وَفِيهَا خَرَجَ جَمْعٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْعَرَبِ عَلَى الْحُجَّاجِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَعَطَّلُوا عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمُ الْحَجَّ فِي هَذَا الْعَامِ.
وَفِيهَا انْتَهَى تَارِيخُ ثَابِتِ بْنِ سِنَانِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قُرَّةَ وَأَوَّلُهُ مِنْ أَوَّلِ دَوْلَةِ الْمُقْتَدِرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ بِوَاسِطٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الشَّرِيفُ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوسَوِيُّ، وَلَمْ يَحْصُلْ لِأَحَدٍ حَجٌّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سِوَى مَنْ كَانَ مَعَهُ عَلَى دَرْبِ الْعِرَاقِ، وَقَدْ أَخَذَ بِالنَّاسِ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ فَتَمَّ حَجُّهُمْ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْعَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَبُو الْفَضْلِ الشِّيرَازِيُّ
الْوَزِيرُ لِعِزِّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارَ بْنِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَكَانَ مِنَ الْمُتَعَصِّبِينَ لِلسُّنَّةِ، عَكْسَ مَخْدُومِهِ، فَعَزَلَهُ، وَوَلَّى مُحَمَّدَ بْنَ بَقِيَّةَ الْبَابَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَحَبَسَ هَذَا، فَقُتِلَ فِي مَحْبِسِهِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْهَا، عَنْ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ فِيهِ ظُلْمٌ وَحَيْفٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ
الْمَعْرُوفُ بِغُلَامِ
الْخَلَّالِ، أَحَدُ مَشَاهِيرِ الْحَنَابِلَةِ الْأَعْيَانِ، وَمِمَّنْ صَنَّفَ وَجَمَعَ وَنَاظَرَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ وَطَبَقَتِهِ، وَكَانَ عُمُرُهُ يَوْمَ تُوُفِّيَ فَوْقَ الثَّمَانِينَ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَلَهُ " الْمُقْنِعُ " فِي مِائَةِ جُزْءٍ، وَ " الشَّافِي " فِي ثَمَانِينَ جُزْءًا، وَ " زَادُ الْمُسَافِرِ "، وَ " الْخِلَافُ مَعَ الشَّافِعِيِّ " وَكِتَابُ " الْقَوْلَيْنِ " وَ " مُخْتَصَرُ السُّنَّةِ " وَغَيْرُ ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ وَالْأُصُولِ.
عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو الْفَتْحِ الْبُسْتِيُّ
الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، لَهُ دِيوَانٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، لَهُ فِي الْمُطَابَقَةِ وَالْمُجَانَسَةِ يَدٌ طُولَى، وَمُبْتَكَرَاتٌ أُولَى، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظَمِ " مِنْ ذَلِكَ قِطْعَةً كَبِيرَةً مُرَتَّبَةً عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
إِذَا قَنِعْتُ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقُوتِ ... بَقِيتُ فِي النَّاسِ حُرًّا غَيْرَ مَمْقُوتِ
يَا قُوتَ يَوْمِي إِذَا مَا دَرَّ خَلْفُكَ لِي ... فَلَسْتُ آسَى عَلَى دُرٍّ وَيَاقُوتِ
وَلَهُ:
يَا أَيُّهَا السَّائِلُ عَنْ مَذْهَبِي ... لِيُقْتَدَى فِيهِ بِمِنْهَاجِي مِنْهَاجِيَ الْعَدْلُ وَقَمْعُ الْهَوَى ... فَهَلْ لِمِنْهَاجِيَ مِنْ هَاجِي وَلَهُ: أَفِدْ طَبْعَكَ الْمَكْدُودَ بِالْجِدِّ رَاحَةً ... تَجُمَّ وَعَلِّلْهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَزْحِ وَلَكِنْ إِذَا أَعْطَيْتَ ذَلِكَ فَلْيَكُنْ ... بِمِقْدَارِ مَا تُعْطِي الطَّعَامَ مِنَ الْمِلْحِ وَلَهُ: إِذَا خَدَمْتَ الْمُلُوكَ فَالْبَسْ ... مِنَ التَّوَقِّي أَعَزَّ مَلْبَسْ وَادْخُلْ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ أَعْمَى ... وَاخْرُجْ إِذَا مَا خَرَجْتَ أَخْرَسْ وَلَهُ: إِذَا شِئْتَ أَنْ تَلْقَى عَدُوَّكَ رَاغِمًا ... وَتَقْتُلَهُ هَمًّا وَتَحْرِقَهُ غَمَّا فَسَامِ الْعُلَا وَازْدَدْ مِنَ الْفَضْلِ إِنَّهُ ... مَنِ ازْدَادَ فَضْلًا زَادَ حَاسِدُهُ غَمَّا وَلَهُ: إِنَّ أَسْيَافَنَا الْعِضَابَ الدَّوَامِي ... صَيَّرَتْ مُلْكَنَا طَوِيلَ الدَّوَامِ لَمْ نَزَلْ نَحْنُ فِي سَدَادِ ثُغُورٍ ... وَاصْطِلَامِ الْأَعْدَاءِ مِنْ وَسْطِ لَامِ
وَاقْتِحَامِ الْأَهْوَالِ مِنْ وَقْتِ حَامٍ ... وَاقْتِسَامِ الْأَمْوَالِ مَنْ وَقْتِ سَامِ
وَلَهُ:
يَا خَادِمَ الْجِسْمِ كَمْ تَشْقَى بِخِدْمَتِهِ ... أَتَطْلُبُ الرِّبْحَ مِمَّا فِيهِ خُسْرَانُ
أَقْبِلْ عَلَى النَّفْسِ وَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا ... فَأَنْتَ بِالنَّفْسِ لَا بِالْجِسْمِ إِنْسَانُ
أَبُو فِرَاسِ بْنُ حَمْدَانَ الشَّاعِرُ
لَهُ دِيوَانٌ مَشْهُورٌ، اسْتَنَابَهُ أَخُوهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ عَلَى حَرَّانَ وَمَنْبِجَ، فَقَاتَلَ مَرَّةً الرُّومَ فَأُسِرَ، ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ، وَاتَّفَقَ مَوْتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَهُ شِعْرٌ رَائِقٌ وَمَعَانٍ حَسَنَةٌ.
وَقَدْ رَثَاهُ أَخُوهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ:
الْمَرْءُ نَصْبُ مَصَائِبٍ لَا تَنْقَضِي ... حَتَّى يُوَارَى جِسْمُهُ فِي رَمْسِهِ
فَمُؤَجَّلٌ يَلْقَى الرَّدَى فِي غَيْرِهِ ... وَمُعَجَّلٌ يَلْقَى الرَّدَى فِي نَفْسِهِ
وَاتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالَ: قُلْ فِي مَعْنَاهُمَا، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ:
مَنْ يَتَمَنَّ الْعُمُرَ فَلْيَتَّخِذْ ... صَبْرًا عَلَى فَقْدِ أَحِبَّائِهِ
وَمَنْ يُعَمَّرْ يَلْقَ فِي نَفْسِهِ ... مَا يَتَمَنَّاهُ لِأَعْدَائِهِ
كَذَا ذَكَرَ ابْنُ السَّاعِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ مِنْ شِعْرِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ فِي أَخِيهِ أَبِي فِرَاسٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظَمِ " مِنْ شِعْرِ أَبِي فِرَاسٍ نَفْسِهِ، وَأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ أَجَازَهُمَا بِالْبَيْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بَعْدَهُمَا.
وَذَكَرَ مِنْ شِعْرِ أَبِي فِرَاسٍ أَشْيَاءَ حَسَنَةً، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي قَصِيدَةٍ:
سَيَفْقِدُنِي قَوْمِي إِذَا جَدَّ جَدُّهُمْ ... وَفِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ يُفْتَقَدُ الْبَدْرُ
وَلَوْ سَدَّ غَيْرِي مَا سَدَدْتُ اكْتَفَوْا بِهِ ... وَمَا كَانَ يَغْلُو التِّبْرُ لَوْ نَفَقَ الصُّفْرُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي قَصِيدَةٍ:
إِلَى اللَّهِ أَشْكُو أَنَّنَا فِي مَنَازِلٍ ... تَحَكَّمُ فِي آسَادِهِنَّ كِلَابُ
فَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالْحَيَاةُ مَرِيرَةٌ ... وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالْأَنَامُ غِضَابُ
وَلَيْتَ الْذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَامِرٌ ... وَبَيْنِي وَبَيْنَ الْعَالَمِينَ خَرَابُ
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا جَاءَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ إِلَى وَاسِطٍ وَمَعَهُ وَزِيرُ أَبِيهِ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ الْعَمِيدِ، فَهَرَبَ مِنْهُ أَفْتِكِينُ فِي جَمَاعَةِ الْأَتْرَاكِ إِلَى بَغْدَادَ فَسَارَ وَرَاءَهُمْ، فَنَزَلَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَأَمَرَ بَخْتِيَارَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَحَصَرَ التُّرْكَ حَصْرًا شَدِيدًا، وَأَمَرَ أُمَرَاءَ الْأَعْرَابِ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى الْأَطْرَافِ، وَيَقْطَعُوا الْمِيرَةَ الْوَاصِلَةَ إِلَى بَغْدَادَ فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِبَغْدَادَ جِدًّا، وَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنَ الْمَعَاشِ مِنْ كَثْرَةِ الْعَيَّارِينَ وَالنَّهْبِ، وَكَبَسَ أَفْتِكِينُ الْبُيُوتَ لِطَلَبِ الطَّعَامِ، وَاشْتَدَّ الْحَالُ جِدًّا، ثُمَّ الْتَقَتِ الْأَتْرَاكُ وَعَضُدُ الدَّوْلَةِ، فَكَسَرَهُمْ وَهَرَبُوا إِلَى تِكْرِيتَ وَاسْتَحْوَذَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَلَى بَغْدَادَ وَمَا وَالَاهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَكَانَتِ التُّرْكُ قَدْ أَخْرَجُوا مَعَهُمُ الْخَلِيفَةَ، فَرَدَّهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ مُكَرَّمًا، وَنَزَلَ هُوَ بِدَارِ الْمُلْكِ، فَضَعُفَ أَمْرُ بَخْتِيَارَ جِدًّا، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ شَيْءٌ بِالْكُلِّيَّةِ، فَأَغْلَقَ بَابَهُ وَطَرَدَ الْحَجَبَةَ وَالْكَتَبَةَ عَنْ بَابِهِ، وَاسْتَعْفَى عَنِ الْإِمَارَةِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَشُورَةِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَاسْتَعْطَفَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ فِي الظَّاهِرِ، وَقَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ أَنْ لَا يَقْبَلَ، فَلَمْ يَقْبَلْ.
وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، فَصَمَّمَ بَخْتِيَارُ عَلَى الِامْتِنَاعِ ظَاهِرًا، فَأَلْزَمَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بِذَلِكَ، وَأَظْهَرَ لِلنَّاسِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَفْعَلُ هَذَا عَجْزًا مِنْهُ عَنِ الْقِيَامِ بِأَعْبَاءِ الْمُلْكِ
فَأَمَرَ بِالْقَبْضِ عَلَى بَخْتِيَارَ وَعَلَى أَهْلِهِ وَإِخْوَتِهِ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ لِلَّهِ وَسُرَّ بِهِ، وَأَظْهَرَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مِنْ تَعْظِيمِ الْخِلَافَةِ مَا كَانَ دَارِسًا، وَجَدَّدَ دَارَ الْخِلَافَةِ حَتَّى صَارَ كُلُّ مَحَلٍّ مِنْهَا آنِسًا، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِالْأَمْوَالِ الْكَثِيرَةِ وَالْأَمْتِعَةِ الْحَسَنَةِ، وَقَتَلَ جَمَاعَةَ الْمُفْسِدِينَ مِنْ مَرَدَةِ التُّرْكِ وَشُطَّارِ الْعَيَّارِينَ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَظُمَ الْبَلَاءُ بِالْعَيَّارِينَ بِبَغْدَادَ، وَأَحْرَقُوا سُوقَ بَابِ الشَّعِيرِ، وَأَخَذُوا أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَرَكِبُوا الْخُيُولَ، وَتَلَقَّبُوا بِالْقُوَّادِ، وَأَخَذُوا الْخَفَرَ مِنَ الْأَسْوَاقِ وَالدُّرُوبِ، وَعَظُمَتِ الْمِحْنَةُ بِهِمْ جِدًّا، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُمْ كَثِيرًا، حَتَّى إِنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ أَسْوَدَ كَانَ مُسْتَضْعَفًا نَجَمَ فِيهِمْ وَكَثُرَ مَالُهُ حَتَّى اشْتَرَى جَارِيَةً بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَلَمَّا حَصَلَتْ عِنْدَهُ حَاوَلَهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: مَاذَا تَكْرَهِينَ مِنِّي؟ قَالَتْ: أَكْرَهُكَ كُلَّكَ، فَقَالَ: فَمَا تُحِبِّينَ؟ فَقَالَتْ: تَبِيعُنِي، فَقَالَ: أَوَخَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَحَمَلَهَا إِلَى الْقَاضِي، فَأَعْتَقَهَا، وَأَعْطَاهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَأَطْلَقَهَا، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ حِلْمِهِ وَكَرَمِهِ مَعَ فِسْقِهِ وَتَمَرُّدِهِ.
قَالَ: وَوَرَدَ الْخَبَرُ فِي الْمُحَرَّمِ بِأَنَّهُ خُطِبَ لِلْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي الْمَوْسِمِ، وَلَمْ يُخْطَبْ لِلطَّائِعِ.
قَالَ: وَفِي رَجَبٍ مِنْهَا غَلَتِ الْأَسْعَارُ بِبَغْدَادَ جِدًّا حَتَّى بِيعَ الْكُرُّ الدَّقِيقُ الْحُوَّارَى بِمِائَةٍ وَنَيِّفٍ وَسَبْعِينَ دِينَارًا.
قَالَ: وَفِيهَا اضْمَحَلَّ أَمْرُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بْنِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَتَفَرَّقَ جُنْدُهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوَى بَغْدَادَ وَحْدَهَا، فَبَعَثَ إِلَى أَبِيهِ يَشْكُو لَهُ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ يَلُومُهُ عَلَى الْغَدْرِ بِابْنِ عَمِّهِ عِزِّ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى فَارِسَ بَعْدَمَا أَخْرَجَ ابْنَ عَمِّهِ بَخْتِيَارَ مِنَ السِّجْنِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَعَادَهُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ نَائِبًا لَهُ بِالْعِرَاقِ يَخْطُبُ لَهُ بِهَا، وَجَعَلَ مَعَهُ أَخَاهُ أَبَا إِسْحَاقَ أَمِيرَ الْجُيُوشِ لِضَعْفِ بَخْتِيَارَ عَنْ تَدْبِيرِ الْأُمُورِ، وَاسْتَمَرَّ ذَاهِبًا إِلَى بِلَادِ فَارِسَ وَذَلِكَ كُلُّهُ عَنْ أَمْرِ أَبِيهِ لَهُ بِذَلِكَ، وَغَضَبِهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ غَدْرِهِ بِابْنِ عَمِّهِ، وَتَكْرَارِ مُكَاتَبَاتِهِ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
وَلَمَّا سَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ تَرَكَ بَعْدَهُ وَزِيرَ أَبِيهِ أَبَا الْفَتْحِ بْنَ الْعَمِيدِ لِيَلْحَقَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَتَشَاغَلَ بِالْقَصْفِ مَعَ عِزِّ الدَّوْلَةِ وَاللَّعِبِ وَاللَّهْوِ، فَأَوْجَبَ ذَلِكَ وَحْشَةً بَيْنَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَبَيْنَ ابْنِ الْعَمِيدِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ هَلَاكِ ابْنِ الْعَمِيدِ، وَلَمَّا اسْتَقَرَّ عِزُّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارُ بِبَغْدَادَ وَمَلَكَ الْعِرَاقَ لَمْ يَفِ لِابْنِ عَمِّهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ عَاهَدَهُ عَلَيْهِ، وَلَا مَا كَانَ الْتَزَمَ لَهُ بِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، بَلْ تَمَادَى فِي ضَلَالِهِ الْقَدِيمِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى سَنَنِهِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ.
قَالَ: وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ تَزَوَّجَ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ لِلَّهِ شَاهْ نَازَ بِنْتَ عِزِّ الدَّوْلَةِ عَلَى صَدَاقٍ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَفِي سَلْخِ ذِي الْقَعْدَةِ عُزِلَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ أُمِّ شَيْبَانَ، وَقَلَّدَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مَعْرُوفٍ.
وَأَقَامَ الْحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَصْحَابُ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ، وَخُطِبَ لَهُ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ دُونَ الْخَلِيفَةِ الطَّائِعِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ أَخْذِ دِمَشْقَ مِنْ أَيْدِي الْفَاطِمِيِّينَ ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " كَامِلِهِ " أَنَّ أَفْتِكِينَ غُلَامَ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ الَّذِي كَانَ قَدْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْتَفَّ عَلَيْهِ عَسَاكِرُ وَجُيُوشٌ مِنَ الدَّيْلَمِ وَالتُّرْكِ وَالْأَعْرَابِ، نَزَلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى دِمَشْقَ لِيَأْخُذَهَا مِنْ أَيْدِي الْفَاطِمِيِّينَ، وَكَانَ عَلَيْهَا رَيَّانُ الْخَادِمُ مِنْ جِهَةِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ، فَلَمَّا نَزَلَ بِظَاهِرِهَا خَرَجَ إِلَيْهِ كُبَرَاؤُهَا وَشُيُوخُهَا، فَذَكَرُوا مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْغَشْمِ وَمُخَالَفَةِ الِاعْتِقَادِ بِسَبَبِ مُلْكِ الْفَاطِمِيِّينَ عَلَيْهِمْ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُصَمِّمَ عَلَى أَخْذِ الْبَلَدِ لِيَسْتَنْقِذَهَا مِنْهُمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ صَمَّمَ عَلَى أَخْذِهَا، وَلَمْ يَزَلْ حَتَّى أَخَذَهَا، وَأَخْرَجَ رَيَّانَ الْخَادِمَ مِنْهَا، وَاسْتَقَلَّ بِأَمْرِهَا، وَكَسَرَ أَهْلَ الشَّرِّ بِهَا، وَرَفَعَ أَهْلَ الْخَيْرِ، وَوَضَعَ الْعَدْلَ فِيهِمْ، وَقَمَعَ أَهْلَ اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ، وَكَفَّ أَيْدِيَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ عَاثُوا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَأَخَذُوا عَامَّةَ الْمَرْجِ وَالْغُوطَةِ، وَنَهَبُوا أَهْلَهَا.
وَلَمَّا اسْتَقَامَتِ الْأُمُورُ عَلَى يَدَيْهِ، وَصَلُحَ أَمْرُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِ، كَتَبَ إِلَيْهِ الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ مِنْ مِصْرَ يَشْكُرُ سَعْيَهُ وَيَطْلُبُهُ إِلَيْهِ ; لِيَخْلَعَ عَلَيْهِ وَيَجْعَلَهُ نَائِبًا مِنْ جِهَتِهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ وَخَافَ غَائِلَتَهُ، وَقَطَعَ خُطْبَتَهُ مِنَ الشَّامِ وَخَطَبَ لِلطَّائِعِ الْعَبَّاسِيِّ، ثُمَّ قَصَدَ صَيْدَا وَبِهَا خَلْقٌ مِنَ الْمَغَارِبَةِ عَلَيْهِمُ ابْنُ الشَّيْخِ، وَفِيهِمْ ظَالِمُ بْنُ مَوْهُوبٍ الْعُقَيْلِيُّ - الَّذِي كَانَ نَائِبًا عَلَى دِمَشْقَ لِلْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، فَأَسَاءَ بِهِمُ السِّيرَةَ - فَحَاصَرَهُمْ، وَلَمْ يَزَلْ حَتَّى أَخَذَ الْبَلَدَ مِنْهُمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنْ سَرَاتِهِمْ، ثُمَّ قَصَدَ طَبَرِيَّةَ فَفَعَلَ بِأَهْلِهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَزَمَ الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَيْهِ وَقِتَالِهِ.
فَبَيْنَمَا هُوَ يَجْمَعُ لَهُ وَيُرَتِّبُ الْجُيُوشَ إِذْ تُوفِّيَ الْمُعِزُّ بِمِصْرَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَامَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ الْعَزِيزُ، فَاطْمَأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ أَفْتِكِينُ بِالشَّامِ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، فَتَشَاوَرَ الْمِصْرِيُّونَ فِي أَمْرِهِ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ بَعَثُوا جَوْهَرًا الْقَائِدَ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ عَنْ رَأْيِ الْوَزِيرِ يَعْقُوبَ بْنِ كِلِّسٍ، فَلَمَّا تَجَهَّزَ جَوْهَرٌ الْقَائِدُ لِقَصْدِ الشَّامِ حَلَّفَ أَفْتِكِينُ أَهْلَ دِمَشْقَ عَلَى مُنَاصَرَتِهِ وَمُنَاصَحَتِهِ، فَحَلَفُوا لَهُ بِذَلِكَ.
وَجَاءَ جَوْهَرٌ فَحَصَرَ دِمَشْقَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ حَصْرًا شَدِيدًا، وَرَأَى مِنْ شَجَاعَةِ أَفْتِكِينَ مَا بَهَرَهُ، وَحِينَ طَالَ الْحَالُ أَشَارَ مَنْ أَشَارَ مِنَ الدَّمَاشِقَةِ عَلَى أَفْتِكِينَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْقِرْمِطِيِّ وَهُوَ بِالْأَحْسَاءِ ; لِيَجِيءَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَتَبَ إِلَيْهِ أَقْبَلَ لِنَصْرِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ جَوْهَرٌ بِقُدُومِهِ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَبْقَى بَيْنَ عَدُوَّيْنِ مِنْ دَاخِلِ الْبَلَدِ وَمِنْ خَارِجِهَا، فَارْتَحَلَ قَاصِدًا الرَّمْلَةَ فَتَبِعَهُ أَفْتِكِينُ وَالْقِرْمِطِيُّ فِي نَحْوٍ مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا، فَتَوَاقَعُوا عِنْدَ نَهْرِ الطَّوَاحِينِ عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ مِنَ الرَّمَلَةِ وَحَصَرُوا جَوْهَرًا بِالرَّمْلَةِ، فَضَاقَ حَالُهُ جِدًّا مِنْ قِلَّةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ حَتَّى أَشْرَفَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْهَلَاكِ، فَسَأَلَ أَنْ يَجْتَمِعَ هُوَ وَأَفْتِكِينُ عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَفَّقُ
لَهُ أَنْ يُطْلِقَهُ، لِيَرْجِعَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى أُسْتَاذِهِ شَاكِرًا لَهُ مُثْنِيًا عَلَيْهِ الْخَيْرَ، وَلَا يَسْمَعُ مِنَ الْقِرْمِطِيِّ رَأْيَهُ فِيهِ - وَكَانَ جَوْهَرٌ دَاهِيَةً - فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَنَدَّمَهُ الْقِرْمِطِيُّ، وَقَالَ: الرَّأْيُ أَنَّا كُنَّا نَحْصُرُهُمْ حَتَّى يَمُوتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، فَإِنَّهُ الْآنَ سَيَذْهَبُ إِلَى سَيِّدِهِ فَيُخْبِرُهُ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ إِلَيْنَا، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، فَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُ لَمَّا أَطْلَقَهُ أَفْتِكِينُ مِنَ الْحَصْرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَأْبٌ إِلَّا أَنَّهُ حَثَّ الْعَزِيزَ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى أَفْتِكِينَ بِنَفْسِهِ وَجُيُوشِهِ، فَأَقْبَلَ فِي جَحَافِلَ أَمْثَالِ الْجِبَالِ وَكَثْرَةٍ مِنَ الرِّجَالِ وَالْعُدَدِ وَالْأَثْقَالِ وَالْأَمْوَالِ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ جَوْهَرٌ الْقَائِدُ، وَجَمَعَ أَفْتِكِينُ وَالْقِرْمِطِيُّ الْجُيُوشَ وَالْأَعْرَابَ وَسَارُوا إِلَى الرَّمْلَةِ فَاقْتَتَلُوا فِي مُحَرَّمٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ.
وَلَمَّا تَوَاجَهُوا رَأَى الْعَزِيزُ مِنْ شَجَاعَةِ أَفْتِكِينَ مَا بَهَرَهُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَعْرِضُ عَلَيْهِ إِنْ أَطَاعَهُ وَرَجَعَ إِلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ مُقَدَّمَ عَسَاكِرِهِ وَأَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِ غَايَةَ الْإِحْسَانِ، فَتَرَجَّلَ أَفْتِكِينُ عَنْ فَرَسِهِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ نَحْوَ الْعَزِيزِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَقُولُ: لَوْ كَانَ هَذَا قَبْلَ هَذَا الْحَالِ لَأَمْكَنَنِي وَسَارَعْتُ وَأَطَعْتُ، وَأَمَّا الْآنَ فَلَا، ثُمَّ رَكِبَ فَرَسَهُ وَحَمَلَ عَلَى الْمَيْسَرَةِ، فَفَرَّقَ شَمْلَهَا، وَبَدَّدَ خَيْلَهَا وَرَجِلَهَا، فَبَرَزَ عِنْدَ ذَلِكَ الْعَزِيزُ مِنَ الْقَلْبِ، وَأَمَرَ الْمَيْمَنَةَ، فَحَمَلَتْ حَمْلَةً صَادِقَةً، فَانْهَزَمَ الْقِرْمِطِيُّ وَتَبِعَهُ بَقِيَّةُ الشَّامِيِّينَ، وَرَكِبَتِ الْمَغَارِبَةُ أَقَفِيَتَهُمْ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ مَنْ شَاءُوا، وَتَحَوَّلَ الْعَزِيزُ فَنَزَلَ خِيَامَ الشَّامِيِّينَ بِمَنْ مَعَهُ، وَأَرْسَلَ السَّرَايَا وَرَاءَهُمْ، وَجَعَلَ الْعَزِيزُ لَا يُؤْتَى بِأَسِيرٍ إِلَّا خَلَعَ عَلَى مَنْ جَاءَ بِهِ، وَجَعَلَ لِمَنْ جَاءَهُ بِأَفْتِكِينَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ.
فَاتَّفَقَ أَنَّ أَفْتِكِينَ عَطِشَ وَهُوَ مُنْهَزِمٌ عَطَشًا شَدِيدًا، فَاجْتَازَ بِمُفَرِّجِ بْنِ دَغْفَلٍ، وَكَانَ صَاحِبَهُ، فَاسْتَسْقَاهُ فَسَقَاهُ مَاءً وَأَنْزَلَهُ عِنْدَهُ فِي
بُيُوتِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْعَزِيزِ يُخْبِرُهُ بِأَنَّ الَّذِي يَطْلُبُ عِنْدَهُ، فَلْيَحْمِلْ إِلَيْهِ الذَّهَبَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَجَاءَ مَنْ تَسَلَّمَهُ مِنْهُ، فَلَمَّا أُحِيطَ بِأَفْتِكِينَ لَمْ يَشُكَّ أَنَّهُ مَقْتُولٌ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ حَضَرَ عِنْدَ الْعَزِيزِ أَكْرَمَهُ غَايَةَ الْإِكْرَامِ وَاحْتَرَمَهُ غَايَةَ الِاحْتِرَامِ، وَرَدَّ إِلَيْهِ حَوَاصِلَهُ وَأَمْوَالَهُ لَمْ يَفْقِدْ مِنْهَا شَيْئًا، وَجَعَلَهُ مِنْ أَخَصِّ أَصْحَابِهِ وَأُمَرَائِهِ، وَأَنْزَلَهُ إِلَى جَانِبِ مَنْزِلِهِ، وَرَجَعَ بِهِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مُكَرَّمًا مُعَظَّمًا، وَأَقْطَعَهُ هُنَالِكَ إَقْطَاعَاتٍ جَزِيلَةً، وَأَرْسَلَ إِلَى الْقِرْمِطِيِّ يَعْرِضُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ وَيُكْرِمَهُ كَمَا أَكْرَمَ أَفْتِكِينَ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَجَعَلَهَا لَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَكُفُّ بِهَا شَرَّهُ، وَلَمْ يَزَلْ أَفْتِكِينُ مُكَرَّمًا عِنْدَ الْعَزِيرِ، حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَزِيرِ يَعْقُوبَ بْنِ كِلِّسٍ، فَعَمِلَ عَلَيْهِ حَتَّى سَقَاهُ سُمًّا فَمَاتَ، وَحِينَ عَلِمَ الْخَلِيفَةُ بِذَلِكَ غَضِبَ عَلَى الْوَزِيرِ، وَحَبَسَهُ بِضْعًا وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَخَذَ مِنْهُ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ رَأَى أَنَّ لَا غِنَى بِهِ عَنِ الْوَزِيرِ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ السِّجْنِ وَأَعَادَهُ إِلَى الْوِزَارَةِ، وَذَهَبَ أَفْتِكِينُ فِي حَالِ سَبِيلِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
هَذَا مُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كَامِلِهِ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ: سُبُكْتِكِينُ الْحَاجِبُ التُّرْكِيُّ، مَوْلَى الْمُعِزِّ الدَّيْلَمِيِّ وَحَاجِبُهُ وَقَدْ تَرَقَّى فِي الْمَرَاتِبِ حَتَّى آلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ قَلَّدَهُ الطَّائِعُ الْإِمَارَةَ وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ اللِّوَاءَ، وَلَقَّبَهُ بِنُورِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ دَوْلَتِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ شَهْرَيْنِ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَدُفِنَ بِبَغْدَادَ، وَدَارُهُ هِيَ دَارُ الْمُلْكِ بِبَغْدَادَ، وَهِيَ دَارٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا، وَقَدِ اتَّفَقَ لَهُ
أَنَّهُ سَقَطَ يَوْمًا عَنْ فَرَسِهِ فَانْكَسَرَ ضِلْعُهُ، فَدَاوَاهُ الطَّبِيبُ حَتَّى اسْتَقَامَ ظَهْرُهُ وَقَدَرَ عَلَى الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعِ الرُّكُوعَ، فَأَعْطَاهُ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْأَمْوَالِ، وَكَانَ يَقُولُ لِلطَّبِيبِ: إِذَا ذَكَرْتُ مَرَضِي وَمُدَاوَاتَكَ لِي لَا أَقْدِرُ عَلَى مُكَافَأَتِكَ، وَلَكِنْ إِذَا تَذَكَّرْتُ وَضْعَكَ قَدَمَيْكَ عَلَى ظَهْرِي اشْتَدَّ غَيْظِي مِنْكَ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَقَدْ تَرَكَ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا، مِنْ ذَلِكَ أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ وَعَشَرَةُ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَصُنْدُوقَانِ مِنْ جَوْهَرٍ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ صُنْدُوقًا مِنَ الْبَلُّورِ، وَخَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ صُنْدُوقًا مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ، وَمِائَةٌ وَثَلَاثُونَ مَرْكَبًا مِنْ ذَهَبٍ، مِنْهَا خَمْسُونَ وَزْنُ كُلِّ وَاحِدٍ أَلْفُ دِينَارٍ، وَسِتُّمِائَةِ مَرْكَبٍ فِضَّةً، وَأَرْبَعَةُ آلَافِ ثَوْبٍ دِيبَاجًا، وَعَشَرَةُ آلَافِ دَبِيقِيٍّ وَعِتَّابِيٍّ، وَثَلَاثُمِائَةِ عِدْلٍ مَعْكُومَةٍ مِنَ الْفُرُشِ، وَثَلَاثَةُ آلَافِ فَرَسٍ وَبَغْلٍ، وَأَلْفُ جَمَلٍ، وَثَلَاثُمِائَةِ غُلَامٍ وَأَرْبَعُونَ خَادِمًا، وَذَلِكَ غَيْرُ مَا أَوْدَعَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الْبَزَّارِ صَاحِبِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا قَسَّمَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ مَمَالِكَهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ عِنْدَمَا كَبِرَتْ سِنُّهُ، فَجَعَلَ لِوَلَدِهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِلَادَ فَارِسَ وَكَرْمَانَ وَأَرَّجَانَ، وَلِوَلَدِهِ مُؤَيِّدِ الدَّوْلَةِ الرَّيَّ وَأَصْبَهَانَ، وَلِفَخْرِ الدَّوْلَةِ هَمْدَانَ وَالدِّينَوَرَ، وَجَعَلَ وَلَدَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ فِي كَنَفِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَأَوْصَاهُ بِهِ.
وَفِيهَا جَلَسَ قَاضِي الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مَعْرُوفٍ فِي دَارِ عِزِّ الدَّوْلَةِ وَفِي مَجْلِسِهِ عَنْ أَمْرِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ لِفَصْلِ الْحُكُومَاتِ، وَحَكَمَ بَيْنَ النَّاسِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ أَمِيرُ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ جِهَةِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ بَعْدَمَا حُوصِرَ أَهْلُ مَكَّةَ وَلَقُوا شِدَّةً عَظِيمَةً، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ عِنْدَهُمْ جِدًّا.
وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ذَهَبَ يُوسُفُ بُلُكِّينُ - نَائِبُ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ عَلَى بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ - إِلَى سَبْتَةَ فَأَشْرَفَ عَلَيْهَا مِنْ جَبَلٍ مُطِلٍّ عَلَيْهَا، فَجَعَلَ يَتَأَمَّلُ مِنْ أَيْنَ يُحَاصِرُهَا؟ نِصْفَ يَوْمٍ، فَخَافَهُ أَهْلُهَا خَوْفًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا إِلَى مَدِينَةٍ هُنَالِكَ يُقَالُ لَهَا: بَصْرَةُ، فِي الْمَغْرِبِ، فَأَمَرَ بِهَدْمِهَا
وَنَهْبِهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَدِينَةِ بَرْغَوَاطَةَ، وَبِهَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: عِيسَى ابْنُ أُمِّ الْأَنْصَارِ، وَهُوَ مَلِكُهَا، وَقَدِ اشْتَدَّتِ الْمِحْنَةُ بِهِ لِسِحْرِهِ وَشَعْبَذَتِهِ، وَادَّعَى أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَطَاعُوهُ، وَوَضَعَ لَهُمْ شَرِيعَةً يَقْتَدُونَ بِهِ فِيهَا، فَقَاتَلَهُمْ بُلُكِّينُ، فَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ هَذَا الْفَاجِرَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَنَهَبَ أَمْوَالَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، فَلَمْ يُرَ سَبْيٌ أَحْسَنُ أَشْكَالًا مِنْهُمْ، فِيمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمٍ أَبُو بَكْرٍ الْخُتُّلِيُّ
لَهُ مُسْنَدٌ كَبِيرٌ، رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي مُحَمَّدٍ الْكَجِّيِّ وَخَلْقٍ، وَرَوَى عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ ثِقَةً، قَارَبَ التِّسْعِينَ.
ثَابِتُ بْنُ سِنَانِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قُرَّةَ الصَّابِئُ
الْمُؤَرِّخُ، فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " الْكَامِلِ ".
الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، أَبُو عَلِيٍّ الْمَاسَرْجَسِيُّ
الْحَافِظُ، رَحَلَ وَسَمِعَ الْكَثِيرَ، وَصَنَّفَ مُسْنَدًا فِي أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ جُزْءٍ بِطُرُقِهِ وَعِلَلِهِ، وَلَهُ
" الْمَغَازِي " وَ " الْقَبَائِلُ "، وَخَرَّجَ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي بَيْتِهِ وَسَلَفِهِ تِسْعَةَ عَشَرَ مُحَدِّثًا.
تُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيُّ
الْكَبِيرُ الْمُفِيدُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْجَوَّالُ النَّقَّالُ الرَّحَّالُ، لَهُ كِتَابُ " الْكَامِلِ " فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، لَمْ يُسْبَقْ إِلَى مِثْلِهِ، وَلَا يُلْحَقُ فِي شَكْلِهِ.
قَالَ حَمْزَةُ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ: فِيهِ كِفَايَةٌ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ.
وُلِدَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي تُوَفِّيَ فِيهَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، وَتُوُفِّيَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ
بَانِي الْقَاهِرَةِ الْمُعِزِّيَّةِ، مَعَدُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو تَمِيمٍ
الْمُدَّعِي أَنَّهُ فَاطِمِيٌّ، صَاحِبُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مَلَكَهَا مِنَ الْفَاطِمِيِّينَ، وَكَانَ مُلْكُهُمْ بِبِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، فَلَمَّا كَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، بَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ جَوْهَرًا الْقَائِدَ، فَأَخَذَ لَهُ الْبِلَادَ الْمِصْرِيَّةَ مِنْ كَافُورٍ الْإِخْشِيدِيِّ بَعْدَ حُرُوبٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَاسْتَقَرَّتْ يَدُ جَوْهَرٍ الْقَائِدِ عَلَيْهَا، فَبَنَى بِهَا الْقَاهِرَةَ الْمُعِزِّيَّةَ، وَنَزَلَ الْمَلِكُ الْمَكَانَ الْمُسَمَّى بِالْقَصْرَيْنِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْخُطْبَةُ لِلْمُعِزِّ فِي سِنَةِ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَدِمَ الْمُعِزُّ كَمَا ذَكَرْنَا فِي جَحَافِلَ عَظِيمَةٍ، وَمَعَهُ الْأُمَرَاءُ مِنَ الْمَغَارِبَةِ وَالْأَكَابِرُ وَالْقُوَّادُ، وَحِينَ نَزَلَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ تَلَقَّاهُ وُجُوهُ النَّاسِ إِلَيْهَا، فَخَطَبَهُمْ بِهَا خُطْبَةً بَلِيغَةً افْتَخَرَ فِيهَا بِنَسَبِهِ وَمُلْكِهِ، وَادَّعَى أَنَّهُ يَعْدِلُ وَيُنْصِفُ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ رَحِمَ الْأُمَّةَ بِهِمْ، وَاسْتَنْقَذَهُمْ مِنْ أَيْدِي الظَّلَمَةِ إِلَى عَدْلِهِمْ وَإِنْصَافِهِمْ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَدَّعِي ظَاهِرَ الرَّفْضِ وَيُبْطِنُ - كَمَا قَالَ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ - الْكُفْرَ الْمَحْضَ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ طَاعَتِهِ وَمَنْ نَصَرَهُ وَوَالَاهُ، وَاتَّبَعَهُ فِي مَذْهَبِهِ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ وَإِيَّاهُ.
وَقَدْ أُحْضِرَ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ الزَّاهِدُ الْعَابِدُ التَّقِيُّ أَبُو بَكْرٍ النَّابُلُسِيُّ فَأُوقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْمُعِزُّ: بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ: لَوْ أَنَّ مَعِي عَشَرَةُ أَسْهُمٍ لَرَمَيْتُ الرُّومَ بِسَهْمٍ، وَرَمَيْتُ الْمُعِزِّيِّينَ بِتِسْعَةٍ، فَقَالَ: مَا قُلْتُ هَذَا، فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ رَجَعَ،
وَقَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَرْمِيَكُمْ بِتِسْعَةٍ، ثُمَّ يَرْمِيَكُمْ بِالْعَاشِرِ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّكُمْ غَيَّرْتُمْ دِينَ الْأُمَّةِ، وَقَتَلْتُمُ الصَّالِحِينَ، وَادَّعَيْتُمْ نُورَ الْإِلَهِيَّةِ، فَأَمَرَ بَإِشْهَارِهِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ، ثُمَّ ضُرِبَ بِالسِّيَاطِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ضَرْبًا شَدِيدًا مُبَرِّحًا، ثُمَّ أَمَرَ بِسَلْخِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَجِيءَ بِيَهُودِيٍّ فَجَعَلَ يَسْلُخُهُ، وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَأَخَذَتْنِي رِقَّةٌ عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغْتُ تِلْقَاءَ قَلْبِهِ طَعَنْتُهُ بِالسِّكِّينِ، فَمَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَقِيلَ لَهُ: الشَّهِيدُ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ بَنُو الشَّهِيدِ مِنْ أَهْلِ نَابُلُسَ إِلَى الْيَوْمِ.
وَقَدْ كَانَ الْمُعِزُّ ذَا شَهَامَةٍ وَقُوَّةٍ وَشِدَّةِ عَزْمٍ، وَلَهُ سِيَاسَةٌ، وَيُظْهِرُ أَنَّهُ يَعْدِلُ وَيَنْصُرُ الْحَقَّ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُنَجِّمًا يَعْتَمِدُ مَا يُرْصَدُ مِنْ حَرَكَاتِ النُّجُومِ، قَالَ لَهُ مُنَجِّمُهُ: إِنَّ عَلَيْكَ قُطْعًا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَتَوَارَ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ حَتَّى تَنْقَضِيَ هَذِهِ الْمُدَّةُ.
فَعَمِلَ لَهُ سِرْدَابًا، وَأَحْضَرَ الْأُمَرَاءَ، وَأَوْصَاهُمْ بِوَلَدِهِ نِزَارٍ، وَلَقَّبَهُ بِالْعَزِيزِ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ الْأَمْرَ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِمْ، فَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَدَخَلَ ذَلِكَ السِّرْدَابَ، فَتَوَارَى فِيهِ سَنَةً، فَكَانَتِ الْمَغَارِبَةُ إِذَا رَأَى الْفَارِسُ مِنْهُمْ سَحَابًا سَارِيًا تَرَجَّلَ عَنْ فَرَسِهِ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِالسَّلَامِ ظَانِّينَ أَنَّ الْمُعِزَّ فِي ذَلِكَ الْغَمَامِ ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: 54] ثُمَّ بَرَزَ إِلَى النَّاسِ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ، وَجَلَسَ فِي مَقَامِ الْمُلْكِ، وَحَكَمَ عَلَى عَادَتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، بَلْ عَاجَلَهُ الْقَضَاءُ الْمَحْتُومُ، وَالْحِينُ الْمَقْسُومُ، فَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ
أَيَّامِهِ فِي الْمُلْكِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ، مِنْهَا بِمِصْرَ سَنَتَانِ وَتِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَجُمْلَةُ عُمُرِهِ كُلِّهِ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ ; لِأَنَّهُ وُلِدَ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي حَادِي عَشَرَ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمِصْرَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَهِيَ هَذِهِ السَّنَةُ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا تُوُفِّيَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ بُوَيْهِ، وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ أَيَّامُ وِلَايَتِهِ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقَبْلَ مَوْتِهِ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ قَسَّمَ مُلْكَهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ عُمِلَتْ ضِيَافَةٌ فِي دَارِ ابْنِ الْعَمِيدِ بِأَصْبَهَانَ حَافِلَةٌ، حَضَرَهَا رُكْنُ الدَّوْلَةِ وَبَنُوهُ وَأَعْيَانُ دَوْلَتِهِ، فَعَهِدَ فِي هَذَا الْيَوْمِ إِلَى ابْنِهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَخَلَعَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَلَى إِخْوَتِهِ وَسَائِرِ الْأُمَرَاءِ الْأَقْبِيَةَ وَالْأَكْسِيَةَ عَلَى عَادَةِ الدَّيْلَمِ، وَحَيَّوْهُ بِالرَّيْحَانِ عَلَى عَادَتِهِمْ أَيْضًا، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، ثُمَّ تُوُفِّيَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ كَانَ سَائِسًا حَلِيمًا وَقُورًا، كَثِيرَ الصَّدَقَاتِ، مُحِبًّا لِلْعُلَمَاءِ، فِيهِ إِيثَارٌ وَكَرَمٌ كَثِيرٌ، وَحُسْنُ عِشْرَةٍ وَرِيَاسَةٍ عَلَى أَقَارِبِهِ وَدَوْلَتِهِ وَرَعِيَّتِهِ.
وَحِينَ تَمَكَّنَ ابْنُهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ قَصَدَ الْعِرَاقَ لِيَأْخُذَهَا مِنِ ابْنِ عَمِّهِ عِزِّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارَ لِسُوءِ سِيرَتِهِ وَرَدَاءَةِ سَرِيرَتِهِ، فَالْتَقَوْا فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِأَرْضِ الْأَهْوَازِ، فَهَزَمَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ، وَأَخَذَ أَثْقَالَهُ وَأَمْوَالَهُ، وَبَعَثَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَأَخَذَهَا، وَأَصْلَحَ بَيْنَ أَهْلِهَا حَيَّيْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، وَقَدْ كَانَ بَيْنَهُمَا خُلْفٌ مُتَقَادِمٌ مِنْ نَحْوِ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ مُضَرُ تَمِيلُ إِلَيْهِ، وَرَبِيعَةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اتَّفَقَ
الْحَيَّانِ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْفَرِيقَانِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَةُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ فَعَزَلَ عِزَّ الدَّوْلَةِ، وَقَبَضَ عَلَى وَزِيرِهِ ابْنِ بَقِيَّةَ ; لِأَنَّهُ اسْتَحْوَذَ عَلَى الْأُمُورِ دُونَهُ، وَجَبَى الْأَمْوَالَ إِلَى خَزَائِنِهِ، فَاسْتَظْهَرَ عِزُّ الدَّوْلَةِ بِمَا وَجَدَهُ مِنَ الْحَوَاصِلِ لِابْنِ بَقِيَّةَ، وَلَمْ يُبْقِ لَهُ مِنْهَا بَقِيَّةً.
وَكَذَلِكَ أَمَرَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بِالْقَبْضِ عَلَى وَزِيرِ أَبِيهِ أَبِي الْفَتْحِ بْنِ الْعَمِيدِ لِمَوْجِدَةٍ تَقَدَّمَتْ مِنْهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ سَلَفَ ذِكْرُهَا، وَلَمْ يَبْقَ لِبَنِي الْعَمِيدِ أَيْضًا فِي الْأَرْضِ بَقِيَّةٌ، وَقَدْ كَانَتِ الْأَكَابِرُ تَتَّقِي مِنْهُمُ التَّقِيَّةَ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ الْعَمِيدِ مِنَ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ بِأَوْفَرَ مَكَانٍ، فَخَانَتْهُ الْمَقَادِيرُ وَعَاجَلَهُ غَضَبُ السُّلْطَانِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ الرَّحْمَنِ.
وَفِي مُنْتَصَفِ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ مَنْصُورُ بْنُ نُوحٍ السَّامَانِيُّ - صَاحِبُ بِلَادِ خُرَاسَانَ - بِبُخَارَى، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ خَمْسَ عَشْرةَ سَنَةً، وَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ أَبُو الْقَاسِمِ نُوحٌ، وَكَانَ عُمُرُهُ إِذْ ذَاكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلُقِّبَ بِالْمَنْصُورِ.
وَفِيهَا تُوَفِّيَ الْحَكَمُ، وَلَقَبُهُ الْمُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ بْنُ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ، وَقَدْ كَانَ هَذَا مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ وَعُلَمَائِهِمْ، عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَالْخِلَافِ وَالتَّوَارِيخِ، مُحِبًّا لِلْعُلَمَاءِ، مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً وَسَبْعَةُ أَشْهُرٍ، مُدَّةُ خِلَافَتِهِ مِنْهَا خَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً وَخَمْسَةُ أَشْهُرٍ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ هِشَامٌ وَلَهُ عَشْرُ سِنِينَ، وَلُقِّبَ بِالْمُؤَيَّدِ بِاللَّهِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي أَيَّامِهِ، وَاضْطَرَبَتِ الرَّعَايَا عَلَيْهِ، وَحُبِسَ مُدَّةً، ثُمَّ أُخْرِجَ وَأُعِيدَ إِلَى الْخِلَافَةِ، وَقَامَ بِأَعْبَاءِ أَمْرِهِ حَاجِبُهُ الْمَنْصُورُ أَبُو عَامِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الْمُعَافِرِيُّ، وَابْنَاهُ الْمُظَفَّرُ وَالنَّاصِرُ، فَسَاسَ الرَّعَايَا جَيِّدًا، وَعَدَلَ فِيهِمْ، وَغَزَا الْأَعْدَاءَ، وَاسْتَقَرَّ لَهُمُ الْحَالُ كَذَلِكَ نَحْوًا مِنْ سِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
وَقَدْ سَاقَ ابْنُ الْأَثِيرِ هَاهُنَا قِطْعَةً مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَأَطَالَ شَرْحَهَا.
وَفِيهَا رَجَعَ مُلْكُ حَلَبَ إِلَى أَبِي الْمَعَالِي شَرِيفِ بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ أَبُوهُ وَقَامَ هُوَ مِنْ بَعْدِهِ تَغَلَّبَ مَوْلَاهُمْ قَرْعُوَيْهِ عَلَيْهِمْ، وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، فَسَارَ إِلَى أُمِّهِ بِمَيَّافَارِقِينَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ،
ثُمَّ جَاءَ فَنَزَلَ حُمَاةَ، وَكَانَتِ الرُّومُ قَدْ خَرَّبَتْ حِمْصَ فَسَعَى فِي عِمَارَتِهَا وَتَرْمِيمِهَا وَسَكَنَهَا، ثُمَّ إِنَّ قَرْعُوَيْهِ اسْتَنَابَ فِي حَلَبَ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ: بَكْجُورُ، فَتَغَلَّبَ عَلَيْهِ وَسَجَنَ مَوْلَاهُ قَرْعُوَيْهِ بِقَلْعَتِهَا نَحْوًا مِنْ سِتِّ سِنِينَ، فَكَتَبَ أَهْلُ حَلَبَ إِلَى أَبِي الْمَعَالِي وَهُوَ بِحِمْصَ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ فَحَاصَرَ حَلَبَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَافْتَتَحَهَا وَامْتَنَعَتِ الْقَلْعَةُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَحَصَّنَ بِهَا بَكْجُورُ ثُمَّ اصْطَلَحَ مَعَ أَبِي الْمَعَالِي عَلَى أَنْ يُؤَمِّنَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَيَسْتَنِيبَهُ بِحِمْصَ، فَفَعَلَ، فَنَابَ لَهُ بَكْجُورُ بِحِمْصَ، ثُمَّ انْتَقَلَ فِي وَقْتٍ إِلَى نِيَابَةِ دِمَشْقَ وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ هَذِهِ الْمَزْرَعَةُ ظَاهِرَ دِمَشْقَ مِنْ غَرْبِهَا، الَّتِي تُعْرَفُ بِالْقَصْرِ الْبَكْجُورِيِّ.
ابْتِدَاءُ مُلْكِ سُبُكْتِكِينَ، وَالِدِ مَحْمُودٍ صَاحِبِ غَزْنَةَ وَقَدْ كَانَ سُبُكْتِكِينَ مَوْلًى لِلْأَمِيرِ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ أَلِبْتِكِينَ صَاحِبِ جَيْشِ غَزْنَةَ وَأَعْمَالِهَا لِلسَّامَانِيَّةِ، وَلَيْسَ هَذَا بِحَاجِبِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ ذَاكَ، تُوُفِّيَ قَبْلَ هَذِهِ السَّنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا هَذَا فَإِنَّهُ لَمَّا مَاتَ مَوْلَاهُ لَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ مِنْ بَعْدِهِ لَا مِنْ وَلَدِهِ وَلَا مِنْ قَوْمِهِ، فَاصْطَلَحَ الْجَيْشُ عَلَى مُبَايَعَةِ سُبُكْتِكِينَ هَذَا ; لِخَيْرِهِ فِيهِمْ، وَحُسْنِ سِيرَتِهِ، وَكَمَالِ عَقْلِهِ، وَشَجَاعَتِهِ، وَدِيَانَتِهِ، فَاسْتَقَرَّ الْمُلْكُ بِيَدِهِ، وَاسْتَمَرَّ مِنْ بَعْدِهِ فِي وَلَدِهِ السَّعِيدِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، وَقَدْ غَزَا سُبُكْتِكِينُ هَذَا
بِلَادَ الْهِنْدِ، فَفَتَحَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ حُصُونِهِمْ، وَغَنِمَ شَيْئًا كَثِيرًا وَكَسَرَ مِنْ أَصْنَامِهِمْ وَنُذُورِهِمْ أَمْرًا هَائِلًا وَبَاشَرَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ حُرُوبًا تُشَيِّبُ الْوَلَدَانَ، وَقَدْ قَصَدَهُ جِيبَالُ مَلِكُ الْهِنْدِ بِنَفْسِهِ وَجُنُودِهِ الَّتِي تَعُمُّ السُّهُولَ وَالْجِبَالَ، فَكَسَرَهُ مَرَّتَيْنِ، وَرَدَّهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ فِي أَسْوَإِ حَالٍ وَأَرْدَإِ بَالٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كَامِلِهِ أَنَّ سُبُكْتِكِينَ لَمَّا الْتَقَى مَعَ جِيبَالَ مَلِكِ الْهِنْدِ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ عَيْنٌ فِي عَقَبَةِ غُورَكَ، مِنْ عَادَتِهِمْ أَنَّهُ إِذَا وُضِعَتْ فِيهَا نَجَاسَةٌ أَوْ قَذَرٌ، اكْفَهَرَّتِ السَّمَاءُ وَأَرْعَدَتْ وَأَبْرَقَتْ وَأَمْطَرَتْ، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى تُطَهَّرَ تِلْكَ الْعَيْنُ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي أُلْقِيَ فِيهَا، وَأَنَّ سُبُكْتِكِينَ أَمَرَ بِإِلْقَاءِ نَجَاسَةٍ فِي تِلْكَ الْعَيْنِ عِنْدَ ذَلِكَ - وَكَانَتْ قَرِيبَةً مِنْ نَحْرِ الْعَدُوِّ - فَلَمْ يَزَالُوا فِي رُعُودٍ وَبَرْوَقٍ وَأَمْطَارٍ وَصَوَاعِقَ حَتَّى أَلْجَأَهُمْ ذَلِكَ الْحَالُ إِلَى الْهَرَبِ وَالرُّجُوعِ إِلَى بِلَادِهِمْ خَائِبِينَ هَارِبِينَ، وَأَرْسَلَ مَلِكُ الْهِنْدِ يَطْلُبُ مِنْ سُبُكْتِكِينَ الصُّلْحَ، فَأَجَابَهُ بَعْدَ امْتِنَاعٍ مِنْ وَلَدِهِ مَحْمُودٍ، عَلَى مَالٍ جَزِيلٍ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ، وَبِلَادٍ كَثِيرَةٍ يُسَلِّمُهَا إِلَيْهِ، وَخَمْسِينَ فِيلًا وَرَهَائِنَ مِنْ رُءُوسِ قَوْمِهِ يَتْرُكُهَا عِنْدَهُ حَتَّى يَقُومَ بِمَا الْتَزَمَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ الْحَسَنِ الْجَنَّابِيُّ
صَاحِبُ هَجَرَ
وَمُقَدَّمُ الْقَرَامِطَةِ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ سِتَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ بِالسَّادَةِ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى تَدْبِيرِ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا، فَمَشَى حَالُهُمْ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ:
الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْقِرْمِطِيُّ
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَاسْمُ أَبِي سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ بَهْرَامٍ، وَيُقَالُ: الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ كُوذْكَارَ.
يُقَالُ: أَصْلُهُ مِنَ الْفُرْسِ.
قَالَ: وَيُعْرَفُ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذَا بِالْأَعْصَمِ.
قَالَ: وَوُلِدَ بِالْأَحْسَاءِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقَدْ تَغَلَّبَ عَلَى الشَّامِ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْأَحْسَاءِ بَعْدَ سَنَةٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَى دِمَشْقَ فِي سَنَةِ سِتِّينَ، وَكَسَرَ جَيْشَ جَعْفَرِ بْنِ فَلَاحٍ أَوَّلِ مَنْ نَابَ بِالشَّامِ عَنِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ وَقَتَلَهُ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى مِصْرَ، فَحَاصَرَهَا فِي مُسْتَهَلِّ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَاسْتَمَرَّ مُحَاصِرُهَا شُهُورًا، وَقَدْ كَانَ اسْتَخْلَفَ عَلَى دِمَشْقَ ظَالِمَ بْنَ مَوْهُوبٍ الْعُقَيْلِيَّ،
ثُمَّ عَادَ إِلَى الْأَحْسَاءِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرَّمْلَةِ فَتُوفِّيَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ قَارَبَ التِّسْعِينَ، وَهُوَ يُظْهِرُ طَاعَةَ عَبْدِ الْكَرِيمِ الطَّائِعِ لِلَّهِ بْنِ الْمُطِيعِ.
وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَشْعَارًا حَسَنَةً رَائِقَةً فَائِقَةً، مِنْ ذَلِكَ مَا كَتَبَ بِهِ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ فَلَاحٍ قَبْلَ الْحَرْبِ بَيْنَهُمَا:
الْكُتْبُ مُعْذِرَةٌ وَالرُّسْلُ مُخْبِرَةٌ ... وَالْحُقُّ مُتَّبَعٌ وَالْخَيْرُ مَوْجُودُ
وَالْحَرْبُ سَاكِنَةٌ وَالْخَيْلُ صَافِنَةٌ ... وَالسِّلْمُ مُبْتَذَلٌ وَالظِّلُّ مَمْدُودُ
فَإِنْ أَنَبْتُمْ فَمَقْبُولٌ إِنَابَتُكُمْ ... وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَهَذَا الْكُورُ مَشْدُودُ
عَلَى ظُهُورِ الْمَطَايَا أَوْ تَرِدْنَ بِنَا ... دِمَشْقَ وَالْبَابُ مَهْدُومٌ وَمَرْدُودُ
إِنِّي امْرُؤٌ لَيْسَ مِنْ شَأْنِي وَلَا أَرَبِي ... طَبْلٌ يَرِنُّ وَلَا نَايٌ وَلَا عُودُ
وَلَا اعْتِكَافٌ عَلَى خَمْرٍ وَمِجْمَرَةٍ ... وَذَاتِ دَلٍّ لَهَا دَلٌّ وَتَفْنِيدُ
وَلَا أَبِيتُ بَطِينَ الْبَطْنِ مِنْ شِبَعٍ ... وَلِي رَفِيقٌ خَمِيصُ الْبَطْنِ مَجْهُودُ
وَلَا تَسَامَتْ بِيَ الدُّنْيَا إِلَى طَمَعٍ ... يَوْمًا وَلَا غَرَّنِي فِيهَا الْمَوَاعِيدُ
وَمِنْ شَعْرِهِ أَيْضًا:
يَا سَاكِنَ الْبَلَدِ الْمُنِيفِ تَعُزُّزًا ... بِقِلَاعِهِ وَحُصُونِهِ وَكُهُوفِهِ
لَا عِزَّ إِلَّا لِلْعَزِيزِ بِنَفْسِهِ ... وَبِخَيْلِهِ وَبِرَجْلِهِ وَسُيُوفِهِ
وَبِقُبَّةٍ بَيْضَاءَ قَدْ ضُرِبَتْ عَلَى ... شَرَفِ الْخِيَامِ بِجَارِهِ وَحَلِيفِهِ
قَوْمٌ إِذَا اشْتَدَّ الْوَغَى أَرْدَى الْعِدَا ... وَشَفَى النُّفُوسَ بِضَرْبِهِ وَوُقُوفِهِ
لَمْ يَرْضَ بِالشَّرَفِ التَّلِيدِ لِنَفْسِهِ ... حَتَّى أَشَادَ تَلِيدُهُ بِطَرِيفِهِ
وَفِيهَا تَمَلَّكَ قَابُوسُ بْنُ وُشْمَكِيرَ بِلَادَ جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ وَتِلْكَ النَّوَاحِي.
وَفِيهَا دَخَلَ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ بِشَاهْ نَازَ بِنْتِ عِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَكَانَ عُرْسًا حَافِلًا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ حَجَّتْ جَمِيلَةُ بِنْتُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ فِي تَجَمُّلٍ عَظِيمٍ، كَانَ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِحَجِّهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا عَمِلَتْ أَرْبَعَمِائَةِ مَحْمَلٍ، فَلَا يُدْرَى فِي أَيِّهَا هِيَ، وَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ، نَثَرَتْ عَلَيْهَا عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَكَسَتِ الْمُجَاوِرِينَ بِالْحَرَمَيْنِ كُلَّهُمْ، وَأَنْفَقَتْ أَمْوَالًا جَزِيلَةً فِي ذَهَابِهَا وَإِيَابِهَا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ مِنَ الْعِرَاقِ الشَّرِيفُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُلْوِيُّ، وَكَذَلِكَ حَجَّ بِالنَّاسِ إِلَى سَنَةِ ثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ،
وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِالْحَرَمَيْنِ لِلْفَاطِمِيِّينَ أَصْحَابِ مِصْرَ دُونَ الْعَبَّاسِيِّينَ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ سَالِمٍ، أَبُو عَمْرٍو السُّلَمِيُّ
صَحِبَ الْجُنَيْدَ وَغَيْرَهُ، وَرَوَى الْحَدِيثَ، وَكَانَ ثِقَةً.
وَمِنْ جِيِّدِ كَلَامِهِ: مَنْ لَمْ تُهَذِّبْكَ رُؤْيَتُهُ، فَلَيْسَ بِمُهَذَّبٍ.
وَقَدِ احْتَاجَ شَيْخُهُ أَبُو عُثْمَانَ مَرَّةً إِلَى شَيْءٍ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فِيهِ، فَجَاءَهُ ابْنُ نُجَيْدٍ بِكِيسٍ فِيهِ أَلْفَا دِرْهَمٍ، فَقَبَضَهُ مِنْهُ، وَجَعَلَ يَشْكُرُهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ نُجَيْدٍ: يَا سَيِّدِي إِنَّ الْمَالَ الَّذِي دَفَعْتُهُ إِلَيْكَ كَانَ مِنْ مَالِ أُمِّي، وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَأُحِبُّ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيْهَا، فَأَعْطَاهُ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ جَاءَهُ بِهَا، وَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ تَصْرِفَهَا فِي أَمْرِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ أَحَدٌ، فَكَانَ أَبُو عُثْمَانَ يَقُولُ: أَنَا أَخْشَى مِنْ هِمَّةِ أَبِي عَمْرِو بْنِ نُجَيْدٍ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَسَنُ بْنُ بُوَيْهِ، أَبُو عَلِيٍّ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ
عَرَضَ لَهُ قُولَنْجٌ، فَمَاتَ لَيْلَةَ السَّبْتِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا، وَكَانَتْ مُدَّةُ إِمَارَتِهِ أَرْبَعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَشَهْرًا وَتِسْعَةَ أَيَّامٍ، وَمُدَّةُ عُمُرِهِ ثَمَانٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَكَانَ حَلِيمًا كَرِيمًا.
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَفْلَحَ بْنِ رَافِعِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَفْلَحَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْأَنْصَارِيُّ الزُّرَقِيُّ
كَانَ نَقِيبَ الْأَنْصَارِ بِبَغْدَادَ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ ثِقَةً، يَعْرِفُ أَيَّامَ الْأَنْصَارِ وَمَنَاقِبَهُمْ وَأُمُورَهُمْ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، أَبُو الْحَسَنِ السَّرَّاجُ
سَمِعَ يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ الْقَاضِي وَغَيْرَهُ، وَكَانَ شَدِيدَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ، صَلَّى حَتَّى أُقْعِدَ، وَبَكَى حَتَّى عَمِيَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
الْقَاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو الْحَكَمِ الْبَلُّوطِيُّ
الظَّاهِرِيُّ مَذْهَبًا، قَاضِي قُضَاةِ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ إِمَامًا فَقِيهًا عَالِمًا فَصِيحًا خَطِيبًا شَاعِرًا دَيِّنًا كَثِيرَ الْفَضْلِ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ وَاخْتِيَارَاتٌ، مِنْهَا أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي أُدْخِلَهَا آدَمُ وَأُخْرِجَ مِنْهَا كَانَتْ فِي الْأَرْضِ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفٌ مُفْرَدٌ، لَهُ وَقْعٌ فِي النُّفُوسِ، وَلَهُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
دَخَلَ يَوْمًا عَلَى النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ، وَقَدْ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَدِينَةِ الزَّهْرَاءِ وَقُصُورِهَا، وَقَدْ بُنِيَ لَهُ فِيهَا قَصْرٌ عَظِيمٌ مُنِيفٌ وَزُخُرِفَ بِأَنْوَاعِ الدِّهَانَاتِ وَالسُّتُورِ، وَجَلَسَ عِنْدَهُ رُءُوسُ دَوْلَتِهِ وَأُمَرَاؤُهُ، وَجَاءَ الْقَاضِي فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِهِ، وَجَعَلَ الْحَاضِرُونَ يُثْنُونَ عَلَى هَذَا الْبِنَاءِ، وَالْقَاضِي سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ، وَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ فَبَكَى الْقَاضِي، وَانْحَدَرَتْ دُمُوعُهُ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَقَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الشَّيْطَانَ - أَخْزَاهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَبْلُغُ مِنْكَ هَذَا الْمَبْلَغَ، وَلَا أَنَّكَ تُمَكِّنُهُ مِنْ قِيَادِكَ هَذَا التَّمْكِينَ، مَعَ مَا آتَاكَ اللَّهُ، وَفَضَّلَكَ بِهِ، حَتَّى أَنْزَلَكَ مَنَازِلَ الْكَافِرِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 33]
[الزُّخْرُفِ: 33 - 35] قَالَ: فَوَجَمَ الْمَلِكُ عِنْدَ ذَلِكَ وَبَكَى، وَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، وَأَكْثَرَ فِي الْمُسْلِمِينَ مِثْلَكَ.
وَقَدْ قَحَطَ فِي بَعْضِ السِّنِينَ، فَأَمَرَ الْمَلِكُ الْقَاضِيَ مُنْذِرَ بْنَ سَعِيدٍ الْبَلُّوطِيَّ أَنْ يَسْتَسْقِيَ بِالنَّاسِ، فَلَمَّا جَاءَتْهُ الرِّسَالَةُ بِذَلِكَ لِيَخْرُجَ مِنَ الْغَدِ، قَالَ لِلرَّسُولِ: كَيْفَ تَرَكْتَ الْمَلِكَ وَمَا حَالُهُ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ أَخْشَعَ مَا يَكُونُ وَأَكْثَرَهُ دُعَاءً، فَقَالَ الْقَاضِي: رُحِمْتُمْ وَسُقِيتُمْ وَاللَّهِ، إِذَا خَشَعَ جَبَّارُ الْأَرْضِ، رَحِمَ جَبَّارُ السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ لِغُلَامِهِ: اخْرُجْ بِالْمِمْطَرِ مَعَكَ، فَلَمَّا خَرَجَ النَّاسُ، وَجَاءَ الْقَاضِي صَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَسْتَمِعُونَ لِمَا يَقُولُ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ كَانَ أَوَّلَ مَا خَاطَبَهُمْ بِهِ أَنْ قَالَ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةِ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54] ثُمَّ أَعَادَهَا، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي الْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ وَالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى سُقُوا، وَرَجَعُوا يَخُوضُونَ الْمَاءَ.
وَقَدْ صَنَّفَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مُصَنَّفًا فِي مَنَاقِبِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمَرْزُبَانِ الْبَغْدَادِيُّ
الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهَ بِأَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَطَّانِ، وَأَخَذَ عَنْهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ كَانَ وَرِعًا زَاهِدًا لَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ، وَلَهُ وَجْهٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَكَانَ لَهُ دَرْسٌ بِبَغْدَادَ.
تُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَادَ وَخَرَجَ مِنْهَا عِزُّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارُ بْنُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَاتَّبَعَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ لِيُقَاتِلَهُ، وَأَخَذَ مَعَهُ الْخَلِيفَةَ الطَّائِعَ لِلَّهِ فَاسْتَعْفَاهُ الْخَلِيفَةُ مِنَ الْخُرُوجِ فَأَعْفَاهُ، وَسَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ وَرَاءَهُ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا، ثُمَّ قُتِلَ سَرِيعًا، وَتَصَرَّمَتْ دَوْلَتُهُ، وَاسْتَقَرَّ أَمْرُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِبَغْدَادَ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الْخِلَعَ السَّنِيَّةَ وَالْأَسْوِرَةَ فِي يَدَيْهِ وَالطَّوْقَ فِي عُنُقِهِ، وَأَعْطَاهُ لِوَاءَيْنِ ; أَحَدُهُمَا فِضَّةٌ وَالْآخَرُ ذَهَبٌ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الثَّانِي يَصْنَعُهُ إِلَّا لِأَوْلِيَاءِ الْعَهْدِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ بِتُحَفٍ سَنِيَّةٍ، وَبَعَثَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْخَلِيفَةِ أَمْوَالًا جَزِيلَةً مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَاسْتَقَرَّتْ يَدُهُ عَلَى بَغْدَادَ وَمَا وَالَاهَا مِنَ الْبِلَادِ.
وَزُلْزِلَتْ بَغْدَادُ مِرَارًا فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَزَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَانْبَثَقَتْ بُثُوقٌ كَثِيرَةٌ، غَرِقَ بِسَبَبِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ.
وَقِيلَ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ: إِنَّ أَهْلَ بَغْدَادَ قَدْ قَلُّوا كَثِيرًا بِسَبَبِ الطَّاعُونِ وَمَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْفِتَنِ بِسَبَبِ الرَّفْضِ وَالسُّنَّةِ، وَأَصَابَهُمْ حَرِيقٌ وَغَرَقٌ، فَقَالَ: إِنَّمَا يُهَيِّجُ
الشَّرَّ بَيْنَ النَّاسِ فِي السُّنَّةِ وَالرَّوَافِضِ هَؤُلَاءِ الْقُصَّاصُ وَالْوُعَّاظُ، ثُمَّ رَسَمَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَقُصُّ وَلَا يَعِظُ فِي سَائِرِ بَغْدَادَ وَلَا يَسْأَلُ سَائِلٌ بَاسِمِ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا يَقْرَأُ السَّائِلُ الْقُرْآنَ، فَمَنْ أَعْطَاهُ أَخَذَ مِنْهُ.
فَعُمِلَ بِذَلِكَ فِي الْبَلَدِ ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ بْنَ سَمْعُونَ الْوَاعِظَ - وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ - قَدِ اسْتَمَرَّ يَعِظُ النَّاسَ عَلَى عَادَتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ جَاءَ بِهِ، فَأُخِذَ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا دَخَلْتَ عَلَى الْمَلِكِ، فَقَبِّلِ التُّرَابَ، وَتَوَاضَعْ فِي الْخِطَابِ وَالْجَوَابِ.
فَلَمَّا دَخَلَ دَارَ الْمَلِكِ وَجَدَ السُّلْطَانَ قَدْ جَلَسَ فِي حُجْرَةٍ وَحْدَهُ، لِئَلَّا يَنْدُرَ مِنِ ابْنِ سَمْعُونَ فِي حَقِّهِ كَلَامٌ بِحَضْرَةِ النَّاسِ يُؤْثَرُ عَنْهُ، وَدَخَلَ الْحَاجِبُ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِيَسْتَأْذِنَ لَهُ عَلَيْهِ، فَوَجَدَهُ قَدْ دَخَلَ وَرَاءَهُ، فَإِذَا الْمَلِكُ جَالِسٌ وَحْدَهُ، فَتَنَحَّى ابْنُ سَمْعُونَ بِوَجْهِهِ نَحْوَ دَارِ عِزِّ الدَّوْلَةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102] ثُمَّ اسْتَدَارَ نَحْوَ الْمَلِكِ، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 14] ثُمَّ أَخَذَ فِي مُخَاطَبَةِ الْمَلِكِ وَوَعْظِهِ، فَبَكَى عَضُدُ الدَّوْلَةِ بُكَاءً كَثِيرًا، وَجَزَاهُ خَيْرًا.
فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ لِلْحَاجِبِ: اذْهَبْ فَخُذْ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَعَشْرَةَ أَثْوَابٍ، وَادْفَعْهَا إِلَيْهِ ; لِنَفْسِهِ أَوْ لِنَفَقَةِ أَهْلِهِ، فَإِنْ قَبِلَهَا جِئْنِي بِرَأْسِهِ، قَالَ الْحَاجِبُ: فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ: هَذِهِ أَثْوَابٌ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْكَ الْمَلِكُ لِتَلْبِسَهَا، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهَا ; هَذِهِ ثِيَابِي مِنْ عَهْدِ أَبِي مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، كُلَّمَا خَرَجْتُ إِلَى النَّاسِ لَبِسْتُهَا، فَإِذَا رَجَعْتُ طَوَيْتُهَا.
قُلْتُ: وَهَذِهِ نَفَقَةٌ، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا ;
لِي دَارٌ آكُلُ مِنْ أُجْرَتِهَا، تَرَكَهَا لِي أَبِي فَأَنَا فِي غُنْيَةٍ عَنْهَا.
فَقُلْتُ: فَرِّقْهَا فِي فُقَرَاءِ أَهْلِكَ، فَقَالَ: أَهْلُهُ أَحَقُّ مِنْ أَهْلِي وَأَفْقَرُ إِلَيْهَا مِنْهُمْ.
فَرَجَعْتُ إِلَى الْمَلِكِ لِأُشَاوِرَهُ وَأُخْبِرَهُ بِمَا قَالَ، فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَلَّمَهُ مِنَّا، وَسَلَّمَنَا مِنْهُ.
ثُمَّ إِنَّ عَضُدَ الدَّوْلَةِ أَخَذَ ابْنَ بَقِيَّةَ الْوَزِيرَ لِعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَأَمَرَ بِهِ، فَوُضِعَ بَيْنَ قَوَائِمِ الْفِيَلَةِ، فَتَخَبَّطَتْهُ بِأَرْجُلِهَا حَتَّى هَلَكَ، ثُمَّ صُلِبَ عَلَى رَأْسِ الْجِسْرِ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا، فَرَثَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ بِأَبْيَاتٍ يَقُولُ فِيهَا:
عُلُوٌّ فِي الْحَيَاةِ وَفِي الْمَمَاتِ ... بِحَقٍّ أَنْتَ إِحْدَى الْمُعْجِزَاتِ
كَأَنَّ النَّاسَ حَوْلَكَ حِينَ قَامُوا ... وُفُودُ نَدَاكَ أَيَّامَ الصِّلَاتِ
كَأَنَّكَ وَاقِفٌ فِيهَمْ خَطِيبًا ... وَكُلُّهُمْ وَقُوفٌ لِلصَّلَاةِ
مَدَدْتَ يَدَيْكَ نَحْوَهُمُ احْتِفَاءً ... كَمَدِّهِمَا إِلَيْهِمْ بِالْهِبَاتِ
وَهِيَ قَصِيدَةٌ طَوِيلَةٌ، أَوْرَدَ كَثِيرًا مِنْهَا ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كَامِلِهِ.
صِفَةُ مَقْتَلِ عِزِّ الدِّينِ بَخْتِيَارَ بْنِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَأَخْذِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ الْمَوْصِلَ وَأَعْمَالَهَا لَمَّا دَخَلَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بَغْدَادَ وَتَسَلَّمَهَا مِنْ عِزِّ الدَّوْلَةِ وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا ذَلِيلًا طَرِيدًا
فِي فَلٍّ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْ عَزْمِ عِزِّ الدَّوْلَةِ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى الشَّامِ فَيَأْخُذَهَا، وَقَدْ حَلَّفَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِأَبِي تَغْلِبَ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ وَذَلِكَ لِمَوَدَّةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا وَمُكَاتَبَةٍ وَمُرَاسَلَاتٍ مِنْهُمَا، فَحَلَفَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَحِينَ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ كَانَ مَعَهُ حَمْدَانُ بْنُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، فَحَسَّنَ لِعِزِّ الدَّوْلَةِ أَخْذَ بِلَادِ الْمَوْصِلِ ; لِأَنَّهَا أَطْيَبُ وَأَكْثَرُ مَالًا، وَأَقْرَبُ إِلَيْهِ الْآنَ، وَكَانَ عِزُّ الدَّوْلَةِ ضَعِيفَ الْعَقْلِ، قَلِيلَ الدِّينِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَبَا تَغْلِبَ، أَرْسَلَ إِلَى عِزِّ الدَّوْلَةِ يَقُولُ لَهُ: لَئِنْ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِأَخِي حَمْدَانَ بْنِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ أَعَنْتُكَ بِجَيْشِي وَبِنَفْسِي حَتَّى أَرُدَّكَ إِلَى مُلْكِ بَغْدَادَ وَأُقَاتِلُ مَعَكَ عَضُدَ الدَّوْلَةِ.
فَأَمْسَكَ حَمْدَانَ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى عَمِّهِ أَبِي تَغْلِبَ، فَسَجَنَهُ فِي بَعْضِ الْقِلَاعِ.
وَبَلَغَ ذَلِكَ عَضُدَ الدَّوْلَةِ، وَأَنَّهُمَا قَدِ اجْتَمَعَا عَلَى حَرْبِهِ، فَرَكِبَ إِلَيْهِمَا بِجَيْشِهِ، وَأَرَادَ إِخْرَاجَ الْخَلِيفَةِ الطَّائِعِ مَعَهُ، فَاسْتَعْفَاهُ فَأَعْفَاهُ، وَاسْتَمَرَّ هُوَ ذَاهِبًا إِلَيْهِمَا فَالْتَقَى مَعَهُمَا، فَكَسَرَهُمَا وَهَزَمَهُمَا، وَأَخَذَ عِزَّ الدَّوْلَةِ أَسِيرًا، فَلَمَّا جِيءَ بِهِ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ، بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ فِي الْحَالِ، ثُمَّ سَارَ مِنْ فَوْرِهِ، فَأَخَذَ الْمَوْصِلَ وَمُعَامَلَتَهَا، وَكَانَ قَدْ حَمَلَ مَعَهُ مِيرَةً كَثِيرَةً، وَتَشَرَّدَ أَبُو تَغْلِبَ فِي الْبِلَادِ، وَبَعَثَ وَرَاءَهُ السَّرَايَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَأَقَامَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بِالْمَوْصِلِ وَضَيَّقَ عَلَى أَبِي تَغْلِبَ تِلْكَ الْبِلَادَ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى أَكْثَرِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ بِصَرَامَتِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَهِمَّتِهِ وَعَزِيمَتِهِ، وَأَقَامَ بِالْمَوْصِلِ إِلَى أَوَاخِرِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، وَفَتَحَ مَيَّافَارِقِينَ وَآمِدَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ بِلَادِ بَكْرٍ وَرَبِيعَةَ، وَتَسَلَّمَ بِلَادَ مُضَرَ مِنْ أَيْدِي نُوَّابِ أَبِي تَغْلِبَ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الرَّحْبَةَ، وَرَدَّ بَقِيَّتَهَا عَلَى صَاحِبِ
حَلَبَ سَعْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، وَتَسَلَّطَ سَعْدُ الدَّوْلَةِ عَلَى بِلَادِ عَمِّهِ أَبِي تَغْلِبَ يَتَسَلَّمُهَا بَلَدًا بَلَدًا، وَحِينَ رَجَعَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مِنَ الْمَوْصِلِ اسْتَنَابَ عَلَيْهَا أَبَا الْوَفَاءِ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَادَ فَتَلَقَّاهُ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ لِلَّهِ وَرُءُوسُ النَّاسِ إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَمِمَّا وَقَعَ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْوَقْعَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ وَبَيْنَ أَفْتِكِينَ غُلَامِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ صَاحِبِ دِمَشْقَ فَهَزَمَهُ، وَأَسَرَهُ، وَأَخَذَهُ مَعَهُ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مُكَرَّمًا مُعَظَّمًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَسَلَّمُ الْعَزِيزُ دِمَشْقَ وَأَعْمَالَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ بَسْطُ هَذِهِ الْكَائِنَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَفِيهَا خُلِعَ عَلَى الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُعْتَزِلِيِّ بِقَضَاءِ قُضَاةِ الرَّيِّ وَمَا تَحْتَ حُكْمِ مُؤَيِّدِ الدَّوْلَةِ بْنِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ حَسَنَةٌ، مِنْهَا دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ، وَعُمُدُ الْأَدِلَّةِ، وَغَيْرُهُمَا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا نَائِبُ الْمِصْرِيِّينَ، وَهُوَ الْأَمِيرُ بَادِيسُ بْنُ زِيرِي أَخُو يُوسُفَ بْنِ بُلُكِّينَ.
وَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ اللُّصُوصُ، وَسَأَلُوا مِنْهُ أَنْ يُضَمِّنَهُمُ الْمَوْسِمَ هَذَا الْعَامَ، بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَأَظْهَرَ لَهُمُ الْإِجَابَةَ إِلَى مَا سَأَلُوا، وَقَالَ لَهُمْ: اجْتَمَعُوا كُلُّكُمْ حَتَّى أُضَمِّنَكُمْ كُلَّكُمْ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ بِضْعٌ وَثَلَاثُونَ حَرَامِيًّا، فَقَالَ: هَلْ بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ؟ فَحَلَفُوا لَهُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِقَطْعِ أَيْدِيهِمْ
كُلِّهِمْ، وَنِعْمَ مَا فَعَلَ.
وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لِلْفَاطِمِيِّينَ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ دُونَ الْعَبَّاسِيِّينَ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْمَلِكُ عِزُّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارُ بْنُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ أَبِي الْحُسَيْنِ أَحْمَدَ بْنِ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ
مَلَكَ بَعْدَ أَبِيهِ وَعُمُرُهُ فَوْقَ الْعِشْرِينَ سَنَةً بِقَلِيلٍ، وَكَانَ حَسَنَ الْجِسْمِ، شَدِيدَ الْبَطْشِ، قَوِيَّ الْقَلْبِ جِدًّا، يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ بِقَوَائِمِ الثَّوْرِ الشَّدِيدِ، فَيُلْقِيهِ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أَعْوَانٍ، وَيَتَقَصَّدُ الْأُسُودَ فِي مُتَصَيِّدَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ كَثِيرَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّذَّاتِ.
وَلَمَّا كَسَرَهُ ابْنُ عَمِّهِ بِبِلَادِ الْأَهْوَازِ، كَانَ فِيمَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِهِ غُلَامٌ لَهُ كَانَ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَبَعَثَ يَتَرَقَّقُ لِابْنِ عَمِّهِ فِيهِ حَتَّى يَرُدَّهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِتُحَفٍ كَثِيرَةٍ وَأَمْوَالٍ جَزِيلَةٍ وَجَارِيَتَيْنِ عَوَّادَتَيْنِ، لَا قِيمَةَ لَهُمَا، وَبَعَثَ نَقِيبَ الْأَشْرَافِ فِي ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْغُلَامَ الْمَذْكُورَ، فَكَثُرَ تَعْنِيفُ النَّاسِ لِعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَسَقَطَ مِنْ أَعْيُنِ الْمُلُوكِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ذَهَابُ هَذَا الْغُلَامِ أَشُدُّ عَلَيَّ مِمَّا جَرَى مِنْ أَخْذِ بَغْدَادَ بَلْ وَأَرْضِ الْعِرَاقِ.
ثُمَّ آلَ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ أَسَرَهُ ابْنُ عَمِّهِ عَضُدُ الدَّوْلَةِ،
كَمَا ذَكَرْنَا وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ سَرِيعًا، فَكَانَتْ مُدَّةُ حَيَّاتِهِ سِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَمُدَّةُ دَوْلَتِهِ مِنْهَا إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَشُهُورٌ.
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي الْمَعْرُوفُ بِابْنِ قُرَيْعَةَ
وَلِيُّ الْقَضَاءِ بِالسِّنْدِيَّةِ، وَكَانَ فَصِيحًا يَأْتِي بِالْكَلَامِ الْمَسْجُوعِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَلَا تَرَدُّدٍ، وَكَانَ جَمِيلَ الْمُعَاشَرَةِ، ظَرِيفَ الْمُحَاضَرَةِ.
وَمِنْ شَعْرِهِ:
لِي حِيلَةٌ فِي مَنْ يَنِمُّ ... وَلَيْسَ فِي الُكَذَّابِ حِيلَهْ
مَنْ كَانَ يَخْلُقُ مَا يَقُو ... لُ فَحِيلَتِي فِيهِ قَلِيلَهْ
وَكَانَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذَا تَمَاشَيَا: إِذَا تَقَدَّمْتُ فَحَاجِبٌ، وَإِنْ تَأَخَّرْتُ فَوَاجِبٌ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ السَّبْتَ لِعَشَرٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِي شَعْبَانَ مِنْهَا أَمَرَ الطَّائِعُ لِلَّهِ أَنْ يُدْعَى لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ بَعْدَ الْخَلِيفَةِ عَلَى الْمَنَابِرِ بِبَغْدَادَ، وَأَنْ تُضْرَبَ الدَّبَادِبُ عَلَى بَابِهِ وَقْتَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَبَعْدَ الْعَشَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَتَّفِقْ لِغَيْرِهِ مِنْ بَنِي بُوَيْهِ، وَقَدْ كَانَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ سَأَلَ مِنَ الْمُطِيعِ لِلَّهِ أَنْ يَضْرِبَ الدَّبَادِبَ عَلَى بَابِهِ بِبَغْدَادَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ.
وَقَدِ افْتَتَحَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - وَهُوَ مُقِيمٌ بِالْمَوْصِلِ - أَكْثَرَ بِلَادِ أَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ، كَآمِدَ وَمَيَّافَارِقِينَ وَالرَّحْبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُدُنِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ، وَحِينَ عَزَمَ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى بَغْدَادَ اسْتَنَابَ عَلَى الْمَوْصِلِ أَبَا الْوَفَاءِ الْحَاجِبَ، وَرَجَعَ إِلَى بَغْدَادَ فَدَخَلَهَا فِي سَلْخِ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَتَلَقَّاهُ الْخَلِيفَةُ وَالْأَعْيَانُ إِلَى أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
ذِكْرُ مُلْكِ قَسَّامٍ التَّرَّابِ لِدِمَشْقَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، لَمَّا اتَّقَعَ أَفْتِكِينُ مَعَ الْعَزِيزِ بِأَرْضِ الرَّمْلَةِ وَانْهَزَمَ أَفْتِكِينُ وَالْحَسَنُ الْقِرْمِطِيُّ مَعَهُ، وَأُسِرَ أَفْتِكِينُ فَذَهَبَ مَعَ