البداية والنهايةصفحات 40-79

َ فَتْحُ الرَّيِّ

صفحات 40-79

وَأَرْسَلَانَ أَرْغُونَ وَسَارَّةَ وَعَائِشَةَ وَبِنْتًا أُخْرَى.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَدُفِنَ عِنْدَ وَالِدِهِ بِالرَّيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ طَلْحَةَ وَأُمُّهُ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، تُوُفِّيَ أَبُوهُ وَهُوَ طِفْلٌ فَقَرَأَ الْأَدَبَ وَالْعَرَبِيَّةَ، وَصَحِبَ الشَّيْخَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ وَأَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيِّ وَالْكَلَامَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ فُورَكَ، وَصَنَّفَ الْكَثِيرَ فَلَهُ " التَّفْسِيرُ الْكَبِيرُ "، و " الرِّسَالَةُ " الَّتِي تَرْجَمَ فِيهَا جَمَاعَةً مِنَ الْمَشَايِخِ وَالصَّالِحِينَ وَحَجَّ صُحْبَةَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَأَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيِّ وَكَانَ يَعِظُ النَّاسَ.
تُوُفِّيَ بِنَيْسَابُورَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سَبْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ، وَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ بَيْتَ كُتُبِهِ إِلَّا بَعْدَ سِنِينَ احْتِرَامًا لَهُ، وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ يَرْكَبُهَا قَدْ أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ لَمْ تَأْكُلْ عَلَفًا حَتَّى نَفَقَتْ بَعْدَهُ بِيَسِيرٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ.
وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ فِي " الْوَفِيَّاتِ " ثَنَاءً كَثِيرًا وَذَكَرَ شَيْئًا مِنْ شِعْرِهِ الرَّائِقِ.
فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

سَقَى اللَّهُ وَقْتًا كُنْتُ أَخْلُو بِوَجْهِكُمُ ... وَثَغْرُ الْهَوَى فِي رَوْضَةِ الْأُنْسِ ضَاحِكُ أَقَمْنَا زَمَانًا وَالْعُيُونُ قَرِيرَةٌ ... وَأَصْبَحْتُ يَوْمًا وَالْجُفُونُ سَوَافِكُ وَقَوْلُهُ أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَوْ كُنْتَ سَاعَةَ بَيْنِنَا مَا بَيْنَنَا ... وَشَهِدْتَ حِينَ نُكَرِّرُ التَّوْدِيعَا أَيْقَنْتَ أَنَّ مِنَ الدُّمُوعِ مُحَدِّثًا ... وَعَلِمْتَ أَنَّ مِنَ الْحَدِيثِ دُمُوعَا وَقَوْلُهُ أَيْضًا: وَمَنْ كَانَ فِي طُولِ الْهَوَى ذَاقَ سَلْوَةً ... فَإِنِّيَ مِنْ لَيْلَى لَهَا غَيْرُ ذَائِقِ وَأَكْثَرُ شَيْءٍ نِلْتُهُ مِنْ وِصَالِهَا ... أَمَانِيُّ لَمْ تَصْدُقْ كَخَطْفَةِ بَارِقِ ابْنُ صُرَّبَعْرَ الشَّاعِرُ اسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ أَبُو مَنْصُورٍ الْكَاتِبُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ صُرَّبَعْرُ، وَكَانَ نِظَامُ الْمُلْكِ يَقُولُ لَهُ: أَنْتَ صُرَّدُرُّ لَا صُرَّبَعْرُ وَقَدْ هَجَاهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: لَئِنْ نَبَزَ النَّاسُ قِدَمًا أَبَاكَ ... وَسَمَّوْهُ مِنْ شُحِّهِ صُرَّبَعْرَا فَإِنَّكَ تَنْثُرُ مَا صَرَّهُ ... عُقُوقًا لَهُ وَتُسَمِّيهِ شِعْرًا

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَهَذَا ظُلْمٌ فَاحِشٌ فَإِنَّ شِعْرَهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ ثُمَّ أَوْرَدَ لَهُ قِطَعًا حِسَانًا مِنْ شِعْرِهِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: إِيهِ أَحَادِيثَ نَعْمَانٍ وَسَاكِنِهِ ... إِنَّ الْحَدِيثَ عَنِ الْأَحْبَابِ أَسْمَارُ أُفَتِّشُ الرِّيحَ عَنْكُمُ كُلَّمَا نَفَحَتْ ... مِنْ نَحْوِ أَرْضِكُمُ نَكْبَاءُ مِعْطَارُ قَالَ: وَقَدْ حَفِظَ الْقُرْآنَ وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنِ ابْنِ بِشْرَانَ وَغَيْرِهِ وَحَدَّثَ كَثِيرًا، وَرَكِبَ يَوْمًا دَابَّةً فَتَرَدَّى هُوَ وَالدَّابَّةُ فِي بِئْرٍ فَمَاتَا وَدُفِنَ بِبَابِ أَبْرَزَ، وَذَلِكَ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قَرَأْتُ بِخَطِّ ابْنِ عَقِيلٍ كَانَ صُرَّبَعْرُ خَازِنًا بِالرُّصَافَةِ وَكَانَ يُنْبَزُ بِالْإِلْحَادِ، وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ شَيْئًا مِنْ أَشْعَارِهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي فَنِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ.
مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ الْمُهْتَدِي

بِاللَّهِ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْغَرِيقِ وُلِدَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَسَمِعَ الدَّارَقُطْنِيَّ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَابْنَ شَاهِينَ، وَتَفَرَّدَ عَنْهُ وَسَمِعَ خَلْقًا آخَرِينَ وَكَانَ ثِقَةً دَيِّنًا كَثِيرَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ رَاهِبُ بَنِي هَاشِمٍ، وَكَانَ غَزِيرَ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ كَثِيرَ التِّلَاوَةِ رَقِيقَ الْقَلْبِ غَزِيرَ الدَّمْعَةِ، رَحَلَ إِلَيْهِ الطَّلَبَةُ مِنَ الْآفَاقِ، ثُمَّ ثَقُلَ سَمْعُهُ فَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى النَّاسِ، وَذَهَبَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ، وَخَطَبَ وَلَهُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَشَهِدَ عِنْدَ الْحُكَّامِ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَوَلِيَ الْحُكْمَ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَأَقَامَ خَطِيبًا بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ وَجَامِعِ الرُّصَافَةِ سِتًّا وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَحَكَمَ سِتًّا وَخَمْسِينَ سَنَةً وَتُوُفِّيَ فِي سَلْخِ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَاوَزَ تِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَوْمُ جِنَازَتِهِ يَوْمًا مَشْهُودًا وَرُئِيَتْ لَهُ مَنَامَاتٌ صَالِحَةٌ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِي صَفَرٍ جَلَسَ الْخَلِيفَةُ جُلُوسًا عَامًّا وَعَلَى رَأْسِهِ حَفِيدُهُ الْأَمِيرُ عُدَّةُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَعُمْرُهُ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَحَضَرَ الْأُمَرَاءُ وَالْكُبَرَاءُ، فَعَقَدَ الْخَلِيفَةُ بِيَدِهِ لِوَاءَ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَكَثُرَ الزِّحَامُ يَوْمَهَا حَتَّى هَنَّأَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالسَّلَامَةِ.

[غَرَقُ بَغْدَادَ]

فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ جَاءَ مَطَرٌ عَظِيمٌ وَسَيْلٌ قَوِيٌّ كَثِيرٌ، وَزَادَتْ دِجْلَةُ حَتَّى غَرَّقَتْ جَانِبًا كَبِيرًا مِنْ بَغْدَادَ حَتَّى خَلَصَ ذَلِكَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، فَخَرَجَ الْجَوَارِي حَاسِرَاتٍ حَتَّى صِرْنَ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ وَهَرَبَ الْخَلِيفَةُ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَلَمْ يَجِدْ طَرِيقًا يَسْلُكُهُ، فَحَمَلَهُ بَعْضُ الْخَدَمِ إِلَى التَّاجِ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمًا عَظِيمًا وَأَمْرًا هَائِلًا وَهَلَكَ لِلنَّاسِ أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا، وَمَاتَ خَلْقٌ كَثِيرٌ تَحْتَ الرَّدْمِ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ وَالْقَرَايَا، وَجَاءَ عَلَى وَجْهِ السَّيْلِ مِنَ الْأَخْشَابِ وَالْوُحُوشِ وَالْحَيَّاتِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا، وَسَقَطَتْ دُورٌ كَثِيرَةٌ فِي الْجَانِبَيْنِ وَغَرِقَتْ قُبُورٌ كَثِيرَةٌ ; مِنْ ذَلِكَ قَبْرُ الْخَيْزُرَانِ، وَمَقْبَرَةُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَدَخَلَ الْمَاءُ مِنْ

شَبَابِيكِ الْمَارَسْتَانِ الْعَضُدِيِّ، وَأَتْلَفَ السَّيْلُ فِي الْمَوْصِلِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَصَدَمَ سُورَ سِنْجَارَ فَهَدَمَهُ، وَأَخَذَ بَابَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى مَسِيرَةِ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا جَاءَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ بِأَرْضِ الْبَصْرَةِ فَانْجَعَفَ مِنْهَا نَحْوٌ مِنْ خَمْسَةِ آلَافِ نَخْلَةٍ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ السِّمْنَانِيُّ الْحَنَفِيُّ الْأَشْعَرِيُّ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَهَذَا مِنَ الْغَرِيبِ.
تَزَوَّجَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيُّ ابْنَتَهُ وَوَلَّاهُ نِيَابَةَ الْقَضَاءِ، وَكَانَ ثِقَةً نَبِيلًا مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ.
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكَتَّانِيُّ الْحَافِظُ الدِّمَشْقِيُّ سَمِعَ الْكَثِيرَ وَكَتَبَ كَثِيرًا وَصَنَّفَ فَأَجَادَ وَأَفَادَ، وَلَهُ فِي الْفَضَائِلِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ غَرِيبَةٌ، وَبَعْضُ مَا يَرْوِيهِ مَوْضُوعٌ، وَلَا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ ثِقَةً ضَابِطًا حَافِظًا صَدُوقًا مُسْتَقِيمَ الطَّرِيقَةِ وَالِاعْتِقَادِ،

سَلَفِيَّ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ كَتَبَ عَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ.
رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرٍ أَبُو بَكْرٍ الْعَطَّارُ الْأَصْبَهَانِيُّ الْحَافِظُ مُسْتَمْلِي أَبِي نُعَيْمٍ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ يُمْلِي مِنْ حِفْظِهِ، وَكَتَبَ عَنْهُ الْخَطِيبُ حَدِيثًا وَاحِدًا، وَكَانَ عَظِيمًا فِي بَلَدِهِ ثِقَةً نَبِيلًا جَلِيلًا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
الْمَاوَرْدِيَّةُ ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهَا كَانَتْ عَجُوزًا صَالِحَةً مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ تَعِظُ النِّسَاءَ بِهَا، وَكَانَتْ تَكْتُبُ وَتَقْرَأُ وَمَكَثَتْ خَمْسِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهَا لَا تُفْطِرُ نَهَارًا وَلَا تَنَامُ لَيْلًا، وَتَقْتَاتُ بِخُبْزِ الْبَاقِلَّاءِ، وَتَأْكُلُ مِنَ التِّينِ الْيَابِسِ لَا الرَّطْبِ، وَشَيْئًا يَسِيرًا مِنَ الْعِنَبِ وَالزَّيْتِ، وَرُبَّمَا أَكَلَتْ مِنَ اللَّحْمِ الْيَسِيرَ، وَحِينَ تُوُفِّيَتْ تَبِعَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْبَلَدِ جِنَازَتَهَا، وَدُفِنَتْ فِي مَقَابِرِ الصَّالِحِينَ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِي صَفَرٍ مِنْهَا مَرِضَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ مَرَضًا شَدِيدًا انْتَفَخَ مِنْهُ حَلْقُهُ وَامْتَنَعَ مِنَ الْفَصْدِ، فَلَمْ يَزَلِ الْوَزِيرُ فَخْرُ الدَّوْلَةِ عَلَيْهِ حَتَّى افْتَصَدَ فَصَلَحَ الْحَالُ، وَكَانَ النَّاسُ قَدِ انْزَعَجُوا فَفَرِحُوا بِعَافِيَتِهِ.
وَجَاءَ فِي هَذَا الشَّهْرِ سَيْلٌ عَظِيمٌ، قَاسَى النَّاسُ مِنْهُ شِدَّةً عَظِيمَةً، وَلَمْ تَكُنْ أَكْثَرُ أَبْنِيَةِ بَغْدَادَ تَكَامَلَتْ مِنَ الْغَرَقِ الْأَوَّلِ فَخَرَجَ النَّاسُ إِلَى الصَّحْرَاءِ فَجَلَسُوا عَلَى رُءُوسِ التُّلُولِ تَحْتَ الْمَطَرِ.
وَوَقَعَ وَبَاءٌ عَظِيمٌ بِالرَّحْبَةِ، فَمَاتَ مِنْ أَهْلِهَا قَرِيبٌ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ بِوَاسِطٍ وَالْبَصْرَةِ وَخُوزِسْتَانَ وَأَرْضِ خُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

[صِفَةُ مَوْتِ الْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ]

افْتَصَدَ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ مِنْ مَاشَرَا كَانَتْ تَعْتَادُهُ مِنْ عَامِ الْغَرَقِ، ثُمَّ نَامَ بَعْدَ ذَلِكَ فَانْفَجَرَ فِصَادُهُ، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ سَقَطَتْ قُوَّتُهُ وَحَصَلَ الْإِيَاسُ مِنْهُ، فَاسْتَدْعَي بِحَفِيدِهِ وَوَلِيِّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ عُدَّةِ الدِّينِ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَائِمِ وَأَحْضَرَ إِلَيْهِ الْقَاضِيَ وَالنُّقَبَاءَ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَيْهِ ثَانِيًا بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ فَشَهِدُوا، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ

الْخَمِيسِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ شَعْبَانَ عَنْ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً وَثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ أَرْبَعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَلَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ مِنَ الْعَبَّاسِيِّينَ قَبْلَهُ هَذِهِ الْمُدَّةَ وَقَدْ جَاوَزَتْ خِلَافَةُ أَبِيهِ قَبْلَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَكَانَ مَجْمُوعُ أَيَّامِهِمَا خَمْسًا وَثَمَانِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا، وَذَلِكَ مُقَارِبٌ لِدَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ كُلِّهَا، وَقَدْ كَانَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ جَمِيلًا مَلِيحَ الْوَجْهِ أَبْيَضَ مُشْرَبًا حُمْرَةً، فَصِيحًا وَرِعًا زَاهِدًا أَدِيبًا كَاتِبًا بَلِيغًا شَاعِرًا، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ شِعْرِهِ وَهُوَ بِحَدِيثَةِ عَانَةَ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَكَانَ عَادِلًا كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَسَّلَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ أَبِي مُوسَى الْحَنْبَلِيُّ عَنْ وَصِيَّةِ الْخَلِيفَةِ بِذَلِكَ، فَعُرِضَ عَلَى الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ مَا هُنَالِكَ مِنَ الْأَثَاثِ وَالْأَمْوَالِ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ شَيْئًا، وَصُلِّيَ عَلَى الْخَلِيفَةِ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْخَمِيسِ الْمَذْكُورِ وَدُفِنَ عِنْدَ أَجْدَادِهِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الرُّصَافَةِ فَقَبْرُهُ يُزَارُ إِلَى الْآنِ، وَغُلِّقَتِ الْأَسْوَاقُ لِمَوْتِهِ، وَعُلِّقَتِ الْمُسُوحُ وَنَاحَتْ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْهَاشِمِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ، وَجَلَسَ الْوَزِيرُ ابْنُ جَهِيرٍ وَابْنُهُ لِلْعَزَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، وَخَرَقَ النَّاسُ ثِيَابَهُمْ، وَكَانَ يَوْمًا عَصِيبًا، وَاسْتَمَرَّ الْحَالُ كَذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَدْ كَانَ مِنْ خِيَارِ بَنِي الْعَبَّاسِ دِينًا وَاعْتِقَادًا وَدَوْلَةً، وَقَدِ امْتُحِنَ مِنْ بَيْنِهِمْ بِفِتْنَةِ الْبَسَاسِيرِيِّ الَّتِي اقْتَضَتْ إِخْرَاجَهُ مِنْ دَارِهِ وَمُفَارَقَتَهُ أَهْلَهُ وَأَوْلَادَهُ وَوَطَنَهُ، فَأَقَامَ بِحَدِيثَةِ عَانَةَ سَنَةً كَامِلَةً، ثُمَّ أَعَادَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ نِعْمَتَهُ وَخِلَافَتَهُ.
كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

فَأَصْبَحُوا قَدْ أَعَادَ اللَّهُ نِعْمَتَهُمْ ... إِذْ هُمْ قُرَيْشٌ وَإِذْ مَا مِثْلُهُمْ بَشَرُ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ فِي ذَلِكَ سَلَفٌ صَالِحٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: 34] وَقَدْ ذَكَرْنَا مُلَخَّصَ مَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ فِي سُورَةِ " ص " وَبَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَبَّاسِيَّةِ وَالْفِتْنَةِ الْبَسَاسِيرِيَّةِ فِي سَنَةِ خَمْسِينَ وَإِحْدَى وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.

[خِلَافَةُ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ]

وَهُوَ أَبُو الْقَاسِمِ عُدَّةُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَمِيرِ ذَخِيرَةِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ بْنِ الْقَادِرِ الْعَبَّاسِيُّ، وَأُمُّهُ أَرْمِنِيَّةٌ تُسَمَّى أُرْجُوانَ وَتُدْعَى قُرَّةَ الْعَيْنِ، وَأَدْرَكَتْ خِلَافَتَهُ وَخِلَافَةَ وَلَدَيْهِ الْمُسْتَظْهِرِ وَالْمُسْتَرْشِدِ.
وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ تُوُفِّيَ وَهُوَ حَمْلٌ، فَحِينَ وُلِدَ ذَكَرًا فَرِحَ بِهِ جَدُّهُ وَالْمُسْلِمُونَ فَرَحًا شَدِيدًا، إِذْ حَفِظَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَقَاءَ الْخِلَافَةِ فِي الْبَيْتِ الْقَادِرِيِّ ; لِأَنَّ مَنْ عَدَاهُمْ يَبْتَذِلُونَ فِي الْأَسْوَاقِ مَعَ الْعَوَامِّ وَكَانَتِ الْقُلُوبُ تَنْفِرُ مِنْ تَوْلِيَةِ مِثْلِ أُولَئِكَ الْخِلَافَةَ عَلَى النَّاسِ، وَنَشَأَ هَذَا فِي حِجْرِ جَدِّهِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ يُرَبِّيهِ بِمَا يَلِيقُ بِأَمْثَالِهِ، وَيُدَرِّبُهُ عَلَى أَحْسَنِ السَّجَايَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَكَانَ عُمْرُ الْمُقْتَدِي حِينَ وَلِيَ الْخِلَافَةَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْجَمَالِ خَلْقًا، وَخُلُقًا وَكَانَتْ بَيْعَتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَجَلَسَ فِي دَارِ الشَّجَرَةِ بِقَمِيصٍ أَبْيَضَ وَعِمَامَةٍ بَيْضَاءَ لَطِيفَةٍ وَطَرْحَةِ قَصَبٍ دُرِّيَّةٍ، وَجَاءَ الْوُزَرَاءُ وَالْأُمَرَاءُ وَالْأَشْرَافُ وَوُجُوهُ النَّاسِ فَبَايَعُوهُ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ أَبِي مُوسَى الْحَنْبَلِيُّ

وَأَنْشَدَهُ قَوْلَ الشَّاعِرِ: إِذَا سَيِّدٌ مِنَّا مَضَى قَامَ سَيِّدٌ ثُمَّ أُرْتِجَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَدْرِ مَا بَعْدَهُ فَقَالَ الْخَلِيفَةُ: قَئُولٌ لِمَا قَالَ الْكِرَامُ فَعُولُ وَبَايَعَهُ مِنْ شُيُوخِ الْعِلْمِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ الشَّافِعِيَّانِ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، وَبَرَزَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ الْعَصْرَ ثُمَّ بَعْدَ سَاعَةٍ أُخْرِجَ تَابُوتُ جَدِّهِ بِسُكُونٍ وَوَقَارٍ مِنْ غَيْرِ صُرَاخٍ وَلَا نَوْحٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ وَحُمِلَ إِلَى الْمَقْبَرَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ كَانَ الْمُقْتَدِي بِاللَّهِ شَهْمًا شُجَاعًا، أَيَّامُهُ كُلُّهَا مُبَارَكَةٌ وَالرِّزْقُ دَارٌّ، وَالْخِلَافَةُ مُعَظَّمَةٌ جِدًّا، وَتَصَاغَرَتِ الْمُلُوكُ لَهُ وَتَضَاءَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَخُطِبَ لَهُ بِالْحَرَمَيْنِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالشَّامَاتِ كُلِّهَا، وَاسْتَرْجَعَ الْمُسْلِمُونَ الرُّهَا وَأَنْطَاكِيَةَ مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ، وَعُمِّرَتْ بَغْدَادُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْبِلَادِ وَاسْتَوْزَرَ ابْنَ جَهِيرٍ ثُمَّ أَبَا شُجَاعٍ ثُمَّ أَعَادَ ابْنَ جَهِيرٍ وَقَاضِيَهُ الدَّامَغَانِيُّ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ الشَّامِيُّ وَهَؤُلَاءِ مِنْ خِيَارِ الْقُضَاةِ وَالْوُزَرَاءِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِي شَعْبَانَ أَخْرَجَ الْمُفْسِدَاتِ مِنَ الْخَوَاطِئِ مِنْ بَغْدَادَ عَلَى حُمُرَاتٍ يُنَادِينَ عَلَى أَنْفُسِهِنَّ بِالْعَارِ وَالْفَضِيحَةِ، وَخَرَّبَ دُورَهُنَّ وَأَسْكَنَهُنَّ الْجَانِبَ الْغَرْبِيَّ، وَخَرَّبَ أَبْرِجَةَ الْحَمَامِ وَمَنَعَ مِنَ اللَّعِبِ بِهَا، وَأَلْزَمَ النَّاسَ بِالْمَآزِرِ فِي الْحَمَّامَاتِ،

وَمَنَعَ أَصْحَابَ الْحَمَّامَاتِ أَنْ يَصْرِفُوا فَضَلَاتِهَا إِلَى دِجْلَةَ، وَأَلْزَمَهُمْ بِحَفْرِ آبَارٍ لِتِلْكَ الْمِيَاهِ الْقَذِرَةِ صِيَانَةً لِمَاءِ الشُّرْبِ.
وَفِي شَوَّالٍ وَقَعَتْ نَارٌ فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ فِي بَغْدَادَ، حَتَّى فِي دَارِ الْخِلَافَةِ فَأَحْرَقَتْ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الدُّورِ وَالدَّكَاكِينِ.
وَوَقَعَ بِوَاسِطٍ حَرِيقٌ فِي تِسْعَةِ أَمَاكِنَ، وَاحْتَرَقَ فِيهَا أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ دَارًا وَسِتَّةُ خَانَاتٍ، وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِيهَا عُمِلَ الرَّصْدُ لِلسُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْمُنَجِّمِينَ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ أَمْوَالًا كَثِيرَةً وَبَقِيَ الرَّصْدُ دَائِرًا حَتَّى مَاتَ السُّلْطَانُ فَبَطَلَ.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ أُعِيدَتِ الْخُطْبَةُ بِمَكَّةَ لِلْمِصْرِيِّينَ وَقُطِعَتْ خُطْبَةُ الْعَبَّاسِيِّينَ، وَذَلِكَ لَمَّا قَوِيَ أَمْرُ صَاحِبِ مِصْرَ بَعْدَمَا كَانَ ضَعِيفًا بِسَبَبِ غَلَاءِ بَلَدِهِ، فَلَمَّا أَرْخَصَتْ تَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَيْهَا وَطَابَ الْعَيْشُ بِهَا، وَقَدْ كَانَتِ الْخُطْبَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ بِمَكَّةَ أَرْبَعَ سِنِينَ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَسَتَعُودُ كَمَا كَانَتْ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ وَفِي هَذَا الشَّهْرِ انْجَفَلَ أَهْلُ السَّوَادِ مِنْ شِدَّةِ الْوَبَاءِ وَقِلَّةِ مَاءِ دِجْلَةَ وَنَقْصِهَا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ الشَّرِيفُ أَبُو طَالِبٍ الْحُسَيْنِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيُّ وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ لِلْخَلِيفَةِ الْمُقْتَدِي.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا شَيْئًا مِنْ تَرْجَمَتِهِ عِنْدَ ذِكْرِ

وَفَاتِهِ.
رَحِمَهُ اللَّهُ.
الدَّاوُدِيُّ رَاوِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الدَّاوُدِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَتَفَقَّهَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ، وَصَحِبَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ وَأَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ، وَكَتَبَ الْكَثِيرَ وَدَرَّسَ وَأَفْتَى وَصَنَّفَ وَوَعَظَ النَّاسَ، وَكَانَتْ لَهُ يَدٌ طُولَى فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ كَثِيرَ الذِّكْرِ لَا يَفْتُرُ لِسَانُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، دَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا الْوَزِيرُ نِظَامُ الْمُلْكِ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَلَّطَكَ عَلَى عِبَادِهِ فَانْظُرْ كَيْفَ تُجِيبُهُ إِذَا سَأَلَكَ عَنْهُمْ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِبُوشَنْجَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ جَاوَزَ التِّسْعِينَ.
وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ: كَانَ فِي الِاجْتِمَاعِ بِالنَّاسِ نُورٌ ... فَمَضَى النُّورُ وَادْلَهَمَّ الظَّلَامُ فَسَدَ النَّاسُ وَالزَّمَانُ جَمِيعًا ... فَعَلَى النَّاسِ وَالزَّمَانِ السَّلَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الطَّيِّبِ الْبَاخَرْزِيُّ الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، اشْتَغَلَ أَوَّلًا عَلَى الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ ثُمَّ عَدَلَ إِلَى الْكِتَابَةِ

وَالشِّعْرِ فَفَاقَ أَقْرَانَهُ وَلَهُ دِيوَانٌ مَشْهُورٌ فِيهِ: وَإِنِّي لَأَشْكُو لَسْعَ أَصْدَاغِكِ الَّتِي ... عَقَارِبُهَا فِي وَجْنَتَيْكِ تَحُومُ وَأَبْكِي لِدُرِّ الثَّغْرِ مِنْكِ وَلِي أَبٌ ... فَكَيْفَ يُدِيمُ الضَّحِكَ وَهْوَ يَتِيمُ

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: جَاءَ جَرَادٌ فِي شَعْبَانَ بِعَدَدِ الرَّمْلِ وَالْحَصَى فَأَكَلَ الْغَلَّاتِ وَأَكْدَى أَكْثَرُ النَّاسِ وَجَاعُوا فَطُحِنَ الْخَرُّوبُ بِدَقِيقِ الدُّخْنِ فَأَكَلُوهُ، وَوَقَعَ الْوَبَاءُ ثُمَّ مَنَعَ اللَّهُ الْجَرَادَ مِنَ الْفَسَادِ، وَكَانَ يَمُرُّ وَلَا يَضُرُّ، فَرَخُصَتِ الْأَسْعَارُ.
قَالَ: وَوَقَعَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ بِدِمَشْقَ وَاسْتَمَرَّ ثَلَاثَ سِنِينَ.
وَفِيهَا مَلَكَ نَصْرُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ مَدِينَةَ مَنْبِجَ وَأَجْلَى عَنْهَا الرُّومَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْأَقْسِيسُ مَدِينَةَ دِمَشْقَ وَهُزِمَ عَنْهَا الْمُعَلَّى بْنُ حَيْدَرَةَ نَائِبُ الْمُسْتَنْصِرِ الْعُبَيْدِيُّ إِلَى مَدِينَةِ بَانْيَاسَ، وَخُطِبَ فِيهَا لِلْمُقْتَدِي وَقُطِعَتْ خُطْبَةُ الْمِصْرِيِّينَ عَنْهَا إِلَى الْآنِ، فَاسْتَدْعَى الْمُسْتَنْصِرُ نَائِبَهُ فَحَبَسَهُ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ فِي السِّجْنِ.

وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُقْطَعُ الْكُوفَةِ وَهُوَ الْأَمِيرُ خُتْلُغُ بْنُ كَنْتِكِينَ التُّرْكِيُّ وَيُعْرَفُ بِالطَّوِيلِ.
وَكَانَ قَدْ شَرَّدَ خَفَاجَةَ فِي الْبِلَادِ وَقَهَرَهُمْ، وَلَمْ يَصْحَبْ مَعَهُ سِوَى سِتَّةَ عَشَرَ تُرْكِيًّا، فَوَصَلَ سَالِمًا إِلَى مَكَّةَ، وَلَمَّا نَزَلَ بِبَعْضِ دُورِهَا كَبَسَهُ بَعْضُ الْعَبِيدِ فَقَتَلَ فِيهِمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَهَزَمَهُمْ هَزِيمَةً شَنِيعَةً، ثُمَّ إِنَّمَا كَانَ يَنْزِلُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالزَّاهِرِ قَالَهُ ابْنُ السَّاعِي فِي " تَارِيخِهِ " وَأُعِيدَتِ الْخُطْبَةُ فِي ذِي الْحِجَّةِ بِمَكَّةَ لِلْعَبَّاسِيِّينَ، وَقُطِعَتْ خُطْبَةُ الْمِصْرِيِّينَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ أَبِي مُوسَى أَبُو تَمَّامِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ ابْنُ الْقَاضِي أَبِي عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ نَقِيبُ الْهَاشِمِيِّينَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي مُوسَى الْفَقِيهِ الْحَنْبَلِيِّ، رَوَى الْحَدِيثَ وَسَمِعَ مِنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي وَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ.
مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدُوسٍ أَبُو بَكْرٍ الصَّفَّارُ مِنْ أَهْلِ

نَيْسَابُورَ سَمِعَ الْحَاكِمَ وَأَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ وَخَلْقًا وَتَفَقَّهَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ وَكَانَ يَخْلُفُهُ فِي حَلْقَتِهِ.
مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَيْضَاوِيُّ الشَّافِعِيُّ خَتَنُ أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ عَلَى ابْنَتِهِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ ثِقَةً خَيِّرًا، تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ مِنْهَا وَتَقَدَّمَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيُّ مَأْمُومًا، وَدُفِنَ بِدَارِهِ فِي قَطِيعَةِ الْكَرْخِ.
مُحْمُودُ بْنُ نَصْرِ بْنِ صَالِحٍ أَمِيرُ حَلَبَ وَكَانَ قَدْ مَلَكَهَا فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ شَكْلًا وَفِعْلًا.
مَسْعُودُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُحْسِنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَيَاضِيُّ الشَّاعِرُ، وَمِنْ شِعْرِهِ: لَيْسَ لِي صَاحِبٌ مُعِينٌ سِوَى اللَّيْ ... لِ إِذَا طَالَ بِالصُّدُودِ عَلَيَّا أَنَا أَشْكُو بُعْدَ الْحَبِيبِ إِلَيْهِ ... وَهْوَ يَشْكُو بُعْدَ الصَّبَاحِ إِلَيَّا

وَلَهُ أَيْضًا: يَا مَنْ لَبِسْتُ لِهَجْرِهِ ثَوْبَ الضَّنَا ... حَتَّى خَفِيتُ بِهِ عَنِ الْعُوَّادِ وَأَنِسْتُ بِالسَّهَرِ الطَّوِيلِ فَأُنْسِيَتْ ... أَجْفَانُ عَيْنِي كَيْفَ كَانَ رُقَادِي إِنْ كَانَ يُوسُفُ بِالْجَمَالِ مُقَطِّعَ الْ ... أَيْدِي فَأَنْتَ مُفَتِّتُ الْأَكْبَادِ الْوَاحِدِيُّ الْمُفَسِّرُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَتُّويَهِ الْوَاحِدِيُّ، قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَلَا أَدْرِي هَذِهِ النِّسْبَةُ إِلَى مَاذَا وَهُوَ صَاحِبُ التَّفَاسِيرِ الثَّلَاثَةِ: " الْبَسِيطِ " و " الْوَسِيطِ " و " الْوَجِيزِ " قَالَ: وَمِنْهُ أَخَذَ الْغَزَّالِيُّ أَسْمَاءَ كُتُبِهِ، قَالَ: وَلَهُ " أَسْبَابُ النُّزُولِ " و " التَّحْبِيرُ فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى " وَقَدْ شَرَحَ " دِيوَانَ الْمُتَنَبِّي " وَلَيْسَ فِي شُرُوحِهِ مَعَ كَثْرَتِهَا مِثْلُهُ، قَالَ: وَقَدْ رُزِقَ السَّعَادَةَ فِي تَصَانِيفِهِ وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى حُسْنِهَا، وَذَكَرَهَا الْمُدَرِّسُونَ فِي دُرُوسِهِمْ، وَقَدْ أَخَذَ التَّفْسِيرَ عَنِ الثَّعَالِبِيِّ وَقَدْ مَرِضَ مُدَّةً ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ بِنَيْسَابُورَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

نَاصِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو مَنْصُورٍ التُّرْكِيُّ الْمُضَافِرِيُّ وَهُوَ وَالِدُ الْحَافِظِ مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِرٍ قَرَأَ الْقِرَاءَاتِ وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى قِرَاءَةَ " التَّارِيخِ " عَلَى الْخَطِيبِ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ وَكَانَ ظَرِيفًا صَبِيحًا مَاتَ شَابًّا دُونَ الثَّلَاثِينَ سَنَةً فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا وَقَدْ رَثَاهُ بَعْضُهُمْ بِقَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ أَوْرَدَهَا كُلَّهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظَمِ ". يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو الْقَاسِمِ الْهَمَذَانِيُّ، سَمِعَ وَجَمَعَ وَصَنَّفَ وَانْتَشَرَتْ عَنْهُ الرِّوَايَةُ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ قَارَبَ التِّسْعِينَ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِي الْمُحَرَّمِ مَرِضَ الْخَلِيفَةُ مَرَضًا شَدِيدًا فَأَرْجَفَ النَّاسُ بِهِ، فَرَكِبَ حَتَّى رَآهُ النَّاسُ جَهْرَةً فَسَكَنُوا.
وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا زَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً كَثِيرَةً إِحْدَى وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا وَنِصْفًا فَنَقَلَ النَّاسُ أَمْوَالَهُمْ، وَخِيفَ عَلَى دَارِ الْخِلَافَةِ فَنُقِلَ تَابُوتُ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ لَيْلًا إِلَى التُّرَبِ بِالرُّصَافَةِ.
وَفِي شَوَّالٍ مِنْهَا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْحَنَابِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ ابْنَ الْقُشَيْرِيِّ قَدِمَ بَغْدَادَ فَجَلَسَ يَتَكَلَّمُ فِي النِّظَامِيَّةِ، وَأَخَذَ يَذُمُّ الْحَنَابِلَةَ وَيَنْسُبُهُمْ إِلَى التَّجْسِيمِ وَسَاعَدَهُ أَبُو سَعْدٍ الصُّوفِيُّ وَمَالَ مَعَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَكَتَبَ إِلَى نِظَامِ الْمُلْكِ يَشْكُو إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةَ وَيَسْأَلُهُ الْمَعُونَةَ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى

الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي مُوسَى شَيْخِ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ فِي مَسْجِدِهِ فَدَافَعَ عَنْهُ آخَرُونَ، وَقُتِلَ رَجُلٌ خَيَّاطٌ مِنْ سُوقِ الثُّلَاثَاءِ، وَجُرِحَ آخَرُونَ وَثَارَتِ الْفِتْنَةُ، وَكَتَبَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ إِلَى نِظَامِ الْمُلْكِ فَجَاءَ كِتَابُهُ إِلَى فَخْرِ الدَّوْلَةِ يُنْكِرُ مَا وَقَعَ وَيَكْرَهُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الْمَدْرَسَةِ الَّتِي بَنَاهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَعَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ عَلَى الرِّحْلَةِ مِنْ بَغْدَادَ غَضَبًا مِمَّا وَقَعَ مِنَ الشَّرِّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ يُسَكِّنُهُ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي سَعْدٍ الصُّوفِيِّ وَأَبِي نَصْرِ بْنِ الْقُشَيْرِيِّ عِنْدَ الْوَزِيرِ، فَأَقْبَلَ الْوَزِيرُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ يُعَظِّمُهُ فِي الْفِعَالِ وَالْمَقَالِ، وَقَامَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فَقَالَ: أَنَا ذَلِكَ الَّذِي كُنْتَ تَعْرِفُهُ وَأَنَا شَابٌّ وَهَذِهِ كُتُبِي فِي الْأُصُولِ، أَقُولُ فِيهَا خِلَافًا لِلْأَشْعَرِيَّةِ ثُمَّ قَبَّلَ رَأْسَهُ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ: صَدَقْتَ، إِلَّا أَنَّكَ لَمَّا كُنْتَ فَقِيرًا لَمْ تُظْهِرْ لَنَا مَا فِي نَفْسِكِ، فَلَمَّا جَاءَ الْأَعْوَانُ وَالسُّلْطَانُ وَخَوَاجَا بُزُرْكُ يَعْنِي نِظَامَ الْمُلْكِ أَبْدَيْتَ مَا كَانَ مُخْتَفِيًا فِي نَفْسِكَ، وَقَامَ الشَّيْخُ أَبُو سَعْدٍ الصُّوفِيُّ فَقَبَّلَ رَأْسَ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ أَيْضًا، وَتَلَطَّفَ بِهِ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ مُغْضَبًا وَقَالَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ أَمَّا الْفُقَهَاءُ إِذَا تَكَلَّمُوا فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ فَلَهُمْ فِيهَا مَدْخَلٌ، وَأَمَّا أَنْتَ فَصَاحِبُ لَهْوٍ وَسَمَاعٍ وَتَعْبِيرٍ فَمَنْ زَاحَمَكَ مِنَّا عَلَى بَاطِلِكَ؟ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الْوَزِيرُ: أَيُّ صُلْحٍ بَيْنَنَا، وَنَحْنُ نُوجِبُ مَا نَعْتَقِدُهُ وَهُمْ يُحَرِّمُونَ؟! وَهَذَا جَدُّ الْخَلِيفَةِ الْقَائِمُ، وَالْقَادِرُ قَدْ أَظْهَرَا اعْتِقَادَهُمَا لِلنَّاسِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالسَّلَفِ وَنَحْنُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا وَافَقَ عَلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْخُرَاسَانِيُّونَ وَقُرِئَ عَلَى النَّاسِ فِي الدَّوَاوِينِ

كُلِّهَا، فَأَرْسَلَ الْوَزِيرُ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُعْلِمُهُ بِمَا جَرَى فَجَاءَ الْجَوَابُ بِشُكْرِ الْجَمَاعَةِ وَخُصُوصًا الشَّرِيفَ أَبَا جَعْفَرٍ، ثُمَّ اسْتُدْعِيَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ وَالتَّبَرُّكِ بِدُعَائِهِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفَى ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا كَثُرَتِ الْأَمْرَاضُ فِي النَّاسِ بِبَغْدَادَ وَوَاسِطٍ وَالسَّوَادِ وَوَرَدَ الْخَبَرُ بِأَنَّ الشَّامَ كَذَلِكَ وَفِي هَذَا الشَّهْرِ أُزِيلَتِ الْمُنْكَرَاتُ وَالْبَغَايَا بِبَغْدَادَ وَهَرَبَ الْفُسَّاقُ مِنْهَا، وَفِيهَا مَلَكَ حَلَبَ نَصْرُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ مِرْدَاسٍ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ وَفِيهَا تَزَوَّجَ الْأَمِيرُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي مَنْصُورِ بْنِ فَرَامَرْزَ بْنِ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ كَالَوَيْهِ السِّتَّ أَرْسَلَانَ خَاتُونَ بِنْتَ دَاوُدَ عَمَّةَ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، وَكَانَتْ زَوْجَةَ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَفِيهَا حَاصَرَ الْأَقْسِيسُ صَاحِبُ دِمَشْقَ مِصْرَ وَضَيَّقَ عَلَى صَاحِبِهَا الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى دِمَشْقَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا الْأَمِيرُ خُتْلُغُ التُّرْكِيُّ مُقْطَعُ الْكُوفَةِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَسْبَهْدُوسِتُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو مَنْصُورٍ الدَّيْلَمِيُّ الشَّاعِرُ، لَقِيَ

أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ الْحَجَّاجِ وَعَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ نُبَاتَةَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الشُّعَرَاءِ، وَكَانَ شِيعِيًّا فَتَابَ وَقَالَ قَصِيدَةً فِي ذَلِكَ مِنْهَا: وَإِذَا سُئِلْتُ عِنِ اعْتِقَادِي قُلْتُ مَا ... كَانَتْ عَلَيْهِ مَذَاهِبُ الْأَبْرَارِ وَأَقُولُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ... صِدِّيقُهُ وَأَنِيسُهُ فِي الْغَارِ ثُمَّ الثَّلَاثَةُ بَعْدَهُ خَيْرُ الْوَرَى ... أَكْرِمْ بِهِمْ مِنْ سَادَةٍ أَطْهَارِ هَذَا اعْتِقَادِي وَالَّذِي أَرْجُو بِهِ ... فَوْزِي وَعِتْقِي مِنْ عَذَابِ النَّارِ طَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَابَشَاذَ أَبُو الْحَسَنِ الْمِصْرِيُّ النَّحْوِيُّ سَقَطَ مِنْ سَطْحِ جَامِعِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِمِصْرَ فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: كَانَ بِمِصْرَ إِمَامُ عَصْرِهِ فِي النَّحْوِ وَلَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْمُفِيدَةُ مِنْ ذَلِكَ " مُقَدِّمَتُهُ "، وَ " شَرْحُهَا "، وَ " شَرْحُ الْجُمَلِ " لِلزَّجَّاجِىِّ.
قَالَ: وَكَانَتْ وَظِيفَتُهُ بِمِصْرَ أَنَّهُ لَا تُكْتَبُ الرَّسَائِلُ فِي دِيوَانِ الْإِنْشَاءِ إِلَّا عُرِضَتْ عَلَيْهِ فَيُصْلِحُ مِنْهَا مَا فِيهِ خَلَلٌ ثُمَّ تُنْفَذُ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي عُيِّنَتْ لَهَا، وَكَانَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مَعْلُومٌ وَرَاتِبٌ جَيِّدٌ.
قَالَ: فَاتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ يَوْمًا مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ طَعَامًا، فَجَاءَهُ قِطٌّ فَرَمَوْا لَهُ شَيْئًا فَأَخَذَهُ وَذَهَبَ سَرِيعًا ثُمَّ أَقْبَلَ فَرَمَوْا لَهُ شَيْئًا أَيْضًا فَانْطَلَقَ بِهِ سَرِيعًا ثُمَّ جَاءَ فَرَمَوْا لَهُ شَيْئًا أَيْضًا فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَا

يَأْكُلُ هَذَا كُلَّهُ، فَتَتَبَّعُوهُ فَإِذَا هُوَ يَذْهَبُ بِهِ إِلَى قِطٍّ آخَرَ أَعْمَى فِي سَطْحٍ هُنَاكَ، فَتَعَجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! هَذَا حَيَوَانٌ بَهِيمٌ قَدْ سَاقَ اللَّهُ إِلَيْهِ رِزْقَهُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ أَفَلَا يَرْزُقُنِي وَأَنَا عَبْدُهُ؟! ثُمَّ تَرَكَ مَا كَانَ لَهُ مِنَ الرَّاتِبِ وَجَمَعَ حَوَاشِيَهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالِاشْتِغَالِ وَالْمُلَازَمَةِ فِي غُرْفَةٍ فِي جَامِعِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَقَدْ جَمَعَ تَعْلِيقَةً فِي النَّحْوِ قَرِيبًا مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ مُجَلَّدًا، فَأَصْحَابُهُ كَابْنِ بَرِيٍّ وَغَيْرِهِ يَنْقُلُونَ مِنْهَا وَيَنْتَفِعُونَ بِهَا وَيُسَمُّونَهَا " تَعْلِيقَ الْغُرْفَةِ ". عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُجَمِّعِ بْنِ مُجِيبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ هَزَارْمَرْدَ، أَبُو مُحَمَّدٍ الصَّرِيفِينِيُّ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْمُعَلِّمِ، أَحَدُ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ الْمُسْنِدِينَ الْمَشْهُورِينَ تَفَرَّدَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَشَايِخِ لِطُولِ عُمْرِهِ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ بِالْجَعْدِيَّاتِ عَنِ ابْنِ حَبَابَةَ عَنْ أَبَى الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ وَهُوَ سَمَاعُنَا، وَرَحَلَ إِلَيْهِ النَّاسُ بِسَبَبِهِ، وَسَمِعَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ، مِنْهُمُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، وَكَانَ ثِقَةً مَحْمُودَ الطَّرِيقَةِ صَافِيَ الطَّوِيَّةِ تُوُفِّيَ بِصَرِيفِينَ، فِي جُمَادَى الْأُولَى عَنْ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً.

حَيَّانُ بْنُ خَلَفِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ حَيَّانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ بْنِ وَهْبِ بْنِ حَيَّانَ أَبُو مَرْوَانَ الْقُرْطُبِىُّ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ صَاحِبُ " تَارِيخِ الْمَغْرِبِ " فِي سِتِّينَ مُجَلَّدًا، أَثْنَى عَلَيْهِ الْحَافِظُ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ فِي فَصَاحَتِهِ وَصِدْقِهِ وَبَلَاغَتِهِ.
وَقَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: التَّهْنِئَةُ بَعْدَ ثَلَاثٍ اسْتِخْفَافٌ بِالْمَوَدَّةِ وَالتَّعْزِيَةُ بَعْدَ ثَلَاثٍ إِغْرَاءٌ بِالْمُصِيبَةِ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا وَرَآهُ بَعْضُهُمْ فِي النَّوْمِ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي وَأَمَّا " التَّارِيخُ " فَنَدِمْتُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بِلُطْفِهِ أَقَالَنِي وَعَفَا عَنِّي.
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَاتِمٍ أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ الْوَائِلِيُّ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا وَائِلُ، مِنْ قُرَى سِجِسْتَانَ سَمِعَ الْكَثِيرَ وَجَمَعَ وَصَنَّفَ وَخَرَّجَ وَأَقَامَ بِالْحَرَمِ، وَلَهُ كِتَابُ " الْإِبَانَةِ " فِي الْأُصُولِ وَلَهُ يَدٌ فِي الْفُرُوعِ أَيْضًا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ كَانَ يُفَضِّلُهُ فِي الْحِفْظِ عَلَى الصُّورِيِّ.
مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْمَاطِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ سِكِّينَةَ وُلِدَ سَنَةَ تِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ كَثِيرَ السَّمَاعِ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَقَعَتْ صَاعِقَةٌ بِمَحَلَّةِ التُّوثَةِ مِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ عَلَى نَخْلَتَيْنِ فِي مَسْجِدٍ فَأَحْرَقَتْ أَعَالِيَهُمَا، وَصَعِدَ النَّاسُ فَأَطْفَئُوا النَّارَ وَنَزَلُوا بِالسَّعَفِ وَهُوَ يَشْتَعِلُ نَارًا.
قَالَ: وَوَرَدَ كِتَابٌ مِنْ نِظَامِ الْمُلْكِ إِلَى الشَّيْخِ أَبَى إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ فِي جَوَابِ كِتَابِهِ إِلَيْهِ فِي شَأْنِ الْحَنَابِلَةِ، ثُمَّ سَرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَمَضْمُونُهُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُ الْمَذَاهِبِ وَلَا نَقْلُ أَهْلِهَا عَنْهَا، وَالْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ هُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَمَحَلُّهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ، وَقَدْرُهُ مَعْلُومٌ فِي السُّنَّةِ فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ.
قَالَ: وَفِي شَوَّالٍ مِنْهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ الْحَنَابِلَةِ وَبَيْنَ فُقَهَاءِ النِّظَامِيَّةِ، وَحَمِيَ لِكُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَوَامِّ، وَقُتِلَ بَيْنَهُمْ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ قَتِيلًا، ثُمَّ سَكَنَتِ الْفِتْنَةُ.

قَالَ: وَفِي تَاسِعَ عَشَرَ شَوَّالٍ وُلِدَ لِلْخَلِيفَةِ الْمُقْتَدِي وَلَدُهُ الْمُسْتَظْهِرُ بِاللَّهِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ، وَزُيِّنَ الْبَلَدُ وَجَلَسَ الْوَزِيرُ لِلْهَنَاءِ، ثُمَّ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ آخَرُ وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ هَارُونُ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِيهَا وَلِيَ تَاجُ الدَّوْلَةِ تُتُشُ بْنُ أَلْبِ أَرْسَلَانَ الشَّامَ وَحَاصَرَ حَلَبَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُقْطَعُ الْكُوفَةِ خُتْلُغُ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الْوَزِيرَ ابْنَ جَهِيرٍ كَانَ قَدْ عَمِلَ مِنْبَرًا هَائِلًا ; لِتُقَامَ عَلَيْهِ الْخُطْبَةُ بِمَكَّةَ، فَحِينَ وَصَلَ إِلَيْهَا إِذِ الْخُطْبَةُ قَدْ أُعِيدَتْ لِلْمِصْرِيِّينَ فَكُسِرَ ذَلِكَ الْمِنْبَرُ وَأُحْرِقَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ ابْنُ حُمَّدُوهْ أَبُو بَكْرٍ الرَّزَّازُ الْمُقْرِئُ، آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ سَمْعُونَ، وَقَدْ كَانَ ثِقَةً مُتَعَبِّدًا حَسَنَ الطَّرِيقَةِ، كَتَبَ عَنْهُ الْخَطِيبُ وَقَالَ كَانَ صَدُوقًا تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ

تِسْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ النَّقُورِ الْبَزَّازُّ، أَحَدُ الْمُسْنِدِينَ الْمُعَمَّرِينَ، تَفَرَّدَ بِنُسَخٍ كَثِيرَةٍ عَنِ ابْنِ حَبَابَةَ عَنِ الْبَغَوِيِّ عَنْ أَشْيَاخِهِ ; كَنُسْخَةِ هُدْبَةَ وَكَامِلِ بْنِ طَلْحَةَ وَعُمَرَ بْنِ زُرَارَةَ وَأَبِي السَّكَنِ الْبَلَدِيِّ، وَكَانَ مُكْثِرًا مُتَحَرِّيًا، وَكَانَ يَأْخُذُ عَلَى إِسْمَاعِ حَدِيثِ طَالُوتَ بْنِ عَبَّادٍ دِينَارًا، وَقَدْ أَفْتَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِىُّ بِجَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى إِسْمَاعِ الْحَدِيثِ ; لِاشْتِغَالِهِ بِهِ عَنِ الْكَسْبِ تُوُفِّيَ عَنْ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو صَالِحٍ الْمُؤَذِّنُ النَّيْسَابُورِىُّ الْحَافِظُ كَتَبَ الْكَثِيرَ وَجَمَعَ وَصَنَّفَ، وكَتَبَ عَنْ أَلْفِ شَيْخٍ أَلْفَ حَدِيثٍ وَكَانَ يَعِظُ وَيُؤَذِّنُ مَاتَ وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ.

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْكَتَّانِيِّ وَقَدْ سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَرَوَى عَنْهُ الْخَطِيبُ وَوَثَّقَهُ، تُوُفِّيَ عَنْ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ.
رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
عَبْدُ الرَّحْمَنِ - ابْنُ مَنْدَهْ - بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَي بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، الْإِمَامُ ابْنُ الْإِمَامِ، سَمِعَ أَبَاهُ وَابْنَ مَرْدَوَيْهِ وَخَلْقًا فِي أَقَالِيمَ شَتَّى، سَافَرَ إِلَيْهَا وَجَمَعَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَكَانَ ذَا وَقَارٍ وَسَمْتٍ حَسَنٍ وَاتِّبَاعٍ لِلسُّنَّةِ وَفَهْمٍ جَيِّدٍ، كَثِيرَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّنْجَانِيُّ يَقُولُ: حَفِظَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ بِهِ، وَبِعَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ الْهَرَوِيِّ، تُوُفِّيَ ابْنُ مَنْدَهْ هَذَا بِأَصْبَهَانَ عَنْ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو الْقَاسِمِ الْهَمَذَانِيُّ، أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْفُقَهَاءِ الْأَوْلِيَاءِ كَانَ يُلَقَّبُ بُنْجِيرَ، وَقَدْ سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ يَكْتُبُ لِلطَّلَبَةِ وَيَقْرَأُ لَهُمْ، تُوُفِّيَ بِالرَّيِّ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصِ.
الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ الْحَنْبَلِيُّ عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ عِيسَى بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ، ابْنُ أَبِي مُوسَى الْحَنْبَلِيُّ الْعَبَّاسِيُّ، كَانَ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ الْعُلَمَاءِ الْعُبَّادِ الزُّهَّادِ الْمَشْهُورِينَ بِالدِّيَانَةِ وَالْفَضْلِ وَالْعِبَادَةِ وَالْقِيَامِ فِي اللَّهِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَاشْتَغَلَ عَلَى الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى بْنِ الْفَرَّاءِ وَزَكَّاهُ شَيْخُهُ عِنْدَ ابْنِ الدَّامَغَانِيِّ فَقَبِلَهُ، ثُمَّ تَرَكَ الشَّهَادَةَ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَانَ مَشْهُورًا بِالصَّلَاحِ وَالدِّيَانَةِ وَحِينَ احْتُضِرَ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَوْصَى أَنْ يُغَسِّلَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ هَذَا، وَأَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ وَمَالٍ جَزِيلٍ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا.

وَحِينَ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْحَنَابِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ بِسَبَبِ ابْنِ الْقُشَيْرِيِّ اعْتُقِلَ هُوَ فِي دَارِ الْخِلَافَةِ مُكَرَّمًا مُعَظَّمًا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَغَيْرُهُمْ وَيُقَبِّلُونَ يَدَهُ وَرَأْسَهُ، وَلَمْ يَزَلْ هُنَاكَ حَتَّى اشْتَكَى، فَأُذِنَ لَهُ فِي الْمَسِيرِ إِلَى أَهْلِهِ، فَتُوُفِّيَ عِنْدَهُمْ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ النِّصْفَ مِنْ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَاتَّخَذَتِ الْعَامَّةُ قَبْرَهُ سُوقًا كُلَّ لَيْلَةِ أَرْبِعَاءَ يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ وَيَقْرَءُونَ الْخَتَمَاتِ عِنْدَهُ حَتَّى جَاءَ الشِّتَاءُ، وَكَانَ جُمْلَةُ مَا قُرِئَ عِنْدَهُ عَشَرَةَ آلَافِ خَتْمَةٍ مِنْ كَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو الْحَسَنِ الْبَيْضَاوِيُّ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيِّينَ، وَتَوَلَّى الْقَضَاءَ بِرَبْعِ الْكَرْخِ وَدُفِنَ عِنْدَ وَالِدِهِ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا مَلَكَ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ تَاجُ الْمُلُوكِ تُتُشُ بْنُ أَلْبِ أَرَسَلَانَ السَّلْجُوقِيُّ دِمَشْقَ وَقَتَلَ مَلِكَهَا أَقْسِيسَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَقْسِيسَ بَعَثَ إِلَيْهِ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى الْمِصْرِيِّينَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ لَمْ يَرْكَبْ لِتَلَقِّيهِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ لِسَاعَتِهِ.
وَفِيهَا عُزِلَ الْوَزِيرُ ابْنُ جَهِيرٍ بِإِشَارَةِ نِظَامِ الْمُلْكِ ; بِسَبَبِ مُمَالَأَتِهِ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ، ثُمَّ كَاتَبَ الْمُقْتَدِي نِظَامَ الْمُلْكِ فِي إِعَادَتِهِ فَأُعِيدَ وَلَدُهُ وَأُطْلِقَ هُوَ.
وَفِيهَا قَدِمَ سَعْدُ الدَّوْلَةِ كُوَهْرَائِينُ أَمِيرًا إِلَى بَغْدَادَ، وَضُرِبَتِ الطُّبُولُ عَلَى بَابِهِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَأَسَاءَ الْأَدَبَ عَلَى الْخِلَافَةِ، وَضَرَبَ طُوَالَاتِ الْخُيُولِ عَلَى بَابِ الْفِرْدَوْسِ فَكُوتِبَ السُّلْطَانُ فِي أَمْرِهِ فَجَاءَ الْكِتَابُ مِنَ السُّلْطَانِ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ.

وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْأَمِيرُ مُقْطَعُ الْكُوفَةِ خُتْلُغُ التُّرْكِيُّ أَثَابَهُ اللَّهُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: سَعْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَبُو الْقَاسِمِ الزَّنْجَانِيُّ، رَحَلَ إِلَى الْآفَاقِ وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَكَانَ إِمَامًا حَافِظًا مُتَعَبِّدًا، ثُمَّ انْقَطَعَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ بِمَكَّةَ وَكَانَ النَّاسُ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَيُقَبِّلُونَ يَدَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُقَبِّلُونَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ.
سَلِيمٌ الْحَوْرِيُّ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى دُجَيْلٍ كَانَ عَابِدًا زَاهِدًا يُقَالُ: إِنَّهُ مَكَثَ مُدَّةً يَتَقَوَّتُ كُلَّ يَوْمٍ بِزَبِيبَةٍ وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ وَقُرِئَ عَلَيْهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبْعُونَ أَبُو أَحْمَدَ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ الْقَيْرَوَانِيُّ، تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ وَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا مَلَكَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ - صَاحِبُ غَزْنَةَ - قِلَاعًا كَثِيرَةً حَصِينَةً مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بِلَادِهِ سَالِمًا غَانِمًا.
وَفِيهَا وُلِدَ الْأَمِيرُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ، وَزُيِّنَتْ لَهُ بَغْدَادُ،.
وَفِيهَا مَلَكَ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ الْأَمِيرُ شَرَفُ الدَّوْلَةِ مُسْلِمُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ الْعَقِيلِيُّ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ وَفِيهَا مَلَكَ مَنْصُورُ بْنُ مَرْوَانَ دِيَارَ بَكْرٍ بَعْدَ أَبِيهِ وَفِيهَا أَمَرَ السُّلْطَانُ بِتَغْرِيقِ ابْنِ عَلَّانَ الْيَهُودِيِّ ضَامِنِ الْبَصْرَةِ وَأَخَذَ مِنْ ذَخَائِرِهِ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَضَمِنَ خُمَارْتِكِينَ الْبَصْرَةَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَمِائَةِ فَرَسٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ.
وَفِيهَا فَتَحَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ تَكْرِيتَ وَحَجَّ بِالنَّاسِ خُتْلُغُ التُّرْكِيُّ،

وَقُطِعَتْ خُطْبَةُ الْمِصْرِيِّينَ بِمَكَّةَ وَخُطِبَ لِلْمُقْتَدِي وَلِلسُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ السَّلْجُوقِيِّ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَيْرُونَ أَبُو نَصْرٍ سَمِعَ الْكَثِيرَ وَكَانَ زَاهِدًا عَابِدًا يَسْرُدُ الصَّوْمَ وَيَخْتِمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ خَتْمَةً رَحِمَهُ اللَّهُ.
مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مِهْرَانَ الْعُكْبَرِيُّ، سَمِعَ هِلَالًا الْحَفَّارَ وَابْنَ رَزْقُوَيْهِ وَالْحَمَّامِيَّ وَغَيْرَهُمْ، وَكَانَ فَاضِلًا جَيِّدَ الشِّعْرِ، فَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ: أُطِيلُ تَفَكُّرِي فِي أَيِّ نَاسٍ ... مَضَوْا قِدْمًا وَفِيمَنْ خَلَّفُونَا هُمُ الْأَحْيَاءُ بَعْدَ الْمَوْتِ ذِكْرًا ... وَنَحْنُ مِنَ الْخُمُولِ الْمَيِّتُونَا تُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً.
هَيَّاجُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحِطِّينِيُّ الشَّامِيُّ سَمِعَ الْحَدِيثَ وَكَانَ أَوْحَدَ زَمَانِهِ

زُهْدًا وَفِقْهًا وَاجْتِهَادًا فِي الْعِبَادَةِ، أَقَامَ بِمَكَّةَ مُدَّةً يُفْتِي أَهْلَهَا وَيَعْتَمِرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَلَمْ يَلْبَسْ نَعْلًا مُذْ أَقَامَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ يَزُورُ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْلِ مَكَّةَ مَاشِيًا حَافِيًا، وَكَذَلِكَ كَانَ يَزُورُ قَبْرَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ، وَكَانَ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا وَلَا يَلْبَسُ إِلَّا قَمِيصًا وَاحِدًا، ضَرَبَهُ بَعْضُ أُمَرَاءِ مَكَّةَ فِي بَعْضِ فِتَنِ الرَّوَافِضِ فَاشْتَكَى أَيَّامًا، وَمَاتَ وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى الثَّمَانِينَ.
رَحِمَهُ اللَّهُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا اسْتَوْلَى تُكَشُ أَخُو السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ عَلَى بَعْضِ خُرَاسَانَ.
وَفِيهَا أُذِنَ لِلْوُعَّاظِ فِي الْجُلُوسِ لِلْوَعْظِ ; وَكَانُوا قَدْ مُنِعُوا مِنْ وَقْتِ فِتْنَةِ ابْنِ الْقُشَيْرِيِّ، وَفِيهَا قُبِضَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْفِتْيَانِ ; كَانُوا قَدْ جَعَلُوا عَلَيْهِمْ رَئِيسًا يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْهَاشِمِيُّ، وَقَدْ كَاتَبُوهُ مِنَ الْأَقْطَارِ وَكَانَ السَّاعِي لَهُ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: ابْنُ رَسُولٍ، وَكَانُوا يَجْتَمِعُونَ عِنْدَ جَامِعِ بَرَاثَا فَخِيفَ مِنْ أَمْرِهِمْ أَنْ يَكُونُوا مُمَالِئِينَ لِلْمِصْرِيِّينَ فَأُمِرَ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِمْ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ خُتْلُغُ التُّرْكِيُّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْأَخْضَرِ الْمُحَدِّثُ، سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ شَاذَانَ وَكَانَ عَلَى مَذْهَبِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَكَانَ كَثِيرَ التِّلَاوَةِ حَسَنَ السِّيرَةِ مُتَقَلِّلًا مِنَ الدُّنْيَا قَنُوعًا، رَحِمَهُ اللَّهُ.
الصُّلَيْحِيُّ الْمُتَغَلِّبُ عَلَى الْيَمَنِ، أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُلَقَّبُ

بِالصُّلَيْحِيِّ، كَانَ أَبُوهُ قَاضِيًا بِالْيَمَنِ وَكَانَ سُنِّيًّا، وَنَشَأَ هَذَا فَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَبَرَعَ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْعُلُومِ، وَكَانَ شِيعِيًّا عَلَى مَذْهَبِ الْقَرَامِطَةِ، ثُمَّ كَانَ يَدُلُّ بِالْحَجِيجِ مُدَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ قَدِ اشْتَهَرَ أَمْرُهُ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُ سَيَمْلِكُ الْيَمَنَ، فَنَجَمَ بِبِلَادِ الْيَمَنِ بَعْدَ قَتْلِهِ نَجَاحًا صَاحِبَ تِهَامَةَ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى بِلَادِ الْيَمَنِ بِكَمَالِهَا، فِي أَقْصَرِ مُدَّةٍ وَاسْتَوْثَقَ لَهُ الْمُلْكُ بِهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَخَطَبَ لِلْمُسْتَنْصِرِ الْعُبَيْدِيِّ صَاحِبِ مِصْرَ فَلَمَّا كَانَ فِي هَذَا الْعَامِ خَرَجَ إِلَى الْحَجِّ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ فَاعْتَرَضَهُ سَعِيدُ بْنُ نَجَاحٍ بِالْمَوْسِمِ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ فَقَاتَلَهُمْ فَقُتِلَ هُوَ وَأَخُوهُ وَاسْتَحْوَذَ سَعِيدُ بْنُ نَجَاحٍ عَلَى مَمْلَكَتِهِ وَحَوَاصِلِهِ، وَمِنْ شِعْرِ الصُّلَيْحِيِّ هَذَا قَوْلُهُ: أَنْكَحْتُ بِيضَ الْهِنْدِ سُمْرَ رِمَاحِهِمْ ... فَرُءُوسُهُمْ عِوَضُ النِّثَارِ نِثَارُ وَكَذَا الْعُلَا لَا يُسْتَبَاحُ نِكَاحُهَا ... إِلَّا بِحَيْثُ تُطَلَّقُ الْأَعْمَارُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ الشِّبْلِ، أَبُو عَلِيٍّ الشَّاعِرُ الْبَغْدَادِيُّ، أَسْنَدَ الْحَدِيثَ وَلَهُ الشِّعْرُ الرَّائِقُ فَمِنْهُ قَوْلُهُ: لَا تُظْهِرَنَّ لِعَاذِلٍ أَوْ عَاذِرٍ ... حَالَيْكَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فَلِرَحْمَةِ الْمُتَوَجِّعِينَ مَرَارَةٌ ... فِي الْقَلْبِ مِثْلُ شَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ

وَلَهُ أَيْضًا: يُفنِي الْبَخِيلُ بِجَمْعِ الْمَالِ مُدَّتَهُ ... وَلِلْحَوَادِثِ وَالْوُرَّاثِ مَا يَدَعُ كَدُودَةِ الْقَزِّ مَا تَبْنِيهِ يَخْنُقُهَا ... وَغَيْرُهَا بِالَّذِي تَبْنِيهِ يَنْتَفِعُ يُوسُفُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، أَبُو الْقَاسِمِ التَّفَكُّرِيُّ، مِنْ أَهْلِ زَنْجَانَ وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَتَفَقَّهَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَدَرَسَ الْفِقْهَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ تَلَامِذَتِهِ، وَكَانَ عَابِدًا وَرِعًا خَاشِعًا، كَثِيرَ الْبُكَاءِ عِنْدَ الذِّكْرِ مُقْبِلًا عَلَى الْعِبَادَةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا وَلِيَ أَبُو كَامِلٍ مَنْصُورُ بْنُ نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسٍ مَا كَانَ يَلِيهِ أَبُوهُ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ وَالْخَلِيفَةُ.
وَفِيهَا مَلَكَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ مُسْلِمُ بْنُ قُرَيْشٍ حَرَّانَ وَصَالَحَ صَاحِبَ الرُّهَا 72.
وَفِيهَا فَتَحَ تُتُشُ بْنُ أَلْبِ أَرْسَلَانَ صَاحِبُ دِمَشْقَ مَدِينَةَ أَنْطَرْطُوسَ.
وَفِيهَا أَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ ابْنَ جَهِيرٍ إِلَى السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ يَخْطُبُ ابْنَتَهُ عَنْهُ، فَأَجَابَتْ أُمُّهَا إِلَى ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ زَوْجَةٌ وَلَا سُرِّيَّةٌ سِوَاهَا، وَأَنْ يَكُونَ مَبِيتُهُ عِنْدَهَا فَوَقَعَ الشَّرْطُ عَلَى ذَلِكَ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: دَاوُدُ بْنُ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ، فَوَجَدَ عَلَيْهِ أَبُوهُ وَجْدًا عَظِيمًا، بِحَيْثُ إِنَّهُ كَادَ - أَوْ هَمَّ - أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ فَمَنَعَهُ الْأُمَرَاءُ مِنْ ذَلِكَ، وَانْتَقَلَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَأَمَرَ النِّسَاءَ بِالنَّوْحِ عَلَيْهِ وَلَمَّا وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَادَ جَلَسَ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ لِلْعَزَاءِ.
الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ، سُلَيْمَانُ بْنُ خَلَفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَيُّوبَ التُّجِيبِيُّ

جارٍ التحميل