البداية والنهايةصفحات 230-269

َ فَتْحُ الرَّيِّ

صفحات 230-269

قَالَتْ صَدَقْتَ وَفَاءُ الْحُبِّ عَادَتُهُ ... يَا بَرْدَ ذَاكَ الَّذِي قَالَتْ عَلَى كَبِدِي قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا كَانَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ أَهْلِ الْكَرْخِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْمَذْهَبِ، بِسَبَبِ السَّبِّ، فَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
وَفِيهَا نَقَصَ الْبَحْرُ ثَمَانِينَ ذِرَاعًا، وَيُقَالُ: بَاعًا.
فَبَدَتْ فِيهِ جِبَالٌ وَجَزَائِرُ لَمْ تَكُنْ تُرَى قَبْلَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا كَانَتْ بِالْعِرَاقِ وَبِلَادِ الرَّيِّ وَالْجَبَلِ وَقُمَّ وَنَحْوِهَا زَلَازِلُ كَثِيرَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، نَحْوَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، تَسْكُنُ ثُمَّ تَعُودُ، فَتَهَدَّمَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَبْنِيَةٌ كَثِيرَةٌ، وَغَارَتْ مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ، وَمَاتَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِيهَا تَجَهَّزَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ لِقِتَالِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ الَّذِي بِالْمَوْصِلِ، فَرَاسَلَهُ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ، وَالْتَزَمَ لَهُ بِأَمْوَالٍ يَحْمِلُهَا إِلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُ مَنَعَ حَمْلَ مَا اشْتَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَصَدَهُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَفِيهَا فِي تِشْرِينَ مِنْهَا كَثُرَتْ فِي النَّاسِ أَوْجَاعٌ فِي الْحَلْقِ، وَالْمَاشَرَا، وَكَثُرَ مَوْتُ الْفَجْأَةِ، حَتَّى إِنَّ لِصًّا نَقَبَ دَارًا لِيَدْخُلَهَا، فَمَاتَ وَهُوَ فِي النَّقْبِ، وَلَبِسَ

الْقَاضِي خِلْعَةَ الْقَضَاءِ ; لِيَخْرُجَ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ، فَلَبِسَ إِحْدَى خُفَّيْهِ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَلْبَسَ الْأُخْرَى.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو هُرَيْرَةَ الْعَدَوِيُّ الْمُسْتَمْلِي عَلَى الْمَشَايِخِ، كَتَبَ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ ثِقَةً.
تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْهَا.
الْحَسَنُ بْنُ خَلَفِ بْنِ شَاذَانَ، أَبُو عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ رَوَى عَنْ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَغَيْرِهِمَا، وَرَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ ". تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
هَكَذَا رَأَيْتُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ " الْمُنْتَظَمِ " لِأَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ

سِنَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأُمَوِيِّ، مَوْلَاهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَرَأَى الذُّهْلِيَّ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَرَحَلَ بِهِ أَبُوهُ إِلَى أَصْبَهَانَ وَمَكَّةَ وَمِصْرَ وَالشَّامَ وَالْجَزِيرَةِ وَبَغْدَادَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، فَسَمِعَ الْكَثِيرَ عَنِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى خُرَاسَانَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقَدْ صَارَ مُحَدِّثًا كَبِيرًا، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الصَّمَمُ وَاسْتَحْكَمَ حَتَّى كَانَ لَا يَسْمَعُ نَهِيقَ الْحِمَارِ، وَكَانَ مُؤَذِّنًا فِي مَسْجِدِهِ سَبْعِينَ سَنَةً، وَحَدَّثَ سِتًّا وَسَبْعِينَ سَنَةً، فَأَلْحَقَ الْأَحْفَادَ بِالْأَجْدَادِ، وَكَانَ ثِقَةً صَادِقًا ضَابِطًا لِمَا سَمِعَهُ وَيَسْمَعُهُ، ثُمَّ كُفَّ بَصَرُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ، وَكَانَ يُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ بِأَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَسَبْعِ حِكَايَاتٍ، وَمَاتَ وَقَدْ بَقِيَ لَهُ سَنَةٌ مِنَ الْمِائَةِ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ بِبَغْدَادَ فِي شَهْرِ نِيسَانَ وَفِي غَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ الشَّرْقِيَّةِ، فَمَاتَ بِسَبَبِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَخَرِبَتْ دَوْرٌ كَثِيرَةٌ، وَظَهَرَ فِي آخِرِ نِيسَانَ وَشَهْرِ أَيَّارَ جَرَادٌ كَثِيرٌ أَتْلَفَ الْغَلَّاتِ الصَّيْفِيَّةَ وَالثِّمَارَ.
وَدَخَلَتِ الرُّومُ آمِدَ وَمَيَّافَارِقِينَ، فَقَتَلُوا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ إِنْسَانٍ، وَأَخَذُوا مَدِينَةَ سُمَيْسَاطَ وَأَخْرَبُوهَا.
فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا رَكِبَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى الْمَوْصِلِ فَأَخَذَهَا مِنْ يَدِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ وَهَرَبَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَى نَصِيبِينَ ثُمَّ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ ثُمَّ لَحِقَهُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ، فَصَارَ إِلَى أَخِيهِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بِحَلَبَ، ثُمَّ رَاسَلَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ فِي الْمُصَالَحَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَوَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى حَمْلِ كُلِّ سَنَةٍ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَتِسْعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَرَجَعَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَادَ بَعْدَ انْعِقَادِ الصُّلْحِ.
وَفِيهَا بَعَثَ الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ مَوْلَاهُ أَبَا الْحَسَنِ جَوْهَرًا الْقَائِدَ فِي جُيُوشٍ، وَمَعَهُ زِيرِي بْنُ مَنَادٍ الصَّنْهَاجِيُّ، فَفَتَحُوا بِلَادًا كَثِيرَةً مِنْ أَقْصَى الْمَغْرِبِ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْبَحْرِ الْمُحِيطِ، فَأَمَرَ جَوْهَرُ بِأَنْ يُصْطَادَ لَهُ مِنْهُ سَمَكٌ، فَأَرْسَلَ بِهِ فِي قِلَالِ الْمَاءِ إِلَى

الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ، وَحَظِيَ جَوْهَرُ عِنْدَهُ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ حَتَّى صَارَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَزِيرِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَسْدَابَاذِيُّ رَحَلَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَطَوَّفَ الْأَقَالِيمَ، سَمِعَ الْحَسَنَ بْنَ سُفْيَانَ وَابْنَ خُزَيْمَةَ وَأَبَا يَعْلَى وَخَلْقًا، وَكَانَ حَافِظًا مُتْقِنًا صَدُوقًا، صَنَّفَ الشُّرُوحَ وَالْأَبْوَابَ.
أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ، صَاحِبُ " تَارِيخِ مِصْرَ ": هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ الْمِصْرِيُّ الْمُؤَرِّخُ، كَانَ حَافِظًا مُكْثِرًا خَبِيرًا بِأَيَّامِ النَّاسِ وَتَوَارِيخِهِمْ، لَهُ تَارِيخٌ مُفِيدٌ جِدًّا لِأَهْلِ مِصْرَ وَمَنْ وَرَدَ إِلَيْهَا.
وَلَهُ وَلَدٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ.
كَانَ مُنَجِّمًا، لَهُ زِيجٌ مُفِيدٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِ أَصْحَابُ هَذَا الْفَنِّ، كَمَا يَرْجِعُ الْمُحَدِّثُونَ إِلَى أَقْوَالِ أَبِيهِ وَمَا يُؤَرِّخُهُ وَيَنْقُلُهُ وَيَحْكِيهِ.
وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ السَّادِسَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ بِالْقَاهِرَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
ابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ النَّحْوِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتَوَيْهِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ،

أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ النَّحْوِيُّ سَكَنَ بَغْدَادَ وَسَمِعَ عَبَّاسًا الدُّورِيَّ وَابْنَ قُتَيْبَةَ وَالْمُبَرِّدَ، وَسَمِعَ مِنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَذَكَرَ لَهُ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ مُصَنَّفَاتٍ كَثِيرَةً مُفِيدَةً، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ وَالنَّحْوِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، أَبُو الْحَسَنِ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ قَاضِي بَغْدَادَ كَانَ حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، طَلَّابَةً لِلْحَدِيثِ، وَمَعَ هَذَا نُسِبَ إِلَى أَخْذِ الرِّشْوَةِ فِي الْأَحْكَامِ وَالْوِلَايَاتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ، الْخَاطِبُ الدِّمَشْقِيُّ وَأَظُنُّهُ الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ حَارَةُ الْخَاطِبِ مِنْ نَوَاحِي بَابِ الصَّغِيرِ، كَانَ خَطِيبَ دِمَشْقَ فِي أَيَّامِ الْإِخْشِيدِ وَكَانَ شَابًّا حَسَنَ الْوَجْهِ، مَلِيحَ الشَّكْلِ، كَامِلَ الْخُلُقِ تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، هَكَذَا أَرَّخَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا كَانَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ الرَّافِضَةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ، قُتِلَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَوَقَعَ حَرِيقٌ بِبَابِ الطَّاقِ، وَغَرِقَ فِي دِجْلَةَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْحُجَّاجِ مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ نَحْوٌ مِنْ سِتِّمِائَةِ نَفْسٍ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِيهَا دَخَلَتِ الرُّومُ طَرَسُوسَ وَالرُّهَا فَقَتَلُوا وَسَبَوْا، وَغَنِمُوا وَرَجَعُوا سَالِمِينَ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ.
وَفِيهَا قَلَّتِ الْأَمْطَارُ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ، وَاسْتَسْقَى النَّاسُ فَلَمْ يُسْقَوْا، وَظَهَرَ جَرَادٌ عَظِيمٌ فِي آذَارَ، فَأَكَلَ مَا نَبَتَ مِنَ الْخُضْرَاوَاتِ، فَاشْتَدَّ الْأَمْرُ جِدًّا، فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
وَفِيهَا عَادَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَادَ مِنَ الْمَوْصِلِ وَزَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنَ ابْنِ أَخِيهِ مُؤَيِّدِ الدَّوْلَةِ بْنِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَسَيَّرَهَا مَعَهُ إِلَى الرَّيِّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَيْبَانَ، أَبُو إِسْحَاقَ الْقِرْمِيسِينِيُّ شَيْخُ الصُّوفِيَّةِ بِالْجَبَلِ،

صَحِبَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيَّ، وَمِنْ جَيِّدِ كَلَامِهِ قَوْلُهُ: إِذَا سَكَنَ الْخَوْفُ الْقَلْبَ أَحْرَقَ مَوَاضِعَ الشَّهَوَاتِ مِنْهُ، وَطَرَدَ عَنْهُ الرَّغْبَةَ فِي الدُّنْيَا.
أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ إِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ، أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ الْفَقِيهُ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ، وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ وَأَبَا دَاوُدَ وَالْبَاغَنْدِيَّ وَابْنَ أَبِي الدُّنْيَا وَخَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانَ يَطْلُبُ الْحَدِيثَ مَاشِيًا حَافِيًا، وَقَدْ جَمَعَ الْمُسْنَدَ، وَصَنَّفَ فِي السُّنَنِ كِتَابًا كَبِيرًا، وَكَانَتْ لَهُ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ حَلْقَتَانِ ; وَاحِدَةٌ لِلْفِقْهِ وَأُخْرَى لِإِمْلَاءِ الْحَدِيثِ.
وَحَدَّثَ عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ رِزْقَوَيْهِ وَابْنُ شَاهِينَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ، وَيُفْطِرُ كُلَّ لَيْلَةٍ عَلَى رَغِيفٍ، وَيَعْزِلُ مِنْهُ لُقْمَةً، فَإِذَا كَانَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَكَلَ تِلْكَ اللُّقَمَ، وَتَصَدَّقَ بِرَغِيفِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ عَنْ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ قَرِيبًا مِنْ قَبْرِ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ الْحَافِي، رَحِمَهُ اللَّهُ.
جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرِ بْنِ الْقَاسِمِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَوَّاصُ الْمَعْرُوفُ

بِالْخُلْدِيِّ سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَحَدَّثَ كَثِيرًا، وَحَجَّ سِتِّينَ حِجَّةً، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا دَيِّنًا.
مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَبُو عَمْرٍو الزَّجَّاجِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ صَحِبَ أَبَا عُثْمَانَ وَالْجُنَيْدَ وَالنُّورِيَّ وَالْخَوَّاصَ وَغَيْرَهُمْ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ شَيْخَ الصُّوفِيَّةِ بِهَا، وَحَجَّ سِتِّينَ حِجَّةً، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَكَثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَتَغَوَّطْ وَلَمْ يَبُلْ إِلَّا خَارِجَ الْحَرَمِ بِالْكُلِّيَّةِ.
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ فَضَالَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، أَبُو بَكْرٍ الْأَدَمِيُّ صَاحِبُ الْأَلْحَانِ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتًا بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَرُبَّمَا سَمِعَ أَهْلُ كَلْوَاذَا صَوْتَهُ مِنْ بَغْدَادَ فِي اللَّيْلِ.
وَحَجَّ مَرَّةً مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ، فَلَمَّا كَانُوا بِالْمَدِينَةِ رَأَوْا شَيْخًا أَعْمَى يَقُصُّ عَلَى النَّاسِ أَخْبَارًا مَوْضُوعَةً، فَقَالَ الْبَغَوِيُّ: يَنْبَغِي الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْجَمَاعَةِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِبَغْدَادَ يَعْرِفُكَ النَّاسُ، وَالْجَمْعُ كَثِيرٌ هَاهُنَا، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تَأْمُرَ أَبَا بَكْرٍ الْأَدَمِيَّ فَيَقْرَأَ لَنَا.
فَاسْتَفْتَحَ، فَقَرَأَ، فَانْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَتَرَكُوا

الْأَعْمَى فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ أَحَدٌ فَأَخَذَ الْأَعْمَى بِيَدِ قَائِدِهِ، وَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ بِي، هَكَذَا تَزُولُ النِّعَمُ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، عَنْ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
وَقَدْ رَآهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِمُدَّةٍ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: أَوْقَفَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَاسَيْتُ شَدَائِدَ.
فَقُلْتُ لَهُ: فَتِلْكَ اللَّيَالِي وَالْمَوَاقِفُ وَالْقِرَاءَةُ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ شَيْءٌ أَضَرَّ عَلَيَّ مِنْهَا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ لِلدُّنْيَا، فَقُلْتُ: فَإِلَى أَيِّ شَيْءٍ انْتَهِي أَمْرُكَ.
فَقَالَ: قَالَ لِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أُعَذِّبَ أَبْنَاءَ الثَّمَانِينَ.
أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ طَبَاطَبَا بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيُّ الْمِصْرِيُّ، كَانَ مِنْ سَادَاتِهَا وَكُرَمَائِهَا وَأَجْوَادِهَا، لَا تَزَالُ الْحَلْوَاءُ تُعْقَدُ بِدَارِهِ، وَلَا يَزَالُ رَجُلٌ يَكْسِرُ اللَّوْزَ بِسَبَبِهَا كُلَّ يَوْمٍ بِبَابِهِ، وَلِلنَّاسِ عَلَيْهِ رَوَاتِبُ الْحَلْوَاءِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُهْدَى إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ، وَمِنْهُمْ فِي الْجُمُعَةِ، وَفِي الشَّهْرِ.

وَكَانَ لِكَافُورٍ الْإِخْشِيدِيِّ فِي كُلِّ يَوْمٍ جَامَانِ وَرَغِيفٌ مِنَ الْحُوَّارَى، وَلَمَّا قَدِمَ الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ إِلَى الْقَاهِرَةِ تَلَقَّاهُ وَسَأَلَهُ: إِلَى مَنْ يَنْتَسِبُ مَوْلَانَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ فَقَالَ: الْجَوَابُ إِلَى أَهْلِ الْبَلَدِ.
فَلَمَّا دَخَلَ الْقَصْرَ جَمَعَ الْأَشْرَافَ، وَسَلَّ نِصْفَ سَيْفِهِ، وَقَالَ: هَذَا نَسَبِي، ثُمَّ نَثَرَ عَلَيْهِمُ الذَّهَبَ، وَقَالَ: هَذَا حَسَبِي، فَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْقَائِلَ لِلْمُعِزِّ هَذَا الْكَلَامَ ابْنُ هَذَا أَوْ شَرِيفٌ آخَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ; فَإِنَّ وَفَاةَ هَذَا كَانَتْ فِي هَذَا الْعَامِ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَالْمُعِزُّ إِنَّمَا قَدِمَ مِصْرَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، كَمَا سَيَأْتِي.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا ظَهَرَ رَجُلٌ بِأَذْرَبِيجَانَ مِنْ أَوْلَادِ عِيسَى بْنِ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ، فَتَلَقَّبَ بِالْمُسْتَجِيرِ بِاللَّهِ، وَدَعَا إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَذَلِكَ لِفَسَادِ دَوْلَةِ الْمَرْزُبَانِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا كَثِيرًا، ثُمَّ انْهَزَمَ أَصْحَابُ الْمُسْتَجِيرِ، وَأُخِذَ أَسِيرًا فَمَاتَ، وَاضْمَحَلَّ أَمْرُهُ.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِيهَا دَخَلَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ بِلَادَ الرُّومِ، فَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهَا خَلْقًا كَثِيرًا، وَفَتَحَ حُصُونًا، وَأَحْرَقَ بِلَادًا كَثِيرَةً، وَسَبَى وَغَنِمَ، وَكَرَّ رَاجِعًا، فَأَخَذَتْ عَلَيْهِ الرُّومُ الدَّرْبَ فَمَنَعُوهُ مِنَ الرُّجُوعِ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِي أَصْحَابِهِ، فَمَا نَجَا فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ إِلَّا بَعْدَ جَهْدٍ جَهِيدٍ.
وَفِيهَا كَانَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بِبَغْدَادَ بَيْنَ الرَّافِضَةِ وَالسُّنَّةِ، قُتِلَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ.
وَفِيهَا فِي آخِرِهَا تُوُفِّيَ أَنُوجُورُ بْنُ الْإِخْشِيدِ صَاحِبُ مِصْرَ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ أَخُوهُ عَلِيٌّ.
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيُّ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ الْأَهْوَازِ وَوَاسِطٍ.
وَفِيهَا رَجَعَ حَجِيجُ مِصْرَ مِنْ مَكَّةَ فَنَزَلُوا وَادِيًا، فَجَاءَهُمْ سَيْلٌ فَأَخَذَهُمْ

كُلَّهُمْ، فَأَلْقَاهُمْ فِي الْبَحْرِ عَنْ آخِرِهِمْ.
وَفِيهَا أَسْلَمَ مِنَ التُّرْكِ مِائَتَا أَلْفِ خَرْكَاهْ، فَسُمُّوا تُرْكَ إِيمَانٍ، ثُمَّ خُفِّفَ اللَّفْظُ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: تُرْكُمَانُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: جَعْفَرُ بْنُ حَرْبٍ الْكَاتِبُ كَانَتْ لَهُ نِعْمَةٌ وَثَرْوَةٌ عَظِيمَةٌ تُقَارِبُ أُبَّهَةَ الْوُزَرَاءِ، فَاجْتَازَ يَوْمًا وَهُوَ رَاكِبٌ فِي مَوْكِبٍ لَهُ عَظِيمٍ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: 16] فَصَاحَ: اللَّهُمَّ بَلَى.
وَكَرَّرَهَا دَفَعَاتٍ، ثُمَّ بَكَى، ثُمَّ نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ، نَزَعَ ثِيَابَهُ، وَدَخَلَ إِلَى دِجْلَةَ، فَاسْتَتَرَ بِالْمَاءِ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ حَتَّى فَرَّقَ جَمِيعَ مَالِهِ فِي الْمَظَالِمِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ، وَرَدَّهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَتَصَدَّقَ بِالْبَاقِي، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ بِالْكُلِّيَّةِ، فَاجْتَازَ بِهِ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِثَوْبَيْنِ، فَلَبِسَهُمَا وَخَرَجَ، فَانْقَطَعَ إِلَى الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ حَتَّى مَاتَ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ دَاوُدَ، أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ النَّيْسَابُورِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ الْمُكْثِرِينَ الْمُصَنِّفِينَ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كَانَ إِمَامًا مُهَذَّبًا.

وَكَانَ ابْنُ عُقْدَةَ لَا يَتَوَاضَعُ لِأَحَدٍ كَتَوَاضُعِهِ لَهُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ.
حَسَّانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ، أَبُو الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، إِمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِخُرَاسَانَ فِي زَمَانِهِ، وَأَزْهَدُهُمْ وَأَعْبَدُهُمْ، أَخَذَ الْفِقْهَ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ، وَلَهُ التَّصَانِيفُ الْمُفِيدَةُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرْجَمَتَهُ فِي طَبَقَاتِ الشَّافِعِيِّينَ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، عَنْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
حَمْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَصَنَّفَ التَّصَانِيفَ، مِنْهَا: " الْمَعَالِمُ " شَرَحَ فِيهَا سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ،

وَ " الْأَعْلَامُ " شَرَحَ فِيهِ الْبُخَارِيَّ وَ " غَرِيبُ الْحَدِيثِ ". وَلَهُ فَهْمٌ مَلِيحٌ، وَعِلْمٌ غَزِيرٌ، وَمَعْرِفَةٌ بِاللُّغَةِ وَالْمَعَانِي وَالْفِقْهِ.
وَمِنْ أَشْعَارِهِ: مَا دُمْتَ حَيًّا فَدَارِ النَّاسَ كُلَّهُمُ ... فَإِنَّمَا أَنْتَ فِي دَارِ الْمُدَارَاةِ مَنْ يَدْرِ دَارَى وَمَنْ لَمْ يَدْرِ سَوْفَ يُرَى ... عَمَّا قَلِيلٍ نَدِيمًا لِلنَّدَامَاتِ هَكَذَا تَرْجَمَهُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُنْتَظَمِهِ حَرْفًا بِحَرْفٍ.
عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ كَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِحُرُوفِ الْقُرْآنِ وَوُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٌ، وَكَانَ مِنَ الْأُمَنَاءِ الثِّقَاتِ، رَوَى عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ، وَعَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ الْحَمَّامِيُّ.
تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الْخَيْزُرَانِ.
أَبُو أَحْمَدَ الْعَسَّالُ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَبُو أَحْمَدَ الْعَسَّالُ الْأَصْبَهَانِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ وَأَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَحَدَّثَ بِهِ.

قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: كَتَبْتُ عَنْ أَلْفِ شَيْخٍ لَمْ أَرَ فِيهِمْ أَتْقَنَ مِنْ أَبِي أَحْمَدَ الْعَسَّالِ.
تُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ مِنْهَا.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا مَرِضَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ بِانْحِصَارِ الْبَوْلِ، فَقَلِقَ مِنْ ذَلِكَ، وَجَمَعَ بَيْنَ حَاجِبِهِ سُبُكْتِكِينَ وَوَزِيرِهِ الْمُهَلَّبِيِّ، وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا وَوَصَّاهُمَا بِوَلَدِهِ بَخْتِيَارَ خَيْرًا، ثُمَّ عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ، فَعَزَمَ عَلَى الرَّحِيلِ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَاعْتَقَدَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ مِنْ هَوَاءِ بَغْدَادَ وَمَائِهَا، فَأُشِيرَ عَلَيْهِ بِالْمُقَامِ بِهَا، وَأَنْ يَبْنِيَ بِهَا دَارًا فِي أَعْلَاهَا حَيْثُ الْهَوَاءُ أَرَقُّ وَالْمَاءُ أَصْفَى، فَبَنَى لَهُ دَارًا غَرِمَ عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَاحْتَاجَ لِذَلِكَ أَنْ يُصَادِرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ وَيُقَالُ: أَنْفَقَ عَلَى هَذِهِ الدَّارِ أَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَمَاتَ وَهُوَ يَبْنِي فِيهَا، وَقَدْ خَرَّبَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنْ مَعَالِمِ بَغْدَادَ فِي بِنَائِهَا، وَكَانَ مِمَّا خَرَّبَ فِيهَا الْمَعْشُوقُ مِنْ سُرَّ مَنْ رَأَى، وَقَلَعَ الْأَبْوَابَ الْحَدِيدَ الَّتِي عَلَى مَدِينَةِ الْمَنْصُورِ وَالرُّصَافَةِ وَقَصْرِهَا، وَحَوَّلَهَا إِلَى دَارِهِ هَذِهِ لَا تَمَّتْ فَرْحَتُهُ بِهَا.
وَفِيهَا مَاتَ الْقَاضِي أَبُو السَّائِبِ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقُبِضَتْ أَمْلَاكُهُ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ الْقَضَاءَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، وَضَمِنَ أَنْ يُؤَدِّيَ فِي كُلِّ سَنَةٍ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ، وَسَارَ وَمَعَهُ الدَّبَادِبُ وَالْبُوقَاتُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ ضَمِنَ الْقَضَاءَ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْخَلِيفَةُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ

فِي الْحُضُورِ عِنْدَهُ وَلَا فِي حُضُورِ الْمَوْكِبِ لِأَجْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ ضَمِنَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ الشُّرْطَةَ وَضَمِنَ الْحِسْبَةَ أَيْضًا.
وَفِيهَا سَارَ قَفَلٌ مِنْ أَنْطَاكِيَةَ يُرِيدُونَ طَرَسُوسَ وَفِيهِمْ نَائِبُ أَنْطَاكِيَةَ فَثَارَ عَلَيْهِمُ الْفِرِنْجُ، فَأَخَذُوهُمْ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ سِوَى النَّائِبِ جَرِيحًا فِي مَوَاضِعَ مِنْ بَدَنِهِ.
وَفِيهَا دَخَلَ نَجَا غُلَامُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بِلَادَ الرُّومِ، فَقَتَلَ وَسَبَى وَغَنِمَ، وَرَجَعَ سَالِمًا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ نُوحٍ صَاحِبُ خُرَاسَانَ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ، فَمَاتَ، فَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ أَخُوهُ مَنْصُورُ بْنُ نُوحٍ السَّامَانِيُّ وَفِيهَا تُوُفِّيَ النَّاصِرُ لِدِينِ اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ خَمْسِينَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ يَوْمَ مَاتَ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَتَرَكَ أَحَدَ عَشَرَ وَلَدًا، وَكَانَ أَبْيَضَ حَسَنَ الْوَجْهِ، عَظِيمَ الْجِسْمِ، طَوِيلَ الظَّهْرِ، قَصِيرَ السَّاقَيْنِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَلَقَّبَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَوْلَادِ الْأُمَوِيِّينَ الدَّاخِلِينَ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُ ضَعْفُ الْخُلَفَاءِ بِالْعِرَاقِ، وَتَغَلُّبُ الْفَاطِمِيِّينَ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ، فَتَلَقَّبَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ قَامَ

بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ الْحَكَمُ، وَتَلَقَّبَ بِالْمُسْتَنْصِرِ، وَمِنْ جُمْلَةِ أَوْلَادِ النَّاصِرِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ نَاسِكًا شَاعِرًا، وَلَا يُعْرَفُ فِي الْخُلَفَاءِ أَطْوَلَ مُدَّةً مِنَ النَّاصِرِ الْأُمَوِيِّ - فَإِنَّهُ مَكَثَ خَمْسِينَ سَنَةً - سِوَى الْمُسْتَنْصِرِ بْنِ الْحَاكِمِ الْفَاطِمِيِّ صَاحِبِ مِصْرَ، فَإِنَّهُ مَكَثَ سِتِّينَ سَنَةً، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَبُو سَهْلِ بْنُ زِيَادٍ الْقَطَّانُ، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، أَبُو سَهْلٍ الْقَطَّانُ كَانَ ثِقَةً حَافِظًا كَثِيرَ التِّلَاوَةِ لِلْقُرْآنِ، حَسَنَ الِانْتِزَاعِ لِلْمَعَانِي مِنْهُ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى تَكْفِيرِ الْمُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: 156] إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَيَانٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْخُطَبِيُّ، سَمِعَ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي أُسَامَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ الْكُدَيْمِيَّ وَغَيْرَهُمْ، وَعَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَكَانَ ثِقَةً حَافِظًا فَاضِلًا نَبِيلًا عَارِفًا بِأَيَّامِ النَّاسِ وَالْخُلَفَاءِ، وَلَهُ تَارِيخٌ مُرَتَّبٌ عَلَى السِّنِينَ، وَكَانَ أَدِيبًا لَبِيبًا عَاقِلًا صَدُوقًا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ إِحْدَى وَثَمَانِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ.

أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ الْوَرَّاقُ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ فُطَيْسٍ، وَكَانَ حَسَنَ الْكِتَابَةِ مَشْهُورًا بِهَا، وَكَانَ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ لِابْنِ جَوْصَا تَرْجَمَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَأَرَّخَ وَفَاتَهُ بِثَانِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
تَمَّامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَبُو بَكْرٍ الْهَاشِمِيُّ الْعَبَّاسِيُّ حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، وَعَنْهُ ابْنُ رِزْقَوَيْهِ، تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ إِحْدَى وَثَمَانِينَ سَنَةً أَيْضًا، رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، أَحَدُ الْأَئِمَّةِ، لَهُ " الْمُحَرَّرُ " فِي الْخِلَافِ، وَهُوَ أَوَّلُ مُصَنِّفٍ فِيهِ، وَلَهُ " الْإِفْصَاحُ " فِي الْمَذْهَبِ، وَكِتَابٌ فِي الْجَدَلِ، وَكِتَابٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " الطَّبَقَاتِ ". عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عِيسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ

الْمَنْصُورُ، أَبُو جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ الْإِمَامُ وَيُعْرَفُ بِابْنِ بُرَيْهٍ، وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، رَوَى عَنِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ ابْنُ رِزْقَوَيْهِ، وَكَانَ خَطِيبًا بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَقَدْ خَطَبَ فِيهِ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَبْلَهَا بِمِائَةِ سَنَةٍ خَطَبَ فِيهِ الْوَاثِقُ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُمَا فِي النَّسَبِ إِلَى الْمَنْصُورِ سَوَاءٌ.
تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ مِنْهَا.
عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو السَّائِبِ الْهَمَذَانِيُّ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ، كَانَ فَاضِلًا بَارِعًا، تَقَدَّمَ.
وَوَلِيَ الْقَضَاءَ، وَكَانَ فِيهِ تَخْلِيطٌ فِي الْأُمُورِ، وَقَدْ رَآهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي، وَأَمَرَ بِي إِلَى الْجَنَّةِ عَلَى مَا كَانَ مِنِّي مِنَ التَّخْلِيطِ، وَقَالَ لِي: إِنِّي آلَيْتُ أَنْ لَا أُعَذِّبَ أَبْنَاءَ الثَّمَانِينَ.
وَهَذَا الرَّجُلُ أَوَّلُ مَنْ وَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَنْبِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رَاجِيَانَ أَبُو بَكْرٍ الدِّهْقَانُ،

بَغْدَادِيٌّ، سَكَنَ بُخَارَى، وَحَدَّثَ بِهَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْحَسَنِ بْنِ مُكْرَمٍ وَغَيْرِهِمَا، وَتُوُفِّيَ عَنْ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
أَبُو عَلِيٍّ الْخَازِنُ تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ مِنْهَا، فَوُجِدَ فِي دَارِهِ مِنَ الدَّفَائِنِ وَعِنْدَ النَّاسِ مِنَ الْوَدَائِعِ مَا يُقَارِبُ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

دُخُولُ الرُّومِ إِلَى حَلَبَ فِيهَا دَخَلَ الدُّمُسْتُقُ مَلِكُ الرُّومِ - لَعَنَهُ اللَّهُ - إِلَى حَلَبَ فِي مِائَتَيْ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَيْهَا بَغْتَةً، فَنَهَضَ إِلَيْهِ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ بِمَنْ حَضَرَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَاتَلَهُ فَلَمْ يَقْوَ بِهِ لِكَثْرَةِ جُنُودِهِ، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ قَلِيلَ الصَّبْرِ، فَفَرَّ مُنْهَزِمًا فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا اسْتَفْتَحَ بِهِ أَنِ اسْتَحْوَذَ عَلَى دَارِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ ظَاهِرَ الْبَلَدِ، فَأَخَذَ مِنْهَا أَمْوَالًا عَظِيمَةً وَحَوَاصِلَ، وَعُدَدًا لِلْحَرْبِ لَا تُحْصَى كَثْرَةً، ثُمَّ تَدَنَّى فَحَاصَرَ السُّورَ، فَقَاتَلَ أَهْلَ الْبَلَدِ دُونَهُ قِتَالًا عَظِيمًا، وَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الرُّومِ، وَثَلَمَتِ الرُّومُ فِي السُّورِ ثُلْمَةً عَظِيمَةً، فَوَقَفَ فِيهَا الرُّومُ، فَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، فَأَزَاحُوهُمْ عَنْهَا، فَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ جَدَّ الْمُسْلِمُونَ فِي عِمَارَتِهَا، فَمَا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ إِلَّا وَهِيَ كَمَا كَانَتْ، وَحَفِظُوا السُّورَ حِفْظًا عَظِيمًا، ثُمَّ بَلَغَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ رَجَّالَةَ الشُّرَطِ قَدْ عَاثُوا فِي الْبَلَدِ يَنْهَبُونَ الدُّورَ، فَرَجَعَ النَّاسُ إِلَى مَنَازِلِهِمْ يَمْنَعُونَهَا مِنْهُمْ، وَغَلَبَتِ الرُّومُ عَلَى السُّورِ، فَعَلَوْهُ وَدَخَلُوا الْبَلَدَ يَقْتُلُونَ مَنْ لَقُوهُ، فَقَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَانْتَهَبُوا الْأَمْوَالَ وَالْأَوْلَادَ وَالنِّسَاءَ، وَخَلَّصُوا مَنْ كَانَ

بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ أُسَارَى الرُّومِ، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، فَأَخَذُوا السُّيُوفَ فَقَاتَلُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وَكَانُوا أَضْرَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَسَرُوا نَحْوًا مِنْ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا مَا بَيْنَ صَبِيٍّ وَصَبِيَّةٍ، وَمِنَ النِّسَاءِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَمِنَ الرِّجَالِ أَلْفَيْنِ، وَخَرَّبُوا الْمَسَاجِدَ وَأَحْرَقُوهَا، وَصَبُّوا فِي جِبَابِ الزَّيْتِ الْمَاءَ حَتَّى فَاضَ الزَّيْتُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَهَلَكَ، وَكُلُّ شَيْءٍ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى حَمْلِهِ أَحْرَقُوهُ، وَأَقَامُوا فِي الْبَلَدِ تِسْعَةَ أَيَّامٍ يَفْعَلُونَ هَذِهِ الْمَفَاسِدَ الْعَظِيمَةَ، ثُمَّ عَزَمَ الدُّمُسْتُقُ عَلَى الِانْصِرَافِ خَوْفًا مِنْ رُجُوعِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ أُخْتِهِ: أَتَذْهَبُ وَتَتْرُكُ الْقَلْعَةَ وَرَاءَكَ؟ فَقَالَ لَهُ: إِنَّا قَدْ بَلَغْنَا فَوْقَ مَا كُنَّا نُؤَمِّلُهُ، وَإِنَّ بِهَا مُقَاتِلَةً وَرِجَالًا غُزَاةً، فَقَالَ: لَا بُدَّ لَنَا مِنْهَا.
فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلَيْهَا.
فَصَمَدَ إِلَيْهَا لِيُحَاصِرَهَا فَرَمَوْهُ بِحَجَرٍ، فَقَتَلَهُ فِي السَّاعَةِ الرَّاهِنَةِ مِنْ بَيْنِ الْجَيْشِ كُلِّهِ، فَغَضِبَ الدُّمُسْتُقُ عِنْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِإِحْضَارِ مَنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانُوا قَرِيبًا مِنْ أَلْفَيْنِ، فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا، قَبَّحَهُ اللَّهُ وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ دَخَلُوا عَيْنَ زَرْبَةَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَاسْتَأْمَنَهُمْ أَهْلُهَا فَأَمَّنَهُمُ الْمَلِكُ، وَأَمَرَ بِأَنْ يَدْخُلُوا كُلُّهُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَمَنْ بَقِيَ فِي مَنْزِلِهِ قُتِلَ، فَصَارَ أَهْلُهَا كُلُّهُمْ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ مِنْهُمْ قُتِلَ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَبْقَيْنَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْيَوْمَ إِلَّا ذَهَبَ حَيْثُ شَاءَ، وَمَنْ تَأَخَّرَ قُتِلَ، فَازْدَحَمُوا فِي خُرُوجِهِمْ مِنَ

الْمَسْجِدِ، فَمَاتَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَخَرَجُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ لَا يَدْرُونَ أَيْنَ يَذْهَبُونَ، فَمَاتَ فِي الطُّرُقَاتِ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ هَدَمَ الْجَامِعَ، وَكَسَرَ الْمِنْبَرَ، وَقَطَعَ مِنْ حَوْلِ الْبَلَدِ أَرْبَعِينَ أَلْفَ نَخْلَةٍ، وَهَدَمَ سُورَ الْبَلَدِ وَالْمَنَازِلَ الْمُشَارَ إِلَيْهَا مِنْهَا، وَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً، وَفَتَحَ حَوْلَهَا أَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ حِصْنًا، بَعْضُهَا بِالسَّيْفِ وَبَعْضُهَا بِالْأَمَانِ، وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَسَرَتِ الرُّومُ أَبَا فِرَاسِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ نَائِبَ مَنْبِجَ مِنْ جِهَةِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ شَاعِرًا مُطْبِقًا، لَهُ دِيوَانٌ حَسَنٌ.
وَكَانَ مُدَّةُ مُقَامِهِ بِعَيْنِ زَرْبَةَ أَحَدًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى قَيْسَارِيَّةَ فَلَقِيَهُ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ طَرَسُوسَ مَعَ نَائِبِهَا ابْنِ الزَّيَّاتِ فَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ، وَأَدْرَكَهُ صَوْمُ النَّصَارَى فَاشْتَغَلَ بِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُ، ثُمَّ هَجَمَ عَلَى حَلَبَ بَغْتَةً، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَتَبَتِ الْعَامَّةُ مِنَ الرَّوَافِضِ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ بِبَغْدَادَ: لَعَنَ اللَّهُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَلَعَنَ مَنْ غَصَبَ فَاطِمَةَ فَدَكَ - يَعْنُونَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمَنْ أَخْرَجَ الْعَبَّاسَ مِنَ الشُّورَى - يَعْنُونَ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمَنْ نَفَى أَبَا ذَرٍّ - يَعْنُونَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمَنْ مَنَعَ دَفْنَ الْحَسَنِ عِنْدَ جَدِّهِ - يَعْنُونَ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ -، وَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ لَمْ يُنْكِرْهُ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ، ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ مَحَوْا ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِأَنْ يُكْتَبَ: لَعَنَ اللَّهُ الظَّالِمِينَ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وَالتَّصْرِيحِ بِاسْمِ مُعَاوِيَةَ فِي اللَّعْنِ، فَكُتِبَ ذَلِكَ.
قَبَّحَ اللَّهُ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ وَشِيعَتَهُ مِنَ الرَّوَافِضِ، وَكَذَلِكَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ بِحَلَبَ فِيهِ تَشَيُّعٌ وَمَيْلٌ إِلَى الرَّوَافِضِ، وَلَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَنْصُرُ أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ، وَيُدِيلُ عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ ; لِمُتَابَعَتِهِمْ أَهْوَاءَهُمْ، وَتَقْلِيدِهِمْ سَادَتَهُمْ وَكُبَرَاءَهُمْ وَآبَاءَهُمْ، وَتَرْكِ

مُتَابَعَتِهِمْ أَنْبِيَاءَهُمْ وَعُلَمَاءَهُمْ، وَلِهَذَا لَمَّا مَلَكَتِ الْفَاطِمِيَّةُ بِلَادَ الشَّامِ ; اسْتَحْوَذَ عَلَى سَوَاحِلِهَا كُلِّهَا حَتَّى بَيْتِ الْمَقْدِسِ الْفِرِنْجُ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ سِوَى حَلَبَ وَحِمْصَ وَحَمَاةَ وَدِمَشْقَ وَبَعْضِ أَعْمَالِهَا، وَجَمِيعُ السَّوَاحِلِ مَعَ الْفِرِنْجِ وَالنَّوَاقِيسُ النَّصْرَانِيَّةُ وَالْقُسُوسُ الْإِنْجِيلِيَّةُ تَنْعَرُ فِي الشَّوَاهِقِ مِنَ الْحُصُونِ وَالْقِلَاعِ، وَتَكْنُو فِي أَمَاكِنِ الْمَسَاجِدِ وَشَرِيفِ الْبِقَاعِ.
وَفِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ بِسَبَبِ الْمَذَاهِبِ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ.
وَفِيهَا أَعَادَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بِنَاءَ عَيْنِ زَرْبَةَ وَبَعَثَ مَوْلَاهُ نَجَا، فَدَخَلَ بِلَادَ الرُّومِ، فَقَتَلَ مِنْهَا خَلْقًا كَثِيرًا وَسَبَى جَمًّا غَفِيرًا، وَغَنِمَ وَسَلِمَ، وَبَعَثَ حَاجِبَهُ مَعَ جَيْشِ طَرَسُوسَ فَدَخَلُوا بِلَادَ الرُّومِ فَغَنِمُوا وَسَبَوْا وَرَجَعُوا سَالِمِينَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِيهَا فَتَحَ الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ حِصْنَ طَبَرْمِينَ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ - وَكَانَ مِنْ أَحْصَنِ بِلَادِ الْفِرِنْجِ - افْتَتَحَهُ قَسْرًا بَعْدَ مُحَاصَرَةٍ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفَ شَهْرٍ.
وَقَصَدَتِ الْفِرِنْجُ جَزِيرَةَ أَقْرِيطِشَ فَاسْتَنْجَدَ أَهْلُهَا بِالْمُعِزِّ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا، فَانْتَصَرُوا عَلَى الْفِرِنْجِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ الْوَزِيرُ لِمُعِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، مَكَثَ وَزِيرًا فِي وِزَارَتِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ فِيهِ حِلْمٌ وَكَرَمٌ وَأَنَاةٌ.
حَكَى أَبُو إِسْحَاقَ الصَّابِئُ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَهُ وَقَدْ جِيءَ بِدَوَاةٍ قَدْ صُنِعَتْ لَهُ وَمِرْفَعٍ قَدْ حُلِّيَا بِحِلْيَةٍ كَثِيرَةٍ، فَقَالَ لِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشِّيرَازِيُّ - سِرًّا بَيْنِي وَبَيْنَهُ -: مَا كَانَ أَحْوَجَنِي إِلَيْهَا لِأَبِيعَهَا وَأَنْتَفِعَ بِهَا، فَقُلْتُ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَفْعَلُ الْوَزِيرُ؟ فَقَالَ: يَدْخُلُ فِي حِرِ أُمِّهِ، فَسَمِعَهَا الْوَزِيرُ وَهُوَ مُصْغٍ إِلَيْنَا وَلَا نَشْعُرُ، فَلَمَّا أَمْسَى بَعَثَ بِالدَّوَاةِ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيِّ وَمِرْفَعِهَا وَعَشْرَةِ ثِيَابٍ وَخَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَاصْطَنَعَ لَهُ غَيْرَهَا، فَاجْتَمَعْنَا يَوْمًا آخَرَ عِنْدَهُ، وَهُوَ يُوَقِّعُ مِنْ تِلْكَ الدَّوَاةِ الْجَدِيدَةِ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: هِيهِ، مَنْ مِنْكُمَا يُرِيدُهَا مَعَ الْإِعْفَاءِ مِنَ الدُّخُولِ؟ قَالَ: فَاسْتَحْيَيْنَا، وَعَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ سَمِعَ كَلَامَنَا يَوْمَئِذٍ، وَقُلْنَا: بَلْ يُمَتِّعُ اللَّهُ الْوَزِيرَ بِهَا، وَيُبْقِيهِ لِيَهَبَ أَلْفًا مِثْلَهَا.

تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ دَعْلَجَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَبُو مُحَمَّدٍ السِّجِسْتَانِيُّ الْمُعَدِّلُ، سَمِعَ بِخُرَاسَانَ وَحُلْوَانَ وَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَمَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ ذَوِي الْيَسَارِ وَالْمَشْهُورِينَ بِالْبِرِّ وَالْإِفْضَالِ، وَلَهُ صَدَقَاتٌ جَارِيَةٌ، وَأَوْقَافٌ دَارَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ بِبَغْدَادَ وَمَكَّةَ وَسِجِسْتَانَ.
وَكَانَتْ لَهُ دَارٌ عَظِيمَةٌ بِبَغْدَادَ، فَكَانَ يَقُولُ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُ بَغْدَادَ وَلَا فِي بَغْدَادَ مِثْلُ الْقَطِيعَةِ، وَلَا فِي الْقَطِيعَةِ مِثْلُ دَرْبِ أَبِي خَلَفٍ، وَلَيْسَ فِي دَرْبِ أَبِي خَلَفٍ مَثَلُ دَارِي.
وَصَنَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَهُ مُسْنَدًا، وَكَانَ إِذَا شَكَّ فِي حَدِيثٍ تَرَكَهُ، فَكَانَ الدَّارَقُطْنِيُّ يَقُولُ: لَمْ أَرَ فِي مَشَايِخِنَا أَثْبَتَ مِنْهُ.
وَقَدْ أَنْفَقَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَذَوِي الْحَاجَاتِ أَمْوَالًا جَزِيلَةً كَثِيرَةً جِدًّا، اقْتَرَضَ مِنْهُ بَعْضُ التُّجَّارِ عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ فَضَمِنَ بِهَا ضِيَاعًا، فَرَبَحَ فِي مُدَّةِ ثَلَاثِ سِنِينَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَعَزَلَ مِنْهَا عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِهَا، فَأَضَافَهُ دَعْلَجُ ضِيَافَةً حَسَنَةً، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ شَأْنِهَا قَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ لَهُ: هَذِهِ الدَّنَانِيرُ الَّتِي تَفَضَّلْتَ بِهَا قَدْ حَضَرَتْ.
فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنِّي لَمْ أُعْطِكَهَا لِتَرُدَّهَا،

فَحَلِّ بِهَا الْأَهْلَ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَبِحْتُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَهَذِهِ مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ دَعْلَجُ: اذْهَبْ بِهَا، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ.
فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ يَتَّسِعُ مَالُكَ لِهَذَا؟ وَمِنْ أَيْنَ أَفَدْتَ هَذَا الْمَالَ؟ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ فِي حَدَاثَةِ سِنِّي أَطْلُبُ الْحَدِيثَ، فَجَاءَنِي رِجُلٌ تَاجِرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرِ، فَدَفَعَ إِلَيَّ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ: اتَّجِرْ فِي هَذِهِ، فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحٍ فَبَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَمَا كَانَ مِنْ خَسَارَةٍ فَعَلَيَّ دُونَكَ، وَعَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ إِنْ وَجَدْتَ حَاجَةً أَوْ خَلَّةً فَسُدَّهَا مِنْ مَالِي هَذَا.
ثُمَّ جَاءَنِي فَقَالَ: إِنِّي سَأَرْكَبُ فِي الْبَحْرِ، فَإِنْ هَلَكْتُ، فَالْمَالُ فِي يَدِكَ عَلَى مَا شَرَطْتُ عَلَيْكَ.
فَهُوَ فِي يَدِي عَلَى مَا قَالَ.
ثُمَّ قَالَ لِي: لَا تُخْبِرْ بِهَذَا أَحَدًا مُدَّةَ حَيَاتِي.
فَلَمْ أُخْبِرْ بِهِ أَحَدًا حَتَّى مَاتَ.
وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ.
عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعِ بْنِ مَرْزُوقٍ أَبُو الْحُسَيْنِ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ، سَمِعَ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي أُسَامَةَ، وَعَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ وَالْحِفْظِ، وَلَكِنَّهُ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كَانَ يُخْطِئُ وَيُصِرُّ عَلَى الْخَطَأِ.
تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا.
أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ الْمُفَسِّرُ، مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادِ بْنِ هَارُونَ

بْنِ جَعْفَرٍ، أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ الْمُفَسِّرُ الْمُقْرِئُ، مَوْلَى أَبِي دُجَانَةَ سِمَاكِ بْنِ خَرَشَةَ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْمَوْصِلِ وَكَانَ عَالِمًا بِالتَّفْسِيرِ وَالْقِرَاءَاتِ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى عَنْ خَلْقٍ مِنَ الْمَشَايِخِ، وَحَدَّثَ عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ وَالْخُلْدِيُّ وَابْنُ شَاهِينَ وَابْنُ رِزْقَوَيْهِ وَخَلْقٌ، وَآخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، وَتَفَرَّدَ بِأَشْيَاءَ مُنْكَرَةٍ، وَقَدْ وَقَفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَخْطَائِهِ، فَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِتَكْذِيبِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَهُ كِتَابُ التَّفْسِيرِ الَّذِي سَمَّاهُ " شِفَاءَ الصُّدُورِ " فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ إِشْفَاءُ الصُّدُورِ.
وَقَدْ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا فِي نَفْسِهِ، عَابِدًا نَاسِكًا، حَكَى مَنْ حَضَرَهُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ يَدْعُو بِدُعَاءٍ، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ يَقُولُ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: 61] يُرَدِّدُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ خَرَجَتْ رُوحُهُ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ الثَّانِي مِنْ شَوَّالٍ مِنْهَا، وَدُفِنَ فِي دَارِهِ بِدَارِ الْقُطْنِ.
مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو بَكْرٍ الْحَرْبِيُّ الزَّاهِدُ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الضَّرِيرِ، كَانَ ثِقَةً عَابِدًا.
وَمِنْ قَوْلِهِ: دَافَعْتُ الشَّهَوَاتِ حَتَّى صَارَتْ شَهْوَتِي الْمُدَافَعَةُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِي عَاشِرِ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - أَنْ تُغْلَقَ الْأَسْوَاقُ وَأَنْ يَلْبَسَ النَّاسُ الْمُسُوحَ مِنَ الشَّعْرِ، وَأَنْ تَخْرُجَ النِّسَاءُ حَاسِرَاتٍ عَنْ وُجُوهِهِنَّ، نَاشِرَاتٍ شُعُورَهُنَّ فِي الْأَسْوَاقِ، يَلْطُمْنَ وُجُوهَهُنَّ، يَنُحْنَ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَفُعِلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُمْكِنْ أَهْلَ السُّنَّةِ مَنْعُ ذَلِكَ ; لِكَثْرَةِ الشِّيعَةِ، وَكَوْنِ السُّلْطَانِ مَعَهُمْ.
وَفِي ثَامِنَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا أَمَرَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بِإِظْهَارِ الزِّينَةِ بِبَغْدَادَ وَأَنْ تُفْتَحَ الْأَسْوَاقُ بِاللَّيْلِ كَمَا فِي الْأَعْيَادِ، وَأَنْ تُضْرَبَ الدَّبَادِبُ وَالْبُوقَاتُ، وَأَنْ تُشْعَلَ النِّيرَانُ بِأَبْوَابِ الْأُمَرَاءِ وَعِنْدَ الشُّرَطِ ; فَرَحًا بَعِيدِ الْغَدِيرِ - غَدِيرِ خُمٍّ - فَكَانَ وَقْتًا عَجِيبًا وَيَوْمًا مَشْهُودًا، وَبِدْعَةً ظَاهِرَةً مُنْكَرَةً.
وَفِيهَا أَغَارَتِ الْأَرْمَنُ عَلَى الرُّهَا فَقَتَلُوا وَأَسَرُوا، وَرَجَعُوا مُوقَرِينَ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - وَثَارَتِ الرُّومُ بِمَلِكِهِمْ فَقَتَلُوهُ، وَوَلَّوْا غَيْرَهُ، وَمَاتَ الدُّمُسْتُقُ مَلِكُ الْأَرْمَنِ، وَاسْمُهُ النِّقْفُورُ، وَهُوَ الَّذِي أَخَذَ حَلَبَ وَلِتُكْتَبَ تَرْجَمَتُهُ فِي آخِرِ الْجُزْءِ.

وَفِيهَا عُزِلَ ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ عَنِ الْقَضَاءِ، وَنُقِضَتْ سِجِلَّاتُهُ، وَأُبْطِلَتْ أَحْكَامُهُ مُدَّةَ أَيَّامِهِ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ أَبُو بِشْرٍ عُمَرُ بْنُ أَكْثَمَ بِلَا رِزْقٍ، وَرُفِعَ عَنْهُ مَا كَانَ يَحْمِلُهُ ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ اسْتَسْقَى النَّاسُ لِتَأَخُّرِ الْمَطَرِ وَذَلِكَ فِي كَانُونَ الثَّانِي.
وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظَمِ " عَنْ ثَابِتِ بْنِ سِنَانٍ الْمُؤَرِّخِ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِمْ أَنَّ بَعْضَ بَطَارِقَةِ الْأَرْمَنِ أَنْفَذَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْأَرْمَنِ مُلْتَصِقَيْنِ، سِنُّهُمَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، مُلْتَحِمَيْنِ وَمَعَهُمَا أَبُوهُمَا، وَلَهُمَا سُرَّتَانِ وَبِطَنَّانِ وَمَعِدَتَانِ، وَجُوعُهُمَا يَخْتَلِفُ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا يَمِيلُ إِلَى النِّسَاءِ، وَالْآخَرُ يَمِيلُ إِلَى الْغِلْمَانِ، وَكَانَ يَقَعُ بَيْنَهُمَا خُصُومَةٌ وَتَشَاجُرٌ، وَرُبَّمَا حَلَفَ أَحَدُهُمَا لَا يُكَلِّمُ الْآخَرَ، فَيَمْكُثُ كَذَلِكَ أَيَّامًا، ثُمَّ يَصْطَلِحَانِ، فَوَهَبَهُمَا نَاصِرُ الدَّوْلَةِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمَا، وَدَعَاهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمَا أَسْلَمَا.
وَأَرَادَ أَنْ يَبْعَثَهُمَا إِلَى بَغْدَادَ لِيَرَاهُمَا النَّاسُ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُمَا رَجَعَا إِلَى بَلَدِهِمَا

مَعَ أَبِيهِمَا، فَاعْتَلَّ أَحَدُهُمَا، وَمَاتَ وَأَنْتَنَ رِيحُهُ، وَبَقِيَ الْآخَرُ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ، وَقَدْ كَانَ اتِّصَالُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْخَاصِرَتَيْنِ، وَقَدْ كَانَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ أَرَادَ فَصْلَ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، وَجَمَعَ الْأَطِبَّاءَ لِذَلِكَ فَلَمْ يُمْكِنْ، فَلَمَّا مَاتَ أَحَدُهُمَا حَارَ أَبُوهُمَا فِي فَصْلِهِ عَنْ أَخِيهِ، فَاتَّفَقَ اعْتِلَالُ الْآخَرِ مِنْ غَمِّهِ وَنَتْنِ رَائِحَةِ أَخِيهِ، فَمَاتَ غَمًّا، فَدُفِنَا جَمِيعًا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: عُمَرُ بْنُ أَكْثَمَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَيَّانَ بْنِ بِشْرٍ، أَبُو بِشْرٍ الْأَسَدِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ فِي زَمَنِ الْمُطِيعِ نِيَابَةً عَنْ أَبِي السَّائِبِ عُتْبَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، ثُمَّ وَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ سِوَى أَبِي السَّائِبِ، وَكَانَ مَحْمُودَ السِّيرَةِ فِي الْقَضَاءِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِي عَاشِرِ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا عَمِلَتِ الرَّافِضَةُ عَزَاءَ الْحُسَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، فَاقْتَتَلَ الرَّوَافِضُ وَأَهْلُ السُّنَّةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْتُهِبَتِ الْأَمْوَالُ.
وَفِيهَا عَصَى نَجَا غُلَامُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي قَدْ صَادَرَ أَهْلَ حَرَّانِ وَأَخَذَ مِنْهُمْ أَمْوَالًا كَثِيرَةً فَتَمَرَّدَ بِهَا، وَذَهَبَ إِلَى بِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ فَأَخَذَ طَائِفَةً مِنْهَا مِنْ يَدِ رَجُلٍ مِنَ الْأَعْرَابِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو الْوَرْدِ، فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ مِنْ أَمْوَالِهِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهِ سَيْفُ الدَّوْلَةِ فَأَخَذَهُ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأُلْقِيَتْ جِيفَتُهُ فِي الْأَقْذَارِ وَمَحَلِّ الْجِيَفِ وَالنَّتَنِ.
وَفِيهَا جَاءَ الدُّمُسْتُقُ إِلَى الْمِصِّيصَةِ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ فَحَاصَرَهَا وَنَقَبَ سُورَهَا، فَدَافَعَهُ أَهْلُهَا، فَأَحْرَقَ رُسْتَاقَهَا، وَقَتَلَ مِمَّنْ حَوْلَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ

إِنْسَانٍ، وَعَاثُوا فَسَادًا فِي بِلَادِ أَذَنَةَ وَطَرَسُوسَ، وَكَرُّوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ.
وَفِيهَا قَصَدَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ الْمَوْصِلَ وَجَزِيرَةَ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْذَهَا مِنْ يَدِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، ثُمَّ سَارَ فِي طَلَبِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَكَرَّ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ فِي جَيْشٍ قَدْ هَيَّأَهُ، فَاسْتَرْجَعَ الْمُلْكَ مِنْ يَدِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَعَادَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ فَأَخَذَ الْمَوْصِلَ وَأَقَامَ بِهَا، فَرَاسَلَهُ فِي الصُّلْحِ صَاحِبُهَا، فَاصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْحِمْلُ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ أَبُو تَغْلِبَ بْنُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ وَلِيَّ عَهْدِ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ، فَأَجَابَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَكَرَّ رَاجِعًا إِلَى بَغْدَادَ بَعْدَ مَا جَرَتْ لَهُ خُطُوبٌ عَظِيمَةٌ طَوِيلَةٌ قَدِ اسْتَقْصَاهَا ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " كَامِلِهِ " وَبَسَطَهَا.
وَفِيهَا ظَهَرَ رَجُلٌ بِبِلَادِ الدَّيْلَمِ، وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ مِنْ أَوْلَادِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَيُعْرَفُ بِابْنِ الدَّاعِي، فَالْتَفَّ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَتَسَمَّى بِالْمَهْدِيِّ، وَكَانَ أَصْلُهُ مِنْ بَغْدَادَ وَعَظُمَ شَأْنُهُ بِتِلْكَ الْبِلَادِ، وَهَرَبَ مِنْهُ ابْنُ النَّاصِرِ الْعَلَوِيُّ.
وَفِيهَا قَصَدَ مَلِكُ الرُّومِ، وَفِي صُحْبَتِهِ الدُّمُسْتُقُ مَلِكُ الْأَرْمَنِ بِلَادَ طَرَسُوسَ فَحَاصَرُوهَا مُدَّةً، ثُمَّ غَلَتْ عَلَيْهِمُ الْأَسْعَارُ، وَأَخَذَ فِيهِمُ الْوَبَاءُ، فَمَاتَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، فَكَّرُوا رَاجِعِينَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: 25] . وَكَانَ مِنْ عَزْمِهِمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَسْتَحْوِذُونَ عَلَى الْبِلَادِ كُلِّهَا، فَرَجَعُوا خَاسِئِينَ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الْمَجَازِ بِبِلَادِ صِقِلِّيَّةَ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الرُّومِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَمِنَ الْفِرِنْجِ مَا يُقَارِبُ الْمِائَةَ أَلْفٍ، فَبَعَثَ أَهْلُ صِقِلِّيَّةَ إِلَى الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ يَسْتَنْجِدُونَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِجُيُوشٍ كَثِيرَةٍ فِي الْأُسْطُولِ، فَكَانَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ صَبَرَ فِيهَا الْفَرِيقَانِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ، ثُمَّ قُتِلَ أَمِيرُ الرُّومِ مَنْوِيلُ وَفَّرَتِ الرُّومُ وَانْهَزَمُوا هَزِيمَةً قَبِيحَةً، فَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَسَقَطَ الْفِرِنْجُ فِي وَادٍ مِنَ الْمَاءِ عَمِيقٍ فَغَرِقَ أَكْثَرُهُمْ، وَرَكِبَ الْبَاقُونَ فِي الْمَرَاكِبِ، فَبَعَثَ الْأَمِيرُ أَحْمَدُ صَاحِبُ صِقِلِّيَّةَ فِي آثَارِهِمْ مَرَاكِبَ أُخَرَ، فَقَتَلُوا أَكْثَرَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ شَيْئًا كَثِيرًا، مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالْأَمْتِعَةِ وَالْأَسْلِحَةِ، فَكَانَ فِي جُمْلَةِ ذَلِكَ سَيْفٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: هَذَا سَيْفٌ هِنْدِيٌّ زِنَتُهُ مِائَةٌ وَسَبْعُونَ مِثْقَالًا، طَالَمَا قُوتِلَ بِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبُعِثَ فِي جُمْلَةِ تُحَفٍ إِلَى الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ.
وَفِيهَا قَصَدَتِ الْقَرَامِطَةُ مَدِينَةَ طَبَرِيَّةَ لِيَأْخُذُوهَا مِنْ يَدِ الْإِخْشِيدِ صَاحِبِ مِصْرَ وَالشَّامِ، وَطَلَبُوا مِنْ سَيْفِ الدَّوْلَةِ أَنْ يَمُدَّهُمْ بِحَدِيدٍ يَتَّخِذُونَ مِنْهُ سِلَاحًا، فَقَلَعَ لَهُمْ أَبْوَابَ الرَّقَّةِ - وَكَانَتْ مِنْ حَدِيدٍ - حَتَّى أَخَذَ أَوَاقِيَّ الْبَاعَةِ، وَأَرْسَلَ

بِذَلِكَ كُلِّهِ إِلَيْهِمْ حَتَّى قَالُوا: اكْتَفَيْنَا.
وَفِيهَا طَلَبَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ مِنَ الْخَلِيفَةِ الْمُطِيعِ لِلَّهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي دُخُولِ دَارِ الْخِلَافَةِ لِيَتَفَرَّجَ فِيهَا، فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَهَا، فَبَعَثَ خَادِمَهُ وَحَاجِبَهُ مَعَهُ، فَطَافُوا مَعَهُ فِيهَا، وَهُوَ مُسْرِعٌ خَائِفٌ، ثُمَّ خَرَجَ وَقَدْ خَافَ مِنْ غَائِلَةِ ذَلِكَ، وَخَشِيَ أَنْ يُقْتَلَ فِي بَعْضِ الدَّهَالِيزِ، فَتَصَدَّقَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ لَمَّا خَرَجَ شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى سَلَامَتِهِ، وَازْدَادَ حُبًّا فِي الْخَلِيفَةِ الْمُطِيعِ لِلَّهِ مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَا رَأَى مِنَ الْعَجَائِبِ بِهَا صَنَمٌ مِنْ نُحَاسٍ عَلَى صُورَةِ امْرَأَةٍ حَسْنَاءَ جِدًّا، وَحَوْلَهَا أَصْنَامٌ صِغَارٌ فِي هَيْئَةِ الْخَدَمِ لَهَا، كَانَ قَدْ أُتِيَ بِهِ فِي زَمَنِ الْمُقْتَدِرِ، فَأُقِيمَ هُنَاكَ لِيَتَفَرَّجَ عَلَيْهِ الْجَوَارِي وَالنِّسَاءُ، فَهَمَّ الْمُعِزُّ أَنْ يَطْلُبَهُ مِنَ الْخَلِيفَةِ، ثُمَّ ارْتَأَى فَتَرَكَ ذَلِكَ.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا خَرَجَ رَجُلٌ بِالْكُوفَةِ، فَادَّعَى أَنَّهُ عَلَوِيٌّ، وَكَانَ يَتَبَرْقَعُ فَسُمِّي الْمُبَرْقَعَ، وَغَلُظَتْ قَضِيَّتُهُ وَبَعُدَ صِيتُهُ، وَذَلِكَ فِي غَيْبَةِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ عَنْ بَغْدَادَ وَاشْتِغَالِهِ بِأَمْرِ الْمَوْصِلِ وَنَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، فَلَمَّا تَوَطَّدَتِ الْأُمُورُ وَعَادَ إِلَى بَغْدَادَ اخْتَفَى الْمُبَرْقَعُ، وَذَهَبَ فِي الْبِلَادِ، فَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ أَمْرٌ بَعْدَ ذَلِكَ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: بَكَّارُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَكَّارِ بْنِ بُنَانِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ زِيَادِ بْنِ دَرَسْتَوَيْهِ،

أَبُو عِيسَى الْمُقْرِئُ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، وَعَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ الْحَمَّامِيُّ، وَكَانَ ثِقَةً، أَقْرَأَ الْقُرْآنَ أَزْيَدَ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ وَقَارَبَ الثَّمَانِينَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الْخَيْزُرَانِ عِنْدَ قَبْرِ أَبِي حَنِيفَةَ.
أَبُو إِسْحَاقَ الْهُجَيْمِيُّ وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ إِذَا سُئِلَ أَنْ يُحَدِّثَ يُقْسِمُ أَنْ لَا يُحَدِّثَ حَتَّى يُجَاوِزَ الْمِائَةَ، فَأَبِرَّ اللَّهُ قَسَمَهُ، وَجَاوَزَهَا فَأَسْمَعَ.
تُوُفِّيَ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ وَثَلَاثِ سِنِينَ.
رَحِمَهُ اللَّهُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِي عَاشِرِ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا عَمِلَتِ الشِّيعَةُ الْمَآتِمَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي السَّنَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَغُلِّقَتِ الْأَسْوَاقُ وَعُلِّقَتِ الْمُسُوحُ، وَخَرَجَتِ النِّسَاءُ سَافِرَاتٍ نَاشِرَاتٍ، يَنُحْنَ وَيَلْطُمْنَ وُجُوهَهُنَّ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْأَزِقَّةِ، وَهَذَا تَكَلُّفٌ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فِي الدِّينِ وَلَا فِي الدُّنْيَا، وَلَوْ كَانَ هَذَا أَمْرًا مَحْمُودًا لَكَانَ صَدْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَخِيرَتُهَا أَوْلَى بِهِ ; إِذْ لَوْ كَانَ خَيْرًا لَسَبَقُونَا إِلَيْهِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَقْتَدُونَ وَلَا يَبْتَدِعُونَ، وَتَسَلَّطَتْ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى الرَّوَافِضِ، فَكَبَسُوا مَسْجِدَ بَرَاثَا الَّذِي هُوَ عُشُّ الرَّوَافِضِ، وَقَتَلُوا بَعْضَ مَنْ كَانَ فِيهِ مِنَ الْقَوَمَةِ.
وَفِيهَا فِي رَجَبٍ مِنْهَا جَاءَ مَلِكُ الرُّومِ بِجُيُوشٍ كَثِيفَةٍ إِلَى الْمِصِّيصَةِ فَفَتَحَهَا قَسْرًا، وَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهَا خَلْقًا، وَاسْتَاقَ بَقِيَّتَهُمْ مَعَهُ أُسَارَى، وَكَانُوا قَرِيبًا مِنْ مِائَتَيْ أَلْفِ إِنْسَانٍ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَجَاءَ إِلَى طَرَسُوسَ فَسَأَلَ أَهْلُهَا مِنْهُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِالْجَلَاءِ عَنْهَا وَالِانْتِقَالِ مِنْهَا، فَاتَّخَذَ الْجَامِعَ إِسْطَبْلًا لِخُيُولِهِ، وَحَرَّقَ الْمِنْبَرَ، وَنَقَلَ قَنَادِيلَهُ إِلَى كَنَائِسِ بَلَدِهِ، وَتَنَصَّرَ بَعْضُ أَهْلِهَا مَعَهُ، لَعَنَهُ اللَّهُ.
وَكَانَ أَهْلُ طَرَسُوسَ وَالْمِصِّيصَةِ قَدْ أَصَابَهُمْ قَبْلَ هَذَا الْبَلَاءِ غَلَاءٌ عَظِيمٌ وَوَبَاءٌ

جارٍ التحميل