البداية والنهايةصفحات 501-508

السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ.

صفحات 501-508

بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ الْأَسَدِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، يُكَنَّى أَبَا مِحْصَنٍ، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ، هَاجَرَ وَشَهِدَ بَدْرًا، وَأَبْلَى يَوْمَئِذٍ بَلَاءً حَسَنًا، وَانْكَسَرَ سَيْفُهُ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ عُرْجُونًا، فَعَادَ فِي يَدِهِ سَيْفًا أَبْيَضَ الْحَدِيدِ شَدِيدَ الْمَتْنِ.
وَكَانَ ذَلِكَ السَّيْفُ يُسَمَّى الْعَوْنَ.
وَشَهِدَ أُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَمَا بَعْدَهَا.
«وَلَمَّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، قَالَ عُكَّاشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ.
فَقَالَ: " اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ". ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ.
فَقَالَ: " سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» . وَالْحَدِيثُ مَرْوِّيٌّ مِنْ طُرُقٍ تُفِيدُ الْقَطْعَ.
وَقَدْ خَرَجَ عُكَّاشَةُ مَعَ خَالِدٍ يَوْمَ أَمَّرَهُ الصِّدِّيقُ بِذِي الْقَصَّةِ، فَبَعَثَهُ وَثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَلِيعَةً، فَتَلَقَّاهُمَا طُلَيْحَةُ الْأَسَدِيُّ وَأَخُوهُ سَلَمَةُ فَقَتَلَاهُمَا، وَقَدْ قَتَلَ عُكَّاشَةُ قَبْلَ مَقْتَلِهِ حِبَالَ بْنَ طُلَيْحَةَ، ثُمَّ أَسْلَمَ طُلَيْحَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ عُمُرُ عُكَّاشَةَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَمِنْهُمْ مَعْنُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْجَدِّ بْنِ عَجْلَانَ بْنِ ضُبَيْعَةَ الْبَلَوِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهُوَ أَخُو عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ

وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ، وَكَانَ قَدْ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقُتِلَا جَمِيعًا يَوْمَ الْيَمَامَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
وَقَالَ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَكَى النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ مَاتَ وَقَالُوا: وَاللَّهِ وَدِدْنَا أَنَّا مِتْنَا قَبْلَهُ، وَنَخْشَى أَنْ نُفْتَتَنَ بَعْدَهُ.
فَقَالَ مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ: لَكِنِّي وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَمُوتَ قَبْلَهُ ; لِأُصَدِّقَهُ مَيِّتًا كَمَا صَدَّقْتُهُ حَيًّا.
وَمِنْهُمُ الْوَلِيدُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ ابْنَا عُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قُتِلَا مَعَ عَمِّهِمَا خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بِالْبُطَاحِ، وَأَبُوهُمَا عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَهُوَ صَاحِبُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِلَى النَّجَاشِيِّ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ.
وَمِنْهُمْ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْقُرَشِيُّ الْعَبْشَمِيُّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا قَبْلَ دَارِ الْأَرْقَمِ، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَإِلَى الْمَدِينَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ، وَقَدْ قُتِلَا شَهِيدِينَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ.
وَكَانَ عُمُرُ أَبِي حُذَيْفَةَ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ طَوِيلًا، حَسَنَ الْوَجْهِ، أَحْوَلَ أَثْعَلَ، وَهُوَ الَّذِي لَهُ سِنٌّ زَائِدَةٌ، وَكَانَ اسْمُهُ هُشَيْمًا، وَقِيلَ: مُهَشِّمٌ.
وَقِيلَ: هَاشِمٌ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ مِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ وَمِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَا هَؤُلَاءِ لِشُهْرَتِهِمْ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانِ.

قُلْتُ: وَمِمَّنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ; مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، حَلِيفُ بَنِي غَنْمٍ، مُهَاجِرِيٌّ بَدْرِيٌّ.
وَيَزِيدُ بْنُ رُقَيْشِ بْنِ رِئَابٍ الْأَسَدِيُّ، بَدْرِيٌّ، وَالْحَكَمُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ الْأُمَوِيُّ، وَجُبَيْرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ بُحَيْنَةَ، أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ الْأَزْدِيُّ، حَلِيفُ بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
وَعَامِرُ بْنُ الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيٍّ، بَدْرِيٌّ.
وَمَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ.
وَأَبُو أُمَيَّةَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَمْرٍو.
وَيَزِيدُ بْنُ أَوْسٍ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ.
وَحُيَيٌّ، وَيُقَالُ: مُعَلَّى بْنُ حَارِثَةَ الثَّقَفِيُّ.
وَحَبِيبُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ.
وَالْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ الْمَخْزُومِيُّ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ بُجْرَةَ الْعَدَوِيُّ.
وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ السَّهْمِيُّ، وَهُوَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْرَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرٍ الْعَامِرِيُّ، مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ.
وَعَمْرُو بْنُ أُوَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيُّ.

وَسَلِيطُ بْنُ عَمْرٍو الْعَامِرِيُّ.
وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي خَرَشَةَ الْعَامِرِيُّ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رَحْضَةَ، مِنْ بَنِي عَامِرٍ.
وَمِنَ الْأَنْصَارِ غَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا تَرَاجِمَهُمْ ; عُمَارَةُ بْنُ حَزْمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَوْذَانَ النَّجَّارِيُّ، وَهُوَ أَخُو عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، كَانَتْ مَعَهُ رَايَةُ قَوْمِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ.
وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ السَّلَمِيُّ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا.
وَثَابِتُ بْنُ هَزَّالٍ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، بَدْرِيٌّ فِي قَوْلٍ.
وَأَبُو عَقِيلٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، مِنْ بَنِي جَحْجَبَى، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ أَصَابَهُ سَهْمٌ فَنَزَعَهُ، ثُمَّ تَحَزَّمَ وَأَخَذَ سَيْفَهُ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَقَدْ أَصَابَتْهُ جِرَاحَاتٌ كَثِيرَةٌ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ.
وَرَافِعُ بْنُ سَهْلٍ.
وَحَاجِبُ بْنُ يَزِيدَ الْأَشْهَلِيُّ.
وَسَهْلُ بْنُ عَدِيٍّ.
وَمَالِكُ بْنُ أَوْسٍ.
وَعُمَيْرُ بْنُ أَوْسٍ.
وَطَلْحَةُ بْنُ عُتْبَةَ، مِنْ بَنِي جَحْجَبَى.
وَرَبَاحٌ مَوْلَى الْحَارِثِ.
وَمَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ.
وَجَزْءُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَامِرٍ، مِنْ بَنِي جَحْجَبَى.
وَوَدَقَةُ

بْنُ إِيَاسِ بْنِ عَمْرٍو الْخَزْرَجِيُّ، بَدْرِيٌّ.
وَجَرْوَلُ بْنُ الْعَبَّاسِ.
وَعَامِرُ بْنُ ثَابِتٍ.
وَبِشْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَزْرَجِيُّ.
وَكُلَيْبُ بْنُ تَمِيمٍ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِتْبَانَ.
وَإِيَاسُ بْنُ وَدَقَةَ.
وَأُسِيدُ بْنُ يَرْبُوعٍ.
وَسَعْدُ بْنُ حَارِثَةَ.
وَسَعْدُ بْنُ حِمَّانَ.
وَمُخَاشِنُ بْنُ حُمَيِّرٍ.
وَسَلَمَةُ بْنُ مَسْعُودٍ.
وَقِيلَ: مَسْعُودُ بْنُ سِنَانٍ.
وَضَمْرَةُ بْنُ عِيَاضٍ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ.
وَأَبُو حَبَّةَ بْنُ غَزِيَّةَ الْمَازِنِيُّ.
وَحَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ.
وَحَبِيبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مِحْصَنٍ.
وَثَابِتُ بْنُ خَالِدٍ.
وَفَرْوَةُ بْنُ النُّعْمَانِ.
وَعَائِذُ بْنُ مَاعِصٍ.
وَيَزِيدُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الضِّحَاكِ أَخُو زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: فَجَمِيعُ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ثَمَانِيَةٌ وَخَمْسُونَ رَجُلًا.
يَعْنِي وَبَقِيَّةُ الْأَرْبَعِمِائَةٍ وَالْخَمْسِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْكُفَّارِ فِيمَا سُقْنَا مِنَ الْمَوَاطِنِ الَّتِي الْتَقَى فِيهَا الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فِي هَذِهِ وَأَوَائِلِ الَّتِي قَبْلَهَا، مَا يَنِيفُ عَلَى خَمْسِينَ أَلْفًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ.

فَمِنْ مَشَاهِيرِهِمْ ; الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ، لَعَنَهُ اللَّهُ، وَاسْمُهُ عَبْهَلَةُ بْنُ كَعْبِ بْنِ غَوْثٍ، خَرَجَ أَوَّلَ مَخْرَجِهِ مِنْ بَلْدَةٍ بِالْيَمَنِ يُقَالُ لَهَا: كَهْفُ خُبَّانَ، وَمَعَهُ سَبْعُمِائَةُ مُقَاتِلٍ، فَمَا مَضَى شَهَرٌ حَتَّى مَلَكَ صَنْعَاءَ، ثُمَّ اسْتَوْثَقَتْ لَهُ الْيَمَنُ بِحَذَافِيرِهَا فِي أَقْصَرِ مُدَّةٍ، وَكَانَ مَعَهُ شَيْطَانٌ يُمَخْرِقُ لَهُ، وَلَكِنْ خَانَهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ، ثُمَّ لَمْ تَمْضِ لَهُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْ إِخْوَانِ صِدْقٍ، وَأُمَرَاءِ حَقٍّ، كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، وَهُمْ دَاذَوَيْهِ الْفَارِسِيُّ، وَفَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ، وَقَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ الْمُرَادِيُّ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَيَالٍ، وَقِيلَ: بِلَيْلَةٍ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ لَيْلَةَ قَتْلِهِ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا أَسْلَفْنَاهُ.
وَمِنْهُمْ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ الْحَنَفِيُّ الْيَمَامِيُّ الْكَذَّابُ لَعَنَهُ اللَّهُ.
قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْمِهِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ وَقَفَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ اتَّبَعْتُهُ.
فَقَالَ لَهُ: «لَوْ سَأَلْتَنِي هَذَا الْعُودَ - لِعُرْجُونٍ فِي يَدِهِ - مَا أَعْطَيْتُكَهُ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ، وَإِنِّي لَأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا أُرِيَتُ» . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِهِ سُوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَهَمَّهُ شَأْنُهُمَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْمَنَامِ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخَهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلَهُمَا بِكَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ، وَهُمَا صَاحِبُ صَنْعَاءَ وَصَاحِبُ الْيَمَامَةِ.
وَهَكَذَا وَقَعَ فَإِنَّهُمَا ذَهَبَا وَذَهَبَ أَمْرُهُمَا ; أَمَّا الْأَسْوَدُ فَذُبِحَ فِي دَارِهِ، وَأَمَّا مُسَيْلِمَةُ فَعَقَرَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ، رَمَاهُ بِالْحَرْبَةِ، فَأَنْفَذَهُ كَمَا تُعْقَرُ الْإِبِلُ، وَضَرَبَهُ أَبُو دُجَانَةَ عَلَى رَأْسِهِ فَفَلَقَهُ، وَذَلِكَ بِعُقْرِ دَارِهِ فِي الْحَدِيقَةِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: حَدِيقَةُ الْمَوْتِ.
وَقَدْ وَقَفَ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ طَرِيحٌ، أَرَاهُ إِيَّاهُ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ، وَيُقَالُ: كَانَ أُصَيْفَرَ أُخَيْنِسَ.
وَقِيلَ: كَانَ ضَخْمًا أَسْمَرَ اللَّوْنِ كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَاتَ وَعُمُرُهُ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قُتِلَ قَبْلَهُ وَزِيرَاهُ وَمُسْتَشَارَاهُ، لَعَنَهُمَا اللَّهُ، وَهَمَا مُحَكَّمُ بْنُ الطُّفَيْلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: مُحَكَّمُ الْيَمَامَةِ.
قَتَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، رَمَاهُ بِسَهْمٍ وَهُوَ يَخْطُبُ قَوْمَهُ يَأْمُرُهُمْ بِمَصَالِحِ حَرْبِهِمْ فَقَتَلَهُ، وَالْآخَرُ نَهَارُ بْنُ عُنْفُوَةَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الرَّجَّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَصَدَّقَ مُسَيْلِمَةَ، لَعَنَهُمَا اللَّهُ، وَشَهِدَ لَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ لَهُ أَنَّهُ قَدْ أُشْرِكَ فِي الْأَمْرِ مَعَهُ، وَقَدْ كَذَبَ الرَّجَّالُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ رَزَقَ اللَّهُ زَيْدَ بْنَ الْخَطَّابِ قَتْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ زَيْدٌ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِ الرَّجَّالِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ الضَّرُورَةُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، كَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَكَ، فَلَكَ الْمَدَرُ وَلِيَ الْوَبَرُ.
وَيُرْوَى: فَلَكُمْ نِصْفُ الْأَرْضِ وَلَنَا نِصْفُهَا، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» . وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا كَانَ يَتَعَاطَاهُ مُسَيْلِمَةُ وَيَتَعَانَاهُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ أَسْخَفُ مِنَ الْهَذَيَانِ، مِمَّا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ وَحْيٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُهُ وَأَمْثَالُهُ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَعْمَ أَنَّهُ اسْتَقَلَّ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ، وَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ، وَكَانَ يَقُولُ: خُذِي الدُّفَّ يَا هَذِهِ وَالْعَبِي ... وَبُثِّي مَحَاسِنَ هَذَا النَّبِي تَوَلَّى نَبِيُّ بَنِي هَاشِمٍ ... وَقَامَ نَبِيُّ بَنِي يَعْرُبِ فَلَمْ يُمْهِلْهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَيْفًا مِنْ سُيُوفِهِ، وَحَتْفًا مِنْ حُتُوفِهِ، فَبَعَجَ بَطْنَهُ، وَفَلَقَ رَأْسَهُ وَعَجَّلَ اللَّهُ بِرُوحِهِ إِلَى النَّارِ، فَبِئْسَ الْقَرَارُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: 92] . فَمُسَيْلِمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَأَمْثَالُهُمَا، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، أَحَقُّ النَّاسِ دُخُولًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَأَوْلَاهُمْ بِهَذِهِ الْعُقُوبَةِ الْعَظِيمَةِ.

[سَنَةُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَنَةُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ.
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ و

جارٍ التحميل