شَرْوَزِيلَ بْنِ سَسْنَاذَرَ بْنِ بَهْرَامَ جُورَ الْمَلِكِ بْنِ يَزْدَجِرْدَ الْمَلِكِ بْنِ سَابُورَ الْمَلِكِ بْنِ سَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ الْفَارِسِيِّ.
كَذَا نَسَبَهُمُ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرِ بْنُ مَاكُولَا فِي " كِتَابِهِ ". وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُمُ: الدَّيَالِمَةُ ; لِأَنَّهُمْ جَاوَرُوا الدَّيْلَمَ، وَكَانُوا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مُدَّةً، وَقَدْ كَانَ أَبُوهُمْ أَبُو شُجَاعٍ بُوَيْهِ فَقِيرًا مُدْقِعًا، يَصْطَادُ السَّمَكَ وَيَحْتَطِبُ بَنُوهُ الْحَطَبَ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَمَاتَتِ امْرَأَتُهُ، وَخَلَّفَتْ لَهُ هَؤُلَاءِ الْأَوْلَادَ الثَّلَاثَةَ، فَحَزِنَ عَلَيْهَا، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ شَهْرِيَارُ بْنُ رُسْتُمَ الدَّيْلَمِيُّ، إِذْ مَرَّ مُنَجِّمٌ فَاسْتَدْعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي رَأَيْتُ مَنَامًا غَرِيبًا ; رَأَيْتُ كَأَنِّي أَبُولُ فَخَرَجَ مِنْ ذَكَرِي نَارٌ عَظِيمَةٌ حَتَّى كَادَتْ تَبْلُغُ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ انْفَرَقَتْ ثَلَاثَ شُعَبٍ، ثُمَّ انْتَشَرَتْ كُلُّ شُعْبَةٍ إِلَى شُعَبٍ كَثِيرَةٍ، فَأَضَاءَتِ الدُّنْيَا بِتِلْكَ النَّارِ، وَرَأَيْتُ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ قَدْ خَضَعَتْ لِهَذِهِ النَّارِ.
فَقَالَ لَهُ الْمُنَجِّمُ: هَذَا مَنَامٌ عَظِيمٌ لَا أُفَسِّرُهُ لَكَ إِلَّا بِمَالٍ جَزِيلٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا شَيْءَ عِنْدِي أُعْطِيكَ، وَلَا أَمْلِكُ غَيْرَ فَرَسِي هَذِهِ.
فَقَالَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ مِنْ صُلْبِكَ ثَلَاثَةُ مُلُوكٍ، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ سُلَالَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُلُوكٌ عِدَّةٌ.
فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ! أَتَسْخَرُ بِي؟ وَأَمَرَ بَنِيهِ فَصَفَعُوهُ، ثُمَّ أَعْطَاهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَقَالَ لَهُمُ الْمُنَجِّمُ: اذْكُرُوا هَذَا إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ مُلُوكٌ.
وَخَرَجَ وَتَرَكَهُمْ.
وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ الْأَشْيَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْإِخْوَةَ الثَّلَاثَةَ كَانُوا عِنْدَ مَلِكٍ يُقَالُ لَهُ: مَاكَانُ بْنُ كَالِي.
فِي بِلَادِ
طَبَرِسْتَانَ فَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ مَرْدَاوِيجُ، فَضَعُفَ أَمْرُ مَاكَانَ، فَشَاوَرُوهُ فِي مُفَارَقَتِهِ حَتَّى يَكُونَ مِنْ أَمْرِهِ خَيْرٌ، فَخَرَجُوا عَنْهُ وَمَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَصَارُوا إِلَى مَرْدَاوِيجَ، فَأَكْرَمَهُمْ وَاسْتَعْمَلَهُمْ عَلَى الْأَعْمَالِ فِي الْبُلْدَانِ، فَأَعْطَى عِمَادَ الدَّوْلَةِ عَلِيَّ بْنَ بُوَيْهِ نِيَابَةَ الْكَرَجِ، فَأَحْسَنَ فِيهَا السِّيرَةَ، وَالْتَفَّ عَلَيْهِ النَّاسُ وَأَحَبُّوهُ، فَحَسَدَهُ مَرْدَاوِيجُ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ يَعْزِلُهُ عَنْهَا، وَيَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ، فَامْتَنَعَ مِنَ الْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَصَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ فَحَارَبَهُ نَائِبُهَا، فَقَهَرَهُ عِمَادُ الدَّوْلَةِ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا كَانَ مَعَهُ تِسْعُمِائَةِ فَارِسٍ، فَرَدَّ بِهَا عَشْرَةَ آلَافٍ، وَعَظُمَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ مَرْدَاوِيجَ قَلِقَ مِنْهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ جَيْشًا، فَأَخْرَجُوهُ مِنْ أَصْبَهَانَ وَقَصَدَ أَرَّجَانَ فَأَخَذَهَا مِنْ نَائِبِهَا، وَحُصِّلَ لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا، ثُمَّ أَخَذَ بُلْدَانًا كَثِيرَةً، وَاشْتُهِرَ أَمْرُهُ وَبَعُدَ صِيتُهُ وَحَسُنَتْ سِيرَتُهُ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنَ الْجُنْدِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَقَدْ آلَ بِهِمُ الْحَالُ إِلَى أَنْ مَلَكُوا بَغْدَادَ مِنْ أَيْدِي الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيِّينَ، لَهُمُ الْقَطْعُ وَالْوَصْلُ، وَالْوِلَايَةُ وَالْعَزْلُ، وَإِلَيْهِمْ تُجْبَى الْأَمْوَالُ، وَيُرْجَعُ إِلَيْهِمْ فِي سَائِرِ الْأُمُورِ وَالْأَحْوَالِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُ ذَلِكَ مَبْسُوطًا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَالْمَحْمُودُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ: الطَّحَاوِيُّ، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، أَبُو جَعْفَرٍ
الطَّحَاوِيُّ
نِسْبَةً إِلَى طَحَا وَهِيَ قَرْيَةٌ بِصَعِيدِ مِصْرَ، الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ، صَاحِبُ الْمُصَنَّفَاتِ الْمُفِيدَةِ وَالْفَوَائِدِ، وَهُوَ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، وَالْحُفَّاظِ الْجَهَابِذَةِ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ الْمُزَنِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي مُسْتَهَلِّ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
وَذَكَرَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ أَنَّهُ وُلِدَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَدْ جَاوَزَ التِّسْعِينَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ ابْنُ خَلِّكَانَ فِي " الْوَفَيَاتِ " أَنَّ سَبَبَ انْتِقَالِهِ إِلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَرُجُوعِهِ عَنْ مَذْهَبِ خَالِهِ الْمُزَنِيِّ، أَنَّ خَالَهُ قَالَ لَهُ يَوْمًا: وَاللَّهِ لَا يَجِيءُ مِنْكَ شَيْءٌ.
فَغَضِبَ وَاشْتَغَلَ عَلَى أَبِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ الْحَنَفِيِّ، حَتَّى بَرَعَ وَفَاقَ أَهْلَ زَمَانِهِ، وَصَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْهَا " أَحْكَامُ الْقُرْآنِ " وَ " اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ " وَ " مَعَانِي الْآثَارِ " وَ " التَّارِيخُ الْكَبِيرُ " وَلَهُ فِي الشُّرُوطِ كِتَابٌ، وَكَانَ بَارِعًا فِيهَا.
وَقَدْ كَتَبَ لِلْقَاضِي أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدَةَ، وَعَدَّلَهُ الْقَاضِي أَبُو عُبَيْدِ بْنُ حَرْبَوَيْهِ.
وَكَانَ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُزَنِيَّ، لَوْ كَانَ حَيًّا لَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي مُسْتَهَلِّ ذِي الْقَعْدَةِ، وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ، وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ بِهَا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَتَرْجَمَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَدِمَ دِمَشْقَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ
وَمِائَتَيْنِ، وَأَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ قَاضِيهَا أَبِي خَازِمٍ.
رَحِمَهُ اللَّهُ.
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ النَّضْرِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زَرْبِيٍّ، أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي حَامِدٍ
صَاحِبُ بَيْتِ الْمَالِ، سَمِعَ عَبَّاسًا الدُّورِيَّ وَخَلْقًا، وَعَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا جَوَادًا مُمَدَّحًا، اتَّفَقَ فِي أَيَّامِهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ يُحِبُّهَا حُبًّا شَدِيدًا، فَرَكِبَتْهُ دُيُونٌ كَثِيرَةٌ اقْتَضَى الْحَالُ أَنْ بَاعَ تِلْكَ الْجَارِيَةَ فِي الدَّيْنِ، فَلَمَّا قَبَضَ ثَمَنَهَا نَدِمَ نَدَامَةً عَظِيمَةً جِدًّا، وَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا فِي أَمْرِهِ، فَبَاعَهَا الَّذِي كَانَتْ عِنْدَهُ، فَبَلَغَ سَيِّدَهَا أَنَّ الْجَارِيَةَ قَدِ اشْتَرَاهَا ابْنُ أَبِي حَامِدٍ صَاحِبُ بَيْتِ الْمَالِ، فَتَشَفَّعَ إِلَيْهِ بِبَعْضِ أَصْحَابِهِ فِي أَنْ يَرُدَّهَا إِلَيْهِ بِثَمَنِهَا، فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شُعُورٌ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ امْرَأَتَهُ كَانَتِ اشْتَرَتْهَا لَهُ، وَلَمْ تُعْلِمْهُ بَعْدُ بِأَمْرِهَا حَتَّى تَحِلَّ مِنَ اسْتِبْرَائِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ آخِرَهُ، فَلَبَّسُوهَا الْحُلِيَّ وَالْمَصَاغَ، وَصَنَعُوهَا لَهُ، وَحِينَ شُفِعَ عِنْدَهُ فِي أَمْرِهَا بُهِتَ ; لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهَا، ثُمَّ دَخَلَ يَسْتَكْشِفُ خَبَرَهَا مِنْ مَنْزِلِهِ، فَإِذَا بِهَا قَدْ هُيِّئَتْ لَهُ وَزُخْرِفَتْ، فَفَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا إِذْ وَجَدَهَا، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَأَخْرَجَهَا مَعَهُ وَهُوَ يُظْهِرُ السُّرُورَ، فَقَالَ لِسَيِّدِهَا: هَذِهِ جَارِيَتُكَ؟ فَلَمَّا رَآهَا اضْطَرَبَ كَلَامُهُ، وَاخْتَلَطَ فِي عَقْلِهِ مِمَّا رَأَى مِنْ حُسْنِ مَنْظَرِهَا وَهَيْئَتِهَا، وَقَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: خُذْهَا، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا.
فَفَرِحَ الْفَتَى فَرَحًا شَدِيدًا، وَقَالَ: يَا سَيِّدِي، تَأْمُرُ مَنْ يَحْمِلُ مَعِي الْمَالَ؟ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِ، وَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْهُ، فَإِنِّي
أَخْشَى إِنْ لَمْ يَبْقَ مَعَكَ شَيْءٌ أَنْ تَبِيعَهَا ثَانِيَةً مِمَّنْ لَا يَرُدُّهَا عَلَيْكَ.
فَقَالَ: يَا سَيِّدِي، فَهَذَا الْحُلِيُّ وَالْمَصَاغُ الَّذِي عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ وَهَبْنَاهُ لَهَا لَا نَعُودُ فِيهِ أَبَدًا.
فَاشْتَدَّ فَرَحُ الْفَتَى، وَأَخَذَهَا مَعَهُ، فَلَمَّا وَدَّعَ ابْنُ أَبِي حَامِدٍ قَالَ لِلْجَارِيَةِ: أَيُّمَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيْكِ ; نَحْنُ أَوْ سَيِّدُكِ هَذَا؟ فَقَالَتْ: أَمَّا أَنْتُمْ فَأَغْنَيْتُمُونِي، فَجَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا، وَأَمَّا سَيِّدِي هَذَا، فَلَوْ أَنِّي مَلَكْتُ مِنْهُ مَا مَلَكَ مِنِّي لَمْ أَبِعْهُ بِالْأَمْوَالِ الْجَزِيلَةِ.
فَاسْتَحْسَنَ الْحَاضِرُونَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهَا مَعَ صِغَرِ سِنِّهَا.
شَغَبُ أُمُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ الْمُلَقَّبَةُ بِالسَّيِّدَةِ
كَانَ دَخْلُ أَمْلَاكِهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَتْ تَتَصَدَّقُ بِأَكْثَرِ ذَلِكَ عَلَى الْحَجِيجِ فِي أَشْرِبَةٍ وَأَزْوَادٍ وَأَطِبَّاءَ يَكُونُونَ مَعَهُمْ، وَتَسْهِيلِ الطُّرُقَاتِ وَالْمَوَارِدِ.
وَكَانَتْ فِي غَايَةِ الْحِشْمَةِ وَالرِّيَاسَةِ وَنُفُوذِ الْكَلِمَةِ أَيَّامَ خِلَافَةِ وَلَدِهَا، فَلَمَّا قُتِلَ كَانَتْ مَرِيضَةً فَزَادَهَا مَرَضًا إِلَى مَرَضِهَا، وَلَمَّا اسْتَقَرَّ أَمْرُ الْقَاهِرِ فِي الْخِلَافَةِ - وَهُوَ ابْنُ زَوْجِهَا الْمُعْتَضِدِ وَأَخُو ابْنِهَا، وَقَدْ كَانَتْ حَضَنَتْهُ حِينَ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ، وَخَلَّصَتْهُ مِنَ ابْنِهَا لَمَّا كَانَ مُؤْنِسٌ قَدْ بَايَعَهُ وَلَمْ يَتِمَّ ذَلِكَ - عَاقَبَهَا الْقَاهِرُ عُقُوبَةً عَظِيمَةً جِدًّا، حَتَّى كَانَ يُعَلِّقُهَا بِرِجْلِهَا وَرَأْسُهَا مَنْكُوسٌ، فَرُبَّمَا بَالَتْ، فَيَنْحَدِرُ عَلَى وَجْهِهَا ; لِيُقَرِّرَهَا عَلَى الْأَمْوَالِ الَّتِي فِي يَدِهَا، فَلَمْ يَجِدْ لَهَا شَيْئًا سِوَى ثِيَابِهَا وَمَصَاغِهَا وَحُلِيِّهَا فِي صَنَادِيقَ لَهَا، قِيمَتُهَا مِائَةُ أَلْفٍ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَجَمِيعُ مَا كَانَ يَدْخُلُهَا تَتَصَدَّقُ بِهِ، وَوَقَفَتْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَلَكِنْ كَانَ لَهَا
أَمَلَاكٌ أَمَرَ بِبَيْعِهَا، وَأَتَى بِالشُّهُودِ لِيَشْهَدُوا عَلَيْهَا بِالتَّوْكِيلِ فِي بَيْعِهَا، فَامْتَنَعَ الشُّهُودُ مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ حَتَّى يُحَلُّوهَا، فَرُفِعَ السِّتْرُ بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ، فَقَالُوا لَهَا: أَنْتِ شَغَبُ جَارِيَةُ الْمُعْتَضِدِ أُمُّ جَعْفَرٍ الْمُقْتَدِرِ؟ فَبَكَتْ بُكَاءً طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ: نَعَمْ.
وَكَتَبُوا حِلْيَتَهَا، عَجُوزٌ، سَمْرَاءُ اللَّوْنِ، دَقِيقَةُ الْجَبِينِ.
وَبَكَى الشُّهُودُ وَتَفَكَّرُوا فِي تَقَلُّبِ الزَّمَانِ، وَتَنَقُّلِ الْحَدَثَانِ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَتْ بِالرُّصَافَةِ.
رَحِمَهَا اللَّهُ.
عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ سَلَامِ بْنِ خَالِدِ بْنِ حُمْرَانَ بْنِ أَبَانٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَهُوَ أَبُو هَاشِمِ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْجَبَائِيُّ
الْمُتَكَلِّمُ ابْنُ الْمُتَكَلِّمِ الْمُعْتَزِلِيُّ ابْنُ الْمُعْتَزِلِيِّ، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الْبَهْشَمِيَّةُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةُ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِي الِاعْتِزَالِ كَمَا لِأَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَتُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: وَكَانَ لَهُ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَلِيٍّ.
دَخَلَ يَوْمًا عَلَى الصَّاحِبِ بْنِ عَبَّادَ فَأَكْرَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ، وَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: (لَا أَعْرِفُ) نِصْفُ الْعِلْمِ.
فَقَالَ: صَدَقْتَ وَسَبَقَكَ أَبُوكَ إِلَى النِّصْفِ الْآخَرِ!
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ دُرَيْدِ بْنِ عَتَاهِيَةَ أَبُو بَكْرِ بْنِ دُرَيْدٍ الْأَزْدِيُّ
اللُّغَوِيُّ النَّحْوِيُّ الشَّاعِرُ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ، وُلِدَ بِالْبَصْرَةِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَتَنَقَّلَ فِي الْبِلَادِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ ذَوِي الْيَسَارِ وَقَدِمَ بَغْدَادَ وَقَدْ أَسَنَّ، فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ.
رَوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَخِي الْأَصْمَعِيِّ، وَأَبِي حَاتِمٍ، وَالرِّيَاشِيِّ.
وَعَنْهُ أَبُو سَعِيدٍ السِّيرَافِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ شَاذَانَ وَأَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَرْزُبَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وَيُقَالُ: كَانَ أَعْلَمَ الشُّعَرَاءِ وَأَشْعَرَ الْعُلَمَاءِ.
وَقَدْ كَانَ مُتَهَتِّكًا فِي الشَّرَابِ، قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيُّ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ سَكْرَانَ، فَلَمْ أَعُدْ إِلَيْهِ.
وَسُئِلَ عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، فَقَالَ: تَكَلَّمُوا فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ شَاهِينَ: كُنَّا نَدْخُلُ عَلَيْهِ، فَنَسْتَحِي مِمَّا نَرَى مِنَ الْعِيدَانِ الْمُعَلَّقَةِ وَالشَّرَابِ الْمُصَفَّى، وَقَدْ جَاوَزَ التِّسْعِينَ وَقَارَبَ الْمِائَةَ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ شَعْبَانَ.
وَفِي هَذَا الْيَوْمِ كَانَتْ وَفَاةُ أَبِي هَاشِمِ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ، فَصُلِّيَ عَلَيْهِمَا مَعًا، وَدُفِنَا فِي مَقْبَرَةِ الْخَيْزُرَانِيَّةِ، وَقَالَ النَّاسُ: مَاتَ الْيَوْمَ عِلْمُ اللُّغَةِ، وَعِلْمُ الْكَلَامِ.
وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمًا مَطِيرًا.
وَمِنْ مُصَنَّفَاتِ ابْنِ دُرَيْدٍ " الْجَمْهَرَةُ " فِي اللُّغَةِ، فِي نَحْوِ عَشْرِ مُجَلَّدَاتٍ، وَكِتَابُ " الْمَطَرِ " وَالْمَقْصُورَةُ وَالْقَصِيدَةُ الْأُخْرَى فِي الْمَقْصُورِ وَالْمَمْدُودِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، سَامِحَهُ اللَّهُ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا قَصَدَ مَلِكُ الرُّومِ مَلَطْيَةَ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا، فَحَاصَرَهَا، ثُمَّ أَعْطَاهُمُ الْأَمَانَ حَتَّى تَمَكَّنَ مِنْهُمْ، فَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَسَرَ مَا لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِيهَا وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ مَرْدَاوِيجَ قَدْ تَسَلَّمَ أَصْبَهَانَ وَانْتَزَعَهَا مِنْ عَلِيِّ بْنِ بُوَيْهِ، وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ بُوَيْهِ تَوَجَّهَ إِلَى أَرَّجَانَ فَأَخَذَهَا، وَقَدْ أَرْسَلَ ابْنُ بُوَيْهِ إِلَى الْحَضْرَةِ الْخَلِيفِيَّةِ بِالطَّاعَةِ وَالْمَعُونَةِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَبِّلَ الْعَتَبَةَ الشَّرِيفَةَ وَيَحْضُرَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ إِنْ رَسَمَ، أَوْ يَذْهَبَ إِلَى شِيرَازَ فَيَكُونَ مَعَ يَاقُوتَ.
ثُمَّ اتَّفَقَ الْحَالُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ صَارَ إِلَى شِيرَازَ وَأَخَذَهَا مِنْ نَائِبِهَا يَاقُوتَ بَعْدَ قِتَالٍ عَظِيمٍ ظَفِرَ فِيهِ ابْنُ بُوَيْهِ بِيَاقُوتَ وَأَصْحَابِهِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا، وَأَسَرَ جَمَاعَةً، فَلَمَّا تَمَكَّنَ أَطْلَقَهُمْ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ، وَعَدَلَ فِي النَّاسِ.
وَكَانَتْ مَعَهُ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ قَدِ اسْتَفَادَهَا مِنْ أَصْبَهَانَ وَقَبْلَهَا مِنَ الْكَرَجِ وَمِنْ هَمَذَانَ وَغَيْرِهَا.
إِلَّا أَنَّهُ كَانَ كَرِيمًا جَوَادًا مِعْطَاءً لِلْجُيُوشِ الَّذِينَ قَدِ الْتَفُّوا عَلَيْهِ، ثُمَّ
إِنَّهُ أَمْلَقَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَهُوَ بِشِيرَازَ، وَطَالَبَهُ الْجُنْدُ بِأَرْزَاقِهِمْ، وَخَافَ أَنْ يَنْحَلَّ نِظَامُ أَمْرِهِ، فَاسْتَلْقَى يَوْمًا عَلَى قَفَاهُ مُفَكِّرًا فِي أَمْرِهِ، وَإِذَا حَيَّةٌ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ سَقْفِ الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَدَخَلَتْ فِي آخَرَ، فَأَمَرَ بِنَزْعِ تِلْكَ السُّقُوفِ، فَوَجَدَ هُنَاكَ مَكَانًا فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا نَحْوٌ مِنْ خَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَأَنْفَقَ فِي جَيْشِهِ مَا أَرَادَ، وَبَقِيَ عِنْدَهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ.
وَرَكِبَ ذَاتَ يَوْمٍ يَتَفَرَّجُ فِي خَرَابِ الْبَلَدِ، وَيَنْظُرُ إِلَى أَبْنِيَةِ الْأَوَائِلِ، وَيَتَّعِظُ بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَانْخَسَفَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِ قَائِمَةِ جَوَادِهِ، فَأَمَرَ فَحُفِرَ هُنَالِكَ فَوَجَدَ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْئًا كَثِيرًا أَيْضًا.
وَاسْتَعْمَلَ عِنْدَ رَجُلٍ خَيَّاطٍ قُمَاشًا لِيَلْبَسَهُ، فَاسْتَبْطَأَهُ فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ تَهَدَّدَهُ، وَكَانَ الرَّجُلُ أَصَمَّ لَا يَسْمَعُ جَيِّدًا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لِابْنِ يَاقُوتَ عِنْدِي سِوَى اثْنَيْ عَشَرَ صُنْدُوقًا، لَا أَدْرِي مَا فِيهَا.
فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهَا فَإِذَا فِيهَا أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ تُقَارِبُ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَاطَّلَعَ عَلَى وَدَائِعَ كَانَتْ لِيَعْقُوبَ وَعَمْرٍو ابْنَيِ اللَّيْثِ، فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ كَثْرَةً، فَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَعَظُمَ سُلْطَانُهُ جِدًّا، وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمُقَدَّرَةِ لِمَا يُرِيدُهُ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ السَّعَادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: 68] وَ ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: 4] .
وَكَتَبَ إِلَى الرَّاضِي وَوَزِيرِهِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ يَطْلُبُ أَنْ يُقَاطَعَ عَلَى مَا قِبَلَهُ مِنَ الْبِلَادِ عَلَى أَلْفِ أَلْفٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَأَجَابَهُ الرَّاضِي إِلَى ذَلِكَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِالْخِلَعِ
وَاللِّوَاءِ وَأُبَّهَةِ الْمُلْكِ.
وَفِيهَا قَتَلَ الْقَاهِرُ بِاللَّهِ أَمِيرَيْنِ كَبِيرَيْنِ ; وَهَمَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ النُّوبَخْتِيُّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ قَدْ أَشَارَ عَلَى الْأُمَرَاءِ بِخِلَافَةِ الْقَاهِرِ، وَأَبُو السَّرَايَا بْنُ حَمْدَانَ أَصْغَرُ وَلَدِ أَبِيهِ، وَكَانَ فِي نَفْسِ الْقَاهِرِ مِنْهُمَا ; بِسَبَبِ أَنَّهُمَا زَايَدَاهُ مَرَّةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَلِيَ الْخِلَافَةَ فِي جَارِيَتَيْنِ مُغَنِّيَتَيْنِ، فَاسْتَدْعَاهُمَا إِلَى الْمُسَامَرَةِ فَتَطَيَّبَا وَحَضَرَا، فَأَمَرَ بِإِلْقَائِهِمَا فِي بِئْرٍ هُنَالِكَ، فَتَضَرَّعَا إِلَيْهِ فَلَمْ يَرْحَمْهُمَا، بَلْ أُلْقِيَا فِيهَا، وَطَيَّنَهَا عَلَيْهِمَا.
ذِكْرُ خَلْعِ الْقَاهِرِ وَسَمْلِ عَيْنَيْهِ وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الْوَزِيرَ أَبَا عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ كَانَ قَدْ هَرَبَ مِنَ الْقَاهِرِ حِينَ قَبَضَ عَلَى مُؤْنِسٍ الْخَادِمِ، وَاخْتَفَى فِي دَارِهِ، وَكَانَ يُرَاسِلُ الْجُنْدَ وَيُكَاتِبُهُمْ وَيُغْرِيهِمْ بِالْقَاهِرِ، وَيُخَوِّفُهُمْ سَطْوَتَهُ وَإِقْدَامَهُ وَسُرْعَةَ بَطْشِهِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْقَاهِرَ قَدْ أَعَدَّ لِأَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ أَمَاكِنَ يَسْجِنُهُمْ فِيهَا، فَهَيَّجَهُمْ ذَلِكَ، وَأَشَبَهُمْ عَلَى الْقَبْضِ عَلَى الْقَاهِرِ، فَاجْتَمَعُوا، وَأَجْمَعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى مُنَاجَزَتِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، وَرَكِبُوا مَعَ الْأَمِيرِ الْمَعْرُوفِ بِسِيمَا، وَقَصَدُوا دَارَ الْخِلَافَةِ فَأَحَاطُوا بِهَا، ثُمَّ هَجَمُوا عَلَى الْقَاهِرِ مِنْ سَائِرِ أَبْوَابِهَا، فَخَرَجَ الْوَزِيرُ الْخَصِيبِيُّ مُسْتَتِرًا فِي زِيِّ امْرَأَةٍ، وَانْهَزَمَ الْقَاهِرُ وَهُوَ مَخْمُورٌ، فَاخْتَفَى فِي سَطْحِ حَمَّامٍ، فَظَهَرُوا عَلَيْهِ فَقَبَضُوهُ وَحَبَسُوهُ فِي مَكَانِ طَرِيفٍ السُّبْكَرِيِّ، وَأَخْرَجُوا طَرِيفًا، وَاضْطَرَبَتْ بَغْدَادُ وَنُهِبَتْ، وَذَلِكَ يَوْمَ
السَّبْتِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ أَحْضَرُوهُ، فَسَمَلُوا عَيْنَيْهِ حَتَّى سَالَتَا عَلَى خَدَّيْهِ، وَارْتُكِبَ مِنْهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَرْسَلُوهُ، فَكَانَ تَارَةً يُحْبَسُ، وَتَارَةً يُخَلَّى سَبِيلُهُ، وَقَدْ تَأَخَّرَ مَوْتُهُ إِلَى سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَافْتَقَرَ حَتَّى قَامَ يَوْمًا بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، فَسَأَلَ فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا الصَّنِيعِ التَّشْنِيعَ عَلَى الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَتَأْتِي تَرْجَمَتُهُ إِذَا ذَكَرْنَا وَفَاتَهُ.
خِلَافَةُ الرَّاضِي بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ لَمَّا خَلَعَتِ الْجُنْدُ الْقَاهِرَ وَسَمَلُوهُ، أَحْضَرُوا أَبَا الْعَبَّاسِ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الْخِلَافَةِ، وَلَقَّبُوهُ الرَّاضِي بِاللَّهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ قَدْ أَشَارَ بِأَنْ يُلَقَّبَ بِالْمَرْضِيِّ بِاللَّهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ وَعَدَلَ إِلَى هَذَا اللَّقَبِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لَسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ - وَجَاءُوا بِالْقَاهِرِ وَهُوَ أَعْمَى قَدْ سُمِلَتْ عَيْنَاهُ، فَأُوقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، فَقَامَ الرَّاضِي بِأَعْبَائِهَا، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْخُلَفَاءِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَأَمَرَ بِإِحْضَارِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ، فَوَلَّاهُ الْوِزَارَةَ، وَجَعَلَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى
نَاظِرًا عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي حَبْسِ الْقَاهِرِ، وَاسْتَدْعَى عِيسَى طَبِيبَ الْقَاهِرِ، فَصَادَرَهُ بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَتَسَلَّمَ مِنْهُ الْوَدِيعَةَ الَّتِي كَانَ الْقَاهِرُ أَوْدَعَهَا عِنْدَهُ، وَكَانَتْ جُمْلَةً مُسْتَكْثِرَةً مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنَّفَائِسِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَظُمَ أَمْرُ مَرْدَاوِيجَ بِأَصْبَهَانَ، وَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّهُ يُرِيدُ قَصْدَ بَغْدَادَ وَأَنَّهُ مُمَالِئٌ لِصَاحِبِ الْبَحْرَيْنِ وَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى رَدِّ الدَّوْلَةِ مِنَ الْعَرَبِ إِلَى الْعَجَمِ، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِي رَعِيَّتِهِ، لَا سِيَّمَا فِي خَوَاصِّهِ مِنَ الْأَتْرَاكِ، فَتَمَالَئُوا عَلَى قَتْلِهِ فَقَتَلُوهُ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - وَكَانَ الْقَائِمُ بِأَعْبَاءِ ذَلِكَ أَخَصَّ مَمَالِيكِهِ وَأَحْظَاهُمْ عِنْدَهُ، وَهُوَ بَجْكَمُ - بَيَّضَ اللَّهُ وَجْهَهُ - وَهَذَا الْأَمِيرُ هُوَ الَّذِي اسْتَنْقَذَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ مِنْ أَيْدِي الْقَرَامِطَةِ، وَافْتَدَاهُ مِنْهُمْ بِخَمْسِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، بَذَلَهَا لَهُمْ حَتَّى رَدُّوهُ إِلَى مَكَّةَ كَمَا سَيَأْتِي.
وَلَمَّا قُتِلَ مَرْدَاوِيجُ بْنُ زَيَّارٍ الدَّيْلَمِيُّ، عَظُمَ أَمْرُ عَلِيِّ بْنِ بُوَيْهِ، وَارْتَفَعَ قَدْرُهُ بَيْنَ النَّاسِ، وَعَلَا شَأْنُهُ فِي الْمُلُوكِ، وَسَيَأْتِي مَا آلَ إِلَيْهِ حَالُهُ.
وَلَمَّا خُلِعَ الْقَاهِرُ وَوَلِّيَ الرَّاضِي، طَمِعَ هَارُونُ بْنُ غَرِيبٍ فِي الْخِلَافَةِ ; لِكَوْنِهِ ابْنَ خَالِ الْمُقْتَدِرِ، وَكَانَ نَائِبًا عَلَى مَاهِ الْكُوفَةِ الدِّينَوَرِ وَمَاسَبَذَانَ، فَدَعَا إِلَى ذَلِكَ وَاتَّبَعَهُ خَلْقٌ مِنَ الْجُنْدِ وَالْأُمَرَاءِ، وَجَبَى الْأَمْوَالَ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَقَصَدَ بَغْدَادَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتَ رَأْسُ الْحَجَبَةِ فِي جَمِيعِ جَيْشِ بَغْدَادَ فَاقْتَتَلُوا هُنَالِكَ، فَخَرَجَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ هَارُونُ بْنُ غَرِيبٍ يَتَقَصَّدُ
لَعَلَّهُ يَعْمَلُ حِيلَةً فِي أَسْرِ مُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتَ، فَتَقَنْطَرَ بِهِ فَرَسُهُ، فَسَقَطَ فِي نَهْرٍ، فَضَرَبَهُ غُلَامٌ لَهُ حَتَّى قَتَلَهُ، وَأَخَذَ رَأْسَهُ، وَجَاءَ بِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَاقُوتَ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ هَارُونَ، وَرَجَعَ مُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتَ، فَدَخَلَ بَغْدَادَ وَرَأْسُ هَارُونَ بْنِ غَرِيبٍ يُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى رُمْحٍ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَفِيهَا ظَهَرَ رَجُلٌ بِبَغْدَادَ يُعَرَفُ بِأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّلْمَغَانِيِّ، وَيُقَالُ لَهُ: ابْنُ أَبِي الْعَزَاقِرِ.
فَذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ يَدَّعِي مَا كَانَ يَدَّعِيهِ الْحَلَّاجُ مِنَ الْإِلَهِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ مُسِكَ فِي دَوْلَةِ الْمُقْتَدِرِ عِنْدَ حَامِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَاتُّهِمَ بِأَنَّهُ يَقُولُ بِالتَّنَاسُخِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ.
وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَرَّةُ أَحْضَرَهُ الرَّاضِي، وَادَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ عَنْهُ، فَأَنْكَرَ، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَشْيَاءَ، فَأَفْتَى قَوْمٌ أَنَّ دَمَهُ حَلَالٌ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، فَضُرِبَ ثَمَانِينَ سَوْطًا، ثُمَّ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَصُلِبَ، وَأُلْحِقَ بِالْحَلَّاجِ - قَبَّحَهُمَا اللَّهُ - وَقُتِلَ مَعَهُ صَاحِبُهُ ابْنُ أَبِي عَوْنٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَكَانَ هَذَا اللَّعِينُ مِنْ جُمْلَةِ طَائِفَةٍ قَدِ اتَّبَعُوهُ وَصَدَّقُوهُ فِيمَا يَزْعُمُهُ مِنَ الْكُفْرِ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ.
وَقَدْ بَسَطَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " كَامِلِهِ " مَذْهَبَ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ بَسْطًا جَيِّدًا، وَشَبَّهَ مَذْهَبَهُمْ بِمَذْهَبِ النَّصِيرِيَّةِ، لَعَنَهُمَا اللَّهُ أَجْمَعِينَ.
وَادَّعَى رَجُلٌ بِبِلَادِ الشَّاشِ النُّبُوَّةَ، وَأَظْهَرَ مَخَارِيقَ وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنَ الْحِيَلِ،
فَجَاءَتْهُ الْجُيُوشُ فَقَاتَلُوهُ، فَقَتَلُوهُ، وَانْطَفَأَ خَبَرُهُ وَاضْمَحَلَّ أَمْرُهُ.
وَفَاةُ الْمَهْدِيِّ صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ، أَوَّلُ خُلَفَاءِ الْفَاطِمِيِّينَ فِيمَا زَعَمُوا
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو مُحَمَّدٍ عُبَيْدُ اللَّهِ، الْمُدَّعِي أَنَّهُ عَلَوِيٌّ - الْمُلَقَّبُ بِالْمَهْدِيِّ - بَانِي الْمَهْدِيَّةِ بِمَدِينَتِهِ الْمَهْدِيَّةِ عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ، مُنْذُ دَخَلَ رَقَّادَةَ وَادَّعَى الْإِمَامَةَ، أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَشَهْرًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَهُوَ أَوَّلُ الْخُلَفَاءِ الْفَاطِمِيِّينَ.
وَقَدْ كَانَ شَهْمًا شُجَاعًا، ظَفِرَ بِجَمَاعَةٍ مِمَّنْ خَالَفَهُ وَنَاوَأَهُ وَقَاتَلَهُ وَعَادَاهُ، وَقَدْ قَامَ بِأَمْرِ الْخِلَافَةِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْمُلَقَّبُ بِالْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَحِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهُ، كَتَمَ مَوْتَهُ سَنَةً حَتَّى دَبَّرَ مَا أَرَادَهُ مِنَ الْأُمُورِ، ثُمَّ أَظْهَرَ ذَلِكَ، وَعَزَّاهُ النَّاسُ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ شَهْمًا شُجَاعًا كَأَبِيهِ، فَتَحَ الْبِلَادَ، وَأَرْسَلَ السَّرَايَا إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، وَرَامَ أَخْذَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا جَرَى ذَلِكَ عَلَى يَدَيِ ابْنِ ابْنِهِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ الَّذِي بَنَى الْقَاهِرَةَ الْمُعِزِّيَةَ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ فِي " الْوَفَيَاتِ ": وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي نَسَبِ الْمَهْدِيِّ هَذَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا جِدًّا ; فَقَالَ صَاحِبُ " تَارِيخِ الْقَيْرَوَانِ ": هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ التَّقِيِّ، وَهُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْوَفِيِّ، أَحْمَدَ بْنِ الرَّضِيِّ عَبْدِ اللَّهِ، وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ يُقَالُ لَهُمُ: الْمَسْتُورُونَ ; لِخَوْفِهِمْ مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَالرَّضِيُّ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي نَسَبِهِ.
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: وَالْمُحَقِّقُونَ يُنْكِرُونَ دَعْوَاهُ فِي النَّسَبِ.
قُلْتُ: قَدْ كَتَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، مِنْهُمُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ وَالْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ، وَالْقُدُورِيُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ أَدْعِيَاءُ، لَيْسَ لَهُمْ نَسَبٌ صَحِيحٌ فِيمَا يَزْعُمُونَهُ، وَأَنَّ وَالِدَ عُبَيْدِ اللَّهِ هَذَا كَانَ يَهُودِيًّا صَبَّاغًا بِسَلَمْيَةَ، وَقِيلَ: كَانَ اسْمُهُ سَعِيدًا، وَإِنَّمَا لُقِّبَ بِعُبَيْدِ اللَّهِ.
وَكَانَ زَوْجُ أُمِّهِ الْحُسَيْنَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحَ، وَسُمِّي الْقَدَّاحَ ; لِأَنَّهُ كَانَ كَحَّالًا يَقْدَحُ الْعُيُونَ، وَكَانَ الَّذِي وَطَّأَ لَهُ الْأَمْرَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيعِيُّ كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَلَمَّا قَدِمَ مِنْ بِلَادِ الْمَشْرِقِ وَقَعَ فِي يَدِ صَاحِبِ سِجِلْمَاسَةَ
فَسَجَنَهُ، فَلَمْ يَزَلِ الشِّيعِيُّ حَتَّى اسْتَنْقَذَهُ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْأَمْرَ، ثُمَّ نَدِمَ الشِّيعِيُّ وَهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَفَطِنَ عُبَيْدُ اللَّهِ لَهُ فَقَتَلَهُ وَقَتَلَ مَعَهُ أَخَاهُ.
وَيُقَالُ: إِنَّ الشِّيعِيَّ لَمَّا دَخَلَ السِّجْنَ وَجَدَ صَاحِبَ سِجِلْمَاسَةَ قَدْ قَتَلَهُ، وَوَجَدَ فِي السَّجْنِ رَجُلًا مَجْهُولًا، فَأَخْرَجَهُ لِلنَّاسِ، وَقَالَ: هَذَا هُوَ الْمَهْدِيُّ، وَرَوَّجَ بِهِ الْأَمْرَ، فَهَؤُلَاءِ مِنْ سُلَالَتِهِ.
حَكَاهُ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ
وَكَانَ مَوْلِدُ الْمُهْدِيِّ هَذَا فِي سَنَةِ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقِيلَ: قَبْلَهَا، وَقِيلَ: بَعْدَهَا.
بِسَلَمْيَةَ، وَقِيلَ: بِالْكُوفَةِ.
وَأَوَّلُ مَا دُعِيَ لَهُ عَلَى مَنَابِرِ رَقَّادَةَ وَالْقَيْرَوَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِتِسْعٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ سِجِلْمَاسَةَ وَكَانَ ظُهُورُهُ بِهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ، وَزَالَتْ دَوْلَةُ بَنِي الْعَبَّاسِ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ مِنْ هَذَا الْحِينِ إِلَى أَنْ هَلَكَ الْعَاضِدُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَهْدِيَّةِ - الَّتِي بَنَاهَا فِي أَيَّامِهِ - لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِلنِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَاوَزَ السِّتِّينَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ، وَسَيَفْصِلُ بَيْنَ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ، يَوْمَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ قَاضِي مِصْرَ، حَدَّثَ
عَنْ أَبِيهِ بِكُتُبِهِ الْمَشْهُورَةِ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ عَلَى قَضَاءِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ
وَقِيلَ: اسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ.
وَيُقَالُ: الْحَسَنُ بْنُ هَمَّامٍ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، أَصْلُهُ مِنْ بَغْدَادَ وَسَكَنَ مِصْرَ، وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الرُّؤَسَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَالْكَتَبَةِ، وَصَحِبَ الْجُنَيْدَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَحَفِظَ مِنْهُ كَثِيرًا، وَتَفَقَّهَ بِإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ، وَأَخَذَ النَّحْوَ عَنْ ثَعْلَبٍ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ وَالْبِرِّ لِلْفُقَرَاءِ، وَكَانَ إِذَا أَعْطَى الْفَقِيرَ شَيْئًا جَعَلَهُ فِي كَفِّهِ، ثُمَّ يَتَنَاوَلُهُ الْفَقِيرُ، يُرِيدُ أَنْ لَا تَكُونَ يَدُ الْفَقِيرِ تَحْتَ يَدِهِ.
وَمِنْ شِعْرِهِ:
وَلَوْ مَضَى الْكُلُّ مِنِّي لَمْ يَكُنْ عَجَبًا ... وَإِنَّمَا عَجَبِي فِي الْبَعْضِ كَيْفَ بَقِي
أَدْرِكْ بَقِيَّةَ رُوحٍ مَنْكَ قَدْ تَلِفَتْ ... قَبْلَ الْفِرَاقِ فَهَذَا آخِرُ الرَّمَقِ
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَعْرُوفُ بِخَيْرٍ النَّسَّاجِ أَبُو الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ
مِنْ كِبَارِ الْمَشَايِخِ ذَوِي الْأَحْوَالِ الصَّالِحَةِ وَالْكَرَامَاتِ الْمَشْهُورَةِ، أَدْرَكَ سَرِيًّا السَّقَطِيَّ وَغَيْرَهُ مِنْ مَشَايِخِ الْقَوْمِ، وَعَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً.
وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ نَظَرَ إِلَى زَاوِيَةِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: قِفْ رَحِمَكَ اللَّهُ، فَإِنَّكَ عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وَأَنَا عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وَمَا أُمِرْتَ بِهِ لَا يَفُوتُ، وَمَا أُمِرْتُ بِهِ يَفُوتُ.
ثُمَّ قَامَ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى وَتَمَدَّدَ فَمَاتَ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ رَآهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: اسْتَرَحْنَا مِنْ دُنْيَاكُمُ الْوَضِرَةِ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا أُحْضِرَ ابْنُ شَنَبُوذَ الْمُقْرِئُ، فَأَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ عَلَيْهِ حُرُوفًا انْفَرَدَ بِهَا، فَاعْتَرَفَ بِبَعْضِهَا، وَأَنْكَرَ بَعْضَهَا، فَاسْتُتِيبَ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتُكْتِبَ بِخَطِّهِ بِالرُّجُوعِ عَمَّا نُقِمَ عَلَيْهِ، وَضُرِبَ سَبْعَ دُرَرٍ بِإِشَارَةِ الْوَزِيرِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ، وَنُفِيَ إِلَى الْبَصْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، فَدَعَا عَلَى الْوَزِيرِ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ وَيُشَتَّتَ شَمْلُهُ، فَكَانَ ذَلِكَ عَمَّا قَرِيبٍ.
وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ نَادَى بَدْرٌ الْخَرْشَنِيُّ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ فِي الْجَانِبَيْنِ مِنْ بَغْدَادَ أَنْ لَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْبَرْبَهَارِيِّ الْوَاعِظِ الْحَنْبَلِيِّ، وَحَبَسَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَاسْتَتَرَ الْبَرْبَهَارِيُّ، فَلَمْ يَظْهَرْ مُدَّةً.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظَمِ ": وَفِي شَهْرِ أَيَّارَ تَكَاثَفَتِ الْغُيُومُ، وَاشْتَدَّ الْحَرُّ جِدًّا، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ يَوْمٍ مِنْهُ - وَهُوَ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ جِدًّا، وَأَظْلَمَتْ وَاسْوَدَّتْ إِلَى بَعْدِ الْعَصْرِ،
ثُمَّ خَفَّتْ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى بَعْدِ عَشَاءِ الْآخِرَةِ.
وَفِيهَا اسْتَبْطَأَ الْأَجْنَادُ أَرْزَاقَهُمْ، فَقَصَدُوا دَارَ الْوَزِيرِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ، فَنَقَبُوهَا وَأَخَذُوا مَا فِيهَا.
وَوَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ فِي طَرِيقِ الْبَزَّازِينَ، فَاحْتَرَقَ بِسَبَبِهِ لِلنَّاسِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَعَوَّضَ عَلَيْهِمُ الرَّاضِي بِاللَّهِ بَعْضَ مَا كَانَ ذَهَبَ لَهُمْ.
وَفِي رَمَضَانَ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ عَلَى بَيْعَةِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُكْتَفِي وَظَهَرَ الْوَزِيرُ عَلَى أَمْرِهِمْ، فَحَبَسَ جَعْفَرًا، وَنُهِبَتْ دَارُهُ، وَحَبَسَ جَمَاعَةً مِمَّنْ كَانَ بَايَعَهُ، وَانْطَفَأَتْ نَارُهُ.
وَخَرَجَ الْحُجَّاجُ فِي خُفَارَةِ الْأَمِيرِ لُؤْلُؤٍ، فَاعْتَرَضَهُمْ أَبُو طَاهِرٍ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيُّ - لَعَنَهُ اللَّهُ - فَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ، وَرَجَعَ مَنِ انْهَزَمَ مِنْهُمْ إِلَى بَغْدَادَ وَبَطَلَ الْحَجُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ، وَكَانَ قَتْلُهُ لَهُمْ فِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بِعَيْنِهَا تَسَاقَطَتْ كَوَاكِبُ كَثِيرَةٌ بِبَغْدَادَ وَالْكُوفَةِ عَلَى صِفَةٍ لَمْ يُرَ مَثْلُهَا وَلَا مَا يُقَارِبُهَا.
قَالَ: وَغَلَا السِّعْرُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، حَتَّى بِيعَ الْكُرُّ مِنَ الْحِنْطَةِ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا.
وَفِيهَا عَلَى الصَّحِيحِ كَانَ مَقْتَلُ مَرْدَاوِيجَ بْنِ زِيَّارَ الدَّيْلَمِيِّ، وَكَانَ قَبَّحَهُ اللَّهُ سَيِّئَ السِّيرَةِ وَالسَّرِيرَةِ، يَزْعُمُ أَنَّ رُوحَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ حَلَّتْ فِيهِ، وَلَهُ سَرِيرٌ مِنْ ذَهَبٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ وَالْأَتْرَاكُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُمُ الْجِنُّ الَّذِينَ سُخِّرُوا لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، وَكَانَ يُسِيءُ الْمُعَامَلَةَ لَهُمْ، وَيَحْتَقِرُهُمْ غَايَةَ الِاحْتِقَارِ، فَمَا زَالَ ذَلِكَ دَأْبُهُ حَتَّى أَمْكَنَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، فَقَتَلُوهُ فِي حَمَّامٍ، وَكَانَ الَّذِي مَالَأَ عَلَى قَتْلِهِ غُلَامُهُ بَجْكَمُ التُّرْكِيُّ - جَزَاهُ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ خَيْرًا - وَكَانَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ رَهِينَةً عِنْدَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ أُطْلِقَ مِنَ السِّجْنِ وَالْقَيْدِ، فَذَهَبَ إِلَى أَخِيهِ عِمَادِ الدَّوْلَةِ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ مَعَهُ إِلَى أَخِيهِ، وَالْتَفَّتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مَنَ الْأَتْرَاكِ عَلَى بَجْكَمَ، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى بَغْدَادَ بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ صُرِفُوا إِلَى الْبَصْرَةِ فَكَانُوا بِهَا.
وَأَمَّا الدَّيْلَمُ فَإِنَّهُمْ بَعَثُوا إِلَى أَخِي مَرْدَاوِيجَ، وَهُوَ وُشْمَكِيرُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ تَلَقَّوْهُ إِلَى أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ حُفَاةً مُشَاةً، فَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَذْهَبَ مُلْكُهُمْ، فَانْتُدِبَ لِمُحَارَبَتِهِ السَّعِيدُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّامَانِيُّ نَائِبُ خُرَاسَانَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ وَالْأَقَالِيمِ، فَانْتَزَعَ مِنْهُ بُلْدَانًا هَائِلَةً.
وَفِيهَا بَعَثَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ الْفَاطِمِيُّ جَيْشًا مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ فِي الْبَحْرِ إِلَى نَاحِيَةِ الْفِرِنْجِ، فَافْتَتَحُوا مَدِينَةَ جَنَوَةَ وَغَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً وَثَرْوَةً، وَرَجَعُوا سَالِمِينَ غَانِمِينَ.
وَفِيهَا بَعَثَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ أَخَاهُ رُكْنَ الدَّوْلَةِ إِلَى أَصْبَهَانَ فَاسْتَوْلَى
عَلَيْهَا وَعَلَى بِلَادِ الْجَبَلِ، وَاتَّسَعَتْ مَمْلَكَةُ عِمَادِ الدَّوْلَةِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَعَظُمَتْ مَنْزِلَتُهُ.
وَفِيهَا كَانَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ بِخُرَاسَانَ، وَفِنَاءٌ كَثِيرٌ، بِحَيْثُ كَانَ يَهُمُّهُمْ أَمْرُ دَفْنِ الْمَوْتَى.
وَفِيهَا قَتَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ نَائِبُ الْمَوْصِلِ عَمَّهُ أَبَا الْعَلَاءِ سَعِيدَ بْنَ حَمْدَانَ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهَا مِنْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ وَزِيرَهُ أَبَا عَلِيِّ بْنَ مُقْلَةَ فِي جُيُوشٍ، فَهَرَبَ مِنْهُ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا طَالَ مُقَامُ ابْنِ مُقْلَةَ بِالْمَوْصِلِ رَجَعَ إِلَى بَغْدَادَ فَاسْتَقَرَّتْ يَدُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ عَلَى الْمَوْصِلِ وَبَعَثَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَسْأَلُ أَنْ يَضْمَنَ تِلْكَ النَّاحِيَةَ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَمَرَّ الْحَالُ عَلَى مَا كَانَ.
وَخَرَجَ الْحَجِيجُ، فَلَقِيَهُمُ الْقُرْمُطَيْ فِي الْقَادِسِيَّةِ فَقَاتَلُوهُ، فَظَفِرَ بِهِمْ، فَسَأَلُوهُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ عَلَى أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى بَغْدَادَ فَرَجَعُوا، وَتَعَطَّلَ عَلَيْهِمُ الْحَجُّ عَامَهُمْ ذَلِكَ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: نِفْطَوَيْهِ النَّحْوِيُّ، إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ الْأَزْدِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَتَكِيُّ الْمَعْرُوفُ
بِنِفْطَوَيْهِ النَّحْوِيِّ، لَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِيهِ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَرَوَى عَنِ الْمَشَايِخِ، وَحَدَّثَ عَنْهُ الثِّقَاتُ مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ صَدُوقًا، وَلَهُ أَشْعَارٌ حَسَنَةٌ.
وَرَوَى الْخَطِيبُ عَنْ نِفْطَوَيْهِ أَنَّهُ مَرَّ يَوْمًا عَلَى بَقَّالٍ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى دَرْبِ الرَّءَّاسِينَ - يَعْنِي دَرْبَ الرَّوَّاسِينَ - فَالْتَفَتَ الْبَقَّالُ إِلَى جَارِهِ، فَقَالَ لَهُ: قَبَّحَ اللَّهُ غُلَامِي، أَبْطَأَ عَلَيَّ بِالسِّلْقِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي لَصَفَعْتُ هَذَا بِجُرْزَةٍ مِنْهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ نِفْطَوَيْهِ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ.
تُوُفِّيَ نِفْطَوَيْهِ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْبَرْبَهَارِيُّ رَئِيسُ الْحَنَابِلَةِ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الْكُوفَةِ.
وَمِمَّا أَنْشَدَهُ لَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِي فِي " الْأَمَالِي ":
قَلْبِي أَرَقُّ عَلَيْهِ مِنْ خَدَّيْكَا ... وَقُوَايَ أَوْهَى مِنْ قُوَى جَفْنَيْكَا
لِمَ لَا تَرِقُّ لِمَنْ يُعَذِّبُ نَفْسَهُ ... ظُلْمًا وَيَعْطِفُهُ هَوَاهُ عَلَيْكَا
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وُفِي نِفْطَوَيْهِ يَقُولُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْوَاسِطِيُّ، الْمُتَكَلِّمُ الْمَشْهُورُ، صَاحِبُ " الْإِمَامَةِ " وَ " إِعْجَازِ الْقُرْآنِ " وَغَيْرِ ذَلِكَ:
مَنْ سَرَّهُ أَنْ لَا يَرَى فَاسِقًا ... فَلْيَجْتَهِدْ أَنْ لَا يَرَى نِفْطَوَيْهْ
أَحْرَقَهُ اللَّهُ بِنِصْفِ اسْمِهِ ... وَصَيَّرَ الْبَاقِي صُرَاخًا عَلَيْهْ
قَالَ الثَّعَالِبِيُّ: إِنَّمَا سُمِّيَ نِفْطَوَيْهِ لِدَمَامَتِهِ وَأُدْمَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: لَا يُعْرَفُ مَنِ اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سِوَاهُ.
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ الْعَبَّاسِيُّ
حَدَّثَ عَنْ سَيَّارِ بْنِ نَصْرٍ الْحَلَبِيِّ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ ثِقَةً فَاضِلًا فَقِيهًا شَافِعِيًّا.
عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيٍّ، أَبُو نُعَيْمٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ
الْمُحَدِّثُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا، تُوُفِّيَ عَنْ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ بْنُ طَاهِرِ بْنِ نَصْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْبَلْخِيُّ
كَانَ مِنَ الْجَوَّالِينَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ، وَكَانَ ثِقَةً حَافِظًا، سَمِعَ أَبَا حَاتِمٍ الرَّازِيَّ وَغَيْرَهُ، وَعَنْهُ الدَّرَاقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ.
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَسَدٍ، أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ
وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْبُسْتُنْبَانِ، سَمِعَ الزُّبَيْرَ بْنَ بِكَارٍ وَغَيْرَهُ، وَعَنْهُ الدَّرَاقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ.
جَاوَزَ الثَّمَانِينَ سَنَةً.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا جَاءَتِ الْجُنْدُ، فَأَحْدَقُوا بِدَارِ الْخِلَافَةِ، وَقَالُوا: لِيَخْرُجْ إِلَيْنَا الْخَلِيفَةُ الرَّاضِي بِنَفْسِهِ فَيُصَلِّ بِالنَّاسِ.
فَخَرَجَ فَصَلَّى بِهِمْ وَخَطَبَهُمْ، وَقَبَضَ الْغِلْمَانُ عَلَى الْوَزِيرِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ، وَسَأَلُوا مِنَ الْخَلِيفَةِ أَنْ يَسْتَوْزِرَ غَيْرَهُ، فَرَدَّ الْخِيَرَةَ إِلَيْهِمْ، فَاخْتَارُوا عَلِيَّ بْنَ عِيسَى، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَأَشَارَ بِأَخِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عِيسَى فَاسْتَوْزَرَهُ، وَأُحْرِقَتْ دَارُ ابْنِ مُقْلَةَ، وَسُلِّمَ هُوَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عِيسَى، فَضُرِبَ ضَرْبًا عَنِيفًا، وَأُخِذَ خَطُّهُ بِأَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ عَجَزَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عِيسَى، فَعُزِلَ بَعْدَ خَمْسِينَ يَوْمًا، وَقُلِّدَ الْوِزَارَةَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَرْخِيُّ، فَصَادَرَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَصَادَرَ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عِيسَى بِسَبْعِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ عُزِلَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَنِصْفٍ، وَقُلِّدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثُمَّ عُزِلَ بِأَبِي الْفَتْحِ الْفَضْلِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْفُرَاتِ، وَلَكِنْ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ، وَأُحْرِقَتْ دَارُهُ كَمَا أُحْرِقَتْ دَارُ ابْنِ مُقْلَةَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أُحْرِقَتْ تِلْكَ فِيهِ، بَيْنَهُمَا سَنَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ تَخْبِيطِ الْأَتْرَاكِ وَالْغِلْمَانِ.
وَلَمَّا أُحْرِقَتْ دَارُ ابْنِ مُقْلَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَتَبَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى بَعْضِ جُدْرَانِهَا:
أَحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالْأَيَّامِ إِذْ حَسُنَتْ ... وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ
وَسَالَمَتْكَ اللَّيَالِي فَاغْتَرَرْتَ بِهَا ... وَعِنْدَ صَفْوِ اللَّيَالِي يَحْدُثُ الْكَدَرُ
وَضَعُفَ أَمْرُ الْخِلَافَةِ جِدًّا، وَبَعَثَ الرَّاضِي إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ رَائِقٍ - وَكَانَ بِوَاسِطٍ - يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ ; لِيُوَلِّيَهُ إِمْرَةَ الْأُمَرَاءِ بِبَغْدَادَ، وَأَمْرَ الْخَرَاجِ وَالْمُعَاوِنِ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ وَالدَّوَاوِينِ، وَأَمَرَ أَنْ يُخْطَبَ لَهُ عَلَى جَمِيعِ الْمَنَابِرِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ بِالْخِلَعِ، فَقَدِمَ ابْنُ رَائِقٍ إِلَى بَغْدَادَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَمَعَهُ الْأَمِيرُ بَجْكَمُ التُّرْكِيُّ غُلَامُ مَرْدَاوِيجَ، وَهُوَ الَّذِي سَاعَدَ عَلَى قَتْلِهِ وَأَرَاحَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ، وَاسْتَحْوَذَ ابْنُ رَائِقٍ عَلَى أَمْرِ الْعِرَاقِ بِكَمَالِهِ، وَنَقَلَ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ إِلَى دَارِهِ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْوَزِيرِ تَصَرُّفٌ فِي شَيْءٍ بِالْكُلِّيَّةِ، وَوَهَى أَمْرُ الْخِلَافَةِ جِدًّا، وَاسْتَقَلَّ نُوَّابُ الْأَطْرَافِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا، وَلَمْ يَبْقَ لِلْخَلِيفَةِ حَكْمٌ فِي غَيْرِ بَغْدَادَ وَمُعَامَلَاتِهَا، وَمَعَ هَذَا لَيْسَ لَهُ مَعَ ابْنِ رَائِقٍ نُفُوذٌ فِي شَيْءٍ، وَلَا كَلِمَةٌ تُطَاعُ، وَإِنَّمَا يَحْمِلُ إِلَيْهِ ابْنُ رَائِقٍ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالنَّفَقَاتِ وَغَيْرِهَا، وَهَكَذَا صَارَ أَمْرُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِنْ أُمَرَاءِ الْأُمَرَاءِ.
وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَطْرَافِ، فَالْبَصْرَةُ مَعَ ابْنِ رَائِقٍ هَذَا، وَأَمْرُ خُوزِسْتَانَ فِي يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ، وَقَدْ غَلَبَ يَاقُوتُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ مَمْلَكَةِ تُسْتَرَ وَغَيْرِهَا، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى حَوَاصِلِهِ وَأَمْوَالِهِ، وَأَمْرُ فَارِسَ إِلَى عِمَادِ الدَّوْلَةِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ بُوَيْهِ، وَالرَّيُّ وَأَصْبَهَانُ وَالْجَبَلُ بِيَدِ أَخِيهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ ابْنِ بُوَيْهِ، وَمُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ وُشْمَكِيرُ أَخُو مَرْدَاوِيجَ، وَكَرْمَانُ بِيَدِ أَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ الْيَسَعَ، وَبِلَادُ الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةُ وَدِيَارُ بَكْرٍ وَمُضَرُ وَرَبِيعَةُ مَعَ بَنِي حَمْدَانَ، وَمِصْرُ وَالشَّامُ فِي يَدِ مُحَمَّدِ بْنِ طُغْجٍ، وَبِلَادُ إِفْرِيقِيَّةَ وَالْمَغْرِبُ فِي يَدِ
الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ بْنِ الْمَهْدِيِّ الْمُدَّعِي أَنَّهُ فَاطِمِيٌّ، وَقَدْ تَلَقَّبَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْأَنْدَلُسُ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، الْمُلَقَّبِ بِالنَّاصِرِ الْأُمَوِيِّ، وَخُرَاسَانُ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ فِي يَدِ السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ السَّامَانِيِّ، وَطَبَرِسْتَانُ وَجُرْجَانُ فِي يَدِ الدَّيْلَمِ، وَالْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَامَةُ وَهَجَرُ فِي يَدِ أَبِي طَاهِرٍ سُلَيْمَانِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيِّ الْقِرْمِطِيِّ، لَعَنَهُ اللَّهُ.
وَفِيهَا وَقَعَ بِبَغْدَادَ غَلَاءٌ عَظِيمٌ وَفَنَاءٌ كَثِيرٌ، بِحَيْثُ عُدِمَ الْخُبْزُ مِنْهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَمَاتَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ كَانَ فِي الضُّعَفَاءِ، وَكَانَ الْمَوْتَى يُلْقَوْنَ فِي الطُّرُقَاتِ لَيْسَ لَهُمْ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِمْ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْجِنَازَةِ الْوَاحِدَةِ الِاثْنَانُ مِنَ الْمَوْتَى، وَرُبَّمَا يُوضَعُ بَيْنَهُمْ صَبِيٌّ، وَرُبَّمَا حُفِرَتِ الْحُفْرَةُ الْوَاحِدَةُ فَتُوَسَّعُ حَتَّى يُوضَعَ فِيهَا جَمَاعَةٌ، وَمَاتَ مِنْ أَصْبَهَانَ نَحْوُ مِائَتَيْ أَلْفِ إِنْسَانٍ.
وَوَقَعَ فِيهَا حَرِيقٌ بِعُمَانَ احْتَرَقَ فِيهِ مِنَ السُّودَانِ أَلْفٌ، وَمِنَ الْبِيضَانِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا احْتَرَقَ فِيهِ أَرْبَعُمِائَةِ حِمْلِ كَافُورٍ.
وَعَزَلَ الْخَلِيفَةُ أَحْمَدَ بْنَ كَيْغَلَغَ عَنْ نِيَابَةِ الشَّامِ وَأَضَافَ ذَلِكَ إِلَى ابْنِ طُغْجٍ نَائِبِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ.
وَفِيهَا وُلِدَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ أَبُو شُجَاعٍ فَنَّاخُسْرُو بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ بأَصْبَهَانَ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: ابْنُ مُجَاهِدٍ الْمُقْرِئُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُجَاهِدٍ
الْمُقْرِئُ، أَحَدُ الْأَئِمَّةِ فِي هَذَا الشَّأْنِ.
حَدَّثَ عَنْ خَلْقٍ كَثِيرٍ، وَرَوَى عَنْهُ الدَّرَاقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا، سَكَنَ الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ مَنْ بَغْدَادَ وَكَانَ ثَعْلَبٌ يَقُولُ: مَا بَقِيَ فِي عَصْرِنَا أَحَدٌ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْهُ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَأُخْرِجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَقَدْ رَآهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ وَهُوَ يَقْرَأُ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا مُتَّ؟ فَقَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ كُنْتُ أَدْعُو اللَّهَ عَقِبَ كُلِّ خَتْمَةٍ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ يَقْرَأُ فِي قَبْرِهِ، فَأَنَا مِمَّنْ يَقْرَأُ فِي قَبْرِهِ.
رَحِمَهُ اللَّهُ.
جَحْظَةُ، الشَّاعِرُ الْبَرْمَكِيُّ
أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُوسَى بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ الْبَرْمَكِيُّ، أَبُو الْحَسَنِ النَّدِيمُ الْمَعْرُوفُ بِجَحْظَةَ، الشَّاعِرُ الْمَاهِرُ الْأَدِيبُ الْأَخْبَارِيُّ، ذُو الْفُنُونِ فِي الْعُلُومِ وَالنَّوَادِرِ الْحَاضِرَةِ، وَكَانَ جَيِّدَ الْغِنَاءِ، وَمِنْ شِعْرِهِ:
قَدْ نَادَتِ الدُّنْيَا عَلَى نَفْسِهَا ... لَوْ كَانَ فِي الْعَالَمِ مَنْ يَسْمَعُ
كَمْ وَاثِقٍ فِي الْعُمْرِ وَارَيْتُهُ ... وَجَامِعٍ بَدَّدْتُ مَا يَجْمَعُ
وَكَتَبَ لَهُ بَعْضُ الْمُلُوكِ رُقْعَةً عَلَى صَيْرَفِيٍّ بِمَالٍ أَطْلَقَهُ لَهُ، فَلَمْ يَتَحَصَّلْ مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ قَبَضُهَا، فَكَتَبَ إِلَى الْمَلِكِ يَذْكُرُ لَهُ صُورَةَ الْحَالِ:
إِذَا كَانَتْ صِلَاتُكُمْ رِقَاعًا ... تُخَطَّطُ بِالْأَنَامِلِ وَالْأَكُفِّ وَلَمْ تُجْدِ الرُّقَاعُ عَلَيَّ نَفْعًا ... فَهَا خَطِّي خُذُوهُ بِأَلْفِ أَلْفِ وَمِنْ شَعْرِهِ يَهْجُو صَدِيقًا لَهُ، وَيَذُمُّهُ عَلَى شِدَّةِ بُخْلِهِ وَحِرْصِهِ: لَنَا صَاحِبٌ مِنْ أَبْرَعِ النَّاسِ فِي الْبُخْلِ ... وَأَفْضَلِهِمْ فِيهِ وَلَيْسَ بِذِي فَضْلِ دَعَانِي كَمَا يَدْعُو الصَّدِيقُ صَدِيقَهُ ... فَجِئْتُ كَمَا يَأْتِي إِلَى مِثْلِهِ مِثْلِي فَلَمَّا جَلَسْنَا لِلْغَدَاءِ رَأَيْتُهُ ... يَرَى أَنَّمَا مِنْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ أَكْلِي وَيَغْتَاظُ أَحْيَانًا وَيَشْتِمُ عَبْدَهُ ... وَأَعْلَمُ أَنَّ الْغَيْظَ وَالشَّتْمَ مِنْ أَجْلِي أَمُدُّ يَدِي سِرًّا لِآكُلَ لُقْمَةً ... فَيَلْحَظُنِي شَزْرًا فَأَعْبَثُ بِالْبَقْلِ إِلَى أَنْ جَنَتْ كَفِّي لِحِينِي جِنَايَةً ... وَذَلِكَ أَنَّ الْجُوعَ أَعْدَمَنِي عَقْلِي فَأَهْوَتْ يَمِينِي نَحْوَ رِجْلِ دَجَاجَةٍ ... فَجُرَّتْ كَمَا جَرَّتْ يَدِي رِجْلَهَا رِجْلِي وَمِنْ قَوِيِّ شِعْرِهِ وَجِيدِهِ قَوْلُهُ: رَحَلْتُمْ فَكَمْ مِنْ أَنَّةٍ بَعْدَ حَنَّةٍ ... مُبَيِّنَةٍ لِلنَّاسِ حُزْنِي عَلَيْكُمُ وَقَدْ كُنْتُ أَعْتَقْتُ الْجُفُونَ مِنَ الْبُكَا ... فَقَدْ رَدَّهَا فِي الرِّقِّ شَوْقِي إِلَيْكُمُ وَمِمَّا أَوْرَدَهُ لَهُ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ مِنَ الشَّعْرِ الرَّائِقِ قَوْلُهُ: فَقُلْتُ لَهَا بَخِلْتِ عَلَيَّ يَقْظَى ... فَجُودِي فِي الْمَنَامِ لِمُسْتَهَامِ
فَقَالَتْ لِي وَصِرْتَ تَنَامُ أَيْضًا ... وَتَطْمَعُ أَنْ أَزُورَكَ فِي الْمَنَامِ
قَالَ: وَإِنَّمَا لَقَّبَهُ بِجَحْظَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ.
وَذَلِكَ لِسُوءِ مَنْظَرِهِ، كَمَا قَالَ فِيهِ بَعْضُ مَنْ هَجَاهُ:
نُبِّئْتُ جَحْظَةَ يَسْتَعِيرُ جُحُوظَهُ ... مِنْ فِيلِ شِطْرَنْجَ وَمِنْ سَرَطَانِ
وَارَحْمَتَا لِمُنَادِمِيهِ تَحَمَّلُوا ... أَلَمَ الْعُيُونِ لِلَذَّةِ الْآذَانِ
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ.
وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، بِوَاسِطٍ، وَحُمِلَ إِلَى بَغْدَادَ.
قَالَ الْخَطِيبُ: وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ.
ابْنُ الْمُغَلِّسِ الْفَقِيهُ الظَّاهِرِيُّ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغَلِّسِ أَبُو الْحَسَنِ، الْفَقِيهُ الظَّاهِرِيُّ، الْمَشْهُورُ، لَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْمُفِيدَةُ فِي مَذْهَبِهِ، أَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاوُدَ، وَرَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَعَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ الْقَنْطَرِيِّ، وَأَبِي قِلَابَةَ الرَّقَاشِيِّ، وَآخَرِينَ.
وَكَانَ فَقِيهًا ثِقَةً فَاضِلًا، وَهُوَ الَّذِي نَشَرَ عِلْمَ دَاوُدَ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ.
تُوفِّيَ بِالسَّكْتَةِ.
أَبُو بَكْرِ بْنُ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادِ بْنِ وَاصِلِ بْنِ مَيْمُونٍ أَبُو بَكْرٍ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ، مَوْلَى أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، رَحَلَ إِلَى الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ، وَسَكَنَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ وَعَبَّاسٍ الدُّورِيِّ، وَخَلْقٍ، وَعَنْهُ الدَّرَاقُطْنِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ.
قَالَ الدَّرَاقُطْنِيُّ: لَمْ نَرَ فِي مَشَايِخِنَا أَحْفَظَ مِنْهُ لِلْأَسَانِيدِ وَالْمُتُونِ، وَكَانَ أَفْقَهَ الْمَشَايِخِ، جَالَسَ الْمُزَنِيَّ وَالرَّبِيعَ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ: كُنَّا نَحْضُرُ مَجْلِسَ ابْنِ زِيَادٍ، وَكَانَ يُحْزَرُ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الْمَحَابِرِ ثَلَاثِينَ أَلْفًا.
وَقَالَ الْخَطِيبُ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ، أَنَا يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَسْرُورٍ، سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيَّ، يَقُولُ: أَعْرِفُ مَنْ قَامَ اللَّيْلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، لَمْ يَنَمْ إِلَّا جَاثِيًا، وَيَتَقَوَّتْ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ حَبَّاتٍ، وَيُصَلِّي صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِطَهَارَةِ الْعِشَاءِ.
ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا هُوَ، هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ أُمَّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَيْشِ أَقُولُ لِمَنْ زَوَّجَنِي! ثُمَّ قَالَ فِي إِثْرِ هَذَا: مَا أَرَادَ إِلَّا الْخَيْرَ.
تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
عَفَّانُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَيُّوبَ أَبُو الْحَسَنِ
التَّاجِرُ، أَقَامَ بِمِصْرَ، وَأَوْقَفَ بِهَا
أَوْقَافًا دَارَّةً عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَعَلَى سُلَالَةِ الْعَشَرَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَكَانَ تَاجِرًا مُوَسَّعًا عَلَيْهِ، مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحُكَّامِ، تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ
عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي بِشْرٍ إِسْحَاقُ بْنُ سَالِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى بْنِ بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيِّ، قِدَمَ بَغْدَادَ وَأَخَذَ الْحَدِيثَ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى السَّاجِيِّ، وَتَفَقَّهَ بِابْنِ سُرَيْجٍ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرَجَمَتَهُ فِي " طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ ".
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ فِي " الْوَفَيَاتِ " أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ فِي حَلْقَةِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَقَدْ كَانَ مُعْتَزِلِيًّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَتَابَ مِنْهُ بِالْبَصْرَةِ فَوْقَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ أَظْهَرَ فَضَائِحَهُمْ وَقَبَائِحَهُمْ، وَذُكِرَ لَهُ مِنَ التَّصَانِيفِ " الْمُوجَزُ " وَغَيْرُهُ.
وَحَكَى عَنِ ابْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ صَنَّفَ خَمْسَةً وَخَمْسِينَ تَصْنِيفًا، وَذَكَرَ أَنَّ مُغَلَّهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ كَانَ سَبْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ دُعَابَةً، وَأَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ.
وَقِيلَ: فِي سَنَةِ بِضْعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو ذَرٍّ التَّمِيمِيُّ
كَانَ رَئِيسَ جُرْجَانَ
سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَتَفَقَّهَ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَتْ دَارُهُ مَجْمَعَ الْعُلَمَاءِ، وَلَهُ إِفْضَالٌ كَثِيرٌ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ.
هَارُونُ بْنُ الْمُقْتَدِرِ
أَخُو الْخَلِيفَةِ الرَّاضِي، تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا، فَحَزِنَ عَلَيْهِ أَخُوهُ الرَّاضِي، وَأَمَرَ بِنَفْيِ بَخْتَيْشُوعَ بْنِ يَحْيَى الْمُتَطَبِّبَ إِلَى الْأَنْبَارِ ; لِأَنَّهُ اتُّهِمَ فِي عِلَاجِهِ، ثُمَّ شَفَعَتْ فِيهِ أُمُّ الرَّاضِي، فَرَدَّهُ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا خَرَجَ الْخَلِيفَةُ الرَّاضِي وَأَمِيرُ الْأُمَرَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ رَائِقٍ مِنْ بَغْدَادَ قَاصِدِينَ وَاسِطًا ; لِقِتَالِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ نَائِبِ الْأَهْوَازِ، الَّذِي قَدْ تَجَبَّرَ بِهَا، وَمَنَعَ الْخَرَاجَ، فَلَمَّا سَارَ ابْنُ رَائِقٍ إِلَى وَاسِطٍ خَرَجَ عَلَيْهِ الْحُجَرِيَّةُ وَقَاتَلُوهُ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بَجْكَمَ فَطَحَنَهُمْ، وَرَجَعَ فَلُّهُمْ إِلَى بَغْدَادَ فَتَلَقَّاهُمْ لُؤْلُؤُ أَمِيرُ الشُّرْطَةِ، فَاحْتَاطَ عَلَى أَكْثَرِهِمْ، وَنُهِبَتْ دَوْرُهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ رَأْسٌ يَرْتَفِعُ، وَقُطِعَتْ أَرْزَاقُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ وَابْنُ رَائِقٍ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ يَتَهَدَّدَانِهِ، فَأَجَابَ إِلَى حَمْلِ كُلِّ سَنَةٍ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ وَسِتِّينَ أَلْفَ دِينَارٍ، يَقُومُ بِحَمْلِ كُلِّ شَهْرٍ عَلَى حِدَتِهِ، وَإِلَى أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا إِلَى قِتَالِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، فَلَمَّا رَجَعَ الْخَلِيفَةُ إِلَى بَغْدَادَ لَمْ يَحْمِلْ شَيْئًا، وَلَمْ يَبْعَثْ أَحَدًا، ثُمَّ بَعَثَ ابْنُ رَائِقٍ بَجْكَمَ وَبَدْرًا الْخَرْشَنِيَّ لِقِتَالِ الْبَرِيدِيِّ، فَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ وَخُطُوبٌ، وَأُمُورٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا.
ثُمَّ لَجَأَ الْبَرِيدِيُّ إِلَى عِمَادِ الدَّوْلَةِ وَاسْتَجَارَ بِهِ، وَاسْتَحْوَذَ بَجْكَمُ عَلَى بِلَادِ الْأَهْوَازِ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ ابْنُ رَائِقٍ خَرَاجَهَا، وَكَانَ بَجْكَمُ هَذَا شُجَاعًا فَاتِكًا.
وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ خَلَعَ الْخَلِيفَةُ عَلَى بَجْكَمَ، وَعَقَدَ لَهُ الْإِمَارَةَ بِبَغْدَادَ، وَوَلَّاهُ نِيَابَةَ الْمَشْرِقِ إِلَى خُرَاسَانَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَبُو حَامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، أَبُو حَامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ
مُوَلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ حَافِظًا، كَبِيرَ الْقَدْرِ، كَثِيرَ الْحِفْظِ، كَثِيرَ الْحَجِّ، رَحَلَ إِلَى الْأَمْصَارِ، وَجَابَ الْأَقْطَارَ، وَسَمِعَ مِنَ الْكِبَارِ.
نَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ يَوْمًا فَقَالَ: حَيَاةُ أَبِي حَامِدٍ تَحْجُزُ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْخَزَّازُ النَّحْوِيُّ
حَدَّثَ عَنِ الْمُبَرِّدِ وَثَعْلَبٍ، وَكَانَ ثِقَةً، لَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ غَزِيرَةُ الْفَوَائِدِ.
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى، أَبُو الطِّيبِ النَّحْوِيُّ
ابْنُ الْوَشَّاءِ، لَهُ مُصَنَّفَاتٌ مَلِيحَةٌ فِي الْأَخْبَارِ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ وَالْمُبَرِّدِ وَثَعْلَبٍ وَغَيْرِهِمْ.
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ أَبُو بَكْرٍ الْعَسْكَرِيُّ الْفَقِيهُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي ثَوْرٍ، رَوَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ وَعَبَّاسٍ الدُّورِيِّ، وَعَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ والْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُمَا.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا وَرَدَ كِتَابٌ مِنْ مَلِكِ الرُّومِ إِلَى الْخَلِيفَةِ الرَّاضِي مَكْتُوبٌ بِالرُّومِيَّةِ وَالتَّفْسِيرُ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَأَمَّا الرُّومِيُّ فَبِالذَّهَبِ وَالْعَرَبِيُّ بِالْفِضَّةِ، وَحَاصِلُهُ طَلَبُ الْهُدْنَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَوَجَّهَ مَعَ الْكِتَابِ بِهَدَايَا وَأَلْطَافٍ كَثِيرَةٍ فَاخِرَةٍ، فَأَجَابَهُ الْخَلِيفَةُ إِلَى ذَلِكَ، وَفُودِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِتَّةُ آلَافِ أَسِيرٍ، مَا بَيْنَ ذِكَرٍ وَأُنْثَى عَلَى نَهْرِ الْبَدَنْدُونِ.
وَفِيهَا ارْتَحَلَ الْوَزِيرُ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ الْفُرَاتِ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى الشَّامِ وَتَرَكَ الْوِزَارَةَ، فَوَلِيَهَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ ضَعِيفَةً جِدًّا، لَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَعَ ابْنِ رَائِقٍ وَطَلَبَ مِنَ ابْنِ رَائِقٍ أَنْ يَفْرُغَ لَهُ عَنْ أَمْلَاكِهِ، فَجَعَلَ يُمَاطِلُهُ، فَكَتَبَ إِلَى بَجْكَمَ يُطْمِعُهُ فِي بَغْدَادَ وَأَنْ يَكُونَ عِوَضًا عَنِ ابْنِ رَائِقٍ، وَكَتَبَ ابْنُ مُقْلَةَ أَيْضًا إِلَى الْخَلِيفَةِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ ابْنَ رَائِقٍ وَابْنَ مُقَاتِلٍ، وَيَضْمَنَهُمْ بِأَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ رَائِقٍ، فَأَخَذَهُ، فَقَطَعَ يَدَهُ، وَقَالَ: هَذَا أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ جَعَلَ يُحَسِنُ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يَسْتَوْزِرَهُ، وَأَنَّ قَطْعَ يَدِهِ لَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْكِتَابَةِ، وَأَنَّهُ يَشُدُّ الْقَلَمَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى الْمَقْطُوعَةِ
فَيَكْتُبُ بِهَا.
ثُمَّ بَلَغَ ابْنَ رَائِقٍ أَنَّهُ قَدْ كَتَبَ إِلَى بَجْكَمَ بِمَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ فَقَطَعَ لِسَانَهُ، وَسَجَنَهُ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يَخْدُمُهُ، فَكَانَ يَسْتَقِي الْمَاءَ بِنَفْسِهِ ; يَتَنَاوَلُ الْحَبْلَ مِنَ الْبِئْرِ بِيَدِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يُمْسِكُهُ بِفِيهِ، وَلَقِيَ شِدَّةً وَعَنَاءً، وَمَاتَ فِي مَحْبِسِهِ هَذَا وَحِيدًا، فَدُفِنَ هُنَاكَ، ثُمَّ سَأَلَ أَهْلَهُ نَقْلَهُ فَدُفِنَ فِي دَارِهِ، ثُمَّ نُقِلَ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، فَاتَّفَقَ لَهُ أَشْيَاءُ غَرِيبَةٌ ; مِنْهَا أَنَّهُ وَزَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَعُزِلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَوَلِيَ لِثَلَاثَةٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ، وَدُفِنَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَسَافَرَ فِي عُمْرِهِ ثَلَاثَ سَفْرَاتٍ ; مَرَّتَيْنِ مَنْفِيًّا، وَمَرَّةً فِي وِزَارَتِهِ إِلَى الْمَوْصِلِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَفِيهَا دَخَلَ بَجْكَمُ بَغْدَادَ فَقَلَّدَهُ الرَّاضِي إِمْرَةَ الْأُمَرَاءِ مَكَانَ ابْنِ رَائِقٍ، وَقَدْ كَانَ بَجْكَمُ هَذَا مِنْ غِلْمَانِ أَبِي عَلِيٍّ الْعَارِضِ وَزِيرِ مَاكَانَ بْنِ كَالِي الدَّيْلَمِيِّ، فَاسْتَوْهَبَهُ مَا كَانُ مِنَ الْوَزِيرِ، فَوَهَبَهُ لَهُ، ثُمَّ فَارَقَ مَا كَانَ، وَلَحِقَ بِمَرْدَاوِيجَ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ قَتَلَهُ فِي الْحَمَّامِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَسَكَنَ بَجْكَمُ بِدَارِ مُؤْنِسٍ الْخَادِمِ وَعَظُمَ أَمَرُهُ جِدًّا، وَانْفَصَلَ ابْنُ رَائِقٍ وَكَانَتْ أَيَّامُهُ سَنَةً وَعَشْرَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَفِيهَا بَعَثَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ أَخَاهُ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ، فَأَخَذَ بِلَادَ الْأَهْوَازِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ، وَانْتَزَعَهَا مِنْ يَدِ بَجْكَمَ، وَأَعَادَهَا إِلَيْهِ.
وَفِيهَا اسْتَوْلَى لَشْكَرَى أَحَدُ أُمَرَاءِ وُشْمَكِيرَ الدَّيْلَمَيِّ عَلَى بِلَادِ
أَذْرَبِيجَانَ وَانْتَزَعَهَا مِنْ رُسْتُمَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكُرْدِيِّ، أَحَدِ أَصْحَابِ ابْنِ أَبِي السَّاجِ، بَعْدَ قِتَالٍ طَوِيلٍ.
وَفِيهَا اضْطَرَبَ أَمْرُ الْقَرَامِطَةِ جِدًّا، وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَانْكَفُّوا بِسَبَبِ قِلَّتِهِمْ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَلَزِمُوا بَلَدَهُمْ هَجَرَ لَا يَرُومُونَ مِنْهُ انْتِقَالًا إِلَى غَيْرِهِ.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْدَلُسِيُّ
كَانَ أَبُوهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَدْخَلَ فِقْهَ مَالِكٍ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِهَا فَلَمْ يَقْبَلْ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا خَرَجَ الرَّاضِي بِاللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ لِمُحَارَبَةِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ نَائِبِهَا، وَبَيْنَ يَدَيْهِ بَجْكَمُ أَمِيرُ الْأُمَرَاءِ، وَقَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحُسَيْنِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى بَغْدَادَ وَلَدَهُ الْقَاضِي أَبَا نَصْرٍ يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ، عَنْ أَمْرِ الْخَلِيفَةِ لَهُ بِذَلِكَ.
وَكَانَ عَالِمًا وَفَاضِلًا، وَلَمَّا انْتَهَى بَجْكَمُ إِلَى الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ وَاقَعَ الْحَسَنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ، فَهَزَمَ بَجْكَمُ الْحَسَنَ بْنَ حَمْدَانَ، وَقَرَّرَ الْخَلِيفَةُ أَمْرَ الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ.
وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ رَائِقٍ فَإِنَّهُ اغْتَنَمَ غَيْبَةَ الْخَلِيفَةِ عَنْ بَغْدَادَ وَاسْتَجَاشَ بِأَلْفٍ مِنَ الْقَرَامِطَةِ، وَجَاءَ فَدَخَلَ بِهِمْ بَغْدَادَ فَأَكْثَرَ فِيهَا الْفَسَادَ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِدَارِ الْخِلَافَةِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَطْلُبُ مِنْهُ الْمُصَالَحَةَ وَالْعَفْوَ عَمَّا جَنَى، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبَا الْحُسَيْنِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، وَتَرَحَّلَ ابْنُ رَائِقٍ عَنْ بَغْدَادَ وَدَخَلَهَا الْخَلِيفَةُ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ.
وَنَزَلَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ آذَارَ - وَذَلِكَ فِي جُمَادَى