بَعِيرٍ فَقَأَ عَيْنَ وَاحِدٍ مِنْهَا; لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِذَلِكَ الْعَيْنَ عَنْهَا، وَمِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْأَزْرَقِيُّ.
وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ رُبَّمَا ذَبَحَ أَيَّامَ الْحَجِيجِ عَشَرَةَ آلَافِ بَدَنَةً، وَكَسَى عَشَرَةَ آلَافِ حُلَّةٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ يُطْعِمُ الْعَرَبَ وَيَحِيسُ لَهُمُ الْحَيْسَ بِالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ، وَيَلُتُّ لَهُمُ السَّوِيقَ قَالُوا: وَكَانَ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ فِيهِمْ كَالشَّرْعِ الْمُتَّبِعِ لِشَرَفِهِ فِيهِمْ وَمَحِلَّتِهِ عِنْدَهُمْ، وَكَرَمِهِ عَلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الشَّامِ فِي بَعْضِ أُمُورِهِ فَلَمَّا قَدِمَ مَآبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْعَمَالِيقُ، وَهُمْ وَلَدُ عِمْلَاقٍ وَيُقَالُ وَلَدُ عَمْلِيقِ بْنِ لَاوَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فَقَالَ لَهُمْ مَا هَذِهِ الْأَصْنَامُ الَّتِي أَرَاكُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا لَهُ: هَذِهِ أَصْنَامٌ نَعْبُدُهَا فَنَسْتَمْطِرُهَا فَتُمْطِرُنَا وَنَسْتَنْصِرُهَا فَتَنْصُرُنَا فَقَالَ لَهُمْ: أَلَا تُعْطُونِي مِنْهَا صَنَمًا فَأَسِيرُ بِهِ إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ فَيَعْبُدُوهُ؟ فَأَعْطَوْهُ صَنَمًا يُقَالَ لَهُ: هُبَلُ فَقَدِمَ بِهِ مَكَّةَ فَنَصَبَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ أَوَّلَ مَا كَانَتْ عِبَادَةُ الْحِجَارَةِ فِي بَنِي إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَظْعَنُ مِنْ مَكَّةَ ظَاعِنٌ مِنْهُمْ حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ وَالْتَمَسُوا الْفُسَحَ فِي الْبِلَادِ إِلَّا حَمَلَ مَعَهُ حَجَرًا مِنْ حِجَارَةِ
الْحَرَمِ; تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ فَحَيْثُمَا نَزَلُوا وَضَعُوهُ فَطَافُوا بِهِ كَطَوَافِهِمْ بِالْكَعْبَةِ حَتَّى سَلَخَ ذَلِكَ بِهِمْ إِلَى أَنْ كَانُوا يَعْبُدُونَ مَا اسْتَحْسَنُوا مِنَ الْحِجَارَةِ، وَأَعْجَبَهُمْ حَتَّى خَلَفَتِ الْخُلُوفُ، وَنَسُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ.
وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا حَثْيَةً مِنَ التُّرَابِ، وَجِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ طُفْنَا بِهَا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَاسْتَبْدَلُوا بِدِينِ ابْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ غَيْرَهُ فَعَبَدُوا الْأَوْثَانَ وَصَارُوا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْأُمَمُ قَبْلَهُمْ مِنَ الضَّلَالَاتِ وَفِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ بَقَايَا مِنْ عَهْدِ ابْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَتَمَسَّكُونَ بِهَا مِنْ تَعْظِيمِ الْبَيْتِ وَالطَّوَافِ بِهِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْوُقُوفِ عَلَى عَرَفَاتٍ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَهَدْيِ الْبُدْنِ وَالْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعَ إِدْخَالِهِمْ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فَكَانَتْ كِنَانَةُ وَقُرَيْشٌ إِذَا أَهَلُّوا قَالُوا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ فَيُوَحِّدُونَهُ بِالتَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يُدْخِلُونَ مَعَهُ أَصْنَامَهُمْ، وَيَجْعَلُونَ مِلْكَهَا بِيَدِهِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106] أَيْ مَا يُوَحِّدُونَنِي لِمَعْرِفَةِ حَقِّي إِلَّا جَعَلُوا مَعِي شَرِيكًا مِنْ خَلْقِي.
وَقَدْ ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ لَبَّى هَذِهِ التَّلْبِيَةَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وَأَنَّ ابْلِيسَ تَبَدَّى لَهُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ فَجَعَلَ يُلَقِّنُهُ ذَلِكَ فَيَسْمَعُ مِنْهُ وَيَقُولُ كَمَا يَقُولُ، وَاتَّبَعَهُ الْعَرَبُ فِي ذَلِكَ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ يَقُولُ: قَدْ قَدْ أَيْ: حَسْبُ حَسْبُ.
وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ ابْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ثنا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ أَبُو خُزَاعَةَ» تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي حَدَّثَكَ عَمْرُو بْنُ مُجَمِّعٍ حَدَّثَنَا ابْرَاهِيمُ الْهَجَرِيُّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ، وَعَبَدَ الْأَصْنَامَ أَبُو خُزَاعَةَ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُهُ يَجُرُّ أَمْعَاءَهُ فِي النَّارِ» تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَهَذَا
يَقْتَضِي: أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ هُوَ أَبُو خُزَاعَةَ الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ الْقَبِيلَةُ بِكَمَالِهَا كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّسَبِ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ.
وَلَوْ تَرَكْنَا مُجَرَّدَ هَذَا لَكَانَ ظَاهِرًا فِي ذَلِكَ بَلْ كَالنَّصِّ، وَلَكِنْ قَدْ جَاءَ مَا يُخَالِفُهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَحْلِبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَالسَّائِبَةُ الَّتِي كَانُوا يَسُيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ» وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ كِيسَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَرَوَاهُ ابْنُ الْهَادِ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
قَالَ الْحَاكِمُ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ: رَوَاهُ ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَا قَالَ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْخُزَاعِيِّ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ
يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ وَبَحَّرَ الْبَحِيرَةَ» وَلَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُمَا عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ بُخْتٍ كَمَا قَالَ الْحَاكِمُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّازِقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ» . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالصَّحِيحُ: الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَالَّذِي قَبْلَهُ الْخُزَاعِيُّ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ وَالِدَ الْقَبِيلَةِ بَلْ مُنْتَسِبٌ إِلَيْهَا فَلَعَلَّ مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ: أَبُو خُزَاعَةَ تَصْحِيفٌ مِنَ الرَّاوِي مِنْ: أَخِي خُزَاعَةَ أَوْ أَنَّهُ كَانَ يُكَنَّى بِأَبِي خُزَاعَةَ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ أَبُو خُزَاعَةَ كُلِّهِمْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ ابْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ السَّمَّانَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِأَكْثَمَ بْنِ الْجَوْنِ الْخُزَاعِيِّ يَا أَكْثَمُ، رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ بِهِ وَلَا بِكَ مِنْهُ فَقَالَ أَكْثَمُ: عَسَى أَنْ يَضُرَّنِي شُبَهُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا إِنَّكَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ كَافِرٌ إِنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِسْمَاعِيلَ ; فَنَصَبَ الْأَوْثَانَ، وَبَحَّرَ الْبَحِيرَةَ، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وَوَصَّلَ الْوَصِيلَةَ، وَحَمَى الْحَامِيَ» لَيْسَ فِي الْكُتُبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ هَنَّادِ بْنِ عَبْدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ أَوْ مِثْلَهُ، وَلَيْسَ فِي الْكُتُبِ أَيْضًا.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكِرْمَانِيُّ حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ ابْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَرَأَيْتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ» تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا فِي ذَلِكَ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ لَعَنَهُ اللَّهُ كَانَ قَدِ ابْتَدَعَ لَهُمْ أَشْيَاءَ فِي الدِّينِ غَيَّرَ بِهَا دِينَ الْخَلِيلِ فَاتَّبَعَهُ الْعَرَبُ فِي ذَلِكَ فَضَلُّوا بِذَلِكَ ضَلَالًا بَعِيدًا بَيِّنًا فَظِيعًا شَنِيعًا وَقَدْ أَنْكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنْهُ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116] الْآيَةَ [النَّحْلِ: 116] وَقَالَ تَعَالَى
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: 103] وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا كُلِّهِ مَبْسُوطًا، وَبَيَّنَّا اخْتِلَافَ السَّلَفِ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ فَمَنْ أَرَادَ فَلْيَأْخُذْهُ مِنْ ثَمَّ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: 56] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ.
وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ - وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ - وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ - وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ - قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: 136 - 140] . [الْأَنْعَامِ: 136 - 140]
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: بَابُ جَهْلِ الْعَرَبِ: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَاقْرَأْ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: 140] وَقَدْ ذَكَرْنَا تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا كَانُوا ابْتَدَعُوهُ مِنَ الشَّرَائِعِ الْبَاطِلَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي ظَنَّهَا كَبِيرُهُمْ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - مَصْلَحَةً وَرَحْمَةً بِالدَّوَابِّ وَالْبَهَائِمِ وَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ فِي ذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ اتَّبَعَهُ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةُ الطَّغَامُ فِيهِ بَلْ قَدْ تَابَعُوهُ فِيمَا هُوَ أَطَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَعْظَمُ بِكَثِيرٍ وَهُوَ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَبَدَّلُوا مَا كَانَ اللَّهُ بَعَثَ بِهِ ابْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ مِنَ الدِّينِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ مِنْ تَوْحِيدِ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَتَحْرِيمِ الشِّرْكِ، وَغَيَّرُوا شَعَائِرَ الْحَجِّ، وَمَعَالِمَ الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا بُرْهَانٍ وَلَا دَلِيلٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ، وَاتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُشْرِكِينَ، وَشَابَهُوا قَوْمَ نُوحٍ كَانُوا أَوَّلَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، وَعَبَدَ الْأَصْنَامَ، وَلِهَذَا بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ نُوحًا وَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ بُعِثَ يَنْهَى عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي قِصَّةِ نُوحٍ ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: 23] [نُوحٍ: 23، 24] الْآيَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ هَؤُلَاءِ قَوْمًا صَالِحِينَ فِي
قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ عَبَدُوهُمْ وَقَدْ بَيَّنَّا كَيْفِيَّةَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ فِي عِبَادَتِهِمْ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: ثُمَّ صَارَتْ هَذِهِ الْأَصْنَامُ فِي الْعَرَبِ بَعْدَ تَبْدِيلِهِمْ دِينَ إِسْمَاعِيلَ فَكَانَ وَدُّ لِبَنِي كَلْبِ بْنِ وَبْرَةَ بْنِ تَغَلِبَ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ وَكَانَ مَنْصُوبًا بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ وَكَانَ سُوَاعٌ لِبَنِي هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ وَكَانَ مَنْصُوبًا بِمَكَانٍ يُقَالَ لَهُ: رُهَاطٌ.
وَكَانَ يَغُوثُ لِبَنِي أَنْعَمَ مِنْ طَيِّئٍ، وَلِأَهْلِ جُرَشٍ مِنْ مَذْحِجٍ وَكَانَ مَنْصُوبًا بِجُرَشَ وَكَانَ يَعُوقُ مَنْصُوبًا بِأَرْضِ هَمْدَانَ مِنَ الْيَمَنِ لِبَنِي خَيْوَانَ بَطْنٍ مِنْ هَمَدَانَ وَكَانَ نَسْرٌ مَنْصُوبًا بِأَرْضِ حِمْيَرَ لِقَبِيلَةٍ يُقَالَ لَهُمْ ذُو الْكُلَاعِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ لِخَوْلَانَ بِأَرْضِهِمْ صَنَمٌ يُقَالَ لَهُ: عُمْيَانِسُ يَقْسِمُونَ لَهُ مِنْ أَنْعَامِهِمْ، وَحُرُوثِهِمْ قَسْمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فِيمَا يَزْعُمُونَ فَمَا دَخَلَ فِي حَقِّ عُمْيَانِسَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ الَّذِي قَسَمُوهُ لَهُ تَرَكُوهُ لَهُ وَمَا دَخَلَ فِي حَقِّ اللَّهِ مَنْ حَقِّ عُمْيَانِسَ رَدُّوهُ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: 136]
قَالَ: وَكَانَ لِبَنِي مِلْكَانَ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ صَنَمٌ يُقَالَ لَهُ: سَعْدٌ، صَخْرَةٌ بِفَلَاةٍ مِنْ أَرْضِهِمْ طَوِيلَةٍ فَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِإِبِلٍ لَهُ مُؤَبَّلَةٍ لِيَقِفَهَا عَلَيْهِ الْتِمَاسَ بَرَكَتِهِ فِيمَا يَزْعُمُ فَلَمَّا رَأَتْهُ الْإِبِلُ وَكَانَتْ مَرْعِيَّةً لَا تُرْكَبُ وَكَانَ الصَّنَمُ يُهْرَاقُ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ نَفَرَتْ مِنْهُ فَذَهَبَتْ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَغَضِبَ رَبُّهَا وَأَخَذَ حَجَرًا فَرَمَاهُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ نَفَرْتَ عَلَيَّ إِبِلِي، ثُمَّ خَرَجَ فِي طَلَبِهَا فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ لَهُ قَالَ:
أَتَيْنَا إِلَى سَعْدٍ لِيَجْمَعَ شَمْلَنَا ... فَشَتَّتَنَا سَعْدٌ فَلَا نَحْنُ مِنْ سَعْدِ
وَهَلْ سَعْدٌ إِلَّا صَخْرَةٌ بِتَنُوفَةٍ مِنَ ... الْأَرْضِ لَا يَدْعُو لِغَيٍّ وَلَا رُشْدِ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ فِي دَوْسٍ صَنَمٌ لِعَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ الدَّوْسِيِّ قَالَ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدِ اتَّخَذَتْ صَنَمًا عَلَى بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ يُقَالَ لَهُ: هُبَلُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ أَنَّهُ أَوَّلُ صَنَمٍ نَصَبَهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ لَعَنَهُ اللَّهُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَاتَّخَذُوا إِسَافًا وَنَائِلَةَ عَلَى مَوْضِعِ زَمْزَمَ يَنْحَرُونَ
عِنْدَهُمَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُمَا كَانَا رَجُلًا، وَامْرَأَةً فَوَقَعَ عَلَيْهَا فِي الْكَعْبَةِ فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ حَجَرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: مَا زِلْنَا نَسْمَعُ أَنَّ إِسَافًا وَنَائِلَةَ كَانَا رَجُلًا وَامْرَأَةً مِنْ جُرْهُمٍ أَحْدَثَا فِي الْكَعْبَةِ فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَجَرَيْنِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُمْهِلْهُمَا حَتَّى فَجَرَا فِيهَا بَلْ مَسَخَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَعِنْدَ ذَلِكَ نُصِبَا عِنْدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمَّا كَانَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ نَقَلَهُمَا فَوَضَعَهُمَا عَلَى زَمْزَمَ، وَطَافَ النَّاسُ بِهِمَا، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو طَالِبٍ
وَحَيْثُ يُنِيخُ الْأَشْعَرُونَ رِكَابَهُمْ ... بِمُفْضَى السُّيُولِ مِنْ إِسَافٍ وَنَائِلِ
وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَ بِكَسْرِ نَائِلَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ خَرَجَتْ مِنْهَا سَوْدَاءُ شَمْطَاءُ تَخْمِشُ وَجْهَهَا وَتَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ.
وَقَدْ ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ: أَنَّ أَجَأً وَسَلْمَى وَهُمَا جَبَلَانِ بِأَرْضِ الْحِجَازِ إِنَّمَا سُمِّيَا بِاسْمِ رَجُلٍ اسْمُهُ أَجَأُ بْنُ عَبْدِ الْحَيِّ فَجَرَ بِسَلْمَى بِنْتِ حَامٍ فَصُلِبَا فِي هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ فَعُرِفَا بِهِمَا قَالَ: وَكَانَ بَيْنَ أَجَأٍ، وَسَلْمَى صَنَمٌ لِطَيَّئٍ يُقَالَ لَهُ: فِلْسٌ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَاتَّخَذَ أَهْلُ كُلِّ دَارٍ فِي دَارِهِمْ صَنَمًا يَعْبُدُونَهُ فَإِذَا
أَرَادَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ سَفَرًا تَمَسَّحَ بِهِ حِينَ يَرْكَبُ فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ مَا يَصْنَعُ حِينَ يَتَوَجَّهُ إِلَى سَفَرِهِ، وَإِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ تَمَسَّحَ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى أَهْلِهِ قَالَ: فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ قَالَتْ قُرَيْشٌ ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5] قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ اتَّخَذَتْ مَعَ الْكَعْبَةِ طَوَاغِيتَ، وَهِيَ بُيُوتٌ تُعَظِّمُهَا كَتَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ، لَهَا سَدَنَةٌ وَحُجَّابٌ، وَتُهْدِي لَهَا كَمَا تُهْدِي لِلْكَعْبَةِ، وَتَطُوفُ بِهَا كَطَوَافِهَا بِهَا، وَتَنْحَرُ عِنْدَهَا، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَعْرِفُ فَضْلَ الْكَعْبَةِ عَلَيْهَا; لِأَنَّهَا بِنَاءُ ابْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَسْجِدُهُ، فَكَانَتْ لِقُرَيْشٍ وَبَنِي كِنَانَةَ الْعُزَّى بِنَخْلَةَ، وَكَانَتْ سَدَنَتُهَا وَحُجَّابُهَا بَنِي شَيْبَانَ مِنْ سُلَيْمٍ حُلَفَاءِ بَنِي هَاشِمٍ وَقَدْ خَرَّبَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ زَمَنَ الْفَتْحِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَالَ: وَكَانَتِ اللَّاتُ لِثَقِيفٍ بِالطَّائِفِ وَكَانَتْ سَدَنَتُهَا، وَحُجَّابُهَا بَنِي مُعَتِّبٍ مِنْ ثَقِيفٍ، وَخَرَّبَهَا أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ بَعْدَ مَجِيءِ أَهْلِ الطَّائِفِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَالَ: وَكَانَتْ مَنَاةُ لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَمَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُشَلَّلِ بِقُدَيْدٍ وَقَدْ خَرَّبَهَا أَبُو سُفْيَانَ أَيْضًا، وَقِيلَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَمَا سَيَأْتِي.
قَالَ: وَكَانَ ذُو الْخَلَصَةِ لِدَوْسٍ وَخَثْعَمٍ وَبَجِيلَةَ وَمَنْ كَانَ بِبِلَادِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ بِتَبَالَةَ وَكَانَ يُقَالَ لَهُ الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، وَلِبَيْتِ مَكَّةَ الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ وَقَدْ خَرَّبَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ كَمَا سَيَأْتِي.
قَالَ: وَكَانَ فِلْسٌ لِطَيِّئٍ وَمَنْ يَلِيهَا بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ بَيْنَ أَجَأٍ وَسَلْمَى، وَهُمَا جَبَلَانِ مَشْهُورَانِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ: وَكَانَ رِئَامٌ بَيْتًا لِحِمْيَرَ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قِصَّةِ تُبَّعٍ أَحَدِ مُلُوكِ حِمْيَرَ، وَقِصَّةُ الْحَبْرَيْنِ حِينَ خَرَّبَاهُ، وَقَتَلَا مِنْهُ كَلْبًا أَسْوَدَ قَالَ: وَكَانَتْ رُضَاءُ بَيْتًا لِبَنِي رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ وَلَهَا يَقُولُ الْمُسْتَوْغِرُ، وَاسْمُهُ كَعْبُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ
وَلَقَدْ شَدَدْتُ عَلَى رُضَاءٍ شَدَّةً ... فَتَرَكْتُهَا قَفْرًا بِقَاعٍ أَسْحَمَا
وَأَعَانَ عَبْدُ اللَّهِ فِي مَكْرُوهِهَا ... وَبِمِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ أَغْشَى الْمَحْرَمَا
وَيُقَالَ: إِنَّ الْمُسْتَوْغِرَ هَذَا عَاشَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَكَانَ أَطْوَلَ مُضَرَ كُلِّهَا عُمْرًا وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ
وَلَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الْحَيَاةِ وَطُولِهَا ... وَعُمِرْتُ مِنْ عَدَدِ السِّنِينَ مِئِينَا
مِائَةً حَدَتْهَا بَعَدْهَا مِائَتَانِ لِي ... وَازْدَدْتُ مِنْ عَدَدِ الشُّهُورِ سِنِينَا
هَلْ مَا بَقِي إِلَّا كَمَا قَدْ فَاتَنَا ... يَوْمٌ يَمُرُّ وَلَيْلَةٌ تَحْدُونَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى لِزُهَيْرِ بْنِ جَنَابِ بْنِ هُبَلَ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَمِنَ الْمُعَمَّرِينَ الَّذِينَ جَاوَزُوا الْمِائَتَيْنِ وَالثَّلَاثَمِائَةٍ زُهَيْرٌ هَذَا، وَعُبَيْدُ بْنُ شَرِيَّةَ، وَدَغْفَلُ بْنُ حَنْظَلَةَ النَّسَّابَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ ضُبَعَ الْفَزَارِيُّ، وَذُو الْأُصْبُعِ الْعَدْوَانِيُّ، وَنَصْرُ بْنُ دُهْمَانَ بْنِ أَشْجَعَ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ وَكَانَ قَدِ اسْوَدَّ شَعْرُهُ بَعْدَ ابْيِضَاضِهِ، وَتَقَوَّمَ ظَهْرُهُ بَعْدَ اعْوِجَاجِهِ قَالَ: وَكَانَ ذُو الْكَعَبَاتِ لِبَكْرٍ وَتَغْلِبَ ابْنَيْ وَائِلٍ، وَإِيَادٍ بِسَنْدَادَ، وَلَهُ يَقُولُ أَعْشَى بْنُ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ
بَيْنَ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ وَبَارِقٍ ... وَالْبَيْتِ ذِي الشُّرُفَاتِ مِنْ سَنْدَادِ
وَأَوَّلُ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ
وَلَقَدْ عَلِمْتُ وَإِنْ تَطَاوَلَ بِي الْمَدَى ... أَنَّ السَّبِيلَ سَبِيلُ ذِي الْأَعْوَادِ
مَاذَا أُؤَمِّلُ بَعْدَ آلِ مُحَرِّقٍ ... تَرَكُوا مَنَازِلَهُمْ وَبَعْدَ إِيَادِ
نَزَلُوا بِأَنْقَرَةَ يَسِيلُ عَلَيْهِمُ مَاءُ الْفُرَاتِ يَجِيءُ مِنْ أَطْوَادِ ... أَرْضُ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ وَبَارِقٍ وَالْبَيْتِ ذِي الْكَعَبَاتِ مِنْ سَنْدَادِ ... جَرَتِ الرِّيَاحُ عَلَى مَحَلِّ دِيَارِهِمْ فَكَأَنَّمَا كَانُوا عَلَى مِيعَادِ ... وَأَرَى النَّعِيمَ وَكُلَّمَا يُلْهَى بِهِ يَوْمًا يَصِيرُ إِلَى بِلًى وَنَفَادِ قَالَ السُّهَيْلُ: الْخَوَرْنَقُ قَصْرٌ بَنَاهُ النُّعْمَانُ الْأَكْبَرُ لِسَابُورَ; لِيَكُونَ وَلَدُهُ فِيهِ عِنْدَهُ، وَبَنَاهُ رَجُلٌ يُقَالَ لَهُ: سِنِمَّارُ فِي عِشْرِينَ، وَلَمْ يُرَ بِنَاءٌ أَعْجَبُ مِنْهُ فَخَشِيَ النُّعْمَانُ أَنْ يَبْنِيَ لِغَيْرِهِ مِثْلَهُ فَأَلْقَاهُ مِنْ أَعْلَاهُ فَقَتَلَهُ فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الشَّاعِرُ جَزَانِي جَزَاهُ اللَّهُ شَرَّ جَزَائِهِ ... جَزَاءَ سِنِمَّارَ وَمَا كَانَ ذَا ذَنْبِ سِوَى رَصْفِهِ الْبُنْيَانَ عِشْرِينَ حَجَّةً ... يَعُدُّ عَلَيْهِ بِالْقَرَامِدِ وَالسَّكْبِ فَلَمَّا انْتَهَى الْبُنْيَانُ يَوْمًا تَمَامَهُ ... وَآضَ كَمِثْلِ الطَّوْدِ وَالْبَاذِخِ الصَّعْبِ رَمَى بِسِنِمَّارَ عَلَى حُقِّ رَأْسِهِ ... وَذَاكَ لَعَمْرُ اللَّهِ مِنْ أَقْبَحِ الْخَطْبِ
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: أَنْشَدَهُ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ الْحَيَوَانِ وَالسِّنِمَّارُ مِنْ أَسْمَاءِ الْقَمَرِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذِهِ الْبُيُوتَ كُلَّهَا هُدِمَتْ لَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ، جَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كُلِّ بَيْتٍ مِنْ هَذِهِ سَرَايَا تُخَرِّبُهُ، وَإِلَى تِلْكَ الْأَصْنَامِ مَنْ كَسَرَهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ لِلْكَعْبَةِ مَا يُضَاهِيهَا، وَعُبِدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مَوَاضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ الثِّقَةُ.
[خَبَرُ عَدْنَانَ جَدِّ عَرَبِ الْحِجَازِ]
لَا خِلَافَ أَنَّ عَدْنَانَ مِنْ سُلَالَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ ابْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَاخْتَلَفُوا فِي عِدَّةِ الْآبَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِسْمَاعِيلَ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ فَأَكْثَرُ مَا قِيلَ: أَرْبَعُونَ أَبًا وَهُوَ الْمَوْجُودُ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَخَذُوهُ مِنْ كِتَابِ رِخْيَا كَاتِبِ أَرَمِيَا بْنِ حَلْقِيَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا ثَلَاثُونَ وَقِيلَ: عِشْرُونَ وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ وَقِيلَ: عَشَرَةٌ وَقِيلَ: تِسْعَةٌ وَقِيلَ: سَبْعَةٌ وَقِيلَ: إِنَّ أَقَلَّ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةٌ; لِمَا رَوَاهُ مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبِ بْنِ زَمْعَةَ الزَّمْعِيِّ عَنْ عَمَّتِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ «مَعَدُّ بْنُ عَدْنَانَ بْنِ أُدَدَ بْنِ زَنْدِ بْنِ يَرَى بْنِ أَعْرَاقِ الثَّرَى» قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَزَنْدٌ هُوَ الْهَمَيْسَعُ وَالْيَرَى هُوَ نَبْتٌ، وَأَعْرَاقُ الثَّرَى هُوَ إِسْمَاعِيلُ; لِأَنَّهُ ابْنُ ابْرَاهِيمَ، وَإِبْرَاهِيمُ لَمْ تَأْكُلْهُ النَّارُ كَمَا أَنَّ النَّارَ لَا تَأْكُلُ الثَّرَى قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَا نَعْرِفُ زَنْدًا إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَزَنْدُ بْنُ الْجَوْنِ وَهُوَ أَبُو دُلَامَةَ الشَّاعِرُ
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ: مُدَّةُ مَا بَيْنَ عَدْنَانَ إِلَى زَمَنِ إِسْمَاعِيلَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعَةُ أَبَاءٍ أَوْ عَشَرَةٌ أَوْ عِشْرُونَ; وَذَلِكَ أَنَّ مَعَدَّ بْنَ عَدْنَانَ كَانَ عُمْرُهُ زَمَنَ بُخْتُنَصَّرَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِلَى أَرْمِيَاءَ بْنِ حَلْقِيَا: أَنِ اذْهَبْ إِلَى بُخْتُنَصَّرَ فَأَعْلِمْهُ أَنِّي قَدْ سَلَّطْتُهُ عَلَى الْعَرَبِ، وَأَمَرَ اللَّهُ أَرْمِيَا أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ مَعَدَّ بْنَ عَدْنَانَ عَلَى الْبُرَاقِ كَيْ لَا تُصِيبَهُ النِّقْمَةُ فِيهِمْ فَإِنِّي مُسْتَخْرِجٌ مِنْ صُلْبِهِ نَبِيًّا كَرِيمًا أَخْتِمُ بِهِ الرُّسُلَ فَفَعَلَ أَرْمِيَا ذَلِكَ، وَاحْتَمَلَ مَعَدًّا عَلَى الْبُرَاقِ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ فَنَشَأَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِمَّنْ بَقِيَ مِنْهُمْ بَعْدَ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً اسْمُهَا مُعَانَةُ بِنْتُ جَوْشَنَ مِنْ بَنِي دُبِّ بْنِ جُرْهُمٍ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بِلَادِهِ، ثُمَّ عَادَ بَعْدَ أَنْ هَدَأَتِ الْفِتَنُ، وَتَمَحَّضَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ وَكَانَ رِخْيَا كَاتِبُ أَرْمِيَاءَ قَدْ كَتَبَ نَسَبَهُ فِي كِتَابٍ عِنْدَهُ لِيَكُونَ فِي خِزَانَةِ أَرْمِيَاءَ فَيَحْفَظُ نَسَبَ مَعَدٍّ كَذَلِكَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِهَذَا كَرِهَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ رَفْعَ النِّسَبِ إِلَى مَا بَعْدَ عَدْنَانَ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَإِنَّمَا تَكَلَّمْنَا فِي رَفْعِ هَذِهِ الْأَنْسَابِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَكْرَهْهُ كَابْنِ إِسْحَاقَ وَالْبُخَارِيِّ وَالزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ وَالطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَدْ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَرْفَعُ نَسَبَهُ إِلَى آدَمَ فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ لَهُ عِلْمُ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ لَهُ: فَإِلَى
إِسْمَاعِيلَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالَ: وَمَنْ يُخْبِرُهُ بِهِ؟ وَكَرِهَ أَيْضًا أَنْ يُرْفَعَ فِي نَسَبِ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلَ أَنْ يُقَالَ: ابْرَاهِيمُ بْنُ فَلَانِ بْنِ فُلَانٍ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُعَيْطِيُّ فِي كِتَابِهِ.
قَالَ: وَقَوْلُ مَالِكٍ هَذَا نَحْوٌ مِمَّا رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: مَا وَجَدْنَا أَحَدًا يَعْرِفُ مَا بَيْنَ عَدْنَانَ وَإِسْمَاعِيلَ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَ عَدْنَانَ وَإِسْمَاعِيلَ ثَلَاثُونَ أَبَا لَا يُعْرَفُونَ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ إِذَا بَلَغَ عَدْنَانَ يَقُولُ: كَذَبَ النَّسَّابُونَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
وَالْأَصَحُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنَّمَا نَنْتَسِبُ إِلَى عَدْنَانَ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِهِ " الْإِنْبَاهِ فِي مَعْرِفَةِ قَبَائِلِ الرُّوَاةِ " رَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: مَا وَجَدْنَا أَحَدًا يَعْرِفُ مَا وَرَاءَ عَدْنَانَ وَلَا مَا وَرَاءَ قَحْطَانَ إِلَّا تَخَرُّصًا.
وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ - وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ قُرَيْشٍ بِأَشْعَارِهِمْ وَأَنْسَابِهِمْ - يَقُولُ: مَا وَجَدْنَا أَحَدًا يَعْرِفُ مَا وَرَاءَ مَعَدِّ بْنِ
عَدْنَانَ فِي شِعْرِ شَاعِرٍ وَلَا عِلْمِ عَالِمٍ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ إِذَا تَلَوْا ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: 9] قَالُوا كَذَبَ النَّسَّابُونَ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْمَعْنَى عِنْدَنَا فِي هَذَا غَيْرُ مَا ذَهَبُوا وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنِ ادَّعَى إِحْصَاءَ بَنِي آدَمَ; فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُمْ، وَأَمَّا أَنْسَابُ الْعَرَبِ فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِأَيَّامِهَا وَأَنْسَابِهَا قَدْ وَعَوْا وَحَفِظُوا جَمَاهِيرَهَا، وَأُمَّهَاتِ قَبَائِلِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ فُرُوعِ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَالَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ هَذَا الشَّأْنِ فِي نَسَبِ عَدْنَانَ قَالُوا: عَدْنَانُ بْنُ أُدَدَ بْنِ مُقَوَّمِ بْنِ نَاحُورَ بْنِ تَيْرَحَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ نَابِتِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارَ فِي السِّيرَةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ عَدْنَانُ بْنُ أُدٍّ يَعْنِي: عَدْنَانَ بْنِ أُدِّ بْنِ أُدَدَ، ثُمَّ سَاقَ أَبُو عُمَرَ بَقِيَّةَ النَّسَبِ إِلَى آدَمَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي قِصَّةِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ
السَّلَامُ.
وَأَمَّا الْأَنْسَابُ إِلَى عَدْنَانَ مِنْ سَائِرِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ فَمَحْفُوظَةٌ شَهِيرَةٌ جِدًّا لَا يَتَمَارَى فِيهَا اثْنَانِ وَالنَّسَبُ النَّبَوِيُّ إِلَيْهِ أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ مِنْ فَلَقِ الصُّبْحِ.
وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ كَمَا سَنُورِدُهُ فِي مَوْضِعِهِ بَعْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَذِكْرِ أَنْسَابِهَا وَانْتِظَامِهَا فِي سِلْكِ النَّسَبِ الشَّرِيفِ وَالْأَصْلِ الْمُنِيفِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا نَظَمَ النَّسَبَ النَّبَوِيَّ الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاشِئُ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِ وَهِيَ قَوْلُهُ
مَدَحْتُ رَسُولَ اللَّهِ أَبْغِي بِمَدْحِهِ ... وُفُورَ حُظُوظِي مِنْ كَرِيمِ الْمَآرِبِ
مَدَحْتُ امْرَأً فَاقَ الْمَدِيحَ ... مُوَحَّدًا بِأَوْصَافِهِ عَنْ مُبْعِدٍ وَمُقَارِبِ
نِبِيًّا تَسَامَى فِي الْمَشَارِقِ نُورُهُ ... فَلَاحَتْ هَوَادِيهِ لِأَهْلِ الْمَغَارِبِ
أَتَتْنَا بِهِ الْأَنْبَاءُ قَبْلَ مَجِيئِهِ ... وَشَاعَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ فِي كُلِّ جَانِبِ
وَأَصْبَحَتِ الْكُهَّانُ تَهْتِفُ بِاسْمِهِ ... وَتَنْفِي بِهِ رَجْمَ الظُّنُونِ الْكَوَاذِبِ
وَأُنْطِقَتِ الْأَصْنَامُ نُطْقًا تَبَرَّأَتْ
إِلَى
اللَّهِ فِيهِ مِنْ مَقَالِ الْأَكَاذِبِ ... وَقَالَتْ لِأَهْلِ الْكُفْرِ قَوْلًا مُبَيَّنًا
أَتَاكُمْ نَبِيٌّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ ... وَرَامَ اسْتِرَاقَ السَّمْعِ جِنٌّ فَزَيَّلَتْ
مَقَاعِدَهُمْ مِنْهَا رُجُومُ الْكَوَاكِبِ
هَدَانَا إِلَى مَا لَمْ نَكُنْ نَهْتَدِي ... لَهُ لِطُولِ الْعَمَى مِنْ وَاضِحَاتِ الْمَذَاهِبِ وَجَاءَ بِآيَاتٍ تُبَيِّنُ أَنَّهَا ... دَلَائِلُ جَبَّارٍ مُثِيبٍ مُعَاقِبِ فَمِنْهَا انْشِقَاقُ الْبَدْرِ حِينَ تَعَمَّمَتْ ... شُعُوبُ الضِّيَا مِنْهُ رُءُوسَ الْأَخَاشِبِ وَمِنْهَا نُبُوعُ الْمَاءِ بَيْنَ بَنَانِهِ ... وَقَدْ عَدِمَ الْوُرَّادُ قُرْبَ الْمَشَارِبِ فَرَّوَى بِهِ جَمًّا غَفِيرًا وَأَسْهَلَتْ ... بِأَعْنَاقِهِ طَوْعًا أَكُفُّ الْمَذَانِبِ وَبِئْرٌ طَغَتْ بِالْمَاءِ مِنْ مَسِّ سَهْمِهِ ... وَمِنْ قَبْلُ لَمْ تَسْمَحْ بِمَذْقَةِ شَارِبِ وَضَرْعٌ مَرَاهُ فَاسْتَدَرَّ وَلَمْ يَكُنْ ... بِهِ دَرَّةٌ تُصْغِي إِلَى كَفِّ حَالِبِ وَنُطْقٌ فَصِيحٌ مِنْ ذِرَاعٍ مُبِينَةٍ ... لِكَيْدِ عَدُوٍّ لِلْعَدَاوَةِ نَاصِبِ وَأَخْبَارُهُ بِالْأَمْرِ مِنْ قَبْلِ كَوْنِهِ ... وَعِنْدَ بَوَادِيهِ بِمَا فِي الْعَوَاقِبِ وَمِنْ تِلْكُمُ الْآيَاتِ وَحْيٌّ أَتَى ... بِهِ قَرِيبُ الْمَآتِي مُسْتَجِمُّ الْعَجَائِبِ
تَقَاصَرَتِ الْأَفْكَارُ عَنْهُ فَلَمْ.
يُطِعْ ... بَلِيغًا وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ خَاطِبِ
حَوَى كُلَّ عِلْمٍ وَاحْتَوَى كُلَّ حِكْمَةٍ ... وَفَاتَ مَرَامَ الْمُسْتَمِرِّ الْمُوَارِبِ
أَتَانَا بِهِ لَا عَنْ رَوِيَّةِ مُرْتَئٍ ... وَلَا صُحْفِ مُسْتَمْلٍ وَلَا وَصْفِ كَاتِبِ
يُوَاتِيهِ طَوْرًا فِي إِجَابَةِ سَائِلٍ ... وَإِفْتَاءِ مُسْتَفْتٍ وَوَعْظِ مُخَاطِبِ
وَإِتْيَانِ بُرْهَانٍ وَفَرْضِ شَرَائِعٍ ... وَقَصِّ أَحَادِيثَ وَنَصِّ مَآرِبِ
وَتَصْرِيفِ أَمْثَالٍ وَتَثْبِيتِ حُجَّةٍ ... وَتَعْرِيفِ ذِي جَحْدٍ وَتَوْقِيفِ كَاذِبِ
وَفِي مَجْمَعِ النَّادِي وَفِي حَوْمَةِ الْوَغَى ... وَعِنْدَ حُدُوثِ الْمُعْضِلَاتِ الْغَرَائِبِ
فَيَأْتِي عَلَى مَا شِئْتَ مِنْ طُرُقَاتِهِ ... قَوِيمَ الْمَعَانِي مُسْتَدِرَّ الضَّرَائِبِ
يُصَدِّقُ مِنْهُ الْبَعْضُ بَعْضًا كَأَنَّمَا ... يُلَاحَظُ مَعْنَاهُ بِعَيْنِ الْمُرَاقِبِ
وَعَجْزُ الْوَرَى عَنْ أَنْ يَجِيئُوا بِمِثْلِ مَا ... وَصَفْنَاهُ مَعْلُومٌ بِطُولِ التَّجَارِبِ
تَأَبَّى بِعَبْدِ اللَّهِ أَكْرَمِ وَالِدٍ ... تَبَلَّجَ مِنْهُ عَنْ كَرِيمِ الْمَنَاسِبِ
وَشَيْبَةَ ذِي الْحَمْدِ الَّذِي فَخِرَتْ ... بِهِ قُرَيْشٌ عَلَى أَهْلِ الْعُلَا وَالْمَنَاصِبِ
وَمَنْ كَانَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... وَيَصْدُرُ عَنْ آرَائِهِ فِي النَّوَائِبِ
وَهَاشِمٍ الْبَانِي مَشِيدَ افْتِخَارِهِ ... بِغُرِّ الْمَسَاعِي وَامْتِنَانِ الْمَوَاهِبِ وَعَبْدِ مَنَافٍ وَهُوَ عَلَّمَ قَوْمَهُ ... اشْتِطَاطَ الْأَمَانِي وَاحْتِكَامَ الرَّغَائِبِ وَإِنَّ قُصَيًّا مِنْ كَرِيمٍ غِرَاسُهُ ... لَفِي مَنْهَلٍ لَمْ يَدْنُ مِنْ كَفِّ قَاضِبِ بِهِ جَمَعَ اللَّهُ الْقَبَائِلَ بَعْدَ مَا ... تَقَسَّمَهَا نَهْبُ الْأَكُفِّ السَّوَالِبِ وَحَلَّ كِلَابٌ مِنْ ذُرَى الْمَجْدِ مَعْقِلًا ... تَقَاصَرَ عَنْهُ كُلُّ دَانٍ وَغَائِبِ وَمُرَّةُ لَمْ يَحْلُلْ مَرِيرَةَ عَزْمِهِ ... سِفَاهُ سَفِيهٍ أَوْ مَحُوبَةُ حَائِبِ وَكَعْبٌ عَلَا عَنْ طَالِبِ الْمَجْدِ كَعْبُهُ ... فَنَالَ بِأَدْنَى السَّعْيِ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ.
وَأَلْوَى لُؤَيٌّ بِالْعَدَاةِ فَطُوِّعَتْ لَهُ ... هِمَمُ الشُّمِّ الْأُنُوفِ الْأَغَالِبِ وَفِي غَالِبٍ بَأْسُ أَبِي الْبَأْسِ دُونَهُمْ ... يُدَافِعُ عَنْهُمْ كُلَّ قِرْنٍ مُغَالِبِ وَكَانَتْ لِفِهْرٍ فِي قُرَيْشٍ خَطَابَةٌ ... يَعُوذُ بِهَا عِنْدَ اشْتِجَارِ الْمَخَاطِبِ وَمَا زَالَ مِنْهُمْ مَالِكٌ خَيْرَ مَالِكٍ ... وَأَكْرَمَ مَصْحُوبٍ وَأَكْرَمَ صَاحِبِ
وَلِلنَّضْرِ طَوْلٌ يَقْصُرُ الطَّرْفُ دُونَهُ ... بِحَيْثُ الْتَقَى ضَوْءُ النُّجُومِ الثَّوَاقِبِ لَعَمْرِي لَقَدْ أَبْدَى كِنَانَةَ قَبْلَهُ ... مَحَاسِنَ تَأْبَى أَنْ تَطُوعَ لِغَالِبِ وَمِنْ قَبْلِهِ أَبْقَى خُزَيْمَةُ حَمْدَهُ ... تَلِيدَ تُرَاثٍ عَنْ حَمِيدِ الْأَقَارِبِ وَمُدْرِكَةٌ لَمْ يُدْرِكِ النَّاسُ مِثْلَهُ ... أَعَفَّ وَأَعْلَى عَنْ دَنِيِّ الْمَكَاسِبِ وَإِلْيَاسُ كَانَ الْيَأْسُ مِنْهُ ... مُقَارِنًا لِأَعْدَائِهِ قَبْلَ اعْتِدَادِ الْكَتَائِبِ وَفِي مُضَرَ يَسْتَجْمِعُ الْفَخْرَ كُلَّهُ ... إِذَا اعْتَرَكَتْ يَوْمًا زُحُوفُ الْمَقَانِبِ وَحَلَّ نِزَارٌ مِنْ رِيَاسَةِ أَهْلِهِ ... مَحَلًّا تَسَامَى عَنْ عُيُونٍ الرَّوَاقِبِ وَكَانَ مَعَدٌّ عُدَّةً لِوَلِيِّهِ إِذَا ... خَافَ مِنْ كَيْدِ الْعَدُوِّ الْمُحَارِبِ وَمَازَالَ عَدْنَانُ إِذَا عُدَّ فَضْلُهُ ... تَوَحَّدَ فِيهِ عَنْ قَرِينٍ وَصَاحِبِ وَأُدٌّ تَأَدَّى الْفَضْلُ مِنْهُ بِغَايَةٍ ... وَارْثٌ حَوَاهُ عَنْ قُرُومٍ أَشَايِبِ وَفِي أُدَدٍ حِلْمٌ تَزَيَّنَ بِالْحِجَا ... إِذَا الْحِلْمُ أَزْهَاهُ قُطُوبُ الْحَوَاجِبِ وَمَازَالَ يَسْتَعْلِي هَمَيْسَعُ بِالْعُلَى ... وَيَتْبَعُ آمَالَ الْبَعِيدِ الْمُرَاغِبِ
وَنَبْتٌ بَنَتْهُ دَوْحَةُ الْعِزِّ وَابْتَنَى ... مَعَاقِلَهُ فِي مُشْمَخِرِّ الْأَهَاضِبِ وَحِيزَتْ لِقَيْدَارٍ سَمَاحَةُ حَاتِمٍ ... وَحِكْمَةُ لُقْمَانٍ وَهِمَّةُ حَاجِبِ هُمُو نَسْلُ إِسْمَاعِيلَ صَادِقِ وَعْدِهِ ... فَمَا بَعْدَهُ فِي الْفَخْرِ مَسْعًى لِذَاهِبِ وَكَانَ خَلِيلُ اللَّهِ أَكْرَمَ مَنْ عَنَتْ ... لَهُ الْأَرْضُ مِنْ مَاشٍ عَلَيْهَا وَرَاكِبِ وَتَارَحُ مَازَالَتْ لَهُ أَرْيَحِيَّةٌ ... تُبَيِّنُ مِنْهُ عَنْ حَمِيدِ الْمَضَارِبِ وَنَاحُورُ نَحَّارُ الْعِدَى حُفِظَتْ لَهُ ... مَآثِرُ لَمَّا يُحْصِهَا عَدُّ حَاسِبِ وَأَشْرَعُ فِي الْهَيْجَاءِ ضَيْغَمُ غَابَةٍ ... يَقُدُّ الطُّلَى بِالْمُرْهَفَاتِ الْقَوَاضِبِ وَأَرْغَوُ نَابٌ فِي الْحُرُوبِ مُحَكَّمٌ ... ضَنِينٌ عَلَى نَفْسِ الْمُشِحِّ الْمُغَالِبِ وَمَا فَالِغٌ فِي فَضْلِهِ تِلْوَ قَوْمِهِ ... وَلَا عَابِرٌ مِنْ دُونِهِمْ فِي الْمَرَاتِبِ وَشَالِخْ وَأَرْفَخْشَذْ وَسَامٌ سَمَتْ ... بِهِمْ سَجَايَا حَمَتْهُمْ كُلَّ زَارٍ وَعَائِبِ وَمَا زَالَ نُوحٌ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ فَاضِلًا ... يُعَدِّدُهُ فِي الْمُصْطَفَيْنِ الْأَطَايِبِ وَلَمْكٌ أَبُوهُ كَانَ فِي الرَّوْعِ رَائِعًا ... جَرِيئًا عَلَى نَفْسِ الْكَمِيِّ الْمُضَارِبِ
وَمِنْ قَبْلِ لَمْكٍ لَمْ يَزَلْ مُتَوَشْلِخٌ ... يَذُودُ الْعِدَى بِالْذَائِدَاتِ الشَّوَارِبِ
وَكَانَتْ لِإِدْرِيسَ النَّبِيِّ مَنَازِلٌ ... مِنَ اللَّهِ لَمْ تُقْرَنْ بِهِمَّةِ رَاغِبِ
وَيَارَدُ بَحْرٌ عِنْدَ آلِ سَرَاتِهِ ... أَبِيُّ الْخَزَايَا مُسْتَدِقُّ الْمَآرِبِ
وَكَانَتْ لِمِهْلَايِيلَ فَهْمُ فَضَائِلٍ ... مُهَذَّبَةٍ مِنْ فَاحِشَاتِ الْمَثَالِبِ
وَقَيْنَانُ مِنْ قَبْلُ اقْتَنَى مَجْدَ قَوْمِهِ ... وَفَاتَ بِشَأْوِ الْفَضْلِ وَخْدَ الرَّكَائِبِ
وَكَانَ أَنُوشٌ نَاشَ لِلْمَجْدِ نَفْسَهُ ... وَنَزَّهَهَا عَنْ مُرْدِيَاتِ الْمَطَالِبِ
وَمَازَالَ شِيثٌ بِالْفَضَائِلِ فَاضِلًا ... شَرِيفًا بَرِيئًا مِنْ ذَمِيمِ الْمَعَائِبِ
وَكُلُّهُمُ مِنْ نُورِ آدَمَ أَقْبَسُوا ... وَعَنْ عُودِهِ أَجْنَوْا ثِمَارَ الْمَنَاقِبِ
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ أَكْرَمَ مُنْجَبٍ ... جَرَى فِي ظُهُورِ الطَّيِّبِينَ الْمَنَاجِبِ.
مُقَابَلَةً آبَاؤُهُ أُمَّهَاتِهِ ... مُبَرَّأَةٌ مِنْ فَاضِحَاتِ الْمَثَالِبِ
عَلَيْهِ سَلَامُ اللَّهِ فِي كُلِّ شَارِقٍ ... أَلَاحَ لَنَا ضَوْءًا وَفِي كُلِّ غَارِبِ
هَكَذَا أَوْرَدَ الْقَصِيدَةَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَشَيْخُنَا الْحَافِظُ
أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ فِي تَهْذِيبِهِ مِنْ شِعْرِ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْعَبَّاسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّاشِئِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ شِرْشِيرٍ، أَصْلُهُ مِنَ الْأَنْبَارِ وَرَدَ بَغْدَادَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى مِصْرَ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَكَانَ مُتَكَلِّمًا مُعْتَزِلِيًّا يَحْكِي عَنْهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمَقَالَاتِ فِيمَا يَحْكِي عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ وَكَانَ شَاعِرًا مُطَبِّقًا حَتَّى أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ اقْتِدَارِهِ عَلَى الشِّعْرِ كَانَ يُعَاكِسُ الشُّعَرَاءَ فِي الْمَعَانِي فَيَنْظِمُ فِي مُخَالَفَتِهِمْ، وَيَبْتَكِرُ مَا لَا يُطِيقُونَهُ مِنَ الْمَعَانِي الْبَدِيعَةِ وَالْأَلْفَاظِ الْبَلِيغَةِ حَتَّى نَسَبَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى التَّهَوُّسِ وَالِاخْتِلَاطِ.
وَذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ لَهُ قَصِيدَةً عَلَى قَافِيَةٍ وَاحِدَةٍ قَرِيبًا مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ بَيْتٍ ذَكَرَهَا النَّاجِمُ وَأَرَّخَ وَفَاتَهُ كَمَا ذَكَرْنَا.
قُلْتُ: وَهَذِهِ الْقَصِيدَةُ تَدُلُّ عَلَى فَضِيلَتِهِ وَبَرَاعَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ وَعِلْمِهِ وَفَهْمِهِ وَحِفْظِهِ وَحُسْنِ لَفْظِهِ وَاطِّلَاعِهِ وَاضْطِلَاعِهِ وَاقْتِدَارِهِ عَلَى نَظْمِ هَذَا النَّسَبِ الشَّرِيفِ فِي سِلْكِ شِعْرِهِ، وَغَوْصِهِ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ جَوَاهِرُ نَفِيسَةٌ مِنْ قَامُوسِ بَحْرِهِ فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَأَثَابَهُ وَأَحْسَنَ مَصِيرَهُ وَإِيَابَهُ.
[ذِكْرُ أُصُولِ أَنْسَابِ عَرَبِ الْحِجَازِ إِلَى عَدْنَانَ]
ذِكْرُ أُصُولِ أَنْسَابِ
عَرَبِ الْحِجَازِ إِلَى عَدْنَانَ
وَذَلِكَ; لِأَنَّ عَدْنَانَ وُلِدَ لَهُ وَلَدَانِ; مَعَدٌّ وَعَكٌّ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلِعَدْنَانَ أَيْضًا ابْنٌ اسْمُهُ الْحَارِثُ وَآخَرُ يُقَالَ لَهُ: الْمُذْهَبُ قَالَ وَقَدْ ذُكِرَ أَيْضًا فِي بَنِيهِ الضَّحَّاكُ، وَقِيلَ: إِنَّ الضَّحَّاكَ ابْنٌ لِمَعَدٍّ لَا ابْنُ عَدْنَانَ قَالَ: وَقِيلَ: إِنَّ عَدَنَ الَّذِي تُعْرَفُ بِهِ مَدِينَةُ عَدَنَ، وَكَذَلِكَ أَبْيَنُ كَانَا ابْنَيْنِ لِعَدْنَانَ.
حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ فَتَزَوَّجَ عَكٌّ فِي الْأَشْعَرِيِّينَ، وَسَكَنَ فِي بِلَادِهِمْ مِنَ الْيَمَنِ فَصَارَتْ لُغَتُهُمْ وَاحِدَةً فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْيَمَنِ أَنَّهُمْ مِنْهُمْ فَيَقُولُونَ: عَكُّ بْنُ عَدْنَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَزْدِ بْنِ يَغُوثَ، وَيُقَالُ: عَكُّ بْنُ
عَدْنَانَ بْنِ الذِّيبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَسَدِ، وَيُقَالَ: الرَّيْثُ بَدَلَ الذِّيبِ وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُمْ مِنْ عَدْنَانَ.
قَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ
وَعَكُّ بْنُ عَدْنَانَ الَّذِينَ تَلَقَّبُوا ... بِغَسَّانَ حَتَّى طُرِّدُوا كُلَّ مَطْرَدِ
وَأَمَّا مَعَدٌّ فَوُلِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ: نِزَارٌ وَقُضَاعَةُ وَقَنَصٌ وَإِيَادٌ وَكَانَ قُضَاعَةُ بِكْرَهُ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْخِلَافَ فِي قُضَاعَةَ، وَلَكِنَّ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَنَصٌ فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ هَلَكُوا، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ بَقِيَّةٌ إِلَّا أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ الَّذِي كَانَ نَائِبًا لِكِسْرَى عَلَى الْحِيرَةِ كَانَ مِنْ سُلَالَتِهِ عَلَى قَوْلِ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ مِنْ حِمْيَرَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا نِزَارٌ فَوُلِدَ لَهُ رَبِيعَةُ وَمُضَرُ وَأَنْمَارٌ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِيَادُ بْنُ نِزَارٍ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ
وَفُتُوٌّ حَسَنٌ أَوْجُهُهُمْ ... مِنْ إِيَادِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ
قَالَ: وَإِيَادُ وَمُضَرُ شَقِيقَانِ أُمُّهُمَا سَوْدَةُ بِنْتُ عَكِّ بْنِ عَدْنَانَ، وَأُمُّ رَبِيعَةَ وَأَنْمَارٍ شُقَيْقَةُ بِنْتُ عَكِّ بْنِ عَدْنَانَ، وَيُقَالُ: جُمْعَةُ بِنْتُ عَكِّ بْنِ عَدْنَانَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَأَمَّا أَنْمَارٌ فَهُوَ وَالِدُ خَثْعَمٍ وَبَجِيلَةَ قَبِيلَةِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: وَقَدْ تَيَامَنَتْ فَلَحِقَتْ بِالْيَمَنِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَهْلُ الْيَمَنِ يَقُولُونَ أَنْمَارُ بْنُ أَرَاشِ بْنِ لَحْيَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْغَوْثِ بْنِ نَبْتِ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ قُلْتُ: وَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ فِي ذِكْرِ سَبَأٍ يَدُلُّ عَلَى هَذَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالُوا: وَكَانَ مُضَرُ أَوَّلَ مَنْ حَدَا; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ فَسَقَطَ يَوْمًا عَنْ بَعِيرِهِ فَوَثَبَتْ يَدُهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: وَا يَدَيَّاهُ وَا يَدَيَّاهُ فَأَعْنَقَتِ الْإِبِلُ لِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَوَلَدَ مُضَرُ بْنُ نِزَارٍ رَجُلَيْنِ إِلْيَاسَ وَعَيْلَانَ، وَوُلِدَ لِإِلْيَاسَ مُدْرِكَةُ وَطَابِخَةُ وَقَمَعَةُ، وَأُمُّهُمْ خِنْدِفُ بِنْتُ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ اسْمُ مُدْرِكَةَ عَامِرًا، وَاسْمُ طَابِخَةَ عَمْرًا، وَلَكِنِ اصْطَادَ صَيْدًا فَبَيْنَا هُمَا يَطْبُخَانِهِ إِذْ نَفَرَتِ الْإِبِلُ فَذَهَبَ عَامِرٌ فِي طَلَبِهَا حَتَّى أَدْرَكَهَا وَجَلَسَ الْآخَرُ يَطْبُخُ فَلَمَّا رَاحَا عَلَى أَبِيهِمَا ذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ
لِعَامِرٍ: أَنْتَ مُدْرِكَةُ، وَقَالَ لِعَمْرٍو: أَنْتَ طَابِخَةُ قَالَ: وَأَمَّا قَمْعَةُ فَيَزْعُمُ نُسَّابُ مُضَرَ أَنَّ خُزَاعَةَ مِنْ وَلَدِ عَمْرِو بْنِ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ إِلْيَاسَ قُلْتُ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْهُمْ لَا وَالِدُهُمْ وَأَنَّهُمْ مِنْ حِمْيَرَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَوَلَدَ مُدْرِكَةُ خُزَيْمَةَ وَهُذَيْلًا، وَأُمُّهُمَا امْرَأَةٌ مِنْ قُضَاعَةَ، وَوَلَدَ خُزَيْمَةُ كِنَانَةَ وَأَسَدًا وَأَسَدَةَ وَالْهُونَ، قَالَ: وَوَلَدَ كِنَانَةُ النَّضْرَ وَمَالِكًا وَعَبْدَ مَنَاةَ وَمِلْكَانَ.
وَزَادَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ فِي أَبْنَاءِ كِنَانَةَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَامِرًا وَالْحَارِثَ وَالنُّضَيْرَ وَغَنْمًا وَسَعْدًا وَعَوْفًا وَجَرْوَلًا وَالْحُدَالَ وَغَزْوَانَ.
[الْكَلَامُ عَلَى قُرَيْشٍ نَسَبًا وَاشْتِقَاقًا وَفَضْلًا]
الْكَلَامُ عَلَى قُرَيْشٍ نَسَبًا وَاشْتِقَاقًا وَفَضْلًا وَهُمْ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَأُمُّ النَّضْرِ بَرَّةُ بِنْتُ مُرِّ بْنِ أَدِّ بْنِ طَابِخَةَ، وَسَائِرُ بَنِيهِ لِامْرَأَةٍ أُخْرَى، وَخَالَفَهُ ابْنُ هِشَامٍ فَجَعَلَ بَرَّةَ بِنْتَ مُرٍّ أُمَّ النَّضْرِ وَمَالِكٍ وَمِلْكَانَ، وَأُمَّ عَبْدِ مَنَاةَ هَالَةَ بِنْتَ سُوَيْدِ بْنِ الْغِطْرِيفِ، مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: النَّضْرُ هُوَ قُرَيْشٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِهِ فَهُوَ قُرَشِيٌّ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ وَلَدِهِ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ، وَقَالَ: وَيُقَالَ: فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ هُوَ قُرَيْشٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِهِ فَهُوَ قُرَشِيٌّ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ وَلَدِهِ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ، وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ قَدْ حَكَاهُمَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ النَّسَبِ كَالشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَالزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ وَمُصْعَبٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ ; لِحَدِيثِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قُلْتُ: وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ
ابْنُ الْمُثَنَّى وَهُوَ جَادَّةُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ثُمَّ اخْتَارَ أَبُو عُمَرَ أَنَّهُ فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ الْيَوْمَ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى قُرَيْشٍ إِلَّا وَهُوَ يَرْجِعُ فِي نَسَبِهِ إِلَى فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ حَكَى اخْتِيَارَ هَذَا الْقَوْلِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، وَمُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ، وَعَلِيِّ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: وَإِلَيْهِمُ الْمَرْجِعُ فِي هَذَا الشَّأْنِ وَقَدْ قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَقَدْ أَجْمَعَ نُسَّابُ قُرَيْشٍ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ قُرَيْشًا إِنَّمَا تَفَرَّقَتْ مِنْ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ وَالَّذِي عَلَيْهِ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ نُسَّابِ قُرَيْشٍ أَنَّ وَلَدَ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ قُرَشِيٌّ، وَأَنَّ مَنْ جَاوَزَ فِهْرَ بْنَ مَالِكٍ بِنَسَبِهِ فَلَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ نَصْرًا عَزِيزًا، وَتَحَامَى لَهُ بِأَنَّهُ وَنَحْوَهُ أَعْلَمُ بِأَنْسَابِ قَوْمِهِمْ، وَأَحْفَظُ لِمَآثِرِهِمْ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ كُلَيْبِ بْنِ وَائِلٍ قَالَ: «قَلْتُ لِرَبِيبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي زَيْنَبَ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ -: أَخْبِرِينِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَانَ مِنْ مُضَرَ؟ قَالَتْ: فَمِمَّنْ كَانَ إِلَّا مِنْ مُضَرَ؟ مِنْ بَنِي النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ.»
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَائِلَةَ الْأَصْبَهَانِيُّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ ثنا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْجُفْشِيشِ الْكِنْدِيِّ قَالَ: «جَاءَ قَوْمٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: أَنْتَ مِنَّا وَادَّعَوْهُ،
فَقَالَ: لَا نَقْفُو أُمَّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا، نَحْنُ وَلَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ» .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: ثنا أَبِي ثنا الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُ: الْجُفْشِيشُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَزْعُمُ أَنَّ عَبْدَ مَنَافٍ مِنَّا فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، لَا نَقْفُو أُمَّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا» فَقَالَ الْأَشْعَثُ: أَلَا كُنْتَ سَكَتَّ مِنَ الْمَرَّةِ الْأُولَى فَأَبْطَلَ ذَلِكَ قَوْلَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَهَذَا غَرِيبٌ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالْكَلْبِيُّ ضَعِيفٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ وَعَفَّانُ قَالَا: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: ثني عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَقَالَ عَفَّانُ: عَقِيلُ بْنُ طَلْحَةَ السُّلَمِيُّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْهَيْصَمِ عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ قَالَ عَفَّانُ: لَا يَرَوْنِي أَفْضَلَهُمْ قَالَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَزْعُمُ أَنَّكُمْ مِنَّا قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، لَا نَقْفُو
أُمَّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا» قَالَ: فَقَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: فَوَاللَّهِ لَا أَسْمَعُ أَحَدًا نَفَى قُرَيْشًا مِنَ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ إِلَّا جَلَدْتُهُ الْحَدَّ، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ وَهُوَ فَيْصَلٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا الْتِفَاتَ إِلَى قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ التَّمِيمِيُّ يَمْدَحُ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ
فَمَا الْأُمُّ الَّتِي وَلَدَتْ قُرَيْشًا ... بِمُقْرِفَةِ النِّجَارِ وَلَا عَقِيمِ
وَمَا قَرْمٌ بِأَنْجَبَ مِنْ أَبِيكُمْ ... وَلَا خَالٌ بِأَكْرَمَ مِنْ تَمِيمِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ يَعْنِي أَمَّ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَهِيَ بَرَّةُ بِنْتُ مُرٍّ أُخْتُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ.
وَأَمَّا اشْتِقَاقُ قُرَيْشٍ فَقِيلَ: مِنَ التَّقَرُّشِ وَهُوَ التَّجَمُّعُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ فَجَمَعَهُمْ بِالْحَرَمِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَقَدْ قَالَ حُذَافَةُ بْنُ غَانِمٍ الْعَدَوِيُّ
أَبُوكُمْ قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا ... بِهِ جَمَعَ اللَّهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرٍ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ قُصَيٌّ يُقَالَ لَهُ: قُرَيْشٌ، قِيلَ: مِنَ التَّجَمُّعِ.
وَالتَّقَرُّشُ: التَّجَمُّعُ كَمَا قَالَ أَبُو خَلْدَةَ الْيَشْكُرِيُّ
إِخْوَةٌ قَرَشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنَا ... فِي حَدِيثٍ مِنْ دَهْرِنَا وَقَدِيمِ
وَقِيلَ: سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ مِنَ التَّقَرُّشِ وَهُوَ التَّكَسُّبُ وَالتِّجَارَةُ، حَكَاهُ ابْنُ هِشَامٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْقِرْشُ الْكَسْبُ وَالْجَمْعُ، وَقَدْ قَرَشَ يَقْرِشُ قَالَ الْفَرَّاءُ: وَبِهِ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ وَهِيَ قَبِيلَةٌ، وَأَبُوهُمُ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِهِ فَهُوَ قُرَشِيٌّ دُونَ وَلَدِ كِنَانَةَ فَمَا فَوْقَهُ، وَقِيلَ: مِنَ التَّفْتِيشِ قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ تَسَمَّى قُرَيْشًا; لِأَنَّهُ كَانَ يَقْرُشُ عَنْ خَلَّةِ النَّاسِ، وَحَاجَتِهِمْ فَيَسُدُّهَا بِمَالِهِ وَالتَّقَرُّشِ هُوَ التَّفْتِيشُ وَكَانَ بَنُوهُ يَقْرُشُونَ أَهْلَ الْمَوْسِمِ عَنِ الْحَاجَّةِ فَيَرْفِدُونَهُمْ بِمَا يُبَلِّغُهُمْ بِلَادَهُمْ فَسُمُّوا بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَقَرْشِهِمْ قُرَيْشًا، وَقَدْ قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ فِي بَيَانِ أَنَّ التَّقَرُّشَ التَّفْتِيشُ
أَيُّهَا النَّاطِقُ الْمُقَرِّشُ عَنَّا ... عِنْدَ عَمْرٍو فَهَلْ لَهُ إِبْقَاءُ
حَكَى ذَلِكَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، وَقِيلَ: قُرَيْشٌ تَصْغِيرُ قِرْشٍ، وَهُوَ دَابَّةٌ فِي الْبَحْرِ.
قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ
وَقُرَيْشٌ هِي الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْرَ ... بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ ثنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْمَالِينِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنُ الْخَلِيلِ النَّسَوِيُّ أَنَّ أَبَا كُرَيْبٍ حَدَّثَهُمْ حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي رُكَانَةَ الْعَامِرِيِّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: فَلِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا؟ فَقَالَ: لِدَابَّةٍ تَكُونُ فِي الْبَحْرِ تَكُونُ أَعْظَمَ دَوَابِّهِ فَيُقَالَ لَهَا: الْقِرْشُ لَا تَمُرُّ بِشَيْءٍ مِنَ الْغَثِّ وَالسَّمِينِ إِلَّا أَكَلَتْهُ.
قَالَ: فَأَنْشِدْنِي فِي ذَلِكَ شَيْئًا فَأَنْشَدَهُ شِعْرَ الْجُمَحِيِّ إِذْ يَقُولُ
وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْرَ ... بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا
تَأْكُلُ الْغَثَّ وَالسَّمِينَ وَلَا ... تَتْرُكُ لِذِي الْجَنَاحَيْنِ رِيشَا
هَكَذَا فِي الْبِلَادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ... يَأْكُلُونَ الْبِلَادَ أَكْلًا كَمِيشَا
وَلَهُمْ آخِرَ الزَّمَانِ نَبِيٌّ ... يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيهِمْ وَالْخُمُوشَا
وَقِيلَ: سُمُّوا بِقُرَيْشِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ يَخْلُدَ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ وَكَانَ دَلِيلَ بَنِي النَّضْرِ، وَصَاحِبِ مِيرَتِهِمْ فَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ جَاءَتْ عِيرُ قُرَيْشٍ، قَالُوا: وَابْنُ بَدْرِ بْنِ قُرَيْشٍ هُوَ الَّذِي حَفَرَ الْبِئْرَ الْمَنْسُوبَةَ إِلَيْهِ، الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهَا الْوَقْعَةُ الْعُظْمَى يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُقَالُ فِي النِّسْبَةِ إِلَى قُرَيْشٍ: قُرَشِيُّ وَقُرَيْشِيُّ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَهُوَ الْقِيَاسُ قَالَ الشَّاعِرُ لِكُلِّ قُرَيْشِيٍّ عَلَيْهِ مَهَابَةٌ ... سَرِيعٌ إِلَى دَاعِي النَّدَا وَالتَّكَرُّمِ قَالَ: فَاذَا أَرَدْتَ بِقُرَيْشٍ الْحَيَّ صَرَفْتَهُ، وَإِنْ أَرَدْتَ الْقَبِيلَةَ مَنَعْتَهُ، قَالَ الشَّاعِرُ فِي تَرْكِ الصَّرْفِ: وَكَفَى قُرَيْشَ الْمُعْضِلَاتِ وَسَادَهَا وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُمَرَ وَالْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي شَدَّادٌ أَبُو عَمَّارٍ حَدَّثَنِي وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمَ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» قَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يُقَالَ: بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَصِيلَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَنُو هَاشِمٍ فَخِذُهُ، وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ بَطْنُهُ، وَقُرَيْشٌ عِمَارَتُهُ، وَبَنُو كِنَانَةَ قَبِيلَتُهُ، وَمُضَرُ شِعْبُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَوَلَدَ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ مَالِكًا وَيَخْلُدَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالصَّلْتَ، وَأُمُّهُمْ جَمِيعًا بِنْتُ سَعْدِ بْنِ الظَّرِبِ الْعَدْوَانِيِّ قَالَ كُثَيِّرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ أَحَدُ بَنِي مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ خُزَاعَةَ:
أَلَيْسَ أَبِي بِالصَّلْتِ أَمْ لَيْسَ إِخْوَتِي ... لِكُلِّ هِجَانٍ مِنْ بَنِي النَّضْرِ أَزْهَرَا
رَأَيْتُ ثِيَابَ الْعَصْبِ مُخْتَلِطَ السَّدَى ... بِنَا وَبِهِمْ وَالْحَضْرَمِيَّ الْمُخَصَّرَا
فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا مِنْ بَنِي النَّضْرِ فَاتْرُكُوا ... أَرَاكًا بِأَذْنَابِ الْفَوَائِجِ أَخْضَرَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَنُو مَلِيحِ بْنِ عَمْرٍو يُعْزَوْنَ إِلَى الصَّلْتِ بْنِ النَّضْرِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَوَلَدَ مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ فِهْرَ بْنَ مَالِكٍ، وَأُمُّهُ جَنْدَلَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْأَصْغَرُ، وَوَلَدَ فِهْرٌ غَالِبًا وَمُحَارِبًا وَالْحَارِثَ وَأَسَدًا، وَأُمُّهُمْ لَيْلَى بِنْتُ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأُخْتُهُمْ لِأَبَوَيْهِمْ جَنْدَلَةُ بِنْتُ فِهْرٍ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَوَلَدَ غَالِبُ بْنُ فِهْرٍ لُؤَيَّ بْنَ غَالِبٍ وَتَيْمَ بْنَ غَالِبٍ وَهُمُ الَّذِينَ