَازَ شَهَادَتَهُ» . ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ تَسْنِيمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِخُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ: حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ يُعْجِبُنِي.
فَذَكَرَ مِثْلَ السِّيَاقِ الْأَوَّلِ سَوَاءً.
وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ بِنْتِ شُرَحْبِيلَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: بَلَغَنَا أَنَّكَ تَذْكُرُ سَطِيحًا تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ لَمْ يَخْلُقْ مِنْ بَنِي آدَمَ شَيْئًا يُشْبِهُهُ؟ قَالَ: قَالَ: نَعَمْ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ سَطِيحًا الْغَسَّانِيَّ لَحْمًا عَلَى وَضَمٍ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ عَظْمٌ وَلَا عَصَبٌ إِلَّا الْجُمْجُمَةُ وَالْكَفَّانِ وَكَانَ يُطْوَى مِنْ رِجْلَيْهِ إِلَى تَرْقُوَتِهِ كَمَا يُطْوَى الثَّوْبُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ يَتَحَرَّكُ إِلَّا لِسَانُهُ فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ حُمِلَ عَلَى وَضَمِهِ فَأُتِيَ بِهِ مَكَّةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَبْدُ شَمْسٍ وَهَاشِمٌ ابْنَا عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ وَالْأَحْوَصُ بْنُ فِهْرٍ وَعَقِيلُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍّ فَانْتَمَوْا إِلَى غَيْرِ نَسَبِهِمْ.
وَقَالُوا: نَحْنُ أُنَاسٌ مَنْ جُمَحَ أَتَيْنَاكَ، بَلَغَنَا قُدُومُكَ فَرَأَيْنَا أَنَّ إِتْيَانَنَا إِيَّاكَ حَقٌّ لَكَ وَاجِبٌ عَلَيْنَا وَأَهْدَى إِلَيْهِ عَقِيلٌ صَفِيحَةً هِنْدِيَّةً وَصَعْدَةً رُدَيْنِيَّةً فَوُضَعِتْ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ لَيَنْظُرُوا أَهَلْ يَرَاهَا سَطِيحٌ أَمْ لَا.
فَقَالَ: يَا عَقِيلُ نَاوِلْنِي يَدَكَ فَنَاوَلَهُ يَدَهُ فَقَالَ: يَا عَقِيلُ وَالْعَالِمِ الْخَفِيَّةْ، وَالْغَافِرِ الْخَطِيَّةْ، وَالذِّمَّةِ الْوَفِيَّةْ، وَالْكَعْبَةِ الْمَبْنِيَّةْ، إِنَّكَ لَجَاءٍ بِالْهَدِيَّةْ، الصَّفِيحَةِ الْهِنْدِيَّةْ، وَالصَّعْدَةِ الرُّدَيْنِيَّةْ.
قَالُوا: صَدَقْتَ يَا سَطِيحُ فَقَالَ: وَالْآتِي بِالْفَرَحْ، وَقَوْسِ قُزَحْ، وَسَائِرِ الْفَرَحْ، وَاللَّطِيمِ الْمُنْبَطِحْ، وَالنَّخْلِ وَالرُّطَبِ وَالْبَلَحْ، إِنَّ الْغُرَابَ حَيْثُ مَرَّ سَنَحْ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْقَوْمَ لَيْسُوا مَنْ جُمَحْ، وَأَنَّ نَسَبَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ
ذِي الْبِطَحْ، قَالُوا: صَدَقْتَ يَا سَطِيحُ، نَحْنُ أَهْلُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ أَتَيْنَاكَ لِنَزُورَكَ ; لِمَا بَلَغَنَا مِنْ عِلْمِكَ فَأَخْبِرْنَا عَمَّا يَكُونُ فِي زَمَانِنَا هَذَا وَمَا يَكُونُ بَعْدَهُ فَلَعَلَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ فِي ذَلِكَ عِلْمٌ.
قَالَ: الْآنَ صَدَقْتُمْ خُذُوا مِنِّي وَمِنْ إِلْهَامِ اللَّهِ إِيَّايَ أَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ فِي زَمَانِ الْهَرَمِ، سَوَاءٌ بَصَائِرُكُمْ وَبَصَائِرُ الْعَجَمِ، لَا عِلْمَ عِنْدَكُمْ وَلَا فَهْمَ، وَيَنْشَأُ مِنْ عَقِبِكُمْ ذَوُو فَهْمٍ يَطْلُبُونَ أَنْوَاعُ الْعِلْمِ، فَيَكْسِرُونَ الصَّنَمَ وَيَبْلُغُونَ الرَّدْمَ وَيَقْتُلُونَ الْعَجَمْ يَطْلُبُونَ الْغُنْمَ.
قَالُوا: يَا سَطِيحُ فَمِنْ يَكُونُ أُولَئِكَ؟ فَقَالَ لَهُمْ: وَالْبَيْتِ ذِي الْأَرْكَانِ، وَالْأَمْنِ وَالسُّكَّانِ، لَيَنْشَؤُنَّ مِنْ عَقِبِكُمْ وِلْدَانٌ يَكْسِرُونَ الْأَوْثَانَ، وَيُنْكِرُونَ عِبَادَةَ الشَّيْطَانِ، وَيُوَحِّدُونَ الرَّحْمَنَ، وَيَنْشُرُونَ دِينَ الدَّيَّانِ، يُشْرِفُونَ الْبُنْيَانَ، وَيَسْتَفْتُونَ الْفِتْيَانَ.
قَالُوا: يَا سَطِيحُ مِنْ نَسْلِ مَنْ يَكُونُ أُولَئِكَ؟ قَالَ: وَأَشْرَفِ الْأَشْرَافِ وَالْمُفْضِي لِلْإِسْرَافِ وَالْمُزَعْزِعِ الْأَحْقَافِ وَالْمُضْعِفِ الْأَضْعَافِ لَيَنْشَؤُنَّ الْآلَافُ مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ وَعَبْدِ مَنَافٍ نُشُوءًا يَكُونُ فِيهِ اخْتِلَافٌ، قَالُوا: يَا سَوْءَتَاهُ يَا سَطِيحُ فَمَا تُخْبِرُنَا مِنَ الْعِلْمِ بِأَمْرِهِمْ وَمِنْ
أَيِّ بَلَدٍ يَخْرُجُ أُولَئِكَ؟ فَقَالَ: وَالْبَاقِي الْأَبَدْ، وَالْبَالِغِ الْأَمَدْ، لَيَخْرُجَنَّ مَنْ ذَا الْبَلَدْ، فَتًى يَهْدِي إِلَى الرَّشَدْ، يَرْفُضُ يَغُوثَ وَالْفِنَدْ، يَبْرَأُ مِنْ عِبَادَةِ الضِّدَدْ، يَعْبُدُ رَبًّا انْفَرَدْ، ثُمَّ يَتَوَفَّاهُ اللَّهُ مَحْمُودًا، مِنَ الْأَرْضِ مَفْقُودًا، وَفِي السَّمَاءِ مَشْهُودًا، ثُمَّ يَلِي أَمْرَهُ الصِّدِّيقْ، إِذَا قَضَى صَدَقْ، وفِي رَدِّ الْحُقُوقِ لَا خَرِقٌ وَلَا نَزِقْ، ثُمَّ يَلِي أَمْرَهُ الْحَنِيفْ، مُجَرِّبٌ غِطْرِيفْ، وَيَتْرُكُ قَوْلَ الْعَنِيفْ، قَدْ ضَافَ الْمَضِيفْ، وَأَحْكَمَ التَّحْنِيفْ، ثُمَّ يَلِي أَمْرَهُ دَاعِيًا لِأَمْرِهِ مُجَرِّبًا، فَيَجْتَمِعُ لَهُ جُمُوعًا وَعُصَبًا، فَيَقْتُلُونَهُ نِقْمَةً عَلَيْهِ وَغَضَبًا، فَيُؤْخَذُ الشَّيْخُ فَيُذْبَحُ إِرَبًا، فَيَقُومُ بِهِ رِجَالٌ خُطَبَاءُ، ثُمَّ يَلِي أَمْرَهُ النَّاصِرْ، يَخْلِطُ الرَّأْي بِرَأْي النَّاكِرْ، يُظْهِرُ فِي الْأَرْضِ الْعَسَاكِرْ، ثُمَّ يَلِي بَعْدَهُ ابْنُهُ يَأْخُذُ جَمْعَهُ، وَيَقِلُّ حَمْدُهُ، وَيَأْخُذُ الْمَالَ، وَيَأْكُلُ وَحْدَهُ وَيُكْثِرُ الْمَالَ لِعَقِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ ثُمَّ يَلِي مِنْ بَعْدِهِ عِدَّةُ مُلُوكْ، لَا شَكَّ الدَّمُ فِيهِمْ مَسْفُوكْ، ثُمَّ يَلِي مَنْ بَعْدِهِمُ الصُّعْلُوكْ،
يَطْوِيهِمْ كَطَيِّ الدُّرْنُوكْ، ثُمَّ يَلِي مِنْ بَعْدِهِ عُظْهُورٌ يُقْصِي الْخَلْقَ وَيُدْنِي مُضَرَ، يَفْتَتِحُ الْأَرْضَ افْتِتَاحًا مُنْكَرًا، ثُمَّ يَلِي قَصِيرُ الْقَامَةْ، بِظَهْرِهِ عَلَامَةْ، يَمُوتُ مَوْتًا وَسَلَامَةْ، ثُمَّ يَلِي قَلِيلًا بَاكِرْ، يَتْرُكُ الْمُلْكَ بَائِرْ، ثُمَّ يَلِي أَخُوهُ بِسُنَّتِهِ سَابِرْ، يَخْتَصُّ بِالْأَمْوَالِ وَالْمَنَابِرْ، ثُمَّ يَلِي مِنْ بَعْدِهِ أَهْوَجْ، صَاحِبُ دُنْيَا وَنَعِيمٍ مُخْلِجْ، يَتَشَاوَرُهُ مُعَاشِرُهُ وَذَوُوهُ، يَنْهَضُونَ إِلَيْهِ يَخْلَعُونَهُ بِأَخْذِ الْمُلْكِ وَيَقْتُلُونَهُ، ثُمَّ يَلِي أَمْرَهُ مِنْ بَعْدِهِ السَّابِعْ، يَتْرُكُ الْمُلْكَ مَحَلًّا ضَائِعْ، بَنُوهُ فِي مُلْكِهِ كَالْمُشَوَّهِ جَائِعْ، عِنْدَ ذَلِكَ يَطْمَعُ فِي الْمُلْكِ كُلُّ عُرْيَانْ، وَيَلِي أَمْرَهُ اللَّهْفَانْ، يُرْضِي نِزَارًا جَمْعُ قَحْطَانْ، إِذَا الْتَقَيَا بِدِمَشْقَ جَمْعَانْ، بَيْنَ بُنْيَانَ وَلُبْنَانَ، يُصَنَّفُ الْيَمَنُ يَوْمَئِذٍ صِنْفَانْ، صِنْفُ الْمَسَرَّةِ وَصِنْفُ الْمَخْذُولِ لَا تَرَى إِلَّا حِبَاءً مَحْلُولْ، وَأَسِيرًا مَغْلُولْ، بَيْنَ الْقِرَابِ
وَالْخُيُولْ، عِنْدَ ذَلِكَ تُخْرَبُ الْمَنَازِلْ، وَتُسْلَبُ الْأَرَامِلْ، وَتُسْقِطُ الْحَوَامِلْ، وَتَظْهَرُ الزَّلَازِلْ، وَتَطْلُبُ الْخِلَافَةَ وَائِلْ، فَتَغْضَبُ نِزَارْ، فَتُدْنِي الْعَبِيدَ وَالْأَشْرَارْ، وَتُقْصِي الْأَمْثَالَ وَالْأَخْيَارْ، وَتَغْلُو الْأَسْعَارْ، فِي صَفَرِ الْأَصْفَارْ، يَغُلُّ كُلُّ جَبَّارٍ مِنْهُ، ثُمَّ يَسِيرُونَ إِلَى خَنَادِقَ وَإِنَّهَا ذَاتُ أَشْعَارٍ وَأَشْجَارْ، تَصُدُّ لَهُ الْأَنْهَارْ، وَيَهْزِمُهُمْ أَوَّلَ النَّهَارْ، تَظْهَرُ الْأَخْيَارْ، فَلَا يَنْفَعُهُمْ نَوْمٌ وَلَا قَرَارْ، حَتَّى يَدْخُلَ مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارْ، فَيُدْرِكَهُ الْقَضَاءُ وَالْأَقْدَارْ.
ثُمَّ يَجِيءُ الرُّمَاةْ، تَلُفُّ مُشَاةْ، لِقَتْلِ الْكُمَاةْ، وَأَسْرِ الْحُمَاةْ، وَمَهْلِكِ الْغُوَاةْ، هُنَالِكَ يُدْرَكُ فِي أَعْلَى الْمِيَاهْ، ثُمَّ يَبُورُ الدِّينُ وَتُقْلَبُ الْأُمُورْ، وَتُكْفَرُ الزَّبُورْ، وَتُقْطَعُ الْجُسُورْ، فَلَا يُفْلِتُ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي جَزَائِرِ الْبُحُورْ، ثُمَّ تَبُورُ الْحُبُوبْ، وَتَظْهَرُ الْأَعَارِيبْ، لَيْسَ فِيهِمْ مُعِيبْ، عَلَى أَهْلِ الْفُسُوقِ وَالرِّيبْ، فِي زَمَانٍ عَصِيبْ، لَوْ كَانَ لِلْقَوْمِ حَيَاءٌ وَمَا تُغْنِي الْمُنَى.
قَالُوا: ثُمَّ مَاذَا يَا سَطِيحُ؟ قَالَ: ثُمَّ يَظْهَرُ رَجُلٌ مَنْ أَهْلِ الْيَمَنْ، كَالشَّطَنْ، يُذْهِبُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِهِ الْفِتَنْ.
وَهَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ كَتَبْنَاهُ لِغَرَابَتِهِ وَمَا تَضَمَّنَ مِنَ الْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قِصَّةُ شِقٍّ وَسَطِيحٍ مَعَ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ مَلِكِ الْيَمَنِ وَكَيْفَ بَشَّرَا بِوُجُودِ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ قِصَّةُ سَطِيحٍ مَعَ ابْنِ أُخْتِهِ عَبْدِ الْمَسِيحِ حِينَ أَرْسَلَهُ مَلِكُ بَنِي سَاسَانَ لِارْتِجَاسِ الْإِيوَانِ وَخُمُودِ النِّيرَانِ وَرُؤْيَا الْمُوبَذَانِ وَذَلِكَ لَيْلَةَ مَوْلِدِ الَّذِي نُسِخَ بِشَرِيعَتِهِ سَائِرُ الْأَدْيَانِ.
[بَابُ كَيْفَ بَدَأَ الْوَحْيُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -]
َ - وَذِكْرُ أَوَّلِ شَيْءٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ
كَانَ ذَلِكَ وَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْعُمُرِ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ عُمُرُهُ إِذْ ذَاكَ ثَلَاثًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ،
وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ، وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ.
فَقَالَ: " مَا أَنَا بِقَارِئٍ ". قَالَ: " فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ.
فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ.
فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ.
فَقُلْتُ: " مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1] ، فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، فَقَالَ: " زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي ". فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ، وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: " لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي " فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ، لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا ; إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ.
فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَءًا تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا
شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: " يَا بْنَ عَمِّ! اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ.
فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا بْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي كَانَ نُزِّلَ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ " فَقَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا.
ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا بَلَغَنَا - حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا.
فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ، وَتَقَرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.» هَكَذَا وَقَعَ مُطَوَّلًا فِي بَابِ التَّعْبِيرِ مِنَ " الْبُخَارِيِّ ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ
بَصَرِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 1]
[الْمُدَّثِّرِ: 1 - 5] فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ» . ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ يَعْنِي عَنِ اللَّيْثِ وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: بَوَادِرُهُ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهُ، وَتَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ مُطَوَّلًا فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْوَحْيِ إِسْنَادًا وَمَتْنًا.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُمَا، وَقَدْ رَمَزْنَا فِي الْحَوَاشِي عَلَى زِيَادَاتِ مُسْلِمٍ وَرِوَايَاتِهِ.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَانْتَهَى سِيَاقُهُ إِلَى قَوْلِ وَرَقَةَ: أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا.
فَقَوْلُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ يُقَوِّي مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ وَأَنَا نَائِمٌ بِنَمَطٍ مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ، فَقَالَ: اقْرَأْ.
فَقُلْتُ: " مَا أَقْرَأُ ". فَغَتَّنِي حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ الْمَوْتُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ سَوَاءً.
فَكَانَ هَذَا كَالتَّوْطِئَةِ لِمَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الْيَقَظَةِ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهَذَا فِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ فِي الْمَنَامِ، ثُمَّ جَاءَهُ الْمَلَكُ فِي الْيَقَظَةِ.
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي كِتَابِهِ " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ": حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَجْلَحِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُؤْتَى بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فِي الْمَنَامِ حَتَّى تَهْدَأَ قُلُوبُهُمْ، ثُمَّ يَنْزِلُ الْوَحْيُ بَعْدُ وَهَذَا مِنْ قِبَلِ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ نَفْسِهِ وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ يُؤَيِّدُهُ مَا قَبْلَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا بَعْدَهُ.