ذِكْرُ مُلَخَّصِ الْفِتْنَةِ وَالْمِحْنَةِ مَجْمُوعًا مِنْ كَلَامِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَأَثَابَهُمُ الْجَنَّةَ
قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَأْمُونَ كَانَ قَدِ اجْتَمَعَ بِهِ وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، فَأَزَاغُوهُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، وَزَيَّنُوا لَهُ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَنَفْيِ الصِّفَاتِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: وَلَمْ يَكُنْ فِي الْخُلَفَاءِ قَبْلَهُ لَا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَلَا مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ خَلِيفَةٌ إِلَّا عَلَى مَنْهَجِ السَّلَفِ، حَتَّى وَلِيَ هُوَ الْخِلَافَةَ، فَاجْتَمَعَ بِهِ هَؤُلَاءِ فَحَمَلُوهُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالُوا: وَاتَّفَقَ خُرُوجُهُ إِلَى طَرَسُوسَ لِغَزْوِ بِلَادِ الرُّومِ فَعَنَّ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى نَائِبِ بَغْدَادَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَاتَّفَقَ ذَلِكَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشُهُورٍ مِنْ سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ.
فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ كَمَا ذَكَرْنَا اسْتَدْعَى جَمَاعَةً مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فَدَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ فَامْتَنَعُوا، فَتَهَدَّدَهُمْ بِالضَّرْبِ، وَقَطْعِ الْأَرْزَاقِ، فَأَجَابَ أَكْثَرُهُمْ مُكْرَهِينَ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ
الْجُنْدَيْسَابُورِيُّ، فَحُمِلَا عَلَى بَعِيرٍ، وَسَيَّرَهُمَا إِلَى الْخَلِيفَةِ عَنْ أَمْرِهِ بِذَلِكَ، وَهُمَا مُقَيَّدَانِ مُتَعَادِلَانِ فِي مَحْمَلٍ عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا كَانُوا بِبِلَادِ الرَّحْبَةِ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ مِنْ عُبَّادِهِمْ يُقَالُ لَهُ: جَابِرُ بْنُ عَامِرٍ.
فَسَلَّمَ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، إِنَّكَ وَافِدُ النَّاسِ، فَلَا تَكُنْ مَشْئُومًا عَلَيْهِمْ، وَإِنَّكَ رَأْسُ النَّاسِ الْيَوْمَ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُجِيبَ فَيُجِيبُوا، وَإِنْ كُنْتَ تُحِبُّ اللَّهَ فَاصْبِرْ عَلَى مَا أَنْتَ فِيهِ فَإِنَّ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ تُقْتَلَ، وَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُقْتَلْ تَمُتْ، وَإِنْ عِشْتَ عِشْتَ حَمِيدًا.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: فَكَانَ ذَلِكَ مَا قَوَّى عَزْمِي عَلَى مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ.
فَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنْ جَيْشِ الْمَأْمُونِ وَنَزَلُوا دُونَهُ بِمَرْحَلَةٍ جَاءَ خَادِمٌ، وَهُوَ يَمْسَحُ دُمُوعَهُ بِطَرَفِ ثِيَابِهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَعِزُّ عَلَيَّ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنُّ الْمَأْمُونُ قَدْ سَلَّ سَيْفًا لَمْ يَسُلَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَبَسَطَ نِطْعًا لَمْ يَبْسُطْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُقْسِمُ بِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَئِنْ لَمْ تُجِبْهُ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ لَيَقْتُلَنَّكَ بِذَلِكَ السَّيْفِ.
قَالَ: فَجَثَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَرَمَقَ بِطَرْفِهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: سَيِّدِي غَرَّ حِلْمُكَ هَذَا الْفَاجِرَ حَتَّى يَتَجَبَّرَ عَلَى أَوْلِيَائِكَ بِالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، اللَّهُمَّ فَإِنْ يَكُنِ الْقُرْآنُ كَلَامُكَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ فَاكْفِنَا مُؤْنَتَهُ.
قَالَ: فَجَاءَهُمُ الصَّرِيخُ بِمَوْتِ الْمَأْمُونِ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ.
قَالَ أَحْمَدُ: فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْمُعْتَصِمَ قَدْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ، وَقَدِ انْضَمَّ إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ، وَأَنَّ الْأَمْرَ شَدِيدٌ، فَرَدُّونَا إِلَى بَغْدَادَ فِي سَفِينَةٍ مَعَ
بَعْضِ الْأُسَارَى، وَنَالَنِي مَعَهُمْ أَذًى كَثِيرٌ، وَكَانَ فِي رِجْلَيْهِ الْقُيُودُ، وَمَاتَ صَاحِبُهُ مُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ فِي الطَّرِيقِ وَصَلَّى عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَلَمَّا رَجَعَ أَحْمَدُ إِلَى بَغْدَادَ دَخَلَهَا وَهُوَ مَرِيضٌ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَأُودِعَ السِّجْنَ نَحْوًا مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا.
وَقِيلَ: نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ شَهْرًا.
ثُمَّ أُخْرِجَ إِلَى الضَّرْبِ بَيْنَ يَدِيِ الْمُعْتَصِمِ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهِ الثِّقَةُ.
وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِأَهْلِ السِّجْنِ وَعَلَيْهِ قُيُودٌ فِي رِجْلَيْهِ.
ذِكْرُ ضَرْبِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَيْنَ يَدِيِ الْمُعْتَصِمِ
لَمَّا أَحْضَرَهُ الْمُعْتَصِمُ مِنَ السِّجْنِ زِيدَ فِي قُيُودِهِ، قَالَ أَحْمَدُ: فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَمْشِيَ بِهَا فَرَبَطْتُهَا فِي التِّكَّةِ وَحَمَلْتُهَا بِيَدِي، ثُمَّ جَاءُونِي بِدَابَّةٍ فَحُمِلْتُ عَلَيْهَا فَكِدْتُ أَنْ أَسْقُطَ عَلَى وَجْهِي مِنْ ثِقَلِ الْقُيُودِ، وَلَيْسَ مَعِي أَحَدٌ يُمْسِكُنِي، فَسَلَّمَ اللَّهُ حَتَّى جِئْنَا دَارَ الْخِلَافَةِ فَأُدْخِلْتُ فِي بَيْتٍ، وَأُغْلِقَ عَلَيَّ، وَلَيْسَ عِنْدِي سِرَاجٌ فَأَرَدْتُ الْوُضُوءَ فَمَدَدْتُ يَدِي فَإِذَا إِنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ فَتَوَضَّأْتُ مِنْهُ، ثُمَّ قُمْتُ أَصْلِي، وَلَا أَعْرِفُ الْقِبْلَةَ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ إِذَا أَنَا عَلَى الْقِبْلَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
قَالَ: ثُمَّ دُعِيتُ فَأُدْخِلْتُ عَلَى الْمُعْتَصِمِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ، وَعِنْدَهُ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ حَدَثُ السِّنِّ، وَهَذَا شَيْخٌ مُكْتَهِلٌ؟ فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ وَسَلَّمْتُ قَالَ لِيَ: ادْنُهْ.
فَلَمْ يَزَلْ يُدْنِينِي حَتَّى قَرُبْتُ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: اجْلِسْ.
فَجَلَسْتُ وَقَدْ أَثْقَلَنِي الْحَدِيدُ، فَمَكَثْتُ سَاعَةً، ثُمَّ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِلَامَ دَعَا إِلَيْهِ ابْنُ عَمِّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
قُلْتُ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ: ثُمَّ ذَكَرْتُ لَهُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، ثُمَّ قُلْتُ: فَهَذَا الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ بِكَلَامٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، وَذَلِكَ لِأَنِّي لَمْ أَتَفَقَّهْ كَلَامَهُ، ثُمَّ قَالَ الْمُعْتَصِمُ: لَوْلَا أَنَّكَ كُنْتَ فِي يَدِ مَنْ كَانَ قَبْلِي لَمْ أَتَعَرَّضْ إِلَيْكَ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَلَمْ آمُرْكَ أَنْ تَرْفَعَ الْمِحْنَةَ؟ قَالَ أَحْمَدُ: فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا فَرَجٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
ثُمَّ قَالَ: نَاظِرُوهُ، يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ كَلِّمْهُ.
فَقَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقَالَ الْمُعْتَصِمُ: أَجِبْهُ.
فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي الْعِلْمِ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: الْقُرْآنُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ.
فَسَكَتَ، فَقَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَفَّرَكَ وَكَفَّرَنَا.
فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى ذَلِكَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: كَانَ اللَّهُ وَلَا قُرْآنَ؟ فَقُلْتُ: كَانَ اللَّهُ وَلَا
عِلْمَ؟ فَسَكَتَ.
فَجَعَلُوا يَتَكَلَّمُونَ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعْطُونِي شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، أَوْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى أَقُولَ بِهِ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ: وَأَنْتَ لَا تَقُولُ إِلَّا بِهَذَا وَهَذَا؟ فَقُلْتُ: وَهَلْ يَقُومُ الْإِسْلَامُ إِلَّا بِهِمَا؟
وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا مُنَاظَرَاتٌ طَوِيلَةٌ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: 2] وَعَنْهُ فِي ذَلِكَ أَجْوِبَةٌ بِحَدَثِ إِنْزَالِهِ، أَوْ ذِكْرٌ غَيْرُ الْقُرْآنِ مُحْدَثٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَرَشَّحَ هَذَا بُقُولِهِ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: 1] يَعْنِي بِهِ الْقُرْآنَ بِخِلَافِ الذِّكْرِ فَإِنَّهُ غَيْرُ الْقُرْآنِ.
وَبِقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: 16] وَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 25] فَقَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ: هُوَ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ضَالٌّ مُضِلٌّ مُبْتَدِعٌ، وَهَؤُلَاءِ قُضَاتُكَ وَالْفُقَهَاءُ فَسَلْهُمْ.
فَقَالَ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِيهِ: فَأَجَابُوا بِمِثْلِ مَا قَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ، ثُمَّ أَحْضَرُوهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَنَاظَرُوهُ أَيْضًا، ثُمَّ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَنَاظَرُوهُ أَيْضًا، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَعْلُو صَوْتُهُ عَلَيْهِمْ، وَتَغْلِبُ حُجَّتُهُ حُجَجَهُمْ.
قَالَ: فَإِذَا سَكَتُوا فَتَحَ الْكَلَامَ عَلَيْهِمُ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ، وَكَانَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِالْعِلْمِ
وَالْكَلَامِ، وَقَدْ تَنَوَّعَتْ بِهِمُ الْمَسَائِلُ فِي الْمُجَادَلَةِ، وَلَا عِلْمَ لَهُمْ بِالنَّقْلِ، فَجَعَلُوا يُنْكِرُونَ الْآثَارَ، وَيَرُدُّونَ الِاحْتِجَاجَ بِهَا.
وَقَالَ أَحْمَدُ: سَمِعْتُ مِنْهُمْ مَقَالَاتٍ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا يَقُولُهَا، وَقَدْ تَكَلَّمَ مَعِي بُرْغُوثٌ بِكَلَامٍ طَوِيلٍ ذَكَرَ فِيهِ الْجِسْمَ وَغَيْرَهُ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ إِلَّا أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَحَدٌ صَمَدٌ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَسَكَتَ عَنِّي.
وَقَدْ أَوْرَدْتُ لَهُمْ حَدِيثَ الرُّؤْيَةِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ فَحَاوَلُوا أَنْ يُضَعِّفُوا إِسْنَادَهُ، وَيُلَفِّقُوا عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ كَلَامًا يَتَسَلَّقُونَ بِهِ إِلَى الطَّعْنِ فِيهِ، وَهَيْهَاتَ ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: 52] وَفِي غُبُونِ ذَلِكَ كُلِّهِ يَتَلَطَّفُ بِهِ الْخَلِيفَةُ، وَيَقُولُ: يَا أَحْمَدُ، أَجِبْنِي إِلَى هَذَا حَتَّى أَجْعَلَكَ مِنْ خَاصَّتِي، وَمِمَّنْ يَطَأُ بِسَاطِي.
فَأَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، يَأْتُونِي بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أُجِيبَهُمْ إِلَيْهَا.
وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِمْ حِينَ أَنْكَرُوا الِاحْتِجَاجَ بِالْآثَارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 42] وَبُقُولِهِ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164] وَبِقَوْلِهِ:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: 14] ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54] وَبِقَوْلِهِ ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: 40] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ لَهُمْ مَعَهُ حُجَّةٌ عَدَلُوا إِلَى اسْتِعْمَالِ جَاهِ الْخَلِيفَةِ فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا كَافِرٌ ضَالٌّ مُضِلٌّ.
وَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَائِبُ بَغْدَادَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ تَدْبِيرِ الْخِلَافَةِ أَنْ تُخَلِّيَ سَبِيلَهُ وَيَغْلِبَ خَلِيفَتَيْنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ حَمِيَ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، وَكَانَ أَلْيَنَهُمْ عَرِيكَةً، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ لِي: لَعَنَكَ اللَّهُ، طَمِعْتُ فِيكَ أَنْ تُجِيبَنِي فَلَمْ تَجْبُنِي.
ثُمَّ قَالَ: خُذُوهُ وَاخْلَعُوهُ وَاسْحَبُوهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: فَأُخِذْتُ وَسُحِبْتُ وَخُلِعْتُ وَجِيءَ بِالْعُقَابَيْنِ وَالسِّيَاطِ، وَأَنَا أَنْظُرُ، وَكَانَ مَعِي شَعْرٌ مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَصْرُورٌ فِي ثَوْبِي فَجَرَّدُونِي مِنْهُ، وَصِرْتُ بَيْنَ الْعُقَابَيْنِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهَ اللَّهَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ.
.» وَتَلَوْتُ الْحَدِيثَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ»
فَبِمَ تَسْتَحِلُّ دَمِي، وَلَمْ آتِ شَيْئًا مِنْ هَذَا، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اذْكُرْ وُقُوفَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ كَوُقُوفِي بَيْنَ يَدَيْكَ.
فَكَأَنَّهُ أَمْسَكَ، ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا يَقُولُونَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ ضَالٌّ مُضِلٌّ كَافِرٌ.
فَأَمَرَ بِي فَأُقِمْتُ بَيْنَ الْعُقَابَيْنِ، وَجِيءَ بِكُرْسِيٍّ فَأُقِمْتُ عَلَيْهِ، وَأَمَرَنِي بَعْضُهُمْ أَنْ آخُذَ بِيَدِي بِأَيِّ الْخَشَبَتَيْنِ فَلَمْ أَفْهَمْ، فَتَخَلَّعَتْ يَدَايَ، وَجِيءَ بِالضَّرَّابِينَ، وَمَعَهُمُ السِّيَاطُ فَجَعَلَ أَحَدُهُمْ يَضْرِبُنِي سَوْطَيْنِ، وَيَقُولُ لَهُ يَعْنِي الْمُعْتَصِمُ: شُدَّ، قَطَّعَ اللَّهُ يَدَكَ! وَيَجِيءُ الْآخَرُ فَيَضْرِبُنِي سَوْطَيْنِ، ثُمَّ الْآخَرُ كَذَلِكَ، فَضَرَبُونِي أَسْوَاطًا فَأُغْمِيَ عَلَيَّ، وَذَهَبَ عَقْلِي مِرَارًا، فَإِذَا سَكَنَ الضَّرْبُ يَعُودُ إِلَيَّ عَقْلِي، وَقَامَ الْمُعْتَصِمُ إِلَيَّ يَدْعُونِي إِلَى قَوْلِهِمْ فَلَمْ أُجِبْهُ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: وَيْحَكَ، الْخَلِيفَةُ عَلَى رَأْسِكَ.
فَلَمْ أَقْبَلْ، فَأَعَادُوا الضَّرْبَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيَّ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَأَعَادُوا الضَّرْبَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ، فَدَعَانِي فَلَمْ أَعْقِلْ مَا قَالَ مِنْ شِدَّةِ الضَّرْبِ، ثُمَّ أَعَادُوا الضَّرْبَ فَذَهَبَ عَقْلِي فَلَمْ أُحِسَّ بِالضَّرْبِ، وَأَرْعَبَهُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِي، وَأَمَرَ بِي فَأُطْلِقْتُ، وَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَأَنَا فِي حُجْرَةٍ مِنْ بِيْتٍ وَقَدْ أُطْلِقَتِ الْأَقْيَادُ مِنْ رِجْلِي، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِإِطْلَاقِهِ إِلَى أَهْلِهِ، وَكَانَ جُمْلَةُ مَا ضُرِبَ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ سَوْطًا، وَقِيلَ: ثَمَانِينَ سَوْطًا لَكِنْ كَانَ ضَرْبًا مُبَرِّحًا شَدِيدًا جِدًّا.
وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَجُلًا طُوَالًا رَقِيقًا أَسْمَرَ اللَّوْنِ كَثِيرَ التَّوَاضُعِ، رَحِمَهُ اللَّهُ،
وَرَضِيَ عَنْهُ، وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.
وَلَمَّا حُمِلَ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ إِلَى دَارِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ صَائِمٌ، أَتَوْهُ بِسَوِيقٍ وَمَاءٍ ; لِيُفْطِرَ مِنَ الضَّعْفِ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَتَمَّ صَوْمَهُ، وَحِينَ حَضَرَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ صَلَّى مَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ سَمَاعَةَ الْقَاضِي: صَلَّيْتَ فِي دَمِكَ؟ فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: قَدْ صَلَّى عُمَرُ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا.
فَسَكَتَ.
وَيُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا أُقِيمَ لِيُضْرَبَ انْقَطَعَتْ تِكَّةُ سَرَاوِيلِهِ فَخَشِيَ أَنْ يَسْقُطَ سَرَاوِيلُهُ فَتُكْشَفَ عَوْرَتَهُ، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِدُعَاءٍ فَعَادَ سَرَاوِيلُهُ كَمَا كَانَ.
وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: يَا غَيَّاثَ الْمُسْتَغِيثِينَ يَا إِلَهَ الْعَالَمِينَ، إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَائِمٌ لَكَ بِحَقٍّ فَلَا تَهْتِكْ لِي عَوْرَةً.
وَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَهُ الْجَرَّايِحِيُّ فَقَطَعَ لَحْمًا مَيِّتًا مِنْ جَسَدِهِ، وَجَعَلَ يُدَاوِيهِ، وَالنَّائِبُ يَبْعَثُ كَثِيرًا فِي كُلِّ وَقْتٍ يَسْأَلُ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَصِمَ نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ إِلَى أَحْمَدَ نَدَمًا كَثِيرًا، وَجَعَلَ يَسْأَلُ النَّائِبَ عَنْهُ، وَالنَّائِبُ يَسْتَعْلِمُ خَبَرَهُ، فَلَمَّا عُوفِيَ فَرِحَ الْمُعْتَصِمُ وَالْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، وَلَمَّا شَفَاهُ اللَّهُ بِالْعَافِيَةِ بَقِيَ مُدَّةً وَإِبْهَامَاهُ يُؤْذِيهِمَا الْبَرْدُ، وَجَعَلَ كُلَّ مَنْ سَعَى فِي أَمْرِهِ فِي حِلٍّ إِلَّا
أَهْلَ الْبِدْعَةِ، وَكَانَ يَتْلُو فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22] وَيَقُولُ: مَاذَا يَنْفَعُكَ أَنْ يُعَذَّبَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ فِي سَبِيلِكَ؟ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40] وَيُنَادَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: " لِيَقُمْ مَنْ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ " فَلَا يَقُومُ إِلَّا مَنْ عَفَا.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ» .
وَكَانَ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى الْمِحْنَةِ فَلَمْ يُجِيبُوا بِالْكُلِّيَّةِ أَرْبَعَةٌ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَهُوَ رَئِيسُهُمْ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نُوحِ بْنِ مَيْمُونٍ الْجُنْدَيْسَابُورِيُّ، وَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ حِينَ ذَهَبَ هُوَ وَأَحْمَدُ إِلَى الْمَأْمُونِ وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الْخُزَاعِيُّ، وَقَدْ مَاتَ فِي السِّجْنِ، وَأَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ، وَقَدْ مَاتَ فِي سِجْنِ الْوَاثِقِ عَلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، لَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ.
وَكَانَ مُثْقَلًا بِالْحَدِيدِ، وَأَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ فِيهَا، وَأَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الْخُزَاعِيُّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَيْفِيَّةَ قَتْلِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أَيَّامِ الْوَاثِقِ.
[ثَنَاءُ الْأَئِمَّةِ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ الْمُعَظَّمِ]
ذِكْرُ ثَنَاءِ الْأَئِمَّةِ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ الْمُعَظِّمِ الْمُبَجَّلِ
قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَمَّا ضُرِبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ كُنَّا بِالْبَصْرَةِ فَسَمِعْتُ أَبَا الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيَّ يَقُولُ: لَوْ كَانَ هَذَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ لَكَانَ أُحْدُوثَةً.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ: لَوْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ لَكَانَ عَجَبًا.
وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَوْمَ الْمِحْنَةِ، وَأَبُو بَكْرٍ يَوْمَ الرِّدَّةِ، وَعُمَرُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ، وَعُثْمَانُ يَوْمَ الدَّارِ، وَعَلِيٌّ يَوْمَ صِفِّينَ.
وَقَالَ حَرْمَلَةُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ الْعِرَاقِ فَمَا خَلَّفْتُ بِهَا رَجُلًا أَفْضَلَ وَلَا أَعْلَمَ وَلَا أَوْرَعَ وَلَا أَتْقَى مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ شَيْخُهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: مَا قَدِمَ عَلَيَّ مِنْ بَغْدَادَ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ قُتَيْبَةُ: مَاتَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَاتَ الْوَرَعُ، وَمَاتَ الشَّافِعِيُّ وَمَاتَتِ السُّنَنُ، وَيَمُوتُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَتَظْهَرُ الْبِدَعُ، وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ قُتَيْبَةُ: إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَامَ فِي الْأُمَّةِ مَقَامَ النُّبُوَّةِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يَعْنِي فِي صَبْرِهِ عَلَى مَا أَصَابَهُ مِنَ الْأَذَى فِي ذَاتِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ النَّحَّاسِ وَذَكَرَ أَحْمَدَ يَوْمًا فَقَالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الدِّينِ مَا كَانَ أَبْصَرَهُ، وَعَنِ الدُّنْيَا مَا كَانَ أَصْبَرَهُ، وَفِي الزُّهْدِ مَا كَانَ أَخْبَرَهُ، وَبِالصَّالِحِينَ مَا كَانَ أَلْحَقَهُ، وَبِالْمَاضِينَ مَا كَانَ أَشْبَهَهُ، عَرَضَتْ لَهُ الدُّنْيَا فَأَبَاهَا، وَالْبِدَعُ فَنَفَاهَا.
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ الْحَافِي بَعْدَمَا ضُرِبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أُدْخِلَ أَحْمَدُ الْكِيرَ فَخَرَجَ ذَهَبًا أَحْمَرَ.
وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ بَعْدَمَا امْتُحِنَ أَحْمَدُ، وَقَبْلَ أَنْ يُمْتَحَنَ: يَا مَيْمُونِيُّ، مَا قَامَ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَامَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
فَعَجِبْتُ مِنْ هَذَا عَجَبًا شَدِيدًا، وَذَهَبْتُ إِلَى أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، فَحَكَيْتُ لَهُ مَقَالَةَ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، فَقَالَ: صَدَقَ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَجَدَ يَوْمَ الرِّدَّةِ أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا وَإِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْصَارٌ وَلَا أَعْوَانٌ.
ثُمَّ أَخَذَ أَبُو عُبَيْدٍ يُطْرِي أَحْمَدَ وَيَقُولُ: لَسْتُ أَعْلَمُ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَهُ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حُجَّةٌ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عَبِيدِهِ فِي أَرْضِهِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: إِذَا ابْتُلِيتُ بِشَيْءٍ فَأَفْتَانِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمْ أُبَالِ إِذَا لَقِيتُ رَبِّي كَيْفَ كَانَ.
وَقَالَ عَلِيٌّ أَيْضًا: إِنِّي اتَّخَذْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ حُجَّةً فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ يَقْوَى عَلَى مَا يَقْوَى عَلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ؟
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَيْضًا: كَانَ فِي أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ خِصَالٌ مَا رَأَيْتُهَا فِي عَالِمٍ قَطُّ، كَانَ مُحَدِّثًا، وَكَانَ حَافِظًا، وَكَانَ عَالِمًا، وَكَانَ وَرِعًا، وَكَانَ زَاهِدًا، وَكَانَ عَاقِلًا.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَيْضًا: أَرَادَ النَّاسُ مِنَّا أَنْ نَكُونَ مِثْلَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَاللَّهِ مَا نَقْوَى أَنْ نَكُونَ مِثْلَ أَحْمَدَ، وَلَا نُطِيقُ سُلُوكَ طَرِيقِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ: اتَّخَذْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ حُجَّةً فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ الرَّقِّيُّ: مَنَّ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَرْبَعَةٍ: بِالشَّافِعِيِّ، فَهِمَ الْأَحَادِيثَ وَفَسَّرَهَا، وَبَيَّنَ الْمُجْمَلَ مِنَ الْمُفَسَّرِ، وَالْخَاصِّ مِنَ الْعَامِّ، وَالنَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ، وَبِأَبِي عُبَيْدٍ عَرَفَ الْغَرِيبَ وَفَسَّرَهُ، وَبِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ نَفَى الْكَذِبَ عَنِ الْأَحَادِيثِ، وَبِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثَبَتَ فِي الْمِحْنَةِ، لَوْلَا هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ لَهَلَكَ النَّاسُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ مَنْ حَمَلَ بِيَدِهِ قَلَمًا وَمِحْبَرَةً ; يَعْنِي فِي عَصْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَاءٍ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَلَا رَأَيْتُ مَنْ رَأَى مِثْلَهُ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ: مَا أَعْرِفُ فِي أَصْحَابِنَا أَسْوَدَ الرَّأْسِ أَفْقَهَ مِنْهُ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيِّ قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُوشَنْجِيُّ فِي أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ:
إِنَّ ابْنَ حَنْبَلٍ إِنْ سَأَلْتَ إَمَامُنَا ... وَبِهِ الْأَئِمَّةُ فِي الْأَنَامِ تَمَسَّكُوا
خَلَفَ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا بَعْدَ الْأُلَى ... كَانُوا الْخَلَائِفَ بَعْدَهُ وَاسْتَهْلَكُوا
حَذْوَ الشِّرَاكِ عَلَى الشِّرَاكِ وَإِنَّمَا ... يَحْذُو الْمِثَالَ مِثَالُهُ الْمُتَمِسِّكُ
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ كَذَلِكَ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَغَيْرُهُمَا: هُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَالِينِيِّ، عَنِ ابْنِ عَدِيٍّ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ مُعَانِ
بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ.
ح قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَحَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنَا مُبَشِّرٌ، عَنْ مُعَانٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ» وَهَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ، وَإِسْنَادُهُ فِيهِ ضَعْفٌ، وَالْعَجَبُ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ صَحَّحَهُ، وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى عَدَالَةِ كُلِّ مَنْ نُسِبَ إِلَى حَمْلِ الْعِلْمِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.
[الْإِمَامُ أَحْمَدُ بَعْدَ الْمِحْنَةِ]
ذِكْرُ مَا كَانَ مَنْ أَمْرِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بَعْدَ الْمِحْنَةِ حِينَ أُخْرِجَ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ بَعْدَ الضَّرْبِ صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَدُووِيَ حَتَّى
بَرِئَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَلَزِمَ مَنْزِلَهُ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى جَمَاعَةٍ وَلَا جُمُعَةٍ، وَامْتَنَعَ مِنَ التَّحْدِيثِ، وَكَانَتْ غَلَّتُهُ مِنْ مِلْكٍ لَهُ ; فِي كُلِّ شَهْرٍ سَبْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا يُنْفِقُهَا عَلَى عِيَالِهِ، وَيَتَقَنَّعُ بِذَلِكَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ مُدَّةَ خِلَافَةِ الْمُعْتَصِمِ، وَكَذَلِكَ فِي أَيَّامِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ الْوَاثِقِ.
فَلَمَّا وَلِيَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ جَعْفَرُ ابْنُ الْمُعْتَصِمِ اسْتَبْشَرَ النَّاسُ بِوِلَايَتِهِ فَإِنَّهُ كَانَ مُحِبًّا لِلسُّنَّةِ وَأَهْلِهَا، وَرَفَعَ الْمِحْنَةَ عَنِ النَّاسِ، وَكَتَبَ إِلَى الْآفَاقِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ أَحَدٌ فِي الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ بِبَغْدَادَ وَهُوَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَبْعَثَ بِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إِلَيْهِ، فَاسْتَدْعَى إِسْحَاقُ بِالْإِمَامِ أَحْمَدَ إِلَيْهِ فَأَكْرَمَهُ إِسْحَاقُ وَعَظَّمَهُ ; لِمَا يَعْلَمُ مِنْ إِعْظَامِ الْخَلِيفَةِ لَهُ وَإِجْلَالِهِ إِيَّاهُ، وَسَأَلَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَنِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: سُؤَالُ تَعَنُّتٍ أَوِ اسْتِرْشَادٍ؟ فَقَالَ: بَلْ سُؤَالُ اسْتِرْشَادٍ.
فَقَالَ: هُوَ كَلَامُ اللَّهِ مَنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
فَسَكَنَ إِلَى قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ جَهَّزَهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى، ثُمَّ سَبَقَهُ إِلَيْهِ.
وَبَلَغَهُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ اجْتَازَ بِابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فَلْمْ يَأْتِهِ وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَغَضِبَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ ذَلِكَ وَشَكَاهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَقَالَ الْمُتَوَكِّلُ: يُرَدُّ وَإِنْ كَانَ قَدْ وَطِئَ بِسَاطِي.
فَرَجَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنَ الطَّرِيقِ إِلَى بَغْدَادَ وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مُتَكَرِّهًا لِذَلِكَ، وَلَكِنْ لَمْ يَهُنْ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ،
وَإِنَّمَا كَانَ رُجُوعُهُ عَنْ قَوْلِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ هُوَ السَّبَبَ فِي ضَرْبِهِ.
ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الثَّلْجِيِّ وَشَى إِلَى الْخَلِيفَةِ شَيْئًا، فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْعَلَوِيِّينَ قَدْ ضَوَى إِلَى مَنْزِلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَهُوَ يُبَايِعُ لَهُ النَّاسَ فِي الْبَاطِنِ.
فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ نَائِبَ بَغْدَادَ أَنْ يَكْبِسَ مَنْزِلَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنَ اللَّيْلِ.
فَلَمْ يَشْعُرُوا إِلَّا وَالْمَشَاعِلُ قَدْ أَحَاطَتْ بِالدَّارِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى مِنْ فَوْقِ الْأَسْطِحَةِ فَوَجَدُوا الْإِمَامَ أَحْمَدَ جَالِسًا فِي دَارِهِ مَعَ عِيَالِهِ، فَسَأَلُوهُ عَمَّا ذُكِرَ عَنْهُ، فَقَالَ: لَيْسَ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمٌ، وَلَيْسَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَلَا هَذَا مِنْ نِيَّتِي، وَإِنِّي لِأَرَى طَاعَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَفِي عُسْرِي وَيُسْرِي، وَمَنْشَطِي وَمَكْرَهِي، وَأَثَرَةٍ عَلَيَّ، وَإِنِّي لَأَدْعُو اللَّهَ لَهُ بِالتَّسْدِيدِ وَالتَّوْفِيقِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
فِي كَلَامٍ كَثِيرٍ، فَفَتَّشُوا مَنْزِلَهُ حَتَّى مَكَانَ الْكُتُبِ وَبُيُوتَ النِّسَاءِ وَالْأَسْطِحَةَ وَغَيْرَهَا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا.
فَلَمَّا بَلَغَ الْمُتَوَكِّلَ ذَلِكَ، وَعَلِمَ بَرَاءَتَهُ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ، عَلِمَ أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ كَثِيرًا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَعْقُوبَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفَ بِقَوْصَرَةَ وَهُوَ أَحَدُ الْحَجَبَةِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ مِنَ الْخَلِيفَةِ، وَقَالَ: هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: اسْتَنْفَقَ هَذِهِ.
فَامْتَنَعَ مَنْ قَبُولِهَا.
فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي أَخْشَى مِنْ رَدِّكَ إِيَّاهَا أَنْ يَقَعَ وَحْشَةٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، وَالْمَصْلَحَةُ لَكَ قَبُولُهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَهُ ثُمَّ ذَهَبَ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ اسْتَدْعَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ
أَهْلَهُ وَبَنِي عَمِّهِ وَعِيَالَهُ، وَقَالَ: لَمْ أَنَمْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ مِنْ هَذَا الْمَالِ.
فَجَلَسُوا مَعَهُ، وَكَتَبُوا أَسْمَاءَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحْتَاجِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَفَرَّقَهَا فِي النَّاسِ مَا بَيْنَ الْخَمْسِينَ إِلَى الْمِائَةِ وَالْمِائَتَيْنِ وَلَمْ يبْقِ مِنْهَا دِرْهَمًا، وَأَعْطَى مِنْهَا لِأَبِي كُرَيْبٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، وَتَصَدَّقَ بِالْكِيسِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ، وَلَمْ يُعْطِ مِنْهَا لِأَهْلِهِ شَيْئًا، وَهُمْ فِي غَايَةِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ، وَجَاءَ بُنَيُّ ابْنِهِ فَقَالَ: أَعْطِنِي دِرْهَمًا.
فَنَظَرَ أَحْمَدُ إِلَى ابْنِهِ صَالِحٍ، فَتَنَاوَلَ صَالِحٌ قِطْعَةً فَأَعْطَاهَا الصَّبِيَّ، فَسَكَتَ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَبَلَغَ الْخَلِيفَةُ أَنَّهُ قَدْ تَصَدَّقَ بِالْجَائِزَةِ كُلِّهَا حَتَّى لَمْ يُبْقِ مِنْهَا شَيْئًا وَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِكِيسِهَا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ قَدْ قَبِلَهَا مِنْكَ وَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْكَ، وَمَا يَصْنَعُ أَحْمَدُ بِالْمَالِ؟ إِنَّمَا يَكْفِيهِ رَغِيفٌ.
فَقَالَ: صَدَقْتَ.
فَلَمَّا مَاتَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُهُ مُحَمَّدٌ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا الْقَرِيبُ، وَتَوَلَّى نِيَابَةَ بَغْدَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ، كَتَبَ الْمُتَوَكِّلُ إِلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ إِلَيْهِ الْإِمَامَ أَحْمَدَ، فَقَالَ لِأَحْمَدَ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ: إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَضَعِيفٌ، فَرَدَّ الْجَوَابَ عَلَى الْخَلِيفَةِ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ يَعْزِمُ عَلَيْهِ لَتَأْتِيَنِّي، وَكَتَبَ إِلَى أَحْمَدَ يَقُولُ لَهُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ آنَسَ بِقُرْبِكَ، وَبِالنَّظَرِ إِلَيْكَ، وَيَحْصُلَ لِي بَرَكَةُ دُعَائِكَ.
فَسَارَ إِلَيْهِ
الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَهُوَ عَلِيلٌ فِي بَنِيهِ وَبَعْضِ أَهْلِهِ، فَلَمَّا قَارَبَ الْعَسْكَرَ تَلَقَّاهُ وَصِيفٌ الْخَادِمُ فِي مَوْكِبٍ عَظِيمٍ، فَسَلَّمَ وَصِيفٌ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَرَدَّ السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ وَصِيفٌ: قَدْ أَمْكَنَكَ اللَّهُ مِنْ عَدُوِّكَ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ.
فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ جَوَابًا، وَجَعَلَ ابْنُهُ يَدْعُو اللَّهَ لِلْخَلِيفَةِ وَلِوَصِيفٍ فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْعَسْكَرِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى، أُنْزِلَ أَحْمَدُ فِي دَارِ إِيتَاخَ فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ ارْتَحَلَ مِنْهَا، وَأَمَرَ أَنْ يُسْتَكْرَى لَهُ دَارٌ غَيْرُهَا.
وَكَانَ رُءُوسُ الْأُمَرَاءِ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَحْضُرُونَ عِنْدَهُ، وَيُبَلِّغُونَهُ عَنِ الْخَلِيفَةِ السَّلَامَ، وَلَا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْلَعُوا مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الزِّينَةِ وَالسِّلَاحِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ بِالْمَفَارِشِ الْوَطِيئَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْآلَاتِ الَّتِي تَلِيقُ بِتِلْكَ الدَّارِ الْعَظِيمَةِ.
وَأَرَادَ مِنْهُ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُقِيمَ هُنَاكَ لِيُحَدِّثَ النَّاسَ عِوَضًا عَمَّا فَاتَهُمْ مِنْهُ فِي أَيَّامِ الْمِحْنَةِ وَمَا بَعْدَهَا مِنَ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ الْمُتَطَاوِلَةِ وَهُوَ مَحْجُوبٌ فِي دَارِهِ لَا يَخْرُجُ إِلَى جَمَاعَةٍ وَلَا جُمُعَةٍ أَيْضًا، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ بِأَنَّهُ عَلِيلٌ وَأَسْنَانُهُ تَتَحَرَّكُ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَكَانَ الْخَلِيفَةُ يَبْعَثُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَائِدَةً فِيهَا أَلْوَانُ الْأَطْعِمَةِ وَالْفَاكِهَةِ وَالثَّلْجُ، مِمَّا يُقَاوِمُ مِائَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ يَوْمِ، وَالْخَلِيفَةُ يَحْسَبُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ أَحْمَدُ يَطْعَمُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ كَانَ صَائِمًا يَطْوِي، فَمَكَثَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَسْتَطْعِمْ بِطَعَامٍ، وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ عَلِيلٌ، ثُمَّ أَقْسَمَ
عَلَيْهِ وَلَدُهُ حَتَّى شَرِبَ قَلِيلًا مِنَ السَّوِيقِ بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ.
وَجَاءَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ بِمَالٍ جَزِيلٍ مِنَ الْخَلِيفَةِ ; جَائِزَةً لَهُ، فَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْأَمِيرُ فَلَمْ يَقْبَلْ، فَأَخَذَهَا الْأَمِيرُ فَفَرَّقَهَا عَلَى بَنِيهِ وَأَهْلِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُرَدَّ عَلَى الْخَلِيفَةِ جَائِزَتُهُ.
وَكَتَبَ الْخَلِيفَةُ لِأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ فِي كُلِّ شَهْرٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَمَانَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الْخَلِيفَةُ: لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا هَذَا إِلَّا لِوَلَدِكَ.
فَأَمْسَكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُمَانَعَتِهِ، ثُمَّ أَخَذَ يَلُومُ أَهْلَهُ وَعَمَّهُ وَبَنِي عَمِّهِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّمَا بَقِيَ لَنَا أَيَّامٌ قَلَائِلُ، وَكَأَنَّنَا وَقَدْ نَزَلَ بِنَا الْمَوْتُ فَإِمَّا إِلَى جَنَّةٍ، وَإِمَّا إِلَى نَارٍ، فَنَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا وَبُطُونُنَا قَدْ أَخَذَتْ مِنْ مَالِ هَؤُلَاءِ.
فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ يَعِظُهُمْ بِهِ.
فَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ سَائِلٍ وَلَا مُسْتَشْرِفٍ فَخُذْهُ» وَبِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ قَبِلَا جَوَائِزَ السُّلْطَانِ.
فَقَالَ: مَا هَذَا وَذَاكَ سَوَاءٌ،
وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْمَالَ أُخِذَ مِنْ حَقِّهِ، وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمٌ وَلَا جَوْرٌ لَمْ أُبَالِ.
وَلَمَّا اسْتَمَرَّ ضَعْفُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعَلَ الْمُتَوَكِّلُ يَبْعَثُ إِلَيْهِ بِابْنِ مَاسَوَيْهِ الْمُتَطَبِّبِ لِيَنْظُرَ فِي مَرَضِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ لَيْسَ بِهِ عِلَّةٌ فِي بَدَنِهِ، وَإِنَّمَا عِلَّتُهُ مِنْ قِلَّةِ الطَّعَامِ، وَكَثْرَةِ الصِّيَامِ وَالْعِبَادَةِ.
فَسَكَتَ الْمُتَوَكِّلُ، ثُمَّ سَأَلَتْ أَمُّ الْخَلِيفَةِ مِنْهُ أَنْ تَرَى الْإِمَامَ أَحْمَدَ، فَبَعَثَ الْمُتَوَكِّلُ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَجْتَمِعَ بِابْنِهِ الْمُعْتَزِّ وَيَدْعُوَ لَهُ، وَيَكُونَ فِي حِجْرِهِ فَتَمَنَّعَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَجَابَ إِلَيْهِ ; رَجَاءَ أَنْ يُعَجِّلَ بِرُجُوعِهِ إِلَى أَهْلِهِ بِبَغْدَادَ، وَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ بِخِلْعَةٍ سَنِيَّةٍ وَمَرْكُوبٍ مِنْ مَرَاكِيبِهِ، فَامْتَنَعَ مِنْ رُكُوبِهِ ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ مِيثَرَةُ نُمُورٍ فَجِيءَ بِبَغْلٍ لِبَعْضِ التُّجَّارِ فَرَكِبَهُ، وَجَاءَ إِلَى مَجْلِسٍ الْمُعْتَزِّ، وَقَدْ جَلَسَ الْخَلِيفَةُ وَأَمُّهُ فِي نَاحِيَةٍ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ رَقِيقٍ.
فَلَمَّا جَاءَ أَحْمَدُ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ.
وَجَلَسَ وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ، فَقَالَتْ أَمُّ الْخَلِيفَةِ: اللَّهَ اللَّهَ يَا بُنَيَّ فِي هَذَا الرَّجُلِ! تَرُدُّهُ إِلَى أَهْلِهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّنْ يُرِيدُ مَا أَنْتُمْ فِيهِ، وَحِينَ رَأَى الْمُتَوَكِّلُ أَحْمَدَ قَالَ لِأُمِّهِ: يَا أُمَّهْ، قَدْ أَنَارَتِ الدَّارُ.
وَجَاءَ الْخَادِمُ وَمَعَهُ خِلْعَةٌ سَنِيَّةٌ مُبَطَّنَةٌ وَثَوْبٌ وَقَلَنْسُوَةٌ وَطَيْلَسَانٌ، فَأَلْبَسَهَا الْإِمَامَ أَحْمَدَ بِيَدِهِ، وَأَحْمَدُ لَا يَتَحَرَّكُ بِالْكُلِّيَّةِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَمَّا جَلَسْتُ إِلَى
الْمُعْتَزِّ قَالَ مُؤَدِّبُهُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، هَذَا الَّذِي أَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يَكُونَ مُؤَدِّبَكَ.
فَقَالَ: إِنْ عَلَّمَنِي شَيْئًا تَعَلَّمْتُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: فَعَجِبْتُ مِنْ ذَكَائِهِ فِي صِغَرِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا جِدًّا.
ثُمَّ خَرَجَ أَحْمَدُ عَنْهُمْ وَهُوَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَيَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنْ مَقْتِهِ، وَغَضَبِهِ.
ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ أَذِنَ لَهُ الْخَلِيفَةُ بِالِانْصِرَافِ، وَهَيَّأَ لَهُ حَرَّاقَةً فَلَمْ يَقْبَلْ أَنْ يَنْحَدِرَ فِيهَا بَلْ رَكِبَ فِي زَوْرَقٍ فَدَخَلَ بَغْدَادَ مُخْتَفِيًا، وَأَمَرَ أَنْ تُبَاعَ تِلْكَ الْخِلْعَةُ، وَأَنْ يُتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
وَجَعَلَ أَيَّامًا يَتَأَلَّمُ مِنَ اجْتِمَاعِهِ بِهِمْ وَيَقُولُ: سَلِمْتُ مِنْهُمْ طُولَ عُمْرِي، ثُمَّ ابْتُلِيتُ بِهِمْ فِي آخِرِهِ، وَكَانَ قَدْ جَاعَ عِنْدَهُمْ جُوعًا عَظِيمًا كَثِيرًا حَتَّى كَادَ يَهْلِكُ مِنَ الْجُوعِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ لِلْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ الْخَلِيفَةِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ لَا يَأْكُلُ لَكَ طَعَامًا، وَلَا يَشْرَبُ لَكَ شَرَابًا، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى فَرْشِكَ، وَيُحَرِّمُ مَا تَشْرَبُهُ.
فَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لَوْ نُشِرَ الْمُعْتَصِمُ، وَكَلَّمَنِي فِي أَحْمَدَ مَا قَبِلْتُ مِنْهُ.
وَجَعَلَتْ رُسُلُ الْخَلِيفَةِ تَفِدُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ; تَسْتَعْلِمُ أَخْبَارَهُ وَكَيْفَ حَالُهُ.
وَجَعَلَ يَسْتَفْتِيهِ فِي أَمْوَالِ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ فَلَا يُجِيبُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ إِنَّ الْمُتَوَكِّلَ أَخْرَجَ ابْنَ أَبِي دُؤَادٍ مِنْ سُرَّ مَنْ رَأَى إِلَى بَغْدَادَ بَعْدَ أَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ نَفْسَهُ بِبَيْعِ
ضِيَاعِهِ وَأَمْلَاكِهِ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِ كُلِّهَا.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: وَحِينَ رَجَعَ أَبِي مَنْ سَامَرَّا إِلَى بَغْدَادَ وَجَدْنَا عَيْنَيْهِ قَدْ دَخَلَتَا فِي مُوقَيْهِ، وَمَا رَجَعَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ إِلَّا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
وَامْتَنَعَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ قَرَابَتِهِ أَوْ يَدْخُلَ بَيْتًا هُمْ فِيهِ، أَوْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِمَّا هُمْ فِيهِ ; لِأَجْلِ قَبُولِهِمْ أَمْوَالَ السُّلْطَانِ.
وَكَانَ مَسِيرُ أَحْمَدَ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، ثُمَّ مَكَثَ إِلَى سَنَةِ وَفَاتِهِ، قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَرِسَالَةُ الْمُتَوَكِّلِ تَفِدُ إِلَيْهِ فِي أُمُورٍ يُشَاوِرُهُ فِيهَا، وَيَسْتَشِيرُهُ فِي أَشْيَاءَ تَقَعُ لَهُ.
وَلَمَّا قَدِمَ الْمُتَوَكِّلُ بَغْدَادَ بَعَثَ إِلَيْهِ ابْنَ خَاقَانَ وَمَعَهُ أَلْفُ دِينَارٍ لِيُفَرِّقَهَا عَلَى مَنْ يَرَى فَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا وَتَفْرِقَتِهَا، وَقَالَ: إِنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَعْفَانِي مِمَّا أَكْرَهُ فَرَدَّهَا.
وَكَتَبَ رَجُلٌ رُقْعَةً إِلَى الْمُتَوَكِّلِ يَقُولُ فِيهَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَشْتُمُ آبَاءَكَ وَيَرْمِيهِمْ بِالزَّنْدَقَةِ.
فَكَتَبَ فِيهَا الْمُتَوَكِّلُ: أَمَّا الْمَأْمُونُ فَإِنَّهُ خَلَطَ فَسَلَّطَ النَّاسَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا أَبِي الْمُعْتَصِمُ فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلَ حَرْبٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَصَرٌ بِالْكَلَامِ، وَأَمَّا أَخِي الْوَاثِقُ فَإِنَّهُ اسْتَحَقَّ مَا قِيلَ فِيهِ، ثُمَّ أَمَرَ أَنَّ يُضْرَبَ هَذَا
الرَّجُلُ الَّذِي رَفَعَ إِلَيْهِ الرُّقْعَةَ مِائَتَيْ سَوْطٍ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَضَرَبَهُ خَمْسَمِائَةِ سَوْطٍ، فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَةُ: لِمَ ضَرَبْتَهُ خَمْسَمِائَةِ سَوْطٍ؟ فَقَالَ: مِائَتَيْنِ لِطَاعَتِكَ، وَمِائَتَيْنِ لِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمِائَةً لِكَوْنِهِ قَذَفَ هَذَا الشَّيْخَ ; الرَّجُلَ الصَّالِحَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ.
وَقَدْ كَتَبَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ يَسْأَلُهُ عَنِ الْقَوْلِ فِي الْقُرْآنِ ; سُؤَالَ اسْتِرْشَادٍ وَاسْتِفَادَةٍ لَا سُؤَالَ تَعَنُّتٍ وَلَا امْتِحَانٍ وَلَا عِنَادٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ رِسَالَةً حَسَنَةً، فِيهَا آثَارٌ عَنِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ، وَقَدْ أَوْرَدَهَا ابْنُهُ صَالِحٌ فِي الْمِحْنَةِ الَّتِي سَاقَهَا، وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنْهُ، وَقَدْ نَقَلَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ.
[وَفَاةُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ]
ذِكْرُ وَفَاةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ
قَالَ ابْنُهُ صَالِحٌ: كَانَ مَرَضُهُ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ ثَانِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَحْمُومٌ يَتَنَفَّسُ الصُّعَدَاءَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ مَا كَانَ غَدَاؤُكَ؟ فَقَالَ: مَاءُ الْبَاقِلَّا.
ثُمَّ ذَكَرَ كَثْرَةَ مَجِيءِ النَّاسِ مِنَ الْأَكَابِرِ وَعُمُومِ النَّاسِ لِعِيَادَتِهِ، وَكَثْرَةَ
جَزَعِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَكَانَ مَعَهُ خُرَيْقَةٌ فِيهَا قُطَيْعَاتٌ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا، وَقَدْ أَمَرَ وَلَدَهُ عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يُطَالِبَ سُكَّانَ مِلْكِهِ وَأَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ فَأَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْأُجْرَةِ فَاشْتَرَى تَمْرًا وَكَفَّرَ عَنْ أَبِيهِ، وَفَضَلَ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمٍ، وَكَتَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَصِيَّتَهُ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، أَوْصَى أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
وَأَوْصَى مَنْ أَطَاعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَقَرَابَتِهِ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ فِي الْعَابِدِينَ، وَأَنْ يَحْمَدُوهُ فِي الْحَامِدِينَ، وَأَنْ يَنْصَحُوا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأُوصِي أَنِّي قَدْ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَأُوصِي لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفِ بِفُورَانَ عَلَيَّ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ دِينَارًا، وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِيمَا قَالَ فَيُقْضَى مَا لَهُ عَلَيَّ مِنْ غَلَّةِ الدَّارِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِذَا اسْتُوْفِيَ أُعْطِي وَلَدُ صَالِحٍ كُلُّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى عَشَرَةَ دَرَاهِمَ.
ثُمَّ اسْتَدْعَى بِالصِّبْيَانِ مَنْ وَرَثَتِهِ فَجَعَلَ يَدْعُو لَهُمْ، وَكَانَ قَدْ وُلِدَ لَهُ صَبِيٌّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسِينَ يَوْمًا فَسَمَّاهُ سَعِيدًا، وَكَانَ لَهُ وَلَدٌ آخَرُ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ قَدْ مَشَى حِينَ مَرِضَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فَدَعَاهُ فَالْتَزَمَهُ وَقَبَّلَهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُ أَصْنَعُ بِالْوَلَدِ عَلَى
كِبَرِ السِّنِّ؟ فَقِيلَ لَهُ: ذُرِّيَّةٌ تَكُونُ بَعْدَكَ يَدْعُونَ لَكَ.
قَالَ: وَذَاكَ.
وَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَدْ بَلَغَهُ فِي مَرَضِهِ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ كَرِهَ الْأَنِينَ فِي الْمَرَضِ، فَتَرَكَ الْأَنِينَ فَلَمْ يَئِنَّ حَتَّى كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي تُوُفِّيَ فِي صَبِيحَتِهَا، وَكَانَتْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَنَّ حِينَ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَيُرْوَى عَنْ صَالِحٍ وَقَدْ يَكُونُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا احْتُضِرَ أَبِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَعَلَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: لَا بَعْدُ، لَا بَعْدُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، مَا هَذِهِ اللَّفْظَةُ الَّتِي لَهَجْتَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنَّ إِبْلِيسَ وَاقِفٌ فِي زَاوِيَةِ الْبَيْتِ، وَهُوَ عَاضٌّ عَلَى أُصْبُعِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: فُتَّنِي يَا أَحْمَدُ؟ فَأَقُولُ: لَا بَعْدُ لَا بَعْدُ.
يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَفُوتُهُ حَتَّى تَخْرُجَ رُوحُهُ مِنْ جَسَدِهِ عَلَى التَّوْحِيدِ، كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، قَالَ إِبْلِيسُ: يَا رَبِّ، وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ مَا أَزَالُ أُغْوِيهِمْ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ.
فَقَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَلَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي.
وَأَحْسَنُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يُوَضِّئُوهُ فَجَعَلُوا يُوَضِّئُونَهُ، وَهُوَ يُشِيرُ إِلَيْهِمْ أَنْ خَلَّلُوا أَصَابِعِي، وَهُوَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَكْمَلُوا الْوُضُوءَ تُوُفِّيَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَرَضِيَ عَنْهُ.
وَقَدْ كَانَتْ وَفَاةُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صَبِيحَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ حِينَ مَضَى نَحْوٌ مَنْ سَاعَتَيْنِ مِنَ النَّهَارِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الشَّوَارِعِ، وَبَعَثَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ حَاجِبَهُ وَمَعَهُ غِلْمَانٌ يَحْمِلُونَ مَنَادِيلَ فِيهَا أَكْفَانٌ، وَأَرْسَلَ يَقُولُ: هَذَا نِيَابَةً عَنِ الْخَلِيفَةِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَبَعَثَ بِهَذَا.
فَأَرْسَلَ أَوْلَادُهُ يَقُولُونَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ قَدْ أَعْفَاهُ فِي حَيَاتِهِ مِمَّا يَكْرَهُ، وَهَذَا مِمَّا يَكْرَهُ، وَأَبَوْا أَنْ يُكَفِّنُوهُ فِي تِلْكَ الْأَثْوَابِ، وَأَتَوْا بِثَوْبٍ كَانَ قَدْ غَزَلَتْهُ جَارِيَتُهُ، فَكَفَّنُوهُ فِيهِ، وَاشْتَرَوْا مَعَهُ عَوَزَ لِفَافَةٍ وَحَنُوطًا، وَاشْتَرَوْا لَهُ رَاوِيَةَ مَاءٍ، وَامْتَنَعُوا أَنْ يَغْسِلُوهُ بِمَاءٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ هَجَرَ بُيُوتَهُمْ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا وَلَا يَسْتَعِيرُ مَنْ أَمْتِعَتِهِمْ شَيْئًا، وَكَانَ لَا يَزَالُ مُتَغَضِّبًا عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ مَا رُتِّبَ لَهُمْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَهُوَ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَكَانُوا عَالَةً فَقُرَاءَ، وَحَضَرَ غُسْلَهُ نَحْوٌ مِنْ مِائَةٍ مِنْ بَيْتِ الْخِلَافَةِ مَنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَجَعَلُوا يُقَبِّلُونَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَيَدْعُونَ لَهُ، وَيَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِ.
وَخَرَجَ النَّاسُ بِنَعْشِهِ وَالْخَلَائِقُ حَوْلَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَا لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ، وَنَائِبُ الْبَلَدِ مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ وَاقِفٌ فِي النَّاسِ، فَتَقَدَّمَ خُطْوَاتٍ فَعَزَّى أَوْلَادَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِيهِ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي أَمَّ النَّاسَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَعَادَ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ الصَّلَاةَ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَسْتَقِرَّ فِي قَبْرِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْخَلْقِ.
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ أَمَرَ بِحَزْرِ النَّاسِ، فَوُجِدُوا أَلْفَ أَلْفٍ وَثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَسَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ سِوَى مَنْ كَانَ فِي السُّفُنِ، وَأَقَلُّ مَا قِيلَ: سَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ أَمَرَ أَنْ يُمْسَحَ الْمَوْضِعُ الَّذِي وَقَفَ النَّاسُ عَلَيْهِ حَيْثُ صُلِّيَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَبَلَغَ مَقَامَ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَخَمْسَمِائَةِ أَلْفٍ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ كَامِلٍ الْقَاضِي يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الزِّنْجَانِيَّ، سَمِعَتْ عَبْدَ الْوَهَّابِ
الْوَرَّاقَ يَقُولُ: مَا بَلَغَنَا أَنَّ جَمْعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الْجَمْعِ عَلَى جِنَازَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْمَكِّيُّ، سَمِعْتُ الْوَرْكَانِيَّ جَارَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: أَسْلَمَ يَوْمَ مَاتَ أَحْمَدُ عِشْرُونَ أَلْفًا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، وَوَقَعَ الْمَأْتَمُ فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: أَسْلَمَ عَشَرَةُ آلَافٍ بَدَلَ عِشْرِينَ أَلْفًا.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا سَهْلِ بْنَ زِيَادٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قُولُوا لِأَهْلِ الْبِدَعِ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْجَنَائِزُ.
وَقَدْ
صَدَّقَ اللَّهُ قَوْلَهُ فِي هَذَا فَإِنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ إِمَامَ السُّنَّةِ فِي زَمَانِهِ، وَعُيُونُ مُخَالِفِيهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ الْقَاضِي لَمْ يَحْتَفِلْ أَحَدٌ بِمَوْتِهِ، وَلَا شَيَّعَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا الْقَلِيلَ، وَكَذَلِكَ الْحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيُّ مَعَ زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ وَتَنْقِيرِهِ وَمُحَاسَبَتِهِ نَفْسَهُ فِي خِطْرَاتِهِ وَحَرَكَاتِهِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ مِنَ النَّاسِ، فَلِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ.
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّاعِرِ أَنَّهُ قَالَ: مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ أُصَلِّ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَرُوِيَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ دُفِنَ أَحْمَدُ: دُفِنَ الْيَوْمَ سَادِسُ خَمْسَةٍ: وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَكَانَ عُمْرُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَوْمَ تُوُفِّيَ سَبْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً وَأَيَّامًا أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ.
[الْمَنَامَاتُ الصَّالِحَةُ الَّتِي رَآهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ]
ذِكْرُ مَا رُئِيَ مِنْ الْمَنَامَاتِ الصَّالِحَةِ الَّتِي رَآهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرُئِيَتْ لَهُ.
وَقَدْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ - وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ - يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ أَوْ تُرَى لَهُ» .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ سَمِعَتْ عَلِيَّ بْنَ حَمْشَاذَ، سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ شَبِيبٍ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَجَاءَهُ شَيْخٌ وَمَعَهُ عُكَّازَةٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَجَلَسَ، فَقَالَ: مَنْ مِنْكُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ: أَنَا، مَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ: ضَرَبْتُ إِلَيْكَ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ فَرْسَخٍ، أُرِيتُ الْخَضِرَ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لِي: سِرْ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَسَلْ عَنْهُ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّ سَاكِنَ الْعَرْشِ وَالْمَلَائِكَةَ رَاضُونَ عَنْكَ بِمَا صَبَرْتَ نَفْسَكَ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.
وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ خُزَيْمَةَ الْإِسْكَنْدَرَانِيِّ.
قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ اغْتَمَمْتُ غَمًّا شَدِيدًا، فَرَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ وَهُوَ يَتَبَخْتَرُ فِي مِشْيَتِهِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ مِشْيَةٍ هَذِهِ؟ فَقَالَ: مِشْيَةُ الْخُدَّامِ فِي دَارِ السَّلَامِ.
فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي وَتَوَّجَنِي وَأَلْبَسَنِي نَعْلَيْنِ مَنْ ذَهَبٍ، وَقَالَ لِي: يَا أَحْمَدُ، هَذَا بِقَوْلِكَ: الْقُرْآنُ كَلَامِي.
ثُمَّ قَالَ لِي: يَا أَحْمَدُ، ادْعُنِي بِتِلْكَ الدَّعَوَاتِ الَّتِي بَلَغَتْكَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَكُنْتَ تَدْعُو بِهِنَّ فِي دَارِ الدُّنْيَا.
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَبِّ كُلُّ
شَيْءٍ، بِقُدْرَتِكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، اغْفِرْ لِي كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى لَا تَسْأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ.
فَقَالَ لِي: يَا أَحْمَدُ، هَذِهِ الْجَنَّةُ قُمْ فَادْخُلْهَا.
فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَلَهُ جَنَاحَانِ أَخْضَرَانِ يَطِيرُ بِهِمَا مِنْ نَخْلَةٍ إِلَى نَخْلَةٍ، وَهُوَ يَقُولُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: 74] قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ بِشْرٌ الْحَافِي؟ فَقَالَ: بَخٍ بَخٍ، وَمَنْ مِثْلُ بِشْرٍ؟ تَرَكْتُهُ بَيْنَ يَدَيِ الْجَلِيلِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ مَائِدَةٌ مِنَ الطَّعَامِ وَالْجَلِيلُ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: كُلْ يَا مَنْ لَمْ يَأْكُلْ، وَاشْرَبْ يَا مَنْ لَمْ يَشْرَبْ، وَانْعَمْ يَا مَنْ لَمْ يَنْعَمْ.
أَوْ كَمَا قَالَ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو زُرْعَةَ رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: قَالَ لِيَ الْجَبَّارُ: أَلْحِقُوهُ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ; مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ خُرَّزَادَ الْأَنْطَاكِيُّ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ وَقَدْ بَرَزَ الرَّبُّ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَكَأَنَّ مُنَادِيًا يُنَادِي مِنْ تَحْتٍ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: أَدْخِلُوا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَأَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْجَنَّةَ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَلَكٍ إِلَى جَانِبِي: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ
يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ الْمَقْدِسِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ، وَهُوَ نَائِمٌ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ مُغَطَّى، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يَذُبَّانِ عَنْهُ.
وَتَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادٍ عَنْ يَحْيَى الْجَلَّاءِ أَنَّهُ رَأَى كَأَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي حَلْقَةٍ بِالْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَأَحْمَدَ بْنَ أَبِي دُؤَادٍ فِي حَلْقَةٍ أُخْرَى، وَكَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفٌ بَيْنَ الْحَلْقَتَيْنِ، وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ [الأنعام: 89] وَيُشِيرُ إِلَى حَلْقَةِ ابْنِ أَبِي دُؤَادٍ وَأَصْحَابِهِ ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 89] وَيُشِيرُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَصْحَابِهِ.
[سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[مَا وَقَعَتْ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا كَانَتْ زَلَازِلُ هَائِلَةٌ فِي الْبِلَادِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ بِمَدِينَةِ قُومِسَ تَهَدَّمَتْ مِنْهَا دُورٌ كَثِيرَةٌ، وَمَاتَ مِنْ أَهْلِهَا نَحْوٌ مَنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا وَسِتَّةٍ وَتِسْعِينَ نَفْسًا، وَكَانَتْ بِالْيَمَنِ وَخُرَاسَانَ وَفَارِسَ وَالشَّامِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ زَلَازِلُ مُنْكِرَةٌ.
وَفِيهَا أَغَارَتِ الرُّومُ عَلَى بِلَادِ الْجَزِيرَةِ فَانْتَبَهُوا شَيْئًا كَثِيرًا وَأَسَرُوا نَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ مِنَ الذَّرَارِي فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامُ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ نَائِبُ مَكَّةَ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، قَاضِي مَدِينَةِ الْمَنْصُورِ.
وَأَبُو حَسَّانَ الزِّيَادِيُّ، قَاضِي الشَّرْقِيَّةِ.
وَاسْمُ أَبِي حَسَّانَ الزِّيَادِيِّ الْحَسَنُ
بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ الْبَغْدَادِيُّ، سَمِعَ الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ، وَوَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَالْوَاقِدِيَّ وَخَلْقًا سِوَاهُمْ.
وَعَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَرْغَانِيُّ الْحَافِظُ الْمَعْرُوفُ بِكَغَطَ وَجَمَاعَةٌ.
تَرْجَمَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي " تَارِيخِهِ ". قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ مِنْ سُلَالَةِ زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ إِنَّمَا تَزَوَّجَ بَعْضُ أَجْدَادِهِ بِأُمِّ وَلَدٍ لِزِيَادٍ، فَقِيلَ لَهُ: الزِّيَادِيُّ، ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ حَدِيثِهِ بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ» الْحَدِيثَ.
وَرُوِيَ عَنِ الْخَطِيبِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْأَفَاضِلِ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ، وَلِيَ قَضَاءَ الشَّرْقِيَّةِ فِي خِلَافَةِ الْمُتَوَكِّلِ، وَلَهُ تَارِيخٌ حَسَنٌ، وَلَهُ حَدِيثٌ كَثِيرٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ صَالِحًا دَيِّنًا قَدْ عَمِلَ الْكُتُبَ، وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَيَّامِ النَّاسِ، وَلَهُ تَارِيخٌ حَسَنٌ، وَكَانَ كَرِيمًا مِفْضَالًا.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْهُ أَشْيَاءَ حَسَنَةً ; مِنْهَا أَنَّهُ أَنْفَذَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يَذْكُرُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَتْهُ ضَائِقَةٌ فِي عِيدٍ مِنَ الْأَعْيَادِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ غَيْرُ مِائَةِ دِينَارٍ، فَأَرْسَلَهَا بِصُرَّتِهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ سَأَلَ ذَلِكَ الرَّجُلَ صَاحِبٌ لَهُ أَيْضًا
يَشْكُو مِثْلَ تِلْكَ الْحَالِ، فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، وَكَتَبَ أَبُو حَسَّانَ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي أَخَذَ الْمِائَةَ يَسْتَقْرِضُ مِنْهُ شَيْئًا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِالْأَمْرِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِالْمِائَةِ فِي صُرَّتِهَا، فَلِمَا رَآهَا تَعَجَّبَ مِنْ أَمْرِهَا وَرَكِبَ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَذَكَرَ أَنَّ فُلَانًا أَرْسَلَهَا إِلَيْهِ، فَاجْتَمَعَ الثَّلَاثَةُ وَاقْتَسَمُوا الْمِائَةَ دِينَارٍ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَجَزَاهُمْ عَنْ مُرُوءَاتِهِمْ خَيْرًا.
وَأَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ أَحَدُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ أَحَدُ الْقُرَّاءِ الْمَشَاهِيرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ الطُّوسِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَالْقَاضِي يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ.
[سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ]
[مَا وَقَعَتْ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا تَوَجَّهَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْعِرَاقِ قَاصِدًا مَدِينَةَ دِمَشْقَ ; لِيَجْعَلَهَا لَهُ دَارَ إِقَامَةٍ وَمَحِلَّةَ إِمَامَتِهِ فَأَدْرَكَهُ عِيدُ الْأَضْحَى بِهَا وَهُوَ بِمَدِينَةِ بَلَدَ فَضَحَّى بِهَا، وَتَأَسَّفَ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ:
أَظُنُّ الشَّامَ تَشْمَتُ بِالْعِرَاقِ ... إِذَا عَزَمَ الْإِمَامُ عَلَى انْطِلَاقِ
فَإِنْ تَدَعِ الْعِرَاقَ وَسَاكِنِيهَا ... فَقَدْ تُبْلَى الْمَلِيحَةُ بِالطَّلَاقِ
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عَبْدُ الصَّمَدِ الْمَذْكُورُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَهُوَ نَائِبُ مَكَّةَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَبَّاسِ، فَوَلِيَ دِيوَانَ الضِّيَاعِ الْحَسَنُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ الْجَرَّاحِ خَلِيفَةُ إِبْرَاهِيمَ فِي شَعْبَانَ.
قُلْتُ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صُولٍ الصُّولِيُّ، الشَّاعِرُ الْكَاتِبُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ عَمُّ مُحَمَّدِ بْنِ
يَحْيَى الصُّولِيِّ، وَكَانَ جَدُّهُ صُولٌ مَلِكَ جُرْجَانَ وَكَانَ أَصْلُهُ مِنْهَا ثُمَّ تَمَجَّسَ ثُمَّ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ.
وَلِإِبْرَاهِيمَ هَذَا دِيوَانُ شِعْرٍ ذَكَرَهُ ابْنُ خِلِّكَانَ وَاسْتَجَادَ مِنْ شِعْرِهِ أَشْيَاءَ ; مِنْهَا قَوْلُهُ:
وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الْفَتَى ... ذَرَعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا مَخْرَجُ
ضَاقَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا ... فُرِجَتْ وَكَانَ يَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ
وَمِنْهَا قَوْلُهُ:
كُنْتَ السَّوَادَ لِمُقْلَتِي ... فَبَكَى عَلَيْكَ النَّاظِرُ
مَنْ شَاءَ بَعْدَكَ فَلْيَمُتْ ... فَعَلَيْكَ كُنْتُ أُحَاذِرُ
وَمِنْ ذَلِكَ مَا كَتَبَ بِهِ إِلَى وَزِيرِ الْمُعْتَصِمِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الزَّيَّاتِ:
وَكُنْتَ أَخِي بِإِخَاءِ الزَّمَانِ ... فَلَمَّا نَبَا صِرْتَ حَرْبًا عَوَانَا
وَكُنْتُ أَذُمُّ إِلَيْكَ الزَّمَانَ ... فَأَصْبَحْتُ مِنْكَ أَذُمُّ الزَّمَانَا