البداية والنهايةصفحات 715-754

َ فَتْحُ الرَّيِّ

صفحات 715-754

فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَلَيْسَ فِي الْخُلَفَاءِ مَنِ اسْمُهُ عَلِيٌّ سِوَى هَذَا وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُكَنَّى بِأَبِي مُحَمَّدٍ إِلَّا هَذَا، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْهَادِي وَالْمُسْتَضِيءُ بِأَمْرِ بِاللَّهِ.
وَحِينَ وَلِيَ الْمُكْتَفِي كَثُرَتِ الْفِتَنُ وَانْتَشَرَتْ فِي الْبِلَادِ وَفِي رَجَبٍ مِنْهَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زَلْزَلَةً عَظِيمَةً جِدًّا وَفِي رَمَضَانَ تَسَاقَطَ وَقْتَ السَّحَرِ مِنَ السَّمَاءِ نُجُومٌ كَثِيرَةٌ وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَمَّا أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَيْهِ كَانَ بِالرَّقَّةِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْوَزِيرُ وَأَعْيَانُ الْأُمَرَاءِ فَرَكِبَ فَدَخَلَ بَغْدَادَ فِي يَوْمٍ مَشْهُودٍ وَذَلِكَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَفِي هَذَا الْيَوْمِ أَمَرَ بِقَتْلِ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ الصَّفَّارِ وَكَانَ مُعْتَقَلًا فِي سِجْنِ أَبِيهِ وَأَمَرَ بِتَخْرِيبَ الْمَطَامِيرَ الَّتِي كَانَ اتَّخَذَهَا أَبُوهُ لِلسِّجْنِ وَأَمَرَ بِبِنَاءِ جَامِعٍ مَكَانَهَا وَخَلَعَ فِي هَذَا الْيَوْمِ عَلَى الْوَزِيرِ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ وَهْبٍ سِتَّ خِلَعٍ وَقَلَّدَهُ سَيْفًا وَكَانَ عُمُرُهُ يَوْمَ وَلِيَ الْخِلَافَةَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَبَعْضَ شَهْرٍ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ انْتَشَرَتِ الْقَرَامِطَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْتَضِدِ فِي الْآفَاقِ وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَى الْحَجِيجِ وَتَسَمَّى بَعْضُهُمْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَبَعَثَ الْمُكْتَفِي إِلَيْهِمْ جُيُوشًا كَثِيرَةً وَأَنْفَقَ أَمْوَالًا غَزِيرَةً حَتَّى أَطْفَأَ اللَّهُ بَعْضَ شَرِّهِمْ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ طَاعَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ السَّامَانِيِّ وَكَاتَبَهُ أَهْلُ الرَّىِّ بَعْدَ قَتْلِهِ مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ الطَّالِبِيَّ فَصَارَ إِلَيْهِمْ فَسَلَّمُوا

إِلَيْهِ الْبَلَدَ فَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهَا فَقَصَدَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بِالْجُيُوشِ فَقَهَرَهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظَمِ ": وَفِي يَوْمِ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا صَلَّى النَّاسُ الْعَصْرَ فِي زَمَنِ الصَّيْفِ وَعَلَيْهِمْ ثِيَابُ الصَّيْفِ فَهَبَّتْ رِيحٌ بَارِدَةٌ جِدًّا حَتَّى احْتَاجَ النَّاسُ مَعَ ذَلِكَ إِلَى الِاصْطِلَاءِ بِالنَّارِ وَلَبِسُوا الْفِرَاءَ والْمَحْشُوَّاتِ وَجَمَدَ الْمَاءُ كَفَصْلِ الشِّتَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَكَذَا وَقَعَ بِمَدِينَةِ حِمْصَ قَالَ: وَهَبَّتْ رِيحٌ عَاصِفٌ بِالْبَصْرَةِ فَاقْتَلَعَتْ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ نَخِيلِهَا وَخُسِفَ بِمَوْضِعٍ مِنْهَا فَمَاتَ تَحْتَهُ سِتَّةُ آلَافِ نَسَمَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَزُلْزِلَتْ بَغْدَادُ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً ثُمَّ سَكَنَتْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْهَاشِمِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَحَدُ الصُّوفِيَّةِ الْكِبَارِ.

قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ سَرِيٍّ السَّقَطِيِّ.
وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعْتَضِدُ بِاللَّهِ غَلَبَ عَلَيْهِ سُوءُ الْمِزَاجِ وَالْجَفَافُ لِكَثْرَةِ الْجِمَاعِ وَكَانَ الْأَطِبَّاءُ يَصِفُونَ لَهُ مَا يُرَطِّبُ بَدَنَهُ لَهُ فَيَسْتَعْمِلُ ضِدَّ ذَلِكَ حَتَّى سَقَطَتْ قُوَّتُهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَيْفِيَّةَ وَفَاتِهِ فِي تَرْجَمَتِهِ آنِفًا.
بَدْرٌ غُلَامُ الْمُعْتَضِدِ وَرَأْسُ الْجَيْشِ كَانَ الْقَاسِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْوَزِيرُ قَدْ عَزَمَ فِي حَيَاةِ الْمُعْتَضِدِ عَلَى أَنْ يَصْرِفَ الْخِلَافَةَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُعْتَضِدِ وَفَاوَضَ بِذَلِكَ بَدْرًا هَذَا فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ وَأَبَى إِلَّا الْبَيْعَةَ لِأَوْلَادِ مَوْلَاهُ، فَلَمَّا وَلِيَ الْمُكْتَفِي خَافَ الْوَزِيرُ مِنْ غَائِلَةِ مَا كَانَ أَسَرَّ بِهِ إِلَى بَدْرٍ فَعَمِلَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمُكْتَفِي، وَلَمْ يَزَلْ حَتَّى احْتَاطَ الْخَلِيفَةُ عَلَى حَوَاصِلِهِ وَأَمْوَالِهِ وَهُوَ بِوَاسِطَ ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ بِالْأَمَانِ، فَقَدِمَ، فَأَمَرَ الْوَزِيرُ مَنْ قَتَلَهُ، فَقُتِلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ثُمَّ قَطَعَ رَأْسَهُ وَبَقِيَتْ جُثَّتُهُ أَخَذَهَا أَهْلُهُ ثُمَّ بَعَثُوهَا فِي تَابُوتٍ إِلَى مَكَّةَ فَدُفِنَ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوْصَى بِذَلِكَ وَكَانَ قَدْ أَعْتَقَ كُلَّ مَمْلُوكٍ لَهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ، وَحِينَ أُرِيدُ قَتْلُهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ قَتَلُوهُ.
الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَهْمِ بْنِ مُحْرِزِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْبَغْدَادِيُّ، سَمِعَ خَلَفَ بْنَ هِشَامٍ وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ وَمُحَمَّدَ

بْنَ سَعْدٍ وَغَيْرَهُمْ وَعَنْهُ الْخُطَبِيُّ والطُّومَارِيُّ وَكَانَ عَسِرًا فِي التَّحْدِيثِ إِلَّا لِمَنْ لَازَمَهُ وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ جَيِّدَةٌ بِالْأَخْبَارِ وَالنَّسَبِ وَالشِّعْرِ وَأَسْمَاءِ الرِّجَالِ يَمِيلُ إِلَى مَذْهَبِ الْعِرَاقِيِّينَ فِي الْفِقْهِ، تُوُفِّيَ عَنْ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
وَقَدْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
عُمَارَةُ بْنُ وَثِيمَةَ بْنِ مُوسَى أَبُو رِفَاعَةَ الْفَارِسِيُّ صَاحِبُ التَّارِيخِ عَلَى السِّنِينَ، وُلِدَ بِمِصْرَ وَحَدَّثَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ وَغَيْرِهِ.
عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ الصَّفَّارُ أَحَدُ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ قُتِلَ فِي السِّجْنِ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمُكْتَفِي بَغْدَادَ.

[سَنَةُ تِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

فِيهَا أَقْبَلَ يَحْيَى بْنُ زَكْرَوَيْهِ بْنِ مَهْرَوَيْهِ أَبُو قَاسِمٍ الْقِرْمِطِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالشَّيْخِ فِي جَحَافِلَ عَظِيمَةٍ مِنَ الْقَرَامِطَةِ، فَعَاثَ بِنَاحِيَةِ الرَّقَّةِ فَسَادًا فَجَهَّزَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ جَيْشًا كَثِيفًا فِي نَحْوِ عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ.
وَفِيهَا رَكِبَ الْخَلِيفَةُ الْمُكْتَفِي مِنْ بَغْدَادَ إِلَى سَامَرَّا يُرِيدُ الْإِقَامَةَ بِهَا فَثَنَى رَأْيَهُ عَنْ ذَلِكَ الْوَزِيرُ الْقَاسِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَرَجَعَ إِلَى بَغْدَادَ.
وَفِيهَا قُتِلَ يَحْيَى بْنُ زَكْرَوَيْهِ بْنِ مَهْرَوَيْهِ عَلَى بَابِ دِمَشْقَ قَتَلَهُ جَيْشُ الْمِصْرِيِّينَ زَرَقَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمَغَارِبَةِ بِمِزْرَاقٍ مِنْ نَارٍ فَحَرَقَهُ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا كَانَ قَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ جَيْشِهَا مِنْ أَصْحَابِ طُغْجِ بْنِ جُفٍّ نَائِبِهَا، ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ بِقَتْلِهِ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا، فَقَامَ بِأَمْرِ الْقَرَامِطَةِ مِنْ بَعْدِهِ أَخُوهُ الْحُسَيْنُ، وَتَسَمَّى بِأَحْمَدَ وَتَكَنَّى بِأَبِي الْعَبَّاسِ وَتَلَقَّبَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَطَاعَتْهُ الْقَرَامِطَةُ، كَمَا كَانُوا يُطِيعُونَ أَخَاهُ، فَحَاصَرَ دِمَشْقَ فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى مَالٍ ثُمَّ سَارَ إِلَى حِمْصَ فَافْتَتَحَهَا وَخُطِبَ لَهُ عَلَى مَنَابِرِهَا ثُمَّ سَارَ إِلَى حَمَاةَ وَمَعَرَّةِ النُّعْمَانِ فَقَهَرَ أَهْلَ تِلْكَ النَّوَاحِي وَاسْتَبَاحَ أَمْوَالَهُمْ وَحَرِيمَهُمْ وَكَانَ يَقْتُلُ الدَّوَابَّ وَالصِّبْيَانَ فِي الْمَكَاتِبِ وَيُبِيحُ لِمَنْ مَعَهُ وَطْءَ النِّسَاءِ، فَرُبَّمَا وَطِئَ الْوَاحِدَةَ

الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ مِنَ الرِّجَالِ فَإِذَا وَلَدَتْ وَلَدًا هَنَأَ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْآخَرَ فَكَتَبَ أَهْلُ الشَّامِ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَشْكُونَ إِلَيْهِ مَا يَلْقُونَ مِنْ هَذَا اللَّعِينِ فَجَهَّزَ الْمُكْتَفِي جُيُوشًا كَثِيفَةً وَأَنْفَقَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً لِحَرْبِهِ، وَرَكِبَ فِي رَمَضَانَ فَنَزَلَ الرَّقَّةَ وَبَثَّ الْجُيُوشَ فِي كُلِّ جَانِبٍ لِقِتَالِ الْقِرْمِطِيِّ وَكَانَ الْقِرْمِطِيُّ يَكْتُبُ إِلَى أَصْحَابِهِ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَهْدِيِّ الْمَنْصُورِ بِاللَّهِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ الْحَاكِمِ بِحُكْمِ اللَّهِ الدَّاعِي إِلَى كِتَابِ اللَّهِ الذَّابِّ عَنْ حَرِيمِ اللَّهِ الْمُخْتَارِ مِنْ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ.
وَكَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ فَاطِمَةَ وَهُوَ كَاذِبٌ أَفَّاكٌ أَثِيمٌ قَبَّحَهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِقُرَيْشٍ ثُمَّ لِبَنِيِّ هَاشِمٍ، ثُمَّ دَخَلَ سُلَمْيَةَ فَلَمْ يَدَعْ بِهَا أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ حَتَّى قَتَلَهُ وَقَتَلَ أَوْلَادَهُ وَاسْتَبَاحَ نِسَاءَهُ.
وَفِيهَا وَلِيَ ثَغْرَ طَرَسُوسَ أَبُو الْعَشَائِرِ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ عِوَضًا عَنْ مُظَفَّرِ بْنِ حَاجٍّ ; لِشَكْوَى أَهْلِ الثَّغْرِ مِنْهُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَبَّاسِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّيْبَانِيُّ كَانَ إِمَامًا

ثِقَةً حَافِظًا ثَبْتًا مُكْثِرًا عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَادِي: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَرَوَى عَنْ أَبِيهِ مِنْهُ، سَمِعَ مِنْهُ " الْمُسْنَدَ " ثَلَاثِينَ أَلْفًا وَ " التَّفْسِيرَ " مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، مِنْ ذَلِكَ سَمَاعٌ وَمِنْ ذَلِكَ وِجَادَةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ " النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ " وَ " الْمُقَدَّمُ وَالْمُؤَخَّرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ " وَ " التَّارِيخُ " وَ " حَدِيثُ شُعْبَةَ " وَ " جَوَابَاتُ الْقُرْآنِ " وَ " الْمَنَاسِكُ الْكَبِيرُ " وَ " الصَّغِيرُ " وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّصَانِيفِ وَحَدِيثُ الشُّيُوخِ.
قَالَ: وَمَا زِلْنَا نَرَى أَكَابِرَ شُيُوخِنَا يَشْهَدُونَ لَهُ بِمَعْرِفَةِ الرِّجَالِ وَعِلَلِ الْحَدِيثِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْكُنَى وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى طَلَبِ الْحَدِيثِ فِي الْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا وَيَذْكُرُونَ عَنْ أَسْلَافِهِمُ الْإِقْرَارَ لَهُ بِذَلِكَ حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ أَسْرَفَ فِي تَقْرِيظِهِ لَهُ بِالْمَعْرِفَةِ وَزِيَادَةِ السَّمَاعِ لِلْحَدِيثِ عَنْ أَبِيهِ.
وَلَمَّا مَرِضَ قِيلَ لَهُ: أَيْنَ تُدْفَنُ؟ فَقَالَ: صَحَّ عِنْدِي أَنَّ بِالْقَطِيعَةِ نَبِيًّا مَدْفُونًا وَلَأَنْ أَكُونَ فِي جِوَارِ نَبِيٍّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ فِي جِوَارِ أَبِي.
فَمَاتَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً كَمَا مَاتَ لَهَا أَبُوهُ،

وَكَانَ الْجَمْعُ كَثِيرًا جِدًّا، وَصَلَّى عَلَيْهِ زُهَيْرٌ ابْنُ أَخِيهِ وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ بَابِ التِّبْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الرِّبَاطِيُّ الْمَرْوَزِيُّ صَحِبَ أَبَا تُرَابٍ النَّخْشَبِيَّ وَكَانَ الْجُنَيْدُ يَمْدَحُهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ.
عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي الْآذَانِ كَانَ ثِقَةً ثَبْتًا.
مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ أَبُو مَيْسَرَةَ الْهَمْدَانِيُّ صَاحِبُ " الْمُسْنَدِ "، وَكَانَ أَحَدَ الثِّقَاتِ الْمَشْهُورِينَ وَالْمُصَنِّفِينَ الْمُنْصِفِينَ.
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ الزَّقَّاقُ.
أَحَدُ أَئِمَّةِ الصُّوفِيَّةِ وَعُبَّادِهِمْ رَوَى عَنِ الْجُنَيْدِ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ إِبْلِيسَ فِي الْمَنَامِ وَكَأَنَّهُ عُرْيَانٌ، فَقُلْتُ: أَلَا تَسْتَحِي مِنَ النَّاسِ؟ فَقَالَ: هَؤلَاءِ أُنَاسٌ وَأَنَا أَتَلَعَّبُ بِهِمْ كَمَا يَلْعَبُ الصِّبْيَانُ بِالْكُرَةِ إِنَّمَا النَّاسُ جَمَاعَةٌ غَيْرُ هَؤُلَاءِ.
فَقُلْتُ: مَنْ هُمْ؟ فَقَالَ: قَوْمٌ فِي مَسْجِدِ

الشُّونِيزِيِّ فَقَدْ أَضْنَوْا قَلْبِي وَأَنْحَلُوا جَسَدِي كُلَّمَا هَمَمْتُ بِهِمْ أَشَارُوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَكَادُ أَحْتَرِقُ.
قَالَ: فَانْتَبَهْتُ وَلَبِسْتُ ثِيَابِي وَقَصَدْتُ مَسْجِدَ الشُّونِيزِيِّ، فَإِذَا فِيهِ ثَلَاثَةٌ جُلُوسٌ وَرُءُوسُهُمْ فِي مُرَقَّعَاتِهِمْ، فَرَفَعَ أَحَدُهُمْ رَأْسَهُ مِنْ جَيْبِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَنْتَ كُلَّمَا قِيلَ لَكَ شَيْءٌ تُقْبِلُ؟ فَإِذَا هُمْ أَبُو بَكْرٍ الزَّقَّاقُ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ النُّورِيُّ، وَأَبُو حَمْزَةَ.
مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُلْوِيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ تِلْمِيذُ الْمُزَنِيِّ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ.

[سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَرَتْ وَقْعَةٌ هَائِلَةٌ بَيْنَ الْقَرَامِطَةِ وَجُنْدِ الْخَلِيفَةِ فَهُزِمَتِ الْقَرَامِطَةُ هَزِيمَةً عَظِيمَةً، وَأَسِرَ رَئِيسُهُمُ الْحُسَيْنُ بْنُ زَكْرَوَيْهِ، الْمُلَقَّبُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ: ذُو الشَّامَةِ، وَقَدْ تَسَمَّى كَمَا ذَكَرْنَا بِأَحْمَدَ، وَتَكَنَّى بِأَبِي الْعَبَّاسِ، وَالْتَفَّ عَلَيْهِ خَلْقٌ مِنَ الْأَعْرَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ جَدَّا، فَلَمَّا أُسِرَ حُمِلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ فِي جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ رُءُوسِ أَصْحَابِهِ، أُدْخِلَ بَغْدَادَ عَلَى فِيلٍ مَشْهُورٍ لِلنَّاسِ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِعَمَلِ دَكَّةٍ مُرْتَفِعَةٍ فَأُجْلِسَ عَلَيْهَا الْقِرْمِطِيُّ، وَجِيءَ بِأَصْحَابِهِ فَجَعَلَ يَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَنْظُرُ، وَقَدْ جَعَلَ فِي فَمِهِ خَشَبَةً مُعْتَرِضَةً مَشْدُودَةً إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ أُنْزِلَ فَضُرِبَ مِائَتَيْ سَوْطٍ ثُمَّ قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرَجْلَاهُ وَكُوِيَ ثُمَّ أُحْرِقَ وَحُمِلَ رَأْسُهُ عَلَى خَشَبَةٍ وَطِيفَ بِهِ فِي أَرْجَاءِ بَغْدَادَ وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
وَفِيهَا قَصَدَتِ الْأَتْرَاكُ بِلَادَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ فِي جَحَافِلَ عَظِيمَةٍ فَبَيَّتَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا وَجَمًّا غَفِيرًا مَا لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: 25] . وَفِيهَا بَعَثَ مِلْكُ الرُّومِ عَشَرَةَ صُلْبَانٍ مَعَ كُلِّ صَلِيبٍ عَشَرَةُ آلَافٍ فَأَغَارُوا

عَلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ وَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وَسَبَوْا أُنَاسًا مِنَ الذُّرِّيَّةِ.
وَفِيهَا دَخَلَ نَائِبُ طَرَسُوسَ بِلَادَ الرُّومِ فَفَتَحَ مَدِينَةَ أَنْطَاكِيَةَ وَهِيَ مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ تُعَادِلُ عِنْدَهُمُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَخَلَّصَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَمْسَةَ آلَافِ أَسِيرٍ وَأَخَذَ مِنَ الرُّومِ سِتِّينَ مَرْكَبًا وَغَنِمَ شَيْئًا عَظِيمًا جِدًّا، فَبَلَغَ نَصِيبُ كُلٍّ مِنَ الْغُزَاةِ أَلْفَ دِينَارٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْهَاشِمِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ زَيْدِ بْنِ سَيَّارٍ.
أَبُو الْعَبَّاسِ الشَّيْبَانِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمُلَقَّبُ بِثَعْلَبٍ إِمَامُ الْكُوفِيِّينَ فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ، مَوْلِدُهُ سَنَةَ مِائَتَيْنِ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَالزُّبَيْرَ بْنَ بَكَّارٍ وَالْقَوَارِيرِيَّ وَغَيْرَهُمْ، وَعَنْهُ ابْنُ الْأَنْبَارِي وَابْنُ عَرَفَةَ وَأَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ، وَكَانَ ثِقَةً حُجَّةً دَيِّنًا صَالِحًا مَشْهُورًا بِالصِّدْقِ وَالْحِفْظِ وَذُكِرَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنَ الْقَوَارِيرِيِّ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ السَّبْتِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ سَنَةً.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْجَامِعِ وَفِي يَدِهِ كِتَابٌ يَنْظُرُ فِيهِ وَكَانَ قَدْ أَصَابَهُ صَمَمٌ شَدِيدٌ فَصَدَمَتْهُ فَرَسٌ فَأَلْقَتْهُ فِي هُوَّةٍ

فَاضْطَرَبَ دِمَاغُهُ فَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ: وَهُوَ مُصَنِّفُ كِتَابِ " الْفَصِيحِ " وَهُوَ صَغِيرُ الْحَجْمِ كَثِيرُ الْفَائِدَةِ وَلَهُ كِتَابُ " الْمَصُونِ " وَ " اخْتِلَافُ النَّحْوِيِّينَ " وَ " مَعَانِي الْقُرْآنِ " وَكِتَابُ " الْقِرَاءَاتِ " وَ " مَعَانِي الشِّعْرِ " وَ " مَا يَلْحَنُ فِيهِ الْعَامَّةُ " وَذَكَرَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً أَيْضًا، وَمِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ مِنَ الشِّعْرِ: إِذَا كُنْتَ قُوتَ النَّفْسِ ثُمَّ هَجَرْتَهَا ... فَكَمْ تَلْبَثُ النَّفْسُ الَّتِي أَنْتَ قُوتُهَا سَتَبْقَى بَقَاءَ الضَّبِّ فِي الْمَاءِ أَوْ كَمَا ... يَعِيشُ بِبَيْدَاءِ الْمَهَامِهِ حُوتُهَا أَغَرَّكَ مِنِّي أَنْ تَصَبَّرْتُ جَاهِدًا ... وفي النَّفْسِ مِنِّي مِنْكَ مَا سَيُمِيتُهَا فَلَوْ كَانَ مَا بِي بِالصُّخُورِ لَهَدَّهَا ... وَبِالرِّيحِ مَا هَبَّتْ وَطَالَ خُفُوتُهَا فَصَبْرًا لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ... فَأَشْكُو هُمُومًا مِنْكَ فِيكَ لَقِيتُهَا الْقَاسِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ وَهْبٍ الْوَزِيرُ، تَوَلَّى بَعْدَ أَبِيهِ الْوِزَارَةَ فِي آخِرِ أَيَّامِ الْمُعْتَضِدِ ثُمَّ وَزَرَ لِوَلَدِهِ الْمُكْتَفِي مِنْ بَعْدِهِ.
فَلَمَّا كَانَ رَمَضَانُ مِنْ

هَذِهِ السَّنَةِ مَرِضَ فَبَعَثَ إِلَى السُّجُونِ فَأَطْلَقَ مَنْ فِيهَا مِنَ الْمَظْلُومِينَ ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا وَقَدْ قَارَبَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقَدْ كَانَ حَظِيًّا عِنْدَ الْخَلِيفَةِ جِدًّا، وَخَلَّفَ مِنَ الْأَمْلَاكِ مَا يَعْدِلُ سَبْعَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ شَدَّادٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ الْقَاضِي بِوَاسِطَ الْمَعْرُوفُ بِالْجُذُوعِيِّ.
حَدَّثَ عَنْ مُسَدَّدٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَابْنِ نُمَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ مِنَ الثِّقَاتِ الْقُضَاةِ الْأَجْوَادِ الْعُدُولِ الْأُمَنَاءِ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا: مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ، وَقُنْبُلٌ أَحَدُ مَشَاهِيرِ الْقُرَّاءِ وَأَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ.

[سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ فِيهَا دَخَلَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي نَحْوٍ مَنْ عَشَرَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ الْمُكْتَفِي إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ لِقِتَالِ هَارُونَ بْنِ خُمَارَوَيْهِ فَبَرَزَ إِلَيْهِ هَارُونُ فَاقْتَتَلَا فَقَهَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَجَمَعَ آلَ طُولُونَ وَكَانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَقَتَلَهُمْ وَاسْتَحْوَذَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَمْلَاكِهِمْ وَانْقَضَتْ دَوْلَةُ الطُّولُونِيَّةِ عَنِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَكَتَبَ بِالْفَتْحِ إِلَى الْمُكْتَفِي.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْهَاشِمِيُّ أَمِيرُ الْحَاجِّ فِي السِّنِينَ الْمُتَقَدِّمَةِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ.
أَحَدُ الْمَشَايِخِ الْمُعَمَّرِينَ كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ خَمْسُونَ أَلْفًا مِمَّنْ مَعَهُ مِحْبَرَةٌ سِوَى النَّظَّارَةِ وَيَسْتَمْلِي عَلَيْهِ سَبْعَةُ مُسْتَمْلِينَ كَلٌّ يُبَلِّغُ صَاحِبَهُ وَيَكْتُبُ بَعْضُ النَّاسِ وَهُمْ قِيَامٌ وَكَانَ كُلَّمَا حَدَّثَ بِعَشَرَةِ آلَافِ حَدِيثٍ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ وَلَمَّا فُرِغَ مِنْ قِرَاءَةِ السُّنَنِ عَلَيْهِ عَمِلَ مَأْدُبَةً غَرِمَ عَلَيْهَا أَلْفَ دِينَارٍ، وَقَالَ: شَهِدْتُ الْيَوْمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُبِلَتْ شَهَادَتِي وَحْدِي أَفَلَا أَعْمَلُ شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَرَوَى ابْنُ

الْجَوْزِيِّ وَالْخَطِيبُ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ.
قَالَ: خَرَجْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْمَنْزِلِ بِلَيْلٍ فَمَرَرْتُ بِحَمَّامٍ وَعَلَيَّ جَنَابَةٌ فَدَخَلْتُهُ، فَقُلْتُ لِلْحَمَّامِيِّ: أَدَخَلَ حَمَّامَكَ أَحَدٌ بَعْدُ؟ فَقَالَ: لَا، فَدَخَلْتُ، فَلَمَّا فَتَحْتُ بَابَ الْحَمَّامِ الدَّاخِلَ إِذَا قَائِلٌ يَقُولُ: أَبَا مُسْلِمٍ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: لَكَ الْحَمْدُ إِمَّا عَلَى نِعْمَةٍ ... وَإِمَّا عَلَى نِقْمَةٍ تَدْفَعُ تَشَاءُ فَتَفْعَلُ مَا شِئْتَهُ ... وَتَسْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَا تُسْمَعُ قَالَ: فَبَادَرْتُ فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ لِلْحَمَّامِيِّ: أَنْتَ زَعَمْتَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ حَمَّامَكَ أَحَدٌ، فَقَالَ: نَعَمْ وَمَا ذَاكَ؟ فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ كَذَا.
قَالَ: أَوَسَمِعْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: يَا سَيِّدِي هَذَا رَجُلٌ مِنَ الْجَانِّ يَتَبَدَّى لَنَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، فَيُنْشِدُ الْأَشْعَارَ وَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ حَسَنٍ فِيهِ مَوَاعِظُ، فَقُلْتُ: هَلْ حَفِظْتَ مِنْ شِعْرِهِ شَيْئًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ أَنْشَدَنِي مِنْ شِعْرِهِ: أَيُّهَا الْمُذْنِبُ الْمُفَرِّطُ مَهْلًا ... كَمْ تَمَادَى وَتَرْكَبُ الذَّنْبَ جَهْلًا كَمْ وَكَمْ تُسْخِطُ الْجَلِيلَ بِفِعْلٍ ... سَمِجٍ وَهْوَ يُحْسِنُ الصُّنْعَ فِعْلًا كَيْفَ تَهْدَا جُفُونُ مَنْ لَيْسَ يَدْرِي ... أَرَضِيَ عَنْهُ مَنْ عَلَى الْعَرْشِ أَمْ لَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبُو حَازِمٍ الْقَاضِي الْحَنَفِيُّ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْقُضَاةِ وَأَعْيَانِ الْفُقَهَاءِ وَمِنْ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَرِعًا نَزِهَا كَثِيرَ الصِّيَانَةِ وَالدِّيَانَةِ

وَالْأَمَانَةِ وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظَمِ " آثَارًا حَسَنَةً وَأَفْعَالًا جَمِيلَةً رَحِمَهُ اللَّهُ.

[سَنَةُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ فِيهَا الْتَفَّ عَلَى أَخِي الْحُسَيْنِ الْقِرْمِطِيِّ الْمَعْرُوفِ بِذِي الشَّامَةِ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَ مَقْتَلِهِ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ - خَلَائِقُ مِنَ الْقَرَامِطَةِ وَالْأَعْرَابِ وَاللُّصُوصِ بِطَرِيقِ الْفُرَاتِ فَعَاثَ بِهِمْ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ثُمَّ قَصَدَ طَبَرِيَّةَ فَامْتَنَعُوا مِنْ إِيوَائِهِ فَدَخَلَهَا قَهْرًا وَقَتَلَ بِهَا خَلْقًا مِنَ الرِّجَالِ وَأَخَذَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْأَمْوَالِ ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى الْبَادِيَةِ وَدَخَلَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى مِنْهُمْ إِلَى هِيتَ فَقَتَلُوا أَهْلَهَا إِلَّا الْقَلِيلَ وَأَخَذُوا مِنْهَا أَمْوَالًا جَزِيلَةً حَمَلُوهَا عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ بَعِيرٍ فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الْخَلِيفَةُ الْمُكْتَفِي جَيْشًا فَقَاتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا رَئِيسَهُمْ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَنَبَغَ رَجُلٌ مِنَ الْقَرَامِطَةِ يُقَالُ لَهُ الدَّاعِيَةُ بِالْيَمَنِ فَحَاصَرَ صَنْعَاءَ فَدَخَلَهَا قَهْرًا وَقَتَلَ خَلْقًا مِنْ أَهْلِهَا ثُمَّ سَارَ إِلَى بَقِيَّةِ مُدُنِ الْيَمَنِ فَأَكْثَرَ فِيهَا الْفَسَادَ وَقَتَلَ خَلْقًا مِنَ الْعُبَّادِ ثُمَّ قَاتَلَهُ أَهْلُ صَنْعَاءَ فَظَفِرُوا بِهِ وَهَزَمُوهُ فَانْحَازَ إِلَى بَعْضِ مُدُنِهَا وَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهَا الْمُظَفَّرَ بْنَ حَاجٍّ نَائِبًا وَخَلَعَ عَلَيْهِ، فَسَارَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ.
وَفِي يَوْمِ عِيدِ الْأَضْحَى دَخَلَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْقَرَامِطَةِ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانِمِائَةٍ إِلَى الْكُوفَةِ وَالنَّاسُ فِي عِيدِهِمْ، فَنَادَوْا: يَا ثَارَاتِ الْحُسَيْنِ، يَعْنُونَ الْمَصْلُوبَ بِبَغْدَادَ، وَشِعَارُهُمْ: يَا أَحْمَدُ يَا مُحَمَّدُ، يَعْنُونَ الَّذِينَ قُتِلُوا مَعَهُ، فَبَادَرَ النَّاسُ الدُّخُولَ إِلَى الْكُوفَةِ فَوَلَجَ خَلْفَهُمُ الْقَرَامِطَةُ فَرَمَتْهُمُ الْعَامَّةُ بِالْحِجَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ

فَقَتَلُوا مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ، وَرَجَعَ الْبَاقُونَ خَاسِئِينَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِيهَا ظَهَرَ رَجُلٌ بِمِصْرَ يُقَالُ لَهُ الْخَلَنْجِيُّ فَخَلَعَ الطَّاعَةَ وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْجُنْدِ فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَحْمَدَ بْنَ كَيْغَلَغَ نَائِبَ دِمَشْقَ وَأَعْمَالِهَا فَرَكِبَ إِلَيْهِ فَاقْتَتَلَا بِظَاهِرِ مِصْرَ فَهَزَمَهُ الْخَلَنْجِيُّ هَزِيمَةً مُنْكَرَةً فَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ جَيْشًا آخَرَ فَهَزَمُوا الْخَلَنْجِيَّ وَهَرَبَ فَاسْتَتَرَ بِمِصْرَ، فَأُحْضِرَ، وَسُلِّمَ إِلَى الْأَمِيرِ الْخَلِيفَةِ وَانْطَفَأَ خَبَرُهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَلَمَّا اشْتَغَلَ الْجَيْشُ بِأَمْرِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بَعَثَ زَكْرَوَيْهِ بْنُ مَهْرَوَيْهِ بَعْدَ مَقْتَلِ ابْنِهِ الْحُسَيْنِ بِبَغْدَادَ - جَيْشًا صُحْبَةَ رَجُلٍ كَانَ يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ، يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، فَقَصَدَ بُصْرَى وَأَذْرِعَاتَ وَالْبَثْنِيَّةَ، فَحَارَبَهُ أَهْلُهَا، ثُمَّ أَمَّنَهُمْ، فَلَمَّا أَنْ تَمَكَّنَ مِنْهُمْ قَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَرَامَ الدُّخُولَ إِلَى دِمَشْقَ فَقَاتَلَهُ نَائِبُ أَحْمَدَ بْنِ كَيْغَلَغَ بِدِمَشْقَ وَهُوَ صَالِحُ بْنُ الْفَضْلِ فَهَزَمَهُ الْقِرْمِطِيُّ وَقُتِلَ صَالِحٌ فِيمَنْ قُتِلَ وَحَاصَرَ دِمَشْقَ فِلْمْ يُمْكِنْهُ فَتْحُهَا فَانْصَرَفَ إِلَى طَبَرِيَّةَ فَقَتَلُوا أَكْثَرَ أَهْلِهَا كَمَا ذَكَرْنَا وَنَهَبُوا مِنْهَا شَيْئًا كَثِيرًا، ثُمَّ سَارُوا إِلَى هِيتَ فَفَعَلُوا كَذَلِكَ، ثُمَّ جَهَّزَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِمْ جَيْشًا فَأَخَذَ رَئِيسَهُمْ مِنْ بَيْنِهِمْ وَنَجَا بَقِيَّتُهُمْ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى الْكُوفَةِ فِي يَوْمِ عِيدِ الْأَضْحَى كَمَا ذَكَرْنَا، فَلَمْ يَنْتَجِ لَهُمْ أَمْرٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِإِشَارَةِ زَكْرَوَيْهِ بْنِ مَهْرُوَيْهِ وَهُوَ مُخْتَفٍ فِي بَلَدِهِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِ مِنَ الْقَرَامِطَةِ، إِذَا أُلِحَّ فِي طَلَبِهِ نَزَلَ بِئْرًا قَدِ اتَّخَذَهَا، وَعَلَى بَابِهِ تَنُّورٌ فَتَقُومُ امْرَأَةٌ تَسْجُرُهُ وَتَخْبِزُ فِيهِ فَلَا يَشْعُرُ أَحَدٌ بِأَمْرِهِ أَصْلًا، فَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيفًا فَقَاتَلَهُمْ زَكْرَوَيْهِ بِنَفْسِهِ

وَمَنْ أَطَاعَهُ فَهَزَمَ جَيْشَ الْخَلِيفَةِ وَغَنِمَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا فَتَقَوَّى بِهِ وَاشْتَدَّ أَمْرُهُ فَنَدَبَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيفًا آخَرَ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِهِمْ مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ السَّامَانِيُّ نَائِبُ خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ طَائِفَةً كَبِيرَةً مِنْ بِلَادِ الْأَتْرَاكِ.
وَفِيهَا أَغَارَتِ الرُّومُ عَلَى بَعْضِ أَعْمَالِ حَلَبَ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْهَاشِمِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَبُو الْعَبَّاسِ النَّاشِي الشَّاعِرُ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُعْتَزِلِيُّ أَصْلُهُ مِنَ الْأَنْبَارِ وَأَقَامَ بِبَغْدَادَ مُدَّةً ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مِصْرَ فَمَاتَ بِهَا وَكَانَ يُعَاكِسُ الشُّعَرَاءَ وَيَرُدُّ عَلَى الْمَنْطِقِيِّينَ وَالْعَرُوضِيِّينَ وَكَانَ شَاعِرًا مُطْبِقًا إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فِيهِ هَوَسٌ وَلَهُ قَصِيدَةٌ حَسَنَةٌ فِي نَسَبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي " السِّيرَةِ ". قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: كَانَ مُتَبَحِّرًا فِي عِدَّةِ عُلُومٍ مِنْ جُمْلَتِهَا عِلْمُ الْمَنْطِقِ، وَكَانَ ذَكِيًّا فَطِنًا، وَلَهُ قَصِيدَةٌ فِي فُنُونٍ مِنَ الْعُلُومِ عَلَى رَوِيٍّ وَاحِدٍ تَبْلُغُ أَرْبَعَةَ آلَافِ بَيْتٍ وَلَهُ عِدَّةُ تَصَانِيفَ جَمِيلَةٌ وَأَشْعَارٌ كَثِيرَةٌ.
قَالَ: وَأَمَّا النَّاشِي الْأَصْغَرُ فَسَيَأْتِي.

عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَزَّارُ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي ثَوْرٍ، كَانَ عِنْدَهُ فِقْهُ أَبِي ثَوْرٍ وَكَانَ مِنَ الثِّقَاتِ النُّبَلَاءِ.
نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيُّ الْحَافِظُ الْمَعْرُوفُ بِنَصْرَكَ كَانَ أَحَدَ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِينَ، وَكَانَ الْأَمِيرُ خَالِدُ بْنُ أَحْمَدَ الذُّهْلِيُّ نَائِبُ بخُاَرَى قَدْ ضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَصَنَّفَ لَهُ " الْمُسْنَدَ "، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِبُخَارَى فِي هَذِهِ السَّنَةِ.

[سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ اعْتَرَضَ زَكْرَوَيْهِ - لَعَنَهُ اللَّهُ - وَأَصْحَابُهُ الْحُجَّاجَ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَهَمْ قَافِلُونَ مِنْ مَكَّةَ فَقَتَلَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَسَبَى نِسَاءَهُمْ فَكَانَ قِيمَةُ مَا أَخَذَهُ مِنْهُمْ أَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَعِدَّةُ مَنْ قُتِلَ عِشْرِينَ أَلْفَ إِنْسَانٍ وَكَانَتْ نِسَاءُ الْقَرَامِطَةِ يَطُفْنَ بَيْنَ الْقَتْلَى مِنَ الْحُجَّاجِ بِالْمَاءِ صِفَةَ أَنَّهُنَّ يَسْقِينَ الْجَرْحَى فَمَنْ كَلَّمَهُنَّ مِنَ الْجَرْحَى قَتَلْنَهُ وَأَجْهَزْنَ عَلَيْهِ لَعَنَهُنَّ اللَّهُ وَقَبَّحَ أَزْوَاجَهُنَّ.
ذِكْرُ مَقْتَلِ زَكْرَوَيْهِ لَعَنَهُ اللَّهُ لَمَّا بَلَغَ الْخَلِيفَةَ خَبَرُ الْحَجِيجِ وَمَا أَوْقَعَ بِهِمُ الْخَبِيثُ زَكْرَوَيْهِ جَهَّزَ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيفًا فَالْتَقَوْا مَعَهُ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا جِدًّا قُتِلَ مِنَ الْقَرَامِطَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا، وَضُرِبَ زَكْرَوَيْهِ - لَعَنَهُ اللَّهُ - بِالسَّيْفِ فِي رَأْسِهِ فَوَصَلَتِ الضَّرْبَةُ إِلَى دِمَاغِهِ وَأُخِذَ أَسِيرًا فَمَاتَ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ فَفَتَحُوا عَنْ بَطْنِهِ وَصَبَّرُوهُ وَحَمَلُوهُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ رُءُوسِ أَصْحَابِهِ إِلَى بَغْدَادَ وَاحْتَوَى الْعَسْكَرُ عَلَى مَا كَانَ بِأَيْدِي الْقَرَامِطَةِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْحَوَاصِلِ

وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِقَتْلِ أَصْحَابِ الْقِرْمِطِيِّ وَأَنْ يُطَافَ بِرَأْسِ الْقِرْمِطِيِّ فِي سَائِرِ بِلَادِ خُرَاسَانَ لِئَلَّا يَمْتَنِعَ النَّاسُ عَنِ الْحَجِّ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ، وَأَطْلَقَ مَنْ كَانَ بِأَيْدِي الْقَرَامِطَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ الَّذِينَ أَسَرُوهُمْ.
وَفِيهَا غَزَا أَحْمَدُ بْنُ كَيْغَلَغَ نَائِبُ دِمَشْقَ بِلَادَ الرُّومِ مِنْ نَاحِيَةِ طَرَسُوسَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ وَأَسَرَ مِنْ ذَرَارِيهِمْ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَأَسْلَمَ بَعْضُ الْبَطَارِقَةِ مِنَ الرُّومِ، وَجَاءَ مَعَهُ بِنَحْوٍ مَنْ مِائَتَيْ أَسِيرٍ كَانُوا فِي حِصْنِهِ، فَأَرْسَلَ مِلْكُ الرُّومِ جَيْشًا فِي طَلَبِهِ، فَرَكِبَ هُوَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَكَبَسَ الرُّومَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً وَغَنِمَ مِنْهُمْ غَنِيمَةً كَثِيرَةً جِدًّا، وَلَمَّا قَدِمَ عَلَى الْخَلِيفَةِ أَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مَا تَمَنَّاهُ.
وَفِيهَا ظَهَرَ بِالشَّامِ رَجُلٌ فَادَّعَى أَنَّهُ السُّفْيَانِيُّ فَأُخِذَ وَبُعِثَ بِهِ إِلَى بَغْدَادَ فَادَّعَى أَنَّهُ مُوَسْوَسٌ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْهَاشِمِيُّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَرْوَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْمَعْرُوفُ بِعُبَيْدٍ الْعِجْلِ، كَانَ حَافِظًا مُكْثِرًا مُتْقِنًا ثِقَةً مُقَدَّمًا فِي حِفْظِ

الْمُسْنَدَاتِ تُوُفِّيَ فِي صِفْرٍ مِنْهَا.
صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَبِيبٍ أَبُو عَلِيٍّ الْأَسَدِيُّ أَسَدُ خُزَيْمَةَ الْمَعْرُوفُ بِجَزَرَةَ ; لِأَنَّهُ قَرَأَ عَلَى بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ كَانَتْ لَهُ خَرَزَةٌ يَرْقِي بِهَا الْمَرِيضَ، فَقَرَأَهَا هُوَ جَزَرَةً تَصْحِيفًا مِنْهُ فَلُقِّبَ بِذَلِكَ لِذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ حَافِظًا مُكْثِرًا جَوَّالًا رَحَّالًا طَافَ الشَّامَ وَمِصْرَ وَخُرَاسَانَ وَانْتَقَلَ مِنْ بَغْدَادَ فَسَكَنَ بُخَارَى، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا أَمِينًا وَلَهُ رِوَايَةٌ كَثِيرَةٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَسُؤَالَاتٌ كَثِيرَةٌ، كَانَ مَوْلِدُهُ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ.
وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْمَعْرُوفُ بِالْبَيَاضِيِّ لِأَنَّهُ حَضَرَ مَجْلِسَ الْخَلِيفَةِ وَعَلَيْهِ ثِيَابُ الْبَيَاضِ، فَقَالَ الْخَلِيفَةُ: مَنْ ذَاكَ الْبَيَاضِيُّ؟ فَعُرِفَ بِهِ وَكَانَ ثِقَةً رَوَى عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ وَابْنِ مِقْسَمٍ قَتَلَتْهُ الْقَرَامِطَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
مُحَمَّدٌ ابْنُ الْإِمَامِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ سَمِعَ أَبَاهُ وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَغَيْرَهُمَا وَكَانَ عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ جَمِيلَ الطَّرِيقَةِ، وَقَدِمَ بَغْدَادَ فَحَدَّثَ

بِهَا، وَقَتَلَتْهُ الْقَرَامِطَةُ هَذِهِ السَّنَةَ فِيمَنْ قَتَلُوا مِنَ الْحَجِيجِ.
مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ.
الْفَقِيهُ، وُلِدَ بِبَغْدَادَ وَنَشَأَ بِنَيْسَابُورَ وَاسْتَوْطَنَ سَمَرْقَنْدَ وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ فِي الْأَحْكَامِ، وَقَدْ رَحَلَ إِلَى الْآفَاقِ وَسَمِعَ مِنَ الْمَشَايِخِ الْكَثِيرَ النَّافِعَ وَصَنَّفَ الْكُتُبَ الْمُفِيدَةَ الْحَافِلَةَ النَّافِعَةَ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَلَاةً وَأَكْثَرِهِمْ فِيهَا خُشُوعًا، وَقَدْ صَنَّفَ كِتَابًا عَظِيمًا فِي الصَّلَاةِ.
رَوَى عَنْهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مِنْ مِصْرَ قَاصِدًا مَكَّةَ فَرَكِبْتُ الْبَحْرَ وَمَعِي جَارِيَةٌ فَغَرِقَتِ السَّفِينَةُ فَذَهَبَ لِي فِي الْمَاءِ أَلْفَا جُزْءٍ وَسَلِمْتُ أَنَا وَالْجَارِيَةُ فَلَجَأْنَا إِلَى جَزِيرَةٍ فَطَلَبْنَا بِهَا مَاءً فَلَمْ نَجِدْ فَوَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى فَخِذِ الْجَارِيَةِ وَيَئِسْتُ مِنَ الْحَيَاةِ فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا رَجُلٌ قَدْ أَقْبَلَ وَفِي يَدِهِ كُوزٌ، فَقَالَ: هَاهَ، فَأَخَذْتُهُ فَشَرِبْتُ مِنْهُ وَسَقَيْتُ الْجَارِيَةَ ثُمَّ ذَهَبَ فَلَمْ أَدْرِ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلَ وَلَا إِلَى أَيْنَ ذَهَبَ.
وَقَدْ كَانَ مِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ وَأَسْخَاهُمْ نَفْسًا، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ يَصِلُهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ وَيَصِلُهُ أَخُوهُ إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ أَيْضًا، وَيَصِلُهُ أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَيُنْفِقُ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَقِيلَ لَهُ: لَوِ ادَّخَرْتَ شَيْئًا لِنَائِبَةٍ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَنَا كُنْتُ بِمِصْرَ أُنْفِقُ فِي كُلِّ سَنَةٍ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، فَرَأَيْتُ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا لَا يَتَهَيَّأُ لِي فِي السَّنَةِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا.
وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ إِذَا دَخَلَ عَلَى

إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ السَّامَانِيِّ يَنْهَضُ لَهُ وَيُكْرِمُهُ فَعَاتَبَهُ يَوْمًا أَخُوهُ إِسْحَاقُ، فَقَالَ لَهُ: تَقُومُ لِرَجُلٍ فِي مَجْلِسِ حُكْمِكَ وَأَنْتَ مَلِكُ خُرَاسَانَ.
قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَأَنَا مُشَتَّتُ الْقَلْبِ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ وَهُوَ يَقُولُ: " يَا إِسْمَاعِيلُ ثَبِّتْ مُلْكَكَ وَمُلْكَ بَنِيكَ بِتَعْظِيمِكَ مُحَمَّدَ بْنَ نَصْرٍ وَذَهَبَ مُلْكُ أَخِيكَ بِاسْتِخْفَافِهِ بِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ ". وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ فَجَلَسُوا فِي بَيْتٍ يَكْتُبُونَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْءٌ يَقْتَاتُونَهُ فَاقْتَرَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ مَنْ يَسْعَى لَهُمْ فِي شَيْءٍ يَأْكُلُونَهُ، لِيَدْفَعُوا عَنْهُمْ ضَرُورَتَهُمْ فَجَاءَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى أَحَدِهِمْ، فَنَهَضَ إِلَى الصَّلَاةِ فَجَعَلَ يُصَلِّي وَيَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَذَلِكَ وَقْتَ الْقَيْلُولَةِ، فَرَأَى نَائِبُ مِصْرَ - وَأَظُنُّهُ أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ - فِي مَنَامِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: " أَنْتَ هَاهُنَا وَالْمُحَمَّدُونَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ يَقْتَاتُونَهُ "

فَانْتَبَهَ الْأَمِيرُ مِنْ مَنَامِهِ فَسَأَلَ: مَنْ هَاهُنَا مِنَ الْمُحَدِّثِينَ؟ فَذُكِرَ لَهُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فِي السَّاعَةِ الرَّاهِنَةِ بِأَلْفِ دِينَارٍ فَدَخَلَ بِهَا عَلَيْهِمْ وَأَزَالَ اللَّهُ ضَرُورَتَهُمْ وَيَسَّرَ لَهُمْ.
وَقَدْ بَلَغَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ سِنًّا عَالِيَةً وَكَانَ يَسْأَلُ اللَّهَ وَلَدًا فَأَتَاهُ يَوْمًا إِنْسَانٌ فَبَشَّرَهُ بِوَلَدٍ ذَكَرٍ قَدْ وُلِدَ لَهُ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ﴾ [إبراهيم: 39] فَاسْتَفَادَ الْحَاضِرُونَ مِنْ ذَلِكَ فَوَائِدَ، مِنْهَا أَنَّهُ قَدْ وُلِدَ لَهُ عَلَى كِبَرِ السِّنِّ وَلَدٌ ذَكَرٌ بَعْدَمَا كَانَ يَسْأَلُ اللَّهَ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهَا أَنَّهُ سَمَّاهُ يَوْمَ مَوْلِدِهِ كَمَا سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَدَهُ إِبْرَاهِيمَ قَبْلَ السَّابِعِ، وَمِنْهَا اقْتِدَاؤُهُ بِالْخَلِيلِ فِي تَسْمِيَتِهِ أَوَّلَ وَلَدٍ لَهُ إِسْمَاعِيلَ.
مُوسَى بْنُ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عِمْرَانَ الْمَعْرُوفُ وَالِدُهُ بِالْحَمَّالِ.
وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ وَسَمِعَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ وَغَيْرَهُمَا وَكَانَ إِمَامَ أَهْلِ عَصْرِهِ فِي حِفْظِ الْحَدِيثِ وَمَعْرِفَةِ الرِّجَالِ وَالْإِتْقَانِ، وَكَانَ ثِقَةً شَدِيدَ الْوَرَعِ عَظِيمَ الْهَيْبَةِ.
قَالَ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْحَافِظُ الْمِصْرِيُّ: كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ كَلَامًا عَلَى الْحَدِيثِ: عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ثُمَّ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ثُمَّ الدَّارَقُطْنِيُّ.

[سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ فِيهَا كَانَتِ الْمُفَادَاةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنِ اسْتُنْقِذَ مِنْ أَيْدِي الرُّومِ مِنْ نِسَاءٍ وَرِجَالٍ نَحْوٌ مَنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ نَسَمَةٍ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِي الْمُنْتَصَفِ مِنْ صِفْرٍ مِنْهَا كَانَتْ وَفَاةُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ السَّامَانِيِّ أَمِيرِ خُرَاسَانَ وَقَدْ كَانَ عَاقِلًا عَادِلًا حَسَنَ السِّيرَةِ فِي رَعِيَّتِهِ حَلِيمًا كَرِيمًا جَوَادًا مُمَدَّحًا، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُحْسِنُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرً الْمَرْوَزِيِّ وَيُعَظِّمُهُ وَيُكْرِمُهُ وَيَحْتَرِمُهُ وَيَقُومُ لَهُ فِي مَجْلِسِ مُلْكِهِ، وَقَدْ وَلِيَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ السَّامَانِيُّ وَبَعَثَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ بِالْوِلَايَةِ وَالتَّشْرِيفِ.
وَقَدْ تَذَاكَرَ النَّاسُ عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ ذَاتَ لَيْلَةٍ الْفَخْرَ بِالْأَنْسَابِ، فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عِصَامِيًّا لَا عِظَامِيًّا، أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يَفْتَخِرَ بِنَفْسِهِ لَا بِنَسَبِهِ وَبَلَدِهِ وَجَدِّهِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: وَبِجِدِّي سَمَوْتُ لَا بِجُدُودِي وَقَالَ آخَرُ: حَسْبِي فَخَارًا وَشِيمَتِي أَدَبِي ... وَلَسْتُ مِنْ هَاشِمٍ وَلَا الْعَرَبِ

إِنَّ الْفَتَى مَنْ يَقُولُ هَأَنَذَا ... لَيْسَ الْفَتَى مَنْ يَقُولُ كَانَ أَبِي وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا كَانَتْ: وَفَاةُ الْخَلِيفَةِ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَلِيِّ بْنُ الْمُعْتَضِدِ.
وَهَذِهِ تَرْجَمَتُهُ، وَذِكْرُ وَفَاتِهِ: أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيٌّ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ ابْنِ الْأَمِيرِ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ بْنِ الرَّشِيدِ هَارُونَ بْنِ الْمَهْدِيِّ بْنِ الْمَنْصُورِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيِّينَ مَنِ اسْمُهُ عَلِيٌّ سِوَاهُ بَعْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْخُلَفَاءِ مَنْ يُكَنَّى بِأَبِي مُحَمَّدٍ سِوَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَمُوسَى الْهَادِي، وَالْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَكَانَ مُوْلِدُهُ فِي رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَبُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ أَبِيهِ - فِي حَيَاتِهِ - فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَعُمُرُهُ نَحْوٌ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَكَانَ رَبْعَةً مِنَ الرِّجَالِ جَمِيلًا رَقِيقَ اللَّوْنِ حَسَنَ الشِّعْرِ وَافِرَ اللِّحْيَةِ عَرِيضَهَا وَلَمَّا مَاتَ أَبُوهُ الْمُعْتَضِدُ وَبَاشَرَ هُوَ مَنْصِبَ الْخِلَافَةِ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَأَنْشَدَهُ: أَجَلُّ الرَّزَايَا أَنْ يَمُوتَ إِمَامٌ ... وَأَسْنَى الْعَطَايَا أَنْ يَقُومَ إِمَ‍امُ فَأَسْقَى الَّذِي مَاتَ الْغَمَامُ وَجَادَهُ ... وَدَامَتْ تَحِيَّاتٌ لَهُ وَسَلَامُ وَأَبْقَى الَّذِي قَامَ الْإِلَهُ وَزَادَهُ ... مَوَاهِبَ لَا يَفْنَى لَهُنَّ دَوَامُ وَتَمَّتْ لَهُ الْآمَالُ وَاتَّصَلَتْ بِهَا ... فَوَائِدُ مَوْصُولٌ بِهِنَّ تَمَامُ هُوَ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ يَكْفِيهِ كُلَّمَا ... عَنَاهُ بِرُكْنٍ مِنْهُ لَيْسَ يُرَامُ

فَأَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ سَنِيَّةٍ.
وَقَدْ كَانَ يَقُولُ الشِّعْرَ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: مَنْ لِي بَأَنْ يَعْلَمَ مَا أَلْقَى ... فَيَعْرِفَ الصَّبْوَةَ وَالْعِشْقَا مَا زَالَ لِي عَبْدًا وَحُبِّي لَهُ ... صَيَّرَنِي عَبْدًا لَهُ رِقَّا الْعِتْقُ مِنْ شَأْنِي وَلَكِنَّنِي ... مِنْ حُبِّهِ لَا أَمْلِكُ الْعِتْقَا وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: عَلَيٌّ مُتَوَكِّلٌ عَلَى رَبِّهِ وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ مُحَمَّدٌ وَجَعْفَرٌ وَعَبْدُ الصَّمَدِ وَمُوسَى وَعَبْدُ اللَّهِ وَهَارُونُ وَالْفَضْلُ وَعِيسَى وَالْعَبَّاسُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ.
وَفِي أَيَّامِهِ فُتِحَتْ أَنْطَاكِيَةُ وَاسْتُنْقِذَتْ مِنْ أَيْدِي الرُّومِ وَكَانَ فِيهَا مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ بَشَرٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ غَنَائِمِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ سَأَلَ عَنْ أَخِيهِ أَبِي الْفَضْلِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُعْتَضِدِ فَصَحَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ بَالِغٌ فَأَحْضَرَهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَحْضَرَ الْقُضَاةَ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَ الْخِلَافَةَ إِلَيْهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَقَّبَهُ بِالْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ.
وَتُوُفِّيَ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقِيلَ: فِي آخِرِ يَوْمِ السَّبْتِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ.
وَقِيلَ: بَعْدَ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ الْأَحَدِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَدُفِنَ فِي دَارِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ عَنْ ثِنْتَيْنِ، وَقِيلَ: عَنْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً.
وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سِتَّ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَكَانَ قَدْ أَوْصَى بِصَدَقَةٍ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ سِتِّمِائَةِ

أَلْفِ دِينَارٍ كَانَ قَدْ جَمَعَهَا وَهُوَ صَغِيرٌ، وَكَانَ مَرَضُهُ بِدَاءِ الْخَنَازِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ.

[خِلَافَةُ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ]

َ أَبِي الْفَضْلِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُعْتَضِدِ جُدِّدَتْ لَهُ الْبَيْعَةُ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ وَقْتَ السَّحَرِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ - وَعُمُرُهُ إِذْ ذَاكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَشَهْرٌ وَأَحَدٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَمْ يَلِ الْخِلَافَةَ أَحَدٌ قَبْلَهُ أَصْغَرَ سِنًّا مِنْهُ، وَلَمَّا أُجْلِسَ فِي مَنْصِبِ الْخِلَافَةِ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ سَلَّمَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِخَارَةِ ثُمَّ بَايَعَهُ النَّاسُ بَيْعَةَ الْعَامَّةِ وَكُتِبَ اسْمُهُ عَلَى الرُّقُومِ وَغَيْرِهَا: الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ.
وَكَانَ فِي بَيْتِ مَالِ الْخَاصَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَفِي بَيْتِ مَالِ الْعَامَّةِ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَنَيِّفٌ، وَكَانَتِ الْجَوَاهِرُ الثَّمِينَةُ فِي الْحَوَاصِلِ مِنْ لَدُنْ بَنَى أُمَيَّةَ وَأَيَّامِ بَنِي الْعَبَّاسِ قَدْ تَنَاهَى جَمْعُهَا فَمَا زَالَ يُفَرِّقُهَا فِي حَظَايَاهُ وَأَصْحَابِهِ حَتَّى أَنْفَدَهَا، وَقَدِ اسْتَوْزَرَ جَمَاعَةً مِنَ الْكُتَّابِ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُمْ، مِنْهُمْ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُرَاتِ، وَلَّاهُ ثُمَّ عَزَلَهُ بِغَيْرِهِ ثُمَّ أَعَادَهُ ثُمَّ عَزَلَهُ بِغَيْرِهِ ثُمَّ أَعَادَهُ ثُمَّ عَزَلَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ وَقَدْ تَقَصَّى ذِكْرَهُمْ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْخَدَمِ وَالْحُجَّابِ وَالْحُشْمَةِ التَّامَّةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ

جَدًّا وَكَانَ كَرِيمًا جِدًّا، وَفِيهِ عِبَادَةٌ مَعَ هَذَا كُلِّهِ، وَكَثْرَةُ صَلَاةٍ وَصِيَامِ تَطَوُّعٍ.
وَفِي يَوْمِ عَرَفَةَ أَوَّلَ وِلَايَتِهِ فَرَّقَ مِنَ الْأَغْنَامِ وَالْأَبْقَارِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ رَأْسٍ وَمِنَ الْإِبِلِ أَلْفَيْ بَعِيرٍ، وَرَدَّ الرُّسُومَ وَالْكُلَفَ وَالْأَرْزَاقَ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ الْعَبَّاسِيِّينَ، وَأَطْلَقَ أَهْلَ الْحُبُوسِ الَّذِينَ يَجُوزُ إِطْلَاقُهُمْ، وَوَكَلَ أَمْرَ ذَلِكَ إِلَى الْقَاضِي أَبِي عُمَرَ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، وَكَانَ قَدْ بُنِيَتْ أَبْنِيَةٌ فِي الرَّحْبَةِ دَخْلُهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ أَلْفُ دِينَارٍ فَأَمَرَ بِهَدْمِهَا لِيُوسِّعَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الطُّرُقَاتِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ أَيَّامِهِ وَتَرْجَمِتِهِ فِيمَا بَعْدُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُوحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي الْحَافِظُ الزَّاهِدُ إِمَامُ أَهْلِ عَصْرِهِ بِنَيْسَابُورَ فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ وَالرِّجَالِ وَالْعِلَلِ، وَقَدْ سَمِعَ خَلْقًا مِنَ الْمَشَايِخِ الْكِبَارِ وَدَخَلَ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَذَاكَرَهُ وَكَانَ مَجْلِسُهُ مَهِيبًا وَيُقَالُ إِنَّهُ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ وَكَانَ لَا يَمْلِكُ إِلَّا دَارَهُ الَّتِي كَانَ يَسْكُنُهَا وَحَانُوتًا يَسْتَغِلُّهُ كُلَّ شَهْرٍ سَبْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا يُنْفِقُهَا عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَكَانَ لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا وَكَانَ يُطْبَخُ لَهُ الْجَزَرُ بِالْخَلِّ فَيَتَأَدَّمُ بِهِ طُولَ الشِّتَاءِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ النَّيْسَابُورِيُّ: لَمْ تَرَ عَيْنَايَ مِثْلَهُ.

أَبُو الْحُسَيْنِ النُّورِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الصُّوفِيَّةِ.
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَيُقَالُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، أَبُو الْحُسَيْنِ النُّورِيُّ، وَيُعْرَ فُ بِابْنِ الْبَغَوِيِّ أَصْلُهُ مِنْ خُرَاسَانَ وَحَدَّثَ عَنْ سَرِيٍّ السَّقَطِيِّ ثُمَّ صَارَ هُوَ مِنْ أَكَابِرِ أَئِمَّةِ الْقَوْمِ.
قَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْمَغَازِلِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَعْبَدَ مِنْ أَبِي الْحُسَيْنِ النُّورِيِّ.
قِيلَ لَهُ: وَلَا الْجُنَيْدُ؟ قَالَ: وَلَا الْجُنَيْدُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: صَامَ عِشْرِينَ سَنَةً لَا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ لَا مِنْ أَهْلِهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَتُوُفِّيَ فِي مَسْجِدٍ وَهُوَ مُقَنَّعٌ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَامَانَ السَّامَانِيُّ.
أَحَدُ مُلُوكِ خُرَاسَانَ لِلْخُلَفَاءِ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ عَمْرَو بْنَ اللَّيْثِ الصَّفَّارَ الْخَارِجِيَّ وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُعْتَضِدِ فَوَلَّاهُ خُرَاسَانَ ثُمَّ وَلَّاهُ الْمُكْتَفِي الرَّىَّ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَبِلَادَ التُّرْكِ فَأَوْقَعَ بِهِمْ بَأْسًا شَدِيدًا وَبَنَى الرُّبُطَ فِي الطُّرُقَاتِ، يَسَعُ الرِّبَاطُ مِنْهَا أَلْفَ فَارِسٍ وَأَوْقَفَ عَلَيْهِمْ أَوْقَافًا جَزِيلَةً وَقَدْ أَهْدَى إِلَيْهِ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ هَدَايَا عَظِيمَةً، مِنْهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ جَوْهَرَةً زِنَةُ كُلِّ جَوْهَرَةٍ مِنْهَا مَا بَيْنَ السَّبْعَةِ مَثَاقِيلَ إِلَى الْعَشَرَةِ، وَبَعْضُهَا أَحْمَرُ وَبَعْضُهَا أَزْرَقُ قِيمَتُهَا مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ،

فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُعْتَضِدِ وَشَفَعَ فِي طَاهِرٍ فَشَفَّعَهُ فِيهِ، وَلَمَّا مَاتَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَبَلَغَ الْمُكْتَفِيَ مَوْتُهُ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ: لَنْ يَخْلُفَ الدَّهْرُ مِثْلَهُمْ أَبَدًا ... هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ شَأْنُهُمْ عَجَبُ الْمَعْمَرِيُّ الْحَافِظُ.
صَاحِبُ " عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ " وَهُوَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَبِيبٍ أَبُو عَلِيٍّ الْمَعْمَرِيُّ الْحَافِظُ رَحَلَ وَسَمِعَ مِنَ الشُّيُوخِ وَأَدْرَكَ خَلْقًا، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَعَنْهُ ابْنُ صَاعِدٍ وَالنَّجَّادُ وَالْخُلْدِيُّ وَكَانَ مِنْ بُحُورِ الْعِلْمِ وَحُفَّاظِ الْحَدِيثِ صَدُوقًا ثَبْتًا وَقَدْ كَانَ يُشَبِّكُ أَسْنَانَهُ بِالذَّهَبِ مِنَ الْكِبَرِ لِأَنَّهُ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ وَكَانَ يُكَنَّى أَوَّلًا بِأَبِي الْقَاسِمِ ثُمَّ بِأَبِي عَلِيٍّ وَقَدْ وَلِيَ الْقَضَاءَ لِلْبَرْتِيِّ عَلَى الْقَصْرِ وَأَعْمَالِهَا وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ الْمَعْمَرِيُّ بِأُمِّهِ أُمِّ الْحَسَنِ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ صَاحِبِ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنَ الْمُحَرَّمِ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ، وَاسْمُ أَبِي شُعَيْبٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ أَبُو شُعَيْبٍ الْأُمَوِيُّ الْحَرَّانِيُّ الْمُؤَدِّبُ الْمُحَدِّثُ ابْنُ الْمُحَدِّثِ وُلِدَ سَنَةَ

سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَسَمِعَ أَبَاهُ وَجَدَّهُ وَعَفَّانَ بْنَ مُسْلِمٍ وَأَبَا خَيْثَمَةَ، كَانَ صَدُوقًا ثِقَةً مَأْمُونًا، تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا.
عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمُكْتَفِي ابْنُ الْمُعْتَضِدِ، تَقَدَّمَ ذِكْرُ تَرْجَمَتِهِ قَرِيبًا مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
أَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ أَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هُوَ ثِقَةٌ، كَانَ مَأْمُونًا نَاسِكًا وَقَالَ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ: لَمْ يَكُنْ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِالْعِرَاقِ أَرْأَسُ مِنْهُ وَلَا أَشَدُّ وَرَعًا، وَكَانَ مِنَ التَّقَلُّلِ فِي الْمَطْعَمِ عَلَى حَالَةٍ عَظِيمَةٍ فَقْرًا وَوَرَعًا وَصَبْرًا وَكَانَ يُنْفِقُ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ وَكَانَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا وَكَانَ قَدِ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ.
تُوُفِّيَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

[سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ وَالْجُنْدِ عَلَى خَلْعِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ وَتَوْلِيَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَزِّ الْخِلَافَةَ عِوَضًا عَنْهُ، فَأَجَابَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْفَكُ بِسَبَبِهِ دَمٌ، وَكَانَ الْمُقْتَدِرُ قَدْ خَرَجَ لِلَّعِبِ بِالصَّوَالِجَةِ فَقَصَدَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ، يُرِيدُ أَنْ يَفْتِكَ بِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُقْتَدِرُ الضَّجَّةَ بَادَرَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ فَأَغْلَقَهَا دُونَ الْجَيْشِ، وَاجْتَمَعَ الْقُوَّادُ وَالْأَعْيَانُ وَالْقُضَاةُ فِي دَارِ الْخِلَافَةِ، فَبَايَعُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعْتَزِّ وَخُوطِبَ بِالْخِلَافَةِ وَلُقِّبَ بِالْمُرْتَضِي بِاللَّهِ، وَقَالَ الصُّولِيُّ: إِنَّمَا لَقَّبُوهُ الْمُنْتَصِفَ بِاللَّهِ وَاسْتَوْزَرَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ دَاوُدَ وَبَعَثَ إِلَى الْمُقْتَدِرِ يَأْمُرُهُ بِالتَّحَوُّلِ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ إِلَى دَارِ ابْنِ طَاهِرٍ لِيَنْتَقِلَ هُوَ إِلَيْهَا، فَأُجِيبَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَرَكِبَ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ مِنَ الْغَدِ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ لِيَتَسَلَّمَهَا فَقَاتَلَهُ الْخَدَمُ وَمَنْ فِيهَا وَلَمْ يُسَلِّمُوهَا إِلَيْهِ وَهَزَمُوهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَخْلِيصِ أَهْلِهِ وَبَعْضِ مَالِهِ إِلَّا بِالْجَهْدِ الْجَهِيدِ، فَلَمَّا قَدَرَ عَلَيْهِمُ ارْتَحَلَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى الْمَوْصِلِ فَتَفَرَّقَ نِظَامُ ابْنِ الْمُعْتَزِّ وَجَمَاعَتِهِ فَأَرَادَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى سَامَرَّا

لِيَنْزِلَهَا فَلَمْ يَتْبَعْهُ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ فَدَخَلَ دَارَ ابْنِ الْجَصَّاصِ فَاسْتَجَارَ بِهِ، وَوَقَعَ النَّهْبُ فِي الْبَلَدِ وَاخْتَبَطَ النَّاسُ وَبَعَثَ الْمُقْتَدِرُ إِلَى أَصْحَابِ ابْنِ الْمُعْتَزِّ فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ وَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ وَأَعَادَ ابْنَ الْفُرَاتِ إِلَى الْوِزَارَةِ فَجَدَّدَ الْبَيْعَةَ لِلْمُقْتَدِرِ وَأَرْسَلَ إِلَى دَارِ ابْنِ الْجَصَّاصِ فَكَبَسهَا وَأَحْضَرَ ابْنَ الْمُعْتَزِّ وَابْنَ الْجَصَّاصِ فَصَادَرَ ابْنَ الْجَصَّاصِ بِمَالٍ جَزِيلٍ جِدًّا، يُقَالُ: إِنَّهُ وَزَنَ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَطْلَقَهُ وَاعْتَقَلَ ابْنَ الْمُعْتَزِّ فَلَمَّا دَخَلَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ لَيْلَتَانِ ظَهَرَ لِلنَّاسِ مَوْتُهُ وَأُخْرِجَتْ جُثَّتُهُ فَسُلِّمَتْ إِلَى أَهْلِهِ فَدُفِنَ، وَصَفَحَ الْمُقْتَدِرُ عَنْ بَقِيَّةِ مَنْ بَقِيَ فِي هَذِهِ الْفِتْنَةِ حَتَّى لَا تَفْسَدَ نِيَّاتُ النَّاسِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَلَا يُعْرَفُ خَلِيفَةٌ خُلِعَ ثُمَّ أُعِيدَ سِوَى الْأَمِينِ وَالْمُقْتَدِرِ.
وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَقَطَ بِبَغْدَادَ ثَلْجٌ عَظِيمٌ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى الْأَسْطِحَةِ مِنْهُ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ وَهَذَا يُسْتَغْرَبُ فِي بَغْدَادَ جِدًّا وَلَمْ تَخْرُجِ السَّنَةُ حَتَّى خَرَجَ النَّاسُ لِلِاسْتِسْقَاءِ مِنْ تَأَخُّرِ الْمَطَرِ عَنْ أَيَّامِهِ.
وَفِي شَعْبَانَ مِنْهَا خُلِعَ عَلَى مُؤْنِسٍ الْخَادِمِ وَأُمِرَ بِالْمَسِيرِ إِلَى طَرَسُوسَ لِغَزْوِ الرُّومِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِأَنْ لَا يُسْتَخْدَمَ أَحَدٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي الدَّوَاوِينِ وَأُلْزِمُوا بُيُوتَهُمْ وَأُمِرُوا بِلُبْسِ الْعَسَلِيِّ وَجَعْلِ الرِّقَاعِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ

لِيُعْرَفُوا بِهَا وَأَلْزِمُوا بِالذُّلِّ حَيْثُ كَانُوا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْهَاشِمِيُّ وَرَجَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ قِلَّةِ الْمَاءِ بِالطَّرِيقِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي عَتَّابٍ أَبُو بَكْرٍ الْبَغْدَادِيُّ الْحَافِظُ.
وَيُعَرَفُ بِأَخِي مَيْمُونٍ رَوَى عَنْ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيِّ وَغَيْرِهِ وَرَوَى عَنْهُ الطَّبَرَانِيُّ وَكَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ أَنْ يُحَدِّثَ وَإِنَّمَا يُسْمَعُ مِنْهُ فِي الْمُذَاكَرَاتِ، تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا.
أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ.
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَانِئٍ أَبُو بَكْرٍ الطَّائِيُّ الْأَثْرَمُ، تِلْمِيذُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، سَمِعَ عَفَّانَ وَأَبَا الْوَلِيدِ وَالْقَعْنَبِيَّ وَأَبَا نُعَيْمٍ وَخَلْقًا كَثِيرًا وَكَانَ حَاذِقًا صَادِقًا قَوِيَّ الذَّاكِرَةِ، كَانَ ابْنُ مَعِينٍ يَقُولُ عَنْهُ: كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ جِنِّيًّا.
لِسُرْعَةِ فَهْمِهِ وَحِفْظِهِ وَحِذْقِهِ، وَلَهُ كُتُبٌ مُصَنَّفَةٌ فِي الْعِلَلِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَكَانَ مِنْ بُحُورِ الْعِلْمِ.

خَلَفُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عِيسَى.
أَبُو مُحَمَّدٍ الْعُكْبَرِيُّ سَمِعَ الْحَدِيثَ وَكَانَ ظَرِيفًا، لَهُ ثَلَاثُونَ خَاتَمًا وَثَلَاثُونَ عُكَّازًا يَلْبَسُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ خَاتَمًا وَيَأْخُذُ فِي يَدِهِ عُكَّازًا ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ ذَلِكَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي وَكَانَ لَهُ سَوْطٌ مُعَلَّقٌ فِي مَنْزِلِهِ فَإِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، يَقُولُ: لِيَرْهَبَ الْعِيَالُ مِنْهُ ابْنُ الْمُعْتَزِّ الشَّاعِرُ الَّذِي بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ بِاللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ بِاللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الرَّشِيدِ هَارُونَ، يُكَنَّى ابْنَ الْمُعْتَزِّ أَبَا الْعَبَّاسِ، الشَّاعِرُ الْهَاشِمِيُّ الْعَبَّاسِيُّ الْفَصِيحُ الْبَلِيغُ الْمُطْبِقُ، وَقُرَيْشٌ قَادَةُ النَّاسِ فِي الْخَيْرِ وَدَفْعِ الشَّرِّ، وَقَدْ سَمِعَ الْمُبَرِّدَ وَثَعْلَبًا وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الْحَكَمِ وَالْآدَابِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: أَنْفَاسُ الْحَيِّ خُطَاهُ.
أَهْلُ الدُّنْيَا رَكْبٌ يُسَارُ بِهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ.
رُبَّمَا أَوْرَدَ الطَّمَعُ وَلَمْ يُصْدِرْ.
رُبَّمَا شَرِقَ شَارِبُ الْمَاءِ قَبْلَ رِيِّهِ.
مَنْ تَجَاوَزَ الْكَفَافَ لَمْ يُغْنِهِ الْإِكْثَارُ، كُلَّمَا عَظُمَ قَدْرُ الْمُنَافَسِ فِيهِ عَظُمَتِ الْفَجِيعَةُ بِهِ.
مَنِ ارْتَحَلَهُ الْحِرْصُ أَضْنَاهُ الطَّلَبُ.
الْحِرْصُ يُنْقِصُ مِنْ قَدْرِ الْإِنْسَانِ وَلَا يَزِيدُ فِي حَظِّهِ.
أَشْقَى النَّاسِ أَقْرَبُهُمْ مِنَ

السُّلْطَانِ كَمَا أَنَّ أَقْرَبَ الْأَشْيَاءِ إِلَى النَّارِ أَسْرَعُهَا احْتِرَاقًا.
مَنْ شَارَكَ السُّلْطَانَ فِي عِزِّ الدُّنْيَا شَارَكَهُ فِي ذُلِّ الْآخِرَةِ.
يَكْفِيكَ مِنَ الْحَاسِدِ أَنَّهُ يَغْتَمُّ وَقْتَ سُرُورِكَ.
الْفُرْصَةُ سَرِيعَةُ الْفَوْتِ بَعِيدَةُ الْعَوْدِ.
الْأَسْرَارُ إِذَا كَثُرَ خُزَّانُهَا ازْدَادَتْ ضَيَاعًا.
الْعَزْلُ يَضْحَكُ مِنْ تِيهِ الْوِلَايَةِ.
الْجَزَعُ أَتَعَبُ مِنَ الصَّبْرِ.
لَا تَشِنْ وَجْهَ الْعَفْوِ بِالتَّقْرِيعِ.
تَرِكَةُ الْمَيِّتِ عِزٌّ لِلْوَرَثَةِ.
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ وَحِكَمِهِ.
وَمِنْ شِعْرِهِ فِي الْحِكَمِ مِمَّا يُنَاسِبُ هَذَا الْمَعْنَى الْأَخِيرَ قَوْلُهُ سَابِقْ إِلَى مَالِكَ وُرَّاثَّهُ ... مَا الْمَرْءُ فِي الدُّنْيَا بِلَبَّاثِ كَمْ صَامِتٍ يَخْنُقُ أَكْيَاسَهُ ... قَدْ صَاحَ فِي مِيزَانِ مِيرَاثِ وَلَهُ أَيْضًا: يا ذَا الْغِنَى وَالسَّطْوَةِ الْقَاهِرَهْ ... وَالدَّوْلَةِ النَّاهِيَةِ الْآمِرَهْ وَيَا شَيَاطِينَ بَنِي آدَمَ ... وَيَا عَبِيدَ الشَّهْوَةِ الْفَاجِرَهْ انْتَظِرُوا الدُّنْيَا فَقَدِ أَقْرَبَتْ ... وَعَنْ قَلِيلٍ تَلِدُ الْآخِرَهْ وَلَهُ أَيْضًا:

ابْكِ يا نَفْسُ وَهَاتِي ... تَوْبَةً قَبْلَ الْمَمَاتِ قَبْلَ أَنْ يَفْجَعَنَا الدَّهْ ... رُ بِبَيْنٍ وَشَتَاتِ لَا تَخُونِينِي إِذَا مِ ... تُّ وَقَامَتْ بِي نُعَاتِي إِنَّمَا الْوَافِي بِعَهْدِي ... مَنْ وَفَى بَعْدَ وَفَاتِي قَالَ الصُّولِيُّ: نَظَرَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ الْخَلِيفَةِ إِلَى جَارِيَةٍ فَأَعْجَبَتْهُ فَمَرِضَ مِنْ حُبِّهَا فَدَخَلَ أَبُوهُ عَلَيْهِ عَائِدًا، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: أَيُّهَا الْعَاذِلُونَ لَا تَعْذِلُونِي ... وَانْظُرُوا حُسْنَ وَجْهِهَا تَعْذُرُونِي وَانْظُرُوا هَلْ تَرَوُنَ أَحْسَنَ مِنْهَا ... إِنْ رَأَيْتُمْ شَبِيهَهَا فَاعْذِلُونِي قَالَ: فَفَحَصَ أَبُوهُ عَنِ الْقَضِيَّةِ وَاسْتَعْلَمَ خَبَرَ الْجَارِيَةِ ثُمَّ بَعَثَ إِلَى سَيِّدِهَا فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ بِسَبْعَةِ آلَافِ دِينَارٍ وَبَعَثَهَا إِلَيْهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَ الْقُوَّادُ وَالْأَعْيَانُ وَالْقُضَاةُ عَلَى خَلْعِ الْمُقْتَدِرِ وَتَوْلِيَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَزِّ هَذَا، وَلُقِّبَ بِالْمُرْتَضِي وَالْمُنْتَصِفِ بِاللَّهِ فَمَا مَكَثَ فِي الْخِلَافَةِ إِلَّا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ثُمَّ غَالَبَ الْمُقْتَدِرُ وَقَتَلَ عَامَّةَ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ وَاعْتَقَلَهُ فِي دَارِ السُّلْطَانِ، وَوَكَلَ بِهِ يُونُسَ الْخَادِمَ، فَقُتِلَ فِي أَوَائِلِ رَبِيعٍ الْآخَرِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْهُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَنْشَدَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ حَيَاتِهِ:

جارٍ التحميل