وَقَالَ هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَ رَجُلٌ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِحَدِيثٍ فَكَذَبَهُ، فَمَا قَامَ حَتَّى عَمِيَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي شُرَيْحُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمِ عَنْ عَمَّارٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ زَاذَانُ أَبِي عُمَرَ، أَنْ رَجُلًا حَدَّثَ عَلِيًّا بِحَدِيثٍ، فَقَالَ: مَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ كَذَبْتَنِي.
قَالَ: لَمْ أَفْعَلْ.
قَالَ: أَدْعُو عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ؟ قَالَ: ادْعُ.
فَدَعَا فَمَا بَرِحَ حَتَّى عَمِيَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَالِمٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ أَبِي مَكِينٍ قَالَ: مَرَرْتُ أَنَا وَخَالِي أَبُو أُمَيَّةَ عَلَى دَارٍ فِي مَحَلِّ حَيٍّ مِنْ مُرَادٍ، فَقَالَ: تَرَى هَذِهِ الدَّارَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: فَإِنَّ عَلِيًّا مَرَّ عَلَيْهَا وَهُمْ يَبْنُونَهَا، فَسَقَطَتْ عَلَيْهِ قِطْعَةٌ فَشَجَّتْهُ، فَدَعَا اللَّهَ أَنْ لَا يَكْمُلَ بِنَاؤُهَا.
قَالَ: فَمَا وُضِعَتْ عَلَيْهَا لَبِنَةٌ.
قَالَ: فَكُنْتُ أَمُرُّ عَلَيْهَا لَا تُشْبِهُ الدُّورَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي بَشِيرٍ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ الْجَمَلَ مَعَ مَوْلَايَ، فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطُّ أَكْثَرَ سَاعِدًا نَادِرًا وَقَدَمًا نَادِرَةً مِنْ يَوْمَئِذٍ، وَلَا مَرَرْتُ بِدَارِ الْوَلِيدِ قَطُّ إِلَّا ذَكَرْتُ يَوْمَ الْجَمَلِ.
قَالَ: فَحَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ أَنَّ عَلِيًّا دَعَا يَوْمَ الْجُمَلَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ خُذْ أَيْدِيَهُمْ وَأَقْدَامَهُمْ.
وَمِنْ كَلَامِهِ الْحَسَنِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنَا عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ السُّدِّيُّ، سَمِعْتُ أَبَا أَرَاكَةَ يَقُولُ: صَلَّيْتُ مَعَ عَلِيٍّ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ عَنْ يَمِينِهِ مَكَثَ كَأَنَّ عَلَيْهِ كَآبَةً، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى حَائِطِ الْمَسْجِدِ قَيْدَ رُمْحٍ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَلَّبَ يَدَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا أَرَى الْيَوْمَ شَيْئًا يُشْبِهُهُمْ، لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ صُفْرًا شُعْثًا غُبْرًا، بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ كَأَمْثَالِ رُكَبِ الْمِعْزَى، قَدْ بَاتُوا لِلَّهِ سُجَّدًا وَقِيَامًا، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَأَقْدَامِهِمْ، فَإِذَا أَصْبَحُوا فَذَكَرُوا اللَّهَ مَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ فِي يَوْمِ الرِّيحِ، وَهَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ ثِيَابَهُمْ، وَاللَّهِ لَكَأَنَّ الْقَوْمَ بَاتُوا غَافِلِينَ.
ثُمَّ نَهَضَ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مُفْتَرًّا يَضْحَكُ، حَتَّى قَتَلَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ عَدُوُّ اللَّهِ الْفَاسِقُ.
وَقَالَ وَكِيعٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَوْفَى بْنِ دَلْهَمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ تُعْرَفُوا بِهِ، وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ، فَإِنَّهُ يَأْتِي مِنْ بَعْدِكُمْ زَمَانٌ يُنْكَرُ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ تِسْعَةُ أَعْشَارِهِ، وَإِنَّهُ لَا يَنْجُو مِنْهُ إِلَّا كُلُّ نُوَمَةٍ مُنْبَتِّ الدَّاءِ، أُولَئِكَ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَمَصَابِيحُ الْعِلْمِ، لَيْسُوا بِالْعُجُلِ الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ.
ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الدُّنْيَا قَدِ ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَتَتْ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، أَلَّا وَإِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطًا، وَالتُّرَابَ فِرَاشًا، وَالْمَاءَ طِيبًا،
أَلَا مَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْآخِرَةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ رَجَعَ عَنِ الْحُرُمَاتِ، وَمَنْ طَلَبَ الْجَنَّةَ سَارَعَ إِلَى الطَّاعَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمُصِيبَاتُ، أَلَا إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا كَمَنْ رَأَى أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ مُخَلَّدِينَ، وَأَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ مُعَذَّبِينَ، شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَقُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ، وَحَوَائِجُهُمْ خَفِيفَةٌ، صَبَرُوا أَيَّامًا قَلِيلَةً لِعُقْبَى رَاحَةٍ طَوِيلَةٍ، أَمَّا اللَّيْلُ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ، يَجْأَرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ: رَبَّنَا رَبَّنَا.
يَطْلُبُونَ فِكَاكَ رِقَابِهِمْ، وَأَمَّا النَّهَارُ فَعُلَمَاءُ حُلَمَاءُ، بَرَرَةٌ أَتْقِيَاءُ، كَأَنَّهُمُ الْقِدَاحُ، يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَقُولُ: مَرْضَى.
وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ، وَ: خُولِطُوا.
وَلَقَدْ خَالَطَ الْقَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ.
وَعَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: صَعِدَ عَلِيٌّ ذَاتَ يَوْمٍ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ الْمَوْتَ، فَقَالَ: عِبَادَ اللَّهِ، الْمَوْتُ لَيْسَ مِنْهُ فَوْتٌ، إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ، وَإِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ، فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ، وَالْوَحَاءَ الْوَحَاءَ، وَرَاءَكُمْ طَالِبٌ حَثِيثٌ ; الْقَبْرُ، فَاحْذَرُوا ضَغْطَتَهُ وَظُلْمَتَهُ وَوَحْشَتَهُ، أَلَا وَإِنَّ الْقَبْرَ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ، أَوْ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَلَّا وَإِنَّهُ يَتَكَلَّمُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الظُّلْمَةِ، أَنَا بَيْتُ الدُّودِ، أَنَا بَيْتُ الْوَحْشَةِ.
أَلَا وَإِنَّ وَرَاءَ ذَلِكَ يَوْمًا يَشِيبُ فِيهِ الصَّغِيرُ، وَيَسْكَرُ فِيهِ الْكَبِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، أَلَا وَإِنَّ وَرَاءَ ذَلِكَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ ; نَارٌ حَرُّهَا شَدِيدٌ، وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَحَلْيُهَا حَدِيدٌ، وَمَاؤُهَا صَدِيدٌ،
وَخَازِنُهَا مَلَكٌ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ رَحْمَةٌ.
قَالَ: ثُمَّ بَكَى وَبَكَى الْمُسْلِمُونَ حَوْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَإِنَّ وَرَاءَ ذَلِكَ جَنَّةً، عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وَأَجَارَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ.
وَرَوَاهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيًّا، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَقَالَ وَكِيعٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَوْفَى بْنِ دَلْهَمٍ قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَآذَنَتْ بِوَدَاعٍ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَشْرَفَتْ بِاطِّلَاعٍ، وَإِنَّ الْمِضْمَارَ الْيَوْمَ، وَغَدًا السِّبَاقُ، أَلَا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجْلٌ، فَمَنْ قَصَّرَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجْلِهِ فَقَدْ خُيِّبَ عَمَلُهُ، أَلَا فَاعْمَلُوا لِلَّهِ فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ لَهُ فِي الرَّهْبَةِ، أَلَا وَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا، وَلَمْ أَرَ كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، أَلَا وَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ الْحَقُّ ضَرَّهُ الْبَاطِلُ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَقِمْ بِهِ الْهُدَى حَارَ بِهِ الضَّلَالُ، أَلَا وَإِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ، وَدُلْلِتُمْ عَلَى الزَّادِ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ وَعْدٌ صَادِقٌ، يَحْكُمُ فِيهَا مَلِكٌ قَادِرٌ، أَلَا إِنَّ الشَّيْطَانَ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ، وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، أَيُّهَا النَّاسُ، أَحْسِنُوا فِي عُمْرِكُمْ تُحْفَظُوا فِي عَقِبِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ وَعَدَ جَنَّتَهُ مَنْ أَطَاعَهُ، وَأَوْعَدَ نَارَهُ مَنْ عَصَاهُ، إِنَّهَا نَارٌ لَا يَهْدَأُ زَفِيرُهَا، وَلَا يُفَكُّ أَسِيرُهَا، وَلَا يُجْبَرُ كَسِيرُهَا، حَرُّهَا شَدِيدٌ، وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَمَاؤُهَا صَدِيدٌ، وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَلِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَطُولُ
الْأَمَلِ يُنْسِي الْآخِرَةَ.
وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ قَالَ: ذَمَّ رَجُلٌ الدُّنْيَا عِنْدَ عَلِيٍّ، فَقَالَ عَلِيٌّ: الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا، وَدَارُ نَجَاةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا، مَهْبِطُ وَحْيِ اللَّهِ، وَمُصَلَّى مَلَائِكَتِهِ، وَمَسْجِدِ أَنْبِيَائِهِ، وَمَتْجَرُ أَوْلِيَائِهِ، رَبِحُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ، وَاكْتَسَبُوا فِيهَا الْجَنَّةَ، فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا وَقَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا، وَنَادَتْ بِفِرَاقِهَا، وَشَبَّهَتْ بِشُرُورِهَا السُّرُورَ، وَبِبَلَائِهَا إِلَيْهِ تَرْغِيبًا وَتَرْهِيبًا، فَيَا أَيُّهَا الذَّامُّ لِلدُّنْيَا الْمُعَلِّلُ نَفْسَهُ، مَتَى خَدَعَتْكَ الدُّنْيَا، أَوْ مَتَى اسْتَذَمَّتْ إِلَيْكَ؟ أَبِمَصَارِعِ آبَائِكَ فِي الْبِلَى؟ أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى؟ ! كَمْ مَرِضْتَ بِيَدَيْكَ، وَعَلَّلَتْ بِكَفَّيْكَ، تَطْلُبُ لَهُ الشِّفَاءَ، وَتَسْتَوْصِفُ لَهُ الْأَطِبَّاءَ، لَا يُغْنِي عَنْكَ دَوَاؤُكَ، وَلَا يَنْفَعُكَ بُكَاؤُكَ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ فَأَطْرَاهُ، وَكَانَ يُبْغِضُ عَلِيًّا، فَقَالَ لَهُ: لَسْتُ كَمَا تَقُولُ، وَأَنَا فَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَلِيٍّ: ثَبَّتَكَ اللَّهُ.
قَالَ: عَلَى صَدْرِكَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،
عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ الْأَمْرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ كَقَطْرِ الْمَطَرِ، لِكُلِّ نَفْسٍ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، فِي نَفْسٍ أَوْ أَهْلٍ أَوْ مَالٍ، فَمَنْ رَأَى نَقَصَا فِي نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ، وَرَأَى لِغَيْرِهِ غَفِيرَةً فَلَا يَكُونَنَّ ذَلِكَ لَهُ فِتْنَةً، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ مَا لَمْ يَغْشَ دَنَاءَةً يُظْهِرُ تَخَشُّعًا لَهَا إِذَا ذُكِرَتْ، وَتُغْرِي بِهِ لِئَامَ النَّاسِ، كَالْيَاسِرِ الْفَالِجِ يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ تُوجِبُ لَهُ الْمَغْنَمَ وَتَدْفَعُ عَنْهُ الْمَغْرَمَ، فَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الْبَرِيءُ مِنَ الْخِيَانَةِ بَيْنَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إِذَا مَا دَعَا اللَّهَ، فَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ مَالًا فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْلٍ وَمَالٍ، وَمَعَهُ حَسَبُهُ وَدِينُهُ، الْحَرْثُ حَرْثَانِ ; فَحَرْثُ الدُّنْيَا الْمَالُ وَالْبَنُونَ، وَحَرْثُ الْآخِرَةِ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَقْوَامٍ.
قَالَ سُفْيَانُ: وَمَنْ يُحْسِنُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ إِلَّا عَلِيٌّ؟ !
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ، عَنْ مُهَاجِرٍ الْعَامِرِيِّ قَالَ: كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَهْدًا لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ عَلَى بَلَدٍ، فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَلَا تُطَوِّلَنَّ حِجَابَكَ عَلَى رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلَاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةُ الضِّيقِ، وَقِلَّةُ عِلْمٍ بِالْأُمُورِ، وَالِاحْتِجَابُ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتُجِبُوا دُونَهُ، فَيَضْعُفُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ، وَيَعْظُمُ الصَّغِيرُ، وَيَقْبُحُ الْحَسَنُ، وَيَحْسُنُ الْقَبِيحُ، وَيُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، وَإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ
لَا يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ، وَلَيْسَ عَلَى الْقَوْلِ سِمَاتٌ يُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ، فَتَحَصَّنْ مِنَ الْإِدْخَالِ فِي الْحُقُوقِ بِلِينِ الْحِجَابِ، فَإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ ; إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ، فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ حَقٍّ وَاجِبٍ أَنْ تُعْطِيَهُ، أَوْ خُلُقٍ كَرِيمٍ تُسَدِّدُ بِهِ؟ وَإِمَّا مُبْتَلًى بِالْمَنْعِ وَالشُّحِّ، فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا يَئِسُوا مِنْ خَيْرِكِ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ مَا لَا مُؤْنَةَ فِيهِ عَلَيْكَ ; مِنْ شَكَاةِ مَظْلَمَةٍ، أَوْ طَلَبِ إِنْصَافٍ، فَانْتَفِعْ بِمَا وَصَفْتُ لَكَ، وَاقْتَصِرْ عَلَى حَظِّكَ وَرُشْدِكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: كَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ: رُوَيْدًا، فَكَأَنْ قَدْ بَلَغْتَ الْمَدَى، وَعُرِضَتْ عَلَيْكَ أَعْمَالُكَ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يُنَادِي الْمُغْتَرُّ بِالْحَسْرَةِ، وَيَتَمَنَّى الْمُضَيِّعُ التَّوْبَةَ، وَالظَّالِمُ الرَّجْعَةَ.
وَقَالَ هُشَيْمٌ: أَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ الشِّعْرَ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ الشِّعْرَ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ الشِّعْرَ، وَكَانَ عَلِيٌّ أَشْعَرَ الثَّلَاثَةِ.
وَرَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فَذَكَرَهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ: وَأَخْبَرَنَا عَنْ دَمَاذٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَلِيٍّ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِنَّ لِي فَضَائِلَ كَثِيرَةً، وَكَانَ أَبِي سَيِّدًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَصِرْتُ مَلِكًا فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنَا صِهْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَالُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَاتِبُ الْوَحْيِ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: أَبَالْفَضَائِلِ يَفْخَرُ عَلَيَّ ابْنُ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ؟ ! ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ يَا غُلَامُ:
مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ أَخِي وَصِهْرِي ... وَحَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عَمِّي
وَجَعْفَرٌ الَّذِي يُمْسِي وَيُضْحِي ... يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ ابْنُ أُمِّي
وَبِنْتُ مُحَمَّدٍ سَكَنِي وَعِرْسِي ... مَسُوطٌ لَحْمُهَا بِدَمِي وَلَحْمِي
وَسِبْطَا أَحْمَدَ وَلَدَايَ مِنْهَا ... فَأَيُّكُمُ لَهُ سَهْمٌ كَسَهْمِي
سَبَقْتُكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا ... صَغِيرًا مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حُلْمِي
قَالَ: فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَخْفُوا هَذَا الْكِتَابَ لَا يَقْرَؤُهُ أَهْلُ الشَّامِ فَيَمِيلُوا إِلَى ابْنِ أَبِي طَالِبٍ.
وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَمَانِ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ.
وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَغَيْرُهُ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ حَارِثَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «سَمِعْتُ عَلِيًّا يُنْشِدُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ أَنَا أَخُو الْمُصْطَفَى لَا شَكَّ فِي نَسَبِي ... مَعْهُ رَبِيتُ وَسِبْطَاهُ هُمَا وَلَدِي
جَدِّي وَجَدُّ رَسُولِ اللَّهِ مُنْفَرِدٌ ... وَفَاطِمٌ زَوْجَتِي لَا قَوْلَ ذِي فَنَدِ
صَدَّقْتُهُ وَجَمِيعُ النَّاسِ فِي بُهَمٍ ... مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْإِشْرَاكِ وَالنَّكَدِ
فَالْحَمْدُ لِلَّهِ شُكْرًا لَا شَرِيكَ لَهُ ... الْبَرِّ بِالْعَبْدِ وَالْبَاقِي بِلَا أَمَدِ
قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ صَدَقْتَ يَا عَلِيٌّ» وَهَذَا بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُنْكَرٌ، وَالشِّعْرُ فِيهِ رَكَاكَةٌ، وَبَكْرٌ هَذَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ تَفَرُّدَهُ بِهَذَا السَّنَدِ وَالْمَتْنِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زَكَرِيَّا الرَّمْلِيِّ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ نُوحِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ سَلَامَةَ الْكِنْدِيِّ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً قَدْ رَفَعْتُهَا إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أَرْفَعَهَا إِلَيْكَ، فَإِنْ أَنْتَ قَضَيْتَهَا حَمِدْتُ اللَّهَ وَشَكَرْتُكَ، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَقْضِهَا حَمِدْتُ اللَّهَ وَعَذَرْتُكَ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: اكْتُبْ عَلَى الْأَرْضِ ; فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَرَى ذُلَّ السُّؤَالِ فِي وَجْهِكَ.
فَكَتَبَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: عَلِيَّ بِحُلَّةٍ.
فَأَتَى بِهَا، فَأَخَذَهَا الرَّجُلُ فَلَبِسَهَا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
كَسَوْتَنِي حُلَّةً تَبْلَى مَحَاسِنُهَا ... فَسَوْفَ أَكْسُوكَ مِنْ حُسْنِ الثَّنَا حُلَلَا
إِنْ نِلْتَ حَسَنَ ثَنَائِي نِلْتَ مَكْرُمَةً ... وَلَسْتَ تَبْغِي بِمَا قَدْ قُلْتُهُ بَدَلًا
إِنَّ الثَّنَاءَ لَيُحْيِي ذِكْرَ صَاحِبِهِ ... كَالْغَيْثِ يُحْيِي نَدَاهُ السَّهْلَ وَالْجَبَلَا
لَا تَزْهَدِ الدَّهْرَ فِي خَيْرٍ تُوَاقِعُهُ ... فَكُلُّ عَبْدٍ سَيُجْزَى بِالَّذِي عَمِلَا
فَقَالَ عَلِيٌّ: عَلَيَّ بِالدَّنَانِيرِ.
فَأُتِيَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ.
قَالَ الْأَصْبَغُ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، حُلَّةً وَمِائَةَ دِينَارٍ؟ ! قَالَ: نَعَمْ.
«سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» ". وَهَذِهِ مَنْزِلَةُ هَذَا الرَّجُلِ عِنْدِي.
وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ، حَدَّثَنِي أَبِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نُبَيْطٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:
إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْيَأْسِ الْقُلُوبُ ... وَضَاقَ بِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيبُ
وَأَوْطَنَتِ الْمَكَارِهُ وَاطْمَأَنَّتْ ... وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الْخُطُوبُ
وَلَمْ تَرَ لِانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهًا ... وَلَا أَغْنَى بِحِيلَتِهِ الْأَرِيبُ
أَتَاكَ عَلَى قُنُوطٍ مِنْكَ غَوْثٌ ... يَجِيءُ بِهِ الْقَرِيبُ الْمُسْتَجِيبُ
وَكُلُّ الْحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ ... فَمَوْصُولٌ بِهَا الْفَرَجُ الْقَرِيبُ
وَمِمَّا أَنْشَدَهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصُّولِيُّ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ:
أَلَّا فَاصْبِرْ عَلَى الْحَدَثِ الْجَلِيلِ ... وَدَاوِ جَوَاكَ بِالصَّبْرِ الْجَمِيلِ
وَلَا تَجْزَعْ فَإِنْ أَعْسَرْتَ يَوْمًا ... فَقَدْ أَيْسَرْتَ فِي الدَّهْرِ الطَّوِيلِ
وَلَا تَظْنُنْ بِرَبِّكَ ظَنَّ سَوْءٍ ... فَإِنَّ اللَّهَ أَوْلَى بِالْجَمِيلِ
فَإِنَّ الْعُسْرَ يَتْبَعُهُ يَسَارٌ ... وَقَوْلُ اللَّهِ أَصْدَقُ كُلِّ قِيلِ
فَلَوْ أَنَّ الْعُقُولَ تَجُرُّ رِزْقًا ... لَكَانَ الرِّزْقُ عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ
فَكَمْ مِنْ مُؤْمِنٍ قَدْ جَاعَ يَوْمًا ... سَيُرْوَى مِنْ رَحِيقِ السَّلْسَبِيلِ
فَمِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُجِيعُ الْمُؤْمِنَ مِنْ نَفَاسَتِهِ، وَيُشْبِعُ الْكَلْبَ مَعَ خَسَاسَتِهِ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، وَيَلْبَسُ وَيَتَمَتَّعُ، وَالْمُؤْمِنُ يَجُوعُ وَيَعْرَى، وَذَلِكَ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْهَا حِكْمَةُ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ.
وَمِمَّا أَنْشَدَهُ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ:
أَجِدِ الثِّيَابَ إِذَا اكْتَسَيْتَ فَإِنَّهَا ... زَيْنُ الرِّجَالِ بِهَا تُعَزُّ وَتُكْرَمُ
وَدَعِ التَّوَاضُعَ فِي الثِّيَابِ تَخَوُّفًا ... فَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُجِنُّ وَتَكْتُمُ
فَرَثَاثُ ثَوْبِكَ لَا يَزِيدُكَ زُلْفَةً ... عِنْدَ الْإِلَهِ وَأَنْتَ عَبْدٌ مُجْرِمٌ
وَبَهَاءُ ثَوْبِكَ لَا يَضُرُّكَ بَعْدَ أَنْ ... تَخْشَى الْإِلَهَ وَتَتَّقِي مَا يَحْرُمُ
وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى ثِيَابِكُمْ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: لَيْسَ الزُّهْدُ فِي
الدُّنْيَا بِلُبْسِ الْعَبَاءِ وَلَا بِأَكْلِ الْخَشِنِ، إِنَّمَا الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا قِصَرُ الْأَمَلِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسُ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْأَكْبَرِ الْمُبَرِّدُ: كَانَ مَكْتُوبًا عَلَى سَيْفِ عَلِيٍّ:
لِلنَّاسِ حِرْصٌ عَلَى الدُّنْيَا وَتَدْبِيرُ ... وَصَفْوُهَا لَكَ مَمْزُوجٌ بِتَكْدِيرِ
لَمْ يُرْزَقُوهَا بِعَقْلٍ عِنْدَمَا قُسِمَتْ ... لَكِنَّهُمْ رُزِقُوهَا بِالْمَقَادِيرِ
كَمْ مِنْ أَدِيبٍ لَبِيبٍ لَا تُسَاعِدُهُ ... وَمَائِقٍ نَالَ دُنْيَاهُ بِتَقْصِيرِ
لَوْ كَانَ عَنْ قُوةٍ أَوْ عَنْ مُغَالَبَةٍ ... طَارَ الْبُزَاةُ بِأَرْزَاقِ الْعَصَافِيرِ
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثَنَا سَلَمَةُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِرَجُلٍ كَرِهَ لَهُ صُحْبَةَ رَجُلٍ:
فَلَا تَصْحَبْ أَخَا الْجَهْلِ ... وَإِيَّاكَ وَإِيَّاهُ
فَكَمْ مِنْ جَاهِلٍ أَرْدَى ... حَلِيمًا حِينَ آخَاهُ
يُقَاسُ الْمَرْءُ بِالْمَرْءِ ... إِذَا مَا هُوَ مَاشَاهُ
وَلِلشِيءِ عَلَى الشَّيْءِ ... مَقَايِيسٌ وَأَشْبَاهُ
وَلِلْقَلْبِ عَلَى الْقَلْبِ دَلِيلٌ
حِينَ يَلْقَاهُ
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: وَقَفَ عَلِيٌّ عَلَى قَبْرِ فَاطِمَةَ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
ذَكَرْتُ أَبَا أَرْوَى فَبِتُّ كَأَنَّنِي ... بِرَدِّ الْهُمُومِ الْمَاضِيَاتِ وَكِيلُ
لِكُلِّ اجْتِمَاعٍ مِنْ خَلِيلَيْنِ فُرْقَةٌ ... وَكُلِّ الَّذِي قَبْلَ الْمَمَاتِ قَلِيلُ
وَإِنَّ افْتِقَادِي وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ... دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا يَدُومَ خَلِيلُ
سَيُعْرَضُ عَنْ ذِكْرِي وَتُنْسَى مَوَدَّتِي ... وَيَحْدُثُ بَعْدِي لِلْخَلِيلِ خَلِيلُ
إِذَا انْقَطَعَتْ يَومًا مِنَ الْعَيْشِ مُدَّتِي ... فَإِنَّ عَنَاءَ الْبَاكِيَاتِ قَلِيلُ
وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
حَقِيقٌ بِالتَّوَاضُعِ مَنْ يَمُوتُ ... وَيَكْفِي الْمَرْءَ مِنْ دُنْيَاهُ قُوتُ
فَمَا لِلْمَرِءِ يُصْبِحُ ذَا هُمُومٍ ... وَحِرْصٍ لَيْسَ تُدْرِكُهُ النُّعُوتِ
صَنِيعُ مَلِيكِنَا حَسَنٌ جَمِيلٌ ... وَمَا أَرْزَاقُهُ عَنَّا تَفُوتُ
فَيَا هَذَا سَتَرْحَلُ عَنْ قَلِيلٍ ... إِلَى قَومٍ كَلَامُهُمُ السُّكُوتُ
وَهَذَا الْفَصْلُ يَطُولُ اسْتِقْصَاؤُهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهُ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ لِمَنْ أَرَادَهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ
فَقَدْ أَقَامَ الدِّينَ، وَمَنْ أَحَبَّ عُمَرَ فَقَدْ أَوْضَحَ السَّبِيلَ، وَمَنْ أَحَبَّ عُثْمَانَ فَقَدِ اسْتَنَارَ بِنُورِ اللَّهِ، وَمَنْ أَحَبَّ عَلِيًّا فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَمَنْ قَالَ الْحُسْنَى فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ.
[غَرِيبَةٌ مِنَ الْغَرَائِبِ وَآبِدَةٌ مِنَ الْأَوَابِدِ]
قَالَ ابْنُ أَبَى خَيْثَمَةَ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ سَيَّارٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ مَرَّةً وَأَنَا مُسْتَقْبِلُهُ، وَتَبَسَّمَ وَلَيْسَ مَعَنَا أَحَدٌ فَقُلْتُ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: عَجِبْتُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، كَأَنَّ الْكُوفَةَ إِنَّمَا بُنِيَتْ عَلَى حُبِّ عَلِيٍّ، مَا كَلَّمْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا وَجَدْتُ الْمُقْتَصِدَ مِنْهُمُ الَّذِي يُفَضِّلُ عَلِيًّا عَلَى أَبَى بَكْرٍ وَعُمَرَ، مِنْهُمْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَعْمَرٍ: وَرَأَيْتَهُ؟ - كَأَنِّي أَعْظَمْتُ ذَاكَ - فَقَالَ مَعْمَرٌ: وَمَا ذَاكَ؟ ! لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: عَلِيٌّ أَفْضَلُ عِنْدِي مِنْهُمَا.
مَا عَنَّفْتُهُ إِذَا ذَكَرَ فَضْلَهُمَا إِذَا قَالَ: عِنْدِي.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: عُمَرُ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ وَأَبِي بَكْرٍ.
مَا عَنَّفُتُهُ.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ وَنَحْنُ خَالِيَانِ فَاشْتَهَاهَا أَبُو سُفْيَانَ وَضَحِكَ وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ سُفْيَانُ يَبْلُغُ بِنَا هَذَا الْحَدَّ، وَلَكِنَّهُ أَفْضَى إِلَى مَعْمَرٍ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَيْنَا، وَكُنْتُ أَقُولُ لِسُفْيَانَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ فَضَّلْنَا عَلِيًّا عَلَى أَبَى بَكْرٍ وَعُمَرَ، مَا تَقُولُ فِي ذَلِكَ؟ فَيَسْكُتُ سَاعَةً ثُمَّ يَقُولُ: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ طَعْنًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَلَكِنَّا نَقِفُ.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَأَخْبَرَنَا ابْنُ التَّيْمِيِّ - يُعْنَى مُعْتَمِرًا - قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: فَضَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِائَةِ مَنْقَبَةٍ، وَشَارَكَهُمْ فِي مَنَاقِبِهِمْ، وَعُثْمَانُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ.
هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي " تَارِيخِهِ " بِسَنَدِهِ، عَنِ ابْنِ أَبَى خَيْثَمَةَ بِهِ.
وَهَذَا الْكَلَامُ فِيهِ تَخْبِيطٌ كَثِيرٌ، وَلَعَلَّهُ اشْتَبَهَ عَلَى مَعْمَرٍ، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ تَقْدِيمُ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ، فَأَمَّا عَلَى الشَّيْخَيْنِ فَلَا، وَلَا يَخْفَى فَضْلُ الشَّيْخَيْنِ عَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ إِلَّا عَلَى غَبِيٍّ، فَكَيْفَ يَخْفَى عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ؟ ! بَلْ قَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، كَأَيُّوبَ وَالدَّارَقُطْنِيِّ: مَنْ قَدَّمَ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ فَقَدْ أَزْرَى بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
وَهَذَا الْكَلَامُ حَقٌّ وَصِدْقٌ وَصَحِيحٌ وَمَلِيحٌ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ أَبَى سُفْيَانَ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيِّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخَذَ الْمُصْحَفَ فَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ، حَتَّى أَنِّي لَأَرَى وَرَقَهُ يَتَقَعْقَعُ.
قَالَ: ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ مَنَعُونِي مَا فِيهِ فَأَعْطِنِي مَا فِيهِ.
ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلَلْتُهُمْ وَمَلُّونِي وَأَبْغَضْتُهُمْ وَأَبْغَضُونِي، وَحَمَلُونِي عَلَى غَيْرِ طَبِيعَتِي وَخُلُقِي وَأَخْلَاقٍ لَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ لِي، اللَّهُمَّ فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْرًا مِنْهُمْ، وَأَبْدِلْهُمْ بِي شَرًّا مِنِّي، اللَّهُمَّ أَمِثْ قُلُوبَهُمْ مَيْثَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ.
قَالَ
إِبْرَاهِيمُ: يَعْنِي أَهْلَ الْكُوفَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْجَنْبِيُّ، عَنْ أَبِي جَنَابٍ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ لِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ سَنَحَ لِيَ اللَّيْلَةَ فِي مَنَامِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَقِيتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الْأَوَدِ وَاللَّدَدِ؟ قَالَ: " ادْعُ عَلَيْهِمْ ". فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ أَبْدِلْنِي بِهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَأَبْدِلْهُمْ بِي مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنِّي.
فَخَرَجَ فَضَرَبَهُ الرَّجُلُ.
الْأَوَدُ: الْعِوَجُ، وَاللَّدَدُ: الْخُصُومَةُ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْحَدِيثَ الْوَارِدَ بِالْإِخْبَارِ بِمَقْتَلِهِ، وَأَنَّهُ تُخَضَّبُ لِحْيَتُهُ مِنْ قَرْنِ رَأْسِهِ، فَوَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى رَسُولِهِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ " الْقَدَرِ " أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَيَّامُ الْخَوَارِجِ كَانَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ يَحْرُسُونَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ عَشَرَةٌ يَبِيتُونَ فِي الْمَسْجِدِ بِالسِّلَاحِ، فَرَآهُمْ عَلِيٌّ فَقَالَ: مَا يُجْلِسُكُمْ؟ فَقَالُوا: نَحْرُسُكَ.
فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ حَتَّى يُقْضَى فِي السَّمَاءِ، وَإِنَّ عَلَيَّ مِنَ اللَّهِ جَنَّةً حَصِينَةً.
وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنَّ الْأَجَلَّ جَنَّةٌ حَصِينَةٌ، وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ
مَلَكٌ، فَلَا تُرِيدُهُ دَابَّةٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا قَالَ: اتَّقِهِ اتَّقِهِ.
فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلَّى عَنْهُ - وَفِي رِوَايَةٍ: مَلَكَانِ يَدْفَعَانِ عَنْهُ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلَّيَا عَنْهُ - وَإِنَّهُ لَا يَجِدُ عَبْدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ.
وَكَانَ عَلِيٌّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ كُلَّ لَيْلَةٍ فَيُصَلِّي فِيهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي قُتِلَ فِي صَبِيحَتِهَا قَلِقَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَجَمَعَ أَهْلَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ صَرَخَ الْإِوَزُّ.
فِي وَجْهِهِ، فَسَكَّتُوهُنَّ عَنْهُ، فَقَالَ: ذَرُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ نَوَائِحُ.
فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ ضَرَبَهَ ابْنُ مُلْجَمٍ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ.
فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا نَقْتُلُ مُرَادًا كُلَّهَا؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِ احْبِسُوهُ وَأَحْسِنُوا إِسَارَهُ، فَإِنْ مِتُّ فَاقْتُلُوهُ، وَإِنْ عِشْتُ فَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ.
وَجَعَلَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيٍّ تَقُولُ: مَا لِي وَلِصَلَاةِ الْغَدَاةِ، قُتِلَ زَوْجِي عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَاةَ الْغَدَاةِ، وَقُتِلَ أَبِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَاةَ الْغَدَاةِ.
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
وَقِيلَ لِعَلِيٍّ: أَلَا تَسْتَخْلِفُ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَتْرُكُكُمْ كَمَا تَرَكَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِكُمْ خَيْرًا يَجْمَعْكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ كَمَا جَمَعَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَهَذَا اعْتِرَافٌ مِنْهُ فِي آخِرِ وَقْتٍ مِنَ الدُّنْيَا بِفَضْلِ الصِّدِّيقِ.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّهُ خَطَبَ بِالْكُوفَةِ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ وَدَارِ إِمَارَتِهِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، وَلَوْ
شِئْتُ أَنْ أُسَمِّيَ الثَّالِثَ لَسَمَّيْتُ.
وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَهُوَ نَازِلٌ مِنَ الْمِنْبَرِ: ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عُثْمَانُ.
وَلَمَّا مَاتَ عَلِيٌّ وَلِيَ غُسْلَهُ وَدَفْنَهُ أَهْلُهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْحَسَنُ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا وَقِيلَ: أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَدُفِنَ عَلِيٌّ بِدَارِ الْخِلَافَةِ بِالْكُوفَةِ.
وَقِيلَ: تُجَاهَ الْجَامِعِ مِنَ الْقِبْلَةِ، فِي حُجْرَةٍ مِنْ دُورِ آلِ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ بِحِذَاءِ بَابِ الْوَرَّاقِينَ.
وَقِيلَ: بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ.
وَقِيلَ: بِالْكُنَاسَةِ.
وَقِيلَ: دُفِنَ بِالثَّوِيَّةِ.
وَقَالَ شَرِيكٌ الْقَاضِي وَأَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ: نَقَلَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بَعْدَ صُلْحِهِ مَعَ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَدَفَنَهُ بِالْبَقِيعِ إِلَى جَانِبِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ دَأْبٍ: بَلْ لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَحْمِلُوهُ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَدْفِنُوهُ بِهَا جَعَلُوهُ فِي صُنْدُوقٍ عَلَى بَعِيرٍ، فَلَمَّا مَرُّوا بِهِ بِبِلَادِ طَيِّئٍ أَضَلُّوا الْبَعِيرَ، فَأَخَذَتْ طَيِّئٌ ذَلِكَ الْبَعِيرَ بِمَا عَلَيْهِ يَحْسَبُونَهُ مَالًا، فَلَمَّا وَجَدُوا بِالصُّنْدُوقِ مَيِّتًا دَفَنُوهُ بِالصُّنْدُوقِ فِي بِلَادِهِمْ، فَلَا يُعْرَفُ قَبْرُهُ إِلَى الْآنَ.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ قَبْرَهُ إِلَى الْآنَ بِالْكُوفَةِ كَمَا ذَكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ أَنَّ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ نَائِبَ بَنِي أُمَيَّةَ فِي زَمَانِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، لَمَّا كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْعِرَاقِ هَدَمَ دُورًا لِيَبْنِيَهَا دَارًا وَجَدَ قَبْرًا فِيهِ شَيْخٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَأَرَادَ أَنْ يُحَرِّقَهُ بِالنَّارِ، فَقِيلَ لَهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنَّ بَنَى أُمَيَّةَ لَا يُرِيدُونَ مِنْكَ هَذَا كُلَّهُ.
فَلَفَّهُ فِي قَبَاطِيَّ وَدَفَنَهُ هُنَاكَ.
قَالُوا: فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ
أَنْ يَسْكُنَ تِلْكَ الدَّارَ الَّتِي هُوَ فِيهَا إِلَّا ارْتَحَلَ مِنْهَا.
كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
ثُمَّ إِنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ اسْتَحْضَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُلْجَمٍ مِنَ السِّجْنِ فَأَحْضَرَ النَّاسَ النِّفْطَ وَالْبَوَارِيَّ لِيُحَرِّقُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ أَوْلَادُ عَلِيٍّ: دَعَوْنَا نَشْتَفِي مِنْهُ.
فَقُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، فَلَمْ يَجْزَعْ وَلَا فَتَرَ عَنِ الذِّكْرِ، ثُمَّ كُحِلَتْ عَيْنَاهُ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَذْكُرُ اللَّهَ وَقَرَأَ سُورَةَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] إِلَى آخِرِهَا، وَإِنَّ عَيْنَيْهِ لَتَسِيلَانِ عَلَى خَدَّيْهِ، ثُمَّ حَاوَلُوا لِسَانَهُ لِيَقْطَعُوهُ، فَجَزِعَ عِنْدَ ذَلِكَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَمْكُثَ فِي الدُّنْيَا فَوَاقًا لَا أَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ.
فَقُتِلَ عِنْدَ ذَلِكَ وَحُرِّقَ بِالنَّارِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ ابْنُ مُلْجَمٍ رَجُلًا أَسْمَرَ، حَسَنَ الْوَجْهِ، أَبْلَجَ، شَعْرُهُ مَعَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ، فِي جَبْهَتِهِ أَثَرُ السُّجُودِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَمْ يُنْتَظَرْ بِقَتْلِهِ بُلُوغُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَلِيٍّ ; فَإِنَّهُ كَانَ صَغِيرًا يَوْمَ قُتِلَ أَبُوهُ.
قَالُوا: لِأَنَّهُ كَانَ قُتِلَ مُحَارَبَةً لَا قِصَاصًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَ طَعْنُ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَوْمَ الْجُمْعَةَ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، بِلَا خِلَافٍ.
فَقِيلَ: مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْأَحَدِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْهُ.
قَالَ الْفَلَّاسُ: وَقِيلَ: ضُرِبَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَمَاتَ لَيْلَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ عَنْ تِسْعٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
وَقِيلَ: عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
وَهُوَ
الْمَشْهُورُ.
قَالَهُ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ، وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ: خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ خَمْسَ سِنِينَ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: أَرْبَعَ سِنِينَ وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: وَسِتَّةَ أَيَّامٍ.
وَقِيلَ: وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَقِيلَ: أَرْبَعَ سِنِينَ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا.
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الْقَائِلَةِ، وَكَانَ نَائِمًا مَعَ امْرَأَتِهِ فَاخِتَةَ بِنْتِ قَرَظَةَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، جَلَسَ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَجَعَلَ يَبْكِي، فَقَالَتْ لَهُ فَاخِتَةُ: أَنْتَ بِالْأَمْسِ تَطْعَنُ عَلَيْهِ، وَالْيَوْمَ تُبْكِي عَلَيْهِ! فَقَالَ: وَيْحَكَ! إِنَّمَا أَبْكِي لِمَا فَقَدَ النَّاسُ مِنْ حِلْمِهِ وَعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ وَسَوَابِقِهِ وَخَيْرِهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ " مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ " أَنَّ رَجُلًا مِنَ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ أُمَرَاءِ مُعَاوِيَةَ غَضِبَ ذَاتَ لَيْلَةٍ عَلَى ابْنِهِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ، فَخَرَجَ الْغُلَامُ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ، فَجَلَسَ وَرَاءَ الْبَابِ مِنْ خَارِجٍ، فَنَامَ سَاعَةً ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَإِذَا هُوَ بَهِرٍّ أَسْوَدَ بَرِيٍّ قَدْ جَاءَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي لَهُمْ فَنَادَى: يَا سُوَيْدُ، يَا سُوَيْدُ.
فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْهِرُّ الَّذِي فِي مَنْزِلِهِمْ، فَقَالَ لَهُ الْبَرِيُّ: وَيْحَكَ! افْتَحْ.
فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ.
فَقَالَ: وَيْحَكَ! ائْتِنِي بِشَيْءٍ أَتَبَلَّغُ بِهِ فَإِنِّي جَائِعٌ وَتَعْبَانُ، هَذَا أَوَانُ مَجِيئِي مِنَ
الْكُوفَةِ، وَقَدْ حَدَثَ اللَّيْلَةَ حَدَثٌ عَظِيمٌ، قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْهِرُّ الْأَهْلِيُّ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ ذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ غَيْرَ سَفُّودٍ كَانُوا يَشْوُونَ عَلَيْهِ اللَّحْمَ.
فَقَالَ: ائْتِنِي بِهِ.
فَجَاءَ بِهِ فَجَعَلَ يَلْحَسُهُ حَتَّى أَخَذَ حَاجَتَهُ وَانْصَرَفَ، وَذَلِكَ بِمَرْأَى مِنَ الْغُلَامِ وَمَسْمَعٍ، فَقَامَ إِلَى الْبَابِ فَطَرَقَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُوهُ فَقَالَ: مَنْ؟ فَقَالَ لَهُ: افْتَحْ.
فَقَالَ: وَيْحَكَ! مَا لَكَ؟ فَقَالَ: افْتَحْ.
فَفَتَحَ، فَقَصَّ عَلَيْهِ خَبَرَ مَا رَأَى.
فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ! أَمَنَامٌ هَذَا؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ.
قَالَ: وَيْحَكَ! أَفَأَصَابَكَ جُنُونٌ بَعْدِي؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، فَاذْهَبْ إِلَى مُعَاوِيَةَ الْآنَ فَاتَّخِذْ عِنْدَهُ يَدًا بِمَا قُلْتُ لَكَ.
فَذَهَبَ الرَّجُلُ فَاسْتَأْذَنَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَخْبَرُهُ الْخَبَرَ عَلَى مَا ذَكَرَ وَلَدُهُ، فَأَرَّخُوا ذَلِكَ عِنْدَهُمْ قَبْلَ مَجِيءِ الْبُرُدِ، وَلَمَّا جَاءَتِ الْبُرُدُ وَجَدُوا مَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ مُطَابِقًا لِمَا كَانَ أَخْبَرَ بِهِ أَبُو الْغُلَامِ.
هَذَا مُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، ثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَصَمِّ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: إِنَّ هَذِهِ الشِّيعَةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيًّا مَبْعُوثٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
فَقَالَ: كَذَبُوا وَاللَّهِ، مَا هَؤُلَاءِ بِالشِّيعَةِ، لَوْ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ مَا زَوَّجْنَا نِسَاءَهُ وَلَا قَسَمْنَا مَالَهُ.
وَرَوَاهُ أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَصَمِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بِنَحْوِهِ.
[خِلَافَةُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا ضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ قَالُوا لَهُ: اسْتَخْلِفْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَدَعُكُمْ كَمَا تَرَكَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَنْهُ وَسَلَّمَ - يَعْنِي بِغَيْرِ اسْتِخْلَافٍ - فَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِكُمْ خَيْرًا يَجْمَعْكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ، كَمَا جَمَعَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْحَسَنُ، لِأَنَّهُ أَكْبَرُ بَنِيهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَدُفِنَ كَمَا ذَكَرْنَا بِدَارِ الْإِمَارَةِ بِالْكُوفَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَقْوَالِ النَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ شَأْنِهِ كَانَ أَوَّلُ مَنْ تَقَدَّمَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ.
فَسَكَتَ الْحَسَنُ، فَبَايَعَهُ ثُمَّ بَايَعَهُ النَّاسُ بَعْدَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ مَاتَ عَلِيٌّ، وَكَانَ مَوْتُهُ يَوْمَ ضُرِبَ، عَلَى قَوْلٍ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا مَاتَ بَعْدَ الطَّعْنَةِ بِيَوْمَيْنِ.
وَقِيلَ: مَاتَ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَمِنْ يَوْمَئِذٍ وَلِيَ الْحَسَنُ ابْنُهُ.
وَكَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى إِمْرَةِ أَذْرَبِيجَانَ تَحْتَ يَدِهِ أَرْبَعُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ قَدْ بَايَعُوا عَلِيًّا عَلَى الْمَوْتِ، فَلَمَّا مَاتَ عَلِيٌّ أَلَحَّ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى الْحَسَنِ فِي النَّفِيرِ لِقِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ فَعَزْلَ قَيْسًا عَنْ إِمْرَةِ أَذْرَبِيجَانَ، وَوَلَّى عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي نِيَّةِ الْحَسَنِ أَنْ يُقَاتِلَ أَحَدًا، وَلَكِنْ غَلَبُوهُ عَلَى رَأْيِهِ،
فَاجْتَمَعُوا اجْتِمَاعًا عَظِيمًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، فَأَمَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسَارَ هُوَ بِالْجُيُوشِ فِي إِثْرِهِ قَاصِدًا بِلَادَ الشَّامِ لِيُقَاتِلَ مُعَاوِيَةَ وَأَهْلَ الشَّامِ فَلَمَّا اجْتَازَ بِالْمَدَائِنِ نَزَلَهَا وَقَدَّمَ الْمُقَدِّمَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي الْمَدَائِنِ مُعَسْكِرٌ بِظَاهِرِهَا، إِذْ صَرَخَ فِي النَّاسِ صَارِخٌ: أَلَا إِنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَدْ قُتِلَ.
فَثَارَ النَّاسُ فَانْتَهَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى انْتَهَبُوا سُرَادِقَ الْحَسَنِ.
حَتَّى نَازَعُوهُ بِسَاطًا كَانَ جَالِسًا عَلَيْهِ، وَطَعَنَهُ بَعْضُهُمْ حِينَ رَكِبَ طَعْنَةً أَشْوَتْهُ، فَكَرِهَهُمُ الْحَسَنُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ رَكِبَ فَدَخَلَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ مِنَ الْمَدَائِنِ فَنَزَلَهُ وَهُوَ جَرِيحٌ، وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْمَدَائِنِ سَعْدُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، أَخُو أَبِي عُبَيْدٍ صَاحِبِ يَوْمِ الْجِسْرِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْحَسَنُ بِالْقَصْرِ قَالَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبَى عُبَيْدٍ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، لِعَمِّهِ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ لَكَ فِي الشَّرَفِ وَالْغِنَى؟ قَالَ: وَمَاذَا؟ قَالَ: تَأْخُذُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَتُقَيِّدُهُ وَتَبْعَثُ بِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ.
فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ: قَبَّحَكَ اللَّهُ وَقَبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ! أَأَغْدِرُ بِابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ !
وَلَمَّا رَأَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَفَرُّقَ جَيْشِهِ عَلَيْهِ مَقَتَهُمْ، وَكَتَبَ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى مُعَاوِيَةَ - وَكَانَ قَدْ رَكِبَ فِي أَهْلِ الشَّامِ فَنَزَلَ مَسْكِنَ - يُرَاوِضُهُ عَلَى الصُّلْحِ بَيْنَهُمَا فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، فَقَدِمَا عَلَيْهِ الْكُوفَةَ فَبَذَلًا لَهُ مَا أَرَادَ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَاشْتَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْكُوفَةِ خَمْسَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَنْ يَكُونَ خَرَاجُ دَارَابْجِرْدَ لَهُ، وَأَنْ لَا يُسَبَّ
عَلِيٌّ وَهُوَ يَسْمَعُ، فَإِذَا فُعِلَ ذَلِكَ نَزَلَ عَنِ الْإِمْرَةِ لِمُعَاوِيَةَ، وَيَحْقِنُ الدِّمَاءَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
فَاصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ وَاجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى مُعَاوِيَةَ، عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَتَفْصِيلُهُ، وَقَدْ لَامَ الْحُسَيْنُ أَخَاهُ الْحَسَنَ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، وَالصَّوَابُ مَعَ الْحَسَنِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا سَنَذْكُرُ دَلِيلَهُ قَرِيبًا.
ثُمَّ بَعَثَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى أَمِيرِ الْمُقَدِّمَةِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أَنْ يَسْمَعَ وَيُطِيعَ لِمُعَاوِيَةَ، فَأَبَى قَيْسٌ مِنْ قَبُولِ ذَلِكَ، وَخَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِمَا جَمِيعًا، وَاعْتَزَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ، ثُمَّ رَاجَعَ الْأَمْرَ فَبَايَعَ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ أَيَّامٍ قَرِيبَةٍ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ.
ثُمَّ الْمَشْهُورُ أَنَّ مُبَايَعَةَ الْحَسَنِ لِمُعَاوِيَةَ كَانَتْ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ، وَلِهَذَا يُقَالُ لَهُ: عَامُ الْجَمَاعَةِ.
لِاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ فِيهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ السِّيَرِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَائِلِ سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ أَرْبَعِينَ - الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ.
وَزَعَمَ ابْنُ جَرِيرٍ فِيمَا رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَاشِدٍ، أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ افْتَعَلَ كِتَابًا عَلَى لِسَانِ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَدْ وَلَّاهُ إِمْرَةَ الْحَجِّ عَامَئِذٍ، وَبَادَرَ إِلَى ذَلِكَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ مَعَهُ كِتَابٌ مِنْ أَخِيهِ مُعَاوِيَةَ بِإِمْرَةِ الْحَجِّ، فَتَعَجَّلَ الْمُغِيرَةُ فَوَقَفَ بِالنَّاسِ يَوْمَ الثَّامِنِ لِيَسْبِقَ عُتْبَةَ إِلَى الْإِمْرَةِ.
وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ لَا يُقْبَلُ، وَلَا يُظَنُّ بِالْمُغِيرَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ بَاطِلٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنَّ الصَّحَابَةَ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ هَذَا، وَلَكِنْ هَذِهِ نَزْعَةٌ شِيعِيَّةٌ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ لِمُعَاوِيَةَ بِإِيلِيَاءَ.
يَعْنِي لَمَّا مَاتَ عَلِيٌّ قَامَ أَهْلُ الشَّامِ فَبَايَعُوا مُعَاوِيَةَ عَلَى إِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ عِنْدَهُمْ مُنَازِعٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَقَامَ أَهْلُ الْعِرَاقِ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لِيُمَانِعُوا بِهِ أَهْلَ الشَّامِ، فَلَمْ يُتِمَّ لَهُمْ مَا أَرَادُوهُ وَمَا حَاوَلُوهُ، وَإِنَّمَا كَانَ خِذْلَانُهُمْ مِنْ قِبَلِ تَدْبِيرِهِمُ السَّيِّئِ وَآرَائِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ الْمُخَالِفَةِ لِأُمَرَائِهِمْ، وَلَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ لَعَظَّمُوا مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ مُبَايَعَتِهِمُ ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَيِّدَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَحَدَ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَحُلَمَائِهِمْ وَذَوَى آرَائِهِمْ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْحَدِيثُ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا» ". وَإِنَّمَا كَمَلَتِ الثَّلَاثُونَ بِخِلَافَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ نَزَلَ عَنِ الْخِلَافَةِ لِمُعَاوِيَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَذَلِكَ كَمَالُ ثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَقَدْ مَدَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَنِيعِهِ هَذَا، وَهُوَ تَرْكُهُ الدُّنْيَا الْفَانِيَةَ، وَرَغْبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ، وَحَقْنُهُ دِمَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَنَزَلَ عَنِ الْخِلَافَةِ وَجَعَلَ الْمُلْكَ بِيَدِ مُعَاوِيَةَ، حَتَّى تَجْتَمِعَ الْكَلِمَةُ عَلَى أَمِيرٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا الْمَدْحُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَسَنُورِدُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الثَّقَفِيِّ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَوْمًا، وَجَلَسَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَانِبِهِ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ مَرَّةً وَإِلَيْهِ أُخْرَى، ثُمَّ قَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ]
[تَسْلِيمُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبَى سُفْيَانَ]
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِيهَا سَلَّمَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ بْنَ أَبَى سُفْيَانَ.
ثُمَّ رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ طَفِقَ يُشْتَرَطُ عَلَيْهِمْ: إِنَّكُمْ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ، مُسَالِمُونَ مَنْ سَالَمْتُ، مُحَارِبُونَ مَنْ حَارَبْتُ.
فَارْتَابَ بِهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَقَالُوا: مَا هَذَا لَكُمْ بِصَاحِبٍ.
فَمَا كَانَ عَنْ قَرِيبٍ حَتَّى طَعَنُوهُ فَأَشْوَوْهُ، فَازْدَادَ لَهُمْ بُغْضًا، وَازْدَادَ مِنْهُمْ ذُعْرًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَرَفَ تَفَرُّقَهُمْ وَاخْتِلَافَهُمْ عَلَيْهِ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُسَالِمُهُ وَيُرَاسِلُهُ فِي الصُّلْحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَلَى مَا يَخْتَارَانِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبَى مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: اسْتَقْبَلَ وَاللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبَى سُفْيَانَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنِّي لَأَرَى كَتَائِبَ لَا تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ، وَكَانَ وَاللَّهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ: أَيْ عَمْرُو، إِنَّ قَتَلَ هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ، مَنْ لِي بِأُمُورِ النَّاسِ؟ مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ؟ مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنَى
عَبْدِ شَمْسٍ ; عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ، فَقَالَ: اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَاعْرِضَا عَلَيْهِ، وَقُولَا لَهُ، وَاطْلُبَا إِلَيْهِ.
فَأَتَيَاهُ فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَتَكَلَّمَا، وَقَالَا لَهُ، وَطَلَبَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: إِنَّا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا.
قَالَا: فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا، وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ.
قَالَ: فَمَنْ لِي بِهَذَا؟ قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ.
فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلَّا قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ.
فَصَالَحَهُ.
قَالَ الْحَسَنُ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى، وَيَقُولُ: " إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» " قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: إِنَّمَا ثَبَتَ عِنْدَنَا سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَفِي فَضَائِلِ الْحَسَنِ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ الْفَضْلِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سُفْيَانَ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ سُفْيَانَ، وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ بْنِ مُوسَى الْبَصْرِيِّ بِهِ.
وَرَوَاهُ أَيْضًا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، كِلَاهُمَا عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُعْفِيِّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ الْبَصْرِيُّ، بِهِ.
وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِهِ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا
وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ وَغَيْرِهِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، أَخْبَرَنِي مَنْ سَمْعِ الْحَسَنَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُنَا يَوْمًا وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي حِجْرِهِ، فَيُقْبِلُ عَلَى أَصْحَابِهِ فَيُحَدِّثُهُمْ، ثُمَّ يَقْبَلُ عَلَى الْحَسَنِ فَيُقَبِّلُهُ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، إِنْ يَعِشْ يُصْلِحْ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ". قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَذَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ، وَلَمْ يُسَمِّ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ عَنِ الْحَسَنِ، وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ الْحَسَنِ، مِنْهُمْ ; أَبُو مُوسَى إِسْرَائِيلُ، وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَمَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ، وَعَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، وَأَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ، وَالْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ الْقَدَرِيُّ.
ثُمَّ شَرَعَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَطْرِيقِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، فَأَفَادَ وَأَجَادَ.
قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنْ مَعْمَرًا رَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فَلَمْ يُفْصِحُ بِاسْمِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنْهُ وَسَمَّاهُ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ هَاشِمٍ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَالَ الْحَسَنُ: فَوَاللَّهِ وَاللَّهِ بَعْدَ أَنْ وَلِيَ لَمْ يُهْرَقْ فِي خِلَافَتِهِ مِلْءُ مِحْجِمَةٍ مِنْ دَمٍ.
قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ فِي " أَطْرَافِهِ ": وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ; قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَسَنِ «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ". وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَغْرَاءَ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ.
وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; فَقَالَ أَبُو يَعْلَى: ثَنَا أَبُو بَكْرٍ، ثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ التَّمَّارُ الْمَدَنِيُّ، ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَدَنِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، إِذْ جَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَسَلَّمَ فَرَدَدْنَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَمَضَى، فَقُلْنَا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَدْ سَلَّمَ عَلَيْنَا.
قَالَ: فَتَبِعَهُ فَلَحِقَهُ، وَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا سَيِّدِي.
وَقَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " إِنَّهُ سَيِّدٌ» ".
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ: كَانَ تَسْلِيمُ الْحَسَنِ الْأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ فِي الْخَامِسِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ.
وَيُقَالُ: فِي غُرَّةِ جُمَادَى الْأُولَى.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: وَحِينَئِذٍ دَخَلَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْكُوفَةِ فَخَطَبَ النَّاسَ بِهَا بَعْدَ الْبَيْعَةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَشَارَ عَلَى مُعَاوِيَةَ أَنْ يَأْمُرَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ أَنْ يَخْطُبَ النَّاسَ وَيُعْلِمَهُمْ بِنُزُولِهِ عَنِ الْأَمْرِ لِمُعَاوِيَةَ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ الْحَسَنَ، فَقَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ اللَّهَ هَدَاكُمْ بِأَوَّلِنَا، وَحَقَنَ دِمَاءَكُمْ بِآخِرِنَا، وَإِنَّ لِهَذَا الْأَمْرِ مُدَّةً، وَالدُّنْيَا دُوَلٌ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: 111] . فَلَمَّا قَالَهَا غَضِبَ مُعَاوِيَةُ وَأَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ، وَعَتَبَ عَلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي إِشَارَتِهِ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ لِذَلِكَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي " جَامِعِهِ ": حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، ثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَعْدَ مَا بَايَعَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: سَوَّدْتَ وُجُوهَ الْمُؤْمِنِينَ - أَوْ: يَا مُسَوِّدَ وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ - فَقَالَ: لَا تُؤَنِّبْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ ; فَإِنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى مِنْبَرِهِ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1] يَا مُحَمَّدُ.
يَعْنِي نَهْرًا فِي الْجَنَّةِ، وَنَزَلَتْ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ - لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 1 - 3] يَمْلِكُهَا بَعْدَكَ بَنُو أُمَيَّةَ يَا مُحَمَّدُ.
قَالَ الْقَاسِمُ: فَعَدَدْنَا فَإِذَا هِيَ أَلْفُ شَهْرٍ، لَا تَزِيدُ يَوْمًا وَلَا تَنْقُصُ.
ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَثَّقَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ وَابْنُ مَهْدِيٍّ.
قَالَ: وَشَيْخُهُ يُوسُفُ بْنُ سَعْدٍ - وَيُقَالُ: يُوسُفُ بْنُ مَازِنٍ - رَجُلٌ مَجْهُولٌ.
قَالَ: وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
فَإِنَّهُ حَدِيثٌ غَرِيبٌ بَلْ مُنْكَرٌ جِدًّا، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي كِتَابِ " التَّفْسِيرِ " بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَبَيَّنَّا وَجْهَ نَكَارَتِهِ، وَنَاقَشْنَا الْقَاسِمَ بْنَ الْفَضْلِ فِيمَا ذَكَرَهُ، فَمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَلْيُرَاجِعِ " التَّفْسِيرَ ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَكِيمِيُّ، ثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، ثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، ثَنَا أَبُو رَوْقٍ الْهَمْدَانِيُّ، ثَنَا أَبُو الْغَرِيفِ قَالَ: كُنَّا فِي مُقَدِّمَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا بِمَسْكِنَ مُسْتَمِيتِينَ، تَقْطُرُ أَسْيَافُنَا مِنَ الْجِدِّ
عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ وَعَلَيْنَا أَبُو الْعَمَرَّطَةِ، فَلَمَّا جَاءَنَا صُلْحُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ كَأَنَّمَا كُسِرَتْ ظُهُورُنَا مِنَ الْغَيْظِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفَةَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَامِرٍ سُفْيَانُ بْنُ اللَّيْلِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُذِلَّ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: لَا تَقُلْ هَذَا يَا أَبَا عَامِرٍ، لَسْتُ بِمُذِلِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَقْتُلَهُمْ عَلَى الْمُلْكِ.
وَلَمَّا تَسَلَّمَ مُعَاوِيَةُ الْبِلَادَ وَدَخْلَ الْكُوفَةَ وَخَطْبَ بِهَا، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْكَلِمَةُ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ وَالْآفَاقِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ أَحَدُ دُهَاةُ الْعَرَبِ، وَقَدْ كَانَ عَزَمَ عَلَى الشِّقَاقِ، وَحَصَلَ عَلَى بَيْعَةِ مُعَاوِيَةَ عَامَئِذٍ الْإِجْمَاعُ وَالِاتِّفَاقُ، تَرَحَّلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَمَعَهُ أَخُوهُ الْحُسَيْنُ وَبَقِيَّةُ إِخْوَتِهِمْ وَابْنُ عَمِّهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ إِلَى أَرْضِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَجَعَلَ كُلَّمَا مَرَّ بِحَيٍّ مِنْ شِيعَتِهِمْ يُبَكِّتُونَهُ عَلَى مَا صَنَعَ مِنْ نُزُولِهِ عَنِ الْأَمْرِ لِمُعَاوِيَةَ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ مُصِيبٌ بَارٌّ رَاشِدٌ مَمْدُوحٌ، وَلَيْسَ يَجِدُ فِي صَدْرِهِ حَرَجًا وَلَا تَلَوُّمًا وَلَا نَدَمًا، بَلْ هُوَ رَاضٍ بِذَلِكَ مُسْتَبْشِرٌ بِهِ، وَإِنَّ كَانَ قَدْ سَاءَ هَذَا خُلُقًا مِنْ ذَوِيهِ وَأَهْلِهِ وَشِيعَتِهِ، وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَدٍ، وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى يَوْمِنَا هَذَا.
وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ وَمَدْحُهُ فِيمَا حَقَنَ بِهِ دِمَاءَ الْأُمَّةِ، كَمَا مَدَحَهُ عَلَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَسَيَأْتِي فَضَائِلَ الْحَسَنِ عِنْدَ ذِكْرِ وَفَاتِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَجَعَلَ جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ مُتَقَلَّبَهُ
وَمَثْوَاهُ، وَقَدْ فَعَلَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: خَطَبَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَقَرَأَ سُورَةَ " إِبْرَاهِيمَ " عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى خَتَمَهَا.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةُ " الْكَهْفِ " فِي لَوْحٍ مَكْتُوبٍ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ مِنْ بُيُوتِ أَزْوَاجِهِ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، وَهُوَ فِي الْفِرَاشِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
[ذِكْرُ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبَى سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمُلْكِهِ]
قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا، وَقَدِ انْقَضَتِ الثَّلَاثُونَ سَنَةً بِخِلَافَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَأَيَّامُ مُعَاوِيَةَ أَوَّلُ الْمُلْكِ، فَهُوَ أَوَّلُ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ وَخِيَارِهِمْ.
قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ بَدَأَ رَحْمَةً وَنُبُوَّةً، ثُمَّ يَكُونُ رَحْمَةً وَخِلَافَةً، ثُمَّ كَائِنٌ مُلْكًا عَضُوضًا، ثُمَّ كَائِنٌ عُتُوًّا وَجَبْرِيَّةً وَفَسَادًا فِي الْأَرْضِ، يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيرَ وَالْفُرُوجَ وَالْخُمُورَ، وَيُرْزَقُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيُنْصَرُونَ حَتَّى يَلْقَوُا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ» ". إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ - وَفِيهِ ضَعْفٌ - عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: وَاللَّهِ مَا حَمَلَنِي عَلَى الْخِلَافَةِ إِلَّا «قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِي: " يَا مُعَاوِيَةُ، إِنْ مَلَكْتَ فَأَحْسِنْ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ.
ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ، مِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، عَنْ جَدِّهِ سَعِيدٍ «أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَخَذَ الْإِدَاوَةَ فَتَبِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: " يَا مُعَاوِيَةَ، إِنْ وَلَيْتَ أَمْرًا فَاتَّقِ اللَّهَ وَاعْدِلْ ". قَالَ مُعَاوِيَةُ: فَمَا زِلْتُ أَظُنُّ أَنِّي مُبْتَلًى بِعَمَلٍ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» .
وَمِنْهَا حَدِيثُ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ ". قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا» .
ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ، مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الْخِلَافَةُ بِالْمَدِينَةِ، وَالْمُلْكُ بِالشَّامِ» ". غَرِيبٌ جِدًّا.
وَرَوَى مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ أَبَى الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ عَمُودَ الْكُتَّابِ احْتُمِلَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ، فَأَتْبَعْتُهُ بِصَرِي فَعُمِدَ بِهِ إِلَى الشَّامِ أَلَا وَإِنَّ الْإِيمَانَ حِينَ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ» ". وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ وَيُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَفِيرِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبَى أُمَامَةَ.
وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ عَنْ نَصْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ السُّلَمِيِّ الْحِمْصِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «رَأَيْتُ عَمُودًا مِنْ نُورٍ خَرَجَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي سَاطِعًا حَتَّى اسْتَقَرَّ بِالشَّامِ» ".
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَوْمَ صِفِّينِ: اللَّهُمَّ الْعَنْ أَهْلَ الشَّامِ.
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: لَا تَسُبَّ أَهْلَ الشَّامِ جَمًّا غَفِيرًا ; فَإِنَّ بِهَا الْأَبْدَالَ، فَإِنَّ بِهَا الْأَبْدَالَ، فَإِنَّ بِهَا الْأَبْدَالَ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا.
[فَضْلُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
هُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ، خَالُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَاتِبُ وَحْيِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَسْلَمَ هُوَ وَأَبَوْهُ وَأُمُّهُ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ يَوْمَ الْفَتْحِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ أَسْلَمْتُ يَوْمَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَلَكِنْ كَتَمْتُ إِسْلَامِي مِنْ أَبِي وَأُمِّي إِلَى يَوْمِ الْفَتْحِ.
وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَآلَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ قُرَيْشٍ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ فَكَانَ هُوَ أَمِيرَ الْحُرُوبِ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ، وَكَانَ رَئِيسًا مُطَاعًا ذَا مَالٍ جَزِيلٍ، وَلَمَّا أَسْلَمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ.
قَالَ: " نَعَمْ ". ثُمَّ سَأَلَ أَنْ يُزَوِّجَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنَتِهِ الْأُخْرَى، وَهِيَ عَزَّةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَاسْتَعَانَ عَلَى ذَلِكَ بِأُخْتِهَا أُمِّ حَبِيبَةَ، فَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ، وَبَيَّنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُ.
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَأَفْرَدَنَا لَهُ مُصَنَّفًا عَلَى حِدَةٍ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنْ مُعَاوِيَةَ كَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ كُتَّابِ الْوَحْيِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلَمَّا فُتِحَتِ الشَّامُ وَلَّاهُ عُمَرُ نِيَابَةَ دِمَشْقَ بَعْدَ أَخِيهِ يَزِيدَ
بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَزَادَهُ بِلَادًا أُخْرَى، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْقُبَّةَ الْخَضْرَاءَ بِدِمَشْقَ، وَسَكَنَهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً.
قَالَهُ الْحَافِظُ بْنُ عَسَاكِرَ.
وَلَمَّا وَلِيَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْخِلَافَةَ أَشَارَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أُمَرَائِهِ، مِمَّنْ بَاشَرَ قَتْلَ عُثْمَانَ، أَنْ يَعْزِلَ مُعَاوِيَةَ عَنِ الشَّامِ، وَيُوَلِّيَ عَلَيْهَا سَهْلَ بْنَ حَنِيفٍ، فَعَزَلَهُ فَلَمْ يَنْتَظِمْ لَهُ عَزْلُهُ، وَالْتَفَّ عَلَى مُعَاوِيَةَ جَمَاعَةٌ مِنَ أَهْلِ الشَّامِ وَمَانَعَ عَلِيًّا عَنْهَا، وَقَدْ قَالَ: لَا أُبَايِعُهُ حَتَّى يُسَلِّمَنِي قَتَلَةَ عُثْمَانَ، فَإِنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33] .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّ مُعَاوِيَةَ سَيَلِي الْمُلْكَ وَالسُّلْطَانَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ.
وَقَدْ أَوْرَدْنَا سَنَدَهُ وَمَتْنَهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ.
فَلَمَّا امْتَنَعَ مُعَاوِيَةُ مِنَ الْبَيْعَةِ لِعَلِيٍّ حَتَّى يُسَلِّمَهُ الْقَتَلَةَ، كَانَ مِنْ أَمْرِ صِفِّينِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، ثُمَّ آلَ الْأَمْرُ إِلَى التَّحْكِيمِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي مُوسَى مَا أَسْلَفْنَاهُ مِنْ قُوَّةِ جَانِبِ أَهْلِ الشَّامِ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُ مُعَاوِيَةَ جِدًّا، وَلَمْ يَزَلْ أَمْرُ عَلَيٍّ فِي اخْتِلَافٍ مَعَ أَصْحَابِهِ حَتَّى قَتَلَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ بَايَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَبَايَعَ أَهْلُ الشَّامِ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ثُمَّ رَكِبَ الْحَسَنُ فِي جُنُودِ الْعِرَاقِ عَنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ مِنْهُ، وَرَكِبَ مُعَاوِيَةُ فِي أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا تَوَاجَهَ الْجَيْشَانِ وَتَقَابَلَ الْفَرِيقَانِ، سَعَى النَّاسُ بَيْنَهُمَا
فِي الصُّلْحِ، فَانْتَهَى الْحَالُ إِلَى أَنْ خَلَعَ الْحَسَنُ نَفْسَهُ مِنَ الْخِلَافَةِ، وَسَلَّمَ الْمُلْكَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ - وَدَخْلَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْكُوفَةِ فَخَطْبَ النَّاسَ بِهَا خُطْبَةً بَلِيغَةً بَعْدَ مَا بَايَعَهُ النَّاسُ، وَاسْتَوْسَقَتْ لَهُ الْمَمَالِكُ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَبُعْدًا وَقُرْبًا، وَسُمِّيَ هَذَا الْعَامُ عَامُ الْجَمَاعَةِ ; لِاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ فِيهِ عَلَى أَمِيرٍ وَاحِدٍ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، فَوَلِيَ مُعَاوِيَةُ قَضَاءَ الشَّامِ لِفَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ لِأَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، وَكَانَ عَلَى شُرْطَتِهِ قَيْسُ بْنُ حَمْزَةَ، وَكَانَ كَاتِبَهُ وَصَاحِبَ أَمْرِهِ سَرْجُونُ بْنُ مَنْصُورِ الرُّومِيُّ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الْحَرَسَ، وَأَوَّلُ مِنْ حَزَمَ الْكُتُبَ وَخَتَمَهَا.
وَكَانَ أَوَّلَ الْأَحْدَاثِ فِي دَوْلَتِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
[خُرُوجُ طَائِفَةٍ مِنَ الْخَوَارِجِ عَلَيْهِ]
وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنْ مُعَاوِيَةَ لَمَّا دَخَلَ الْكُوفَةَ وَخَرَجَ الْحَسَنُ وَأَهْلُهُ مِنْهَا قَاصِدِينَ إِلَى الْحِجَازِ، قَالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ نَحْوٌ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ: جَاءَ مَا لَا يَشُكُّ فِيهِ، فَسِيرُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَجَاهِدُوهُ.
فَسَارُوا حَتَّى قَرَبُوا مِنَ الْكُوفَةِ وَعَلَيْهِمْ فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مُعَاوِيَةُ خَيْلًا مِنَ أَهْلِ الشَّامِ، فَطَرَدُوا الشَّامِيِّينَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ: لَا أَمَانَ لَكُمْ عِنْدِي حَتَّى تَكُفُّوا بَوَائِقَكُمْ.
فَخَرَجُوا إِلَى الْخَوَارِجِ، فَقَالَتْ لَهُمُ الْخَوَارِجُ: وَيْلَكُمْ، مَا تَبْغُونَ؟ أَلَيْسَ مُعَاوِيَةُ عَدُوَّكُمْ
وَعَدُوَّنَا؟ فَدَعَوْنَا حَتَّى نُقَاتِلَهُ، فَإِنْ أَصَبْنَاهُ كُنَّا قَدْ كَفَيْنَاكُمُوهُ، وَإِنْ أَصَابَنَا كُنْتُمْ قَدْ كَفَيْتُمُونَا.
فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ حَتَّى نُقَاتِلَكُمْ.
فَقَالَتِ الْخَوَارِجُ: يَرْحَمُ اللَّهُ إِخْوَانَنَا مِنْ أَهْلِ النَّهْرِ كَانُوا أَعْلَمَ بِكُمْ يَا أَهْلِ الْكُوفَةِ.
فَاقْتَتَلُوا فَهَزَمَهُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَطَرَدُوهُمْ، ثُمَّ إِنَّ مُعَاوِيَةَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى الْكُوفَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: أَتُوَلِّيهِ الْكُوفَةَ وَأَبُوهُ بِمِصْرَ وَتَبْقَى أَنْتَ بَيْنَ لَحْيَيِ الْأَسَدِ؟ ! فَثَنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَوَلَّى عَلَيْهَا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَاجْتَمَعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِمُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: أَتَجْعَلُ الْمُغِيرَةَ عَلَى الْخَرَاجِ، هَلَّا وَلَّيْتَ الْخَرَاجَ رَجُلًا آخَرَ.
فَعَزَلَهُ عَنِ الْخَرَاجِ وَوَلَّاهُ عَلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ لِعَمْرٍو فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ الْمُشِيرَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؟ قَالَ: بَلَى.
قَالَ: فَهَذِهِ بِتِلْكَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَثَبَ حُمْرَانِ بْنُ أَبَانَ عَلَى الْبَصْرَةَ فَأَخَذَهَا وَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا، فَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِ جَيْشًا لِيَقْتُلُوهُ وَمَنْ مَعَهُ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرَةَ الثَّقَفِيُّ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَسَأَلَهُ فِي الصَّفْحِ عَنْهُمْ وَالْعَفْوِ، فَعَفَا عَنْهُمْ وَأَطْلَقَهُمْ، وَوَلَّى عَلَى الْبَصْرَةِ بُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ، فَتَسَلَّطَ عَلَى أَوْلَادِ زِيَادٍ يُرِيدُ قَتْلَهُمْ ; وَذَلِكَ أَنْ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى أَبِيهِمْ لِيَحْضُرَ إِلَيْهِ فَتَلَبَّثَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بُسْرٌ: لَئِنْ لَمْ تُسْرِعُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِلَّا قَتَلْتُ بَنِيكَ.
فَبَعَثَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فِي ذَلِكَ، فَأَخَذَ لَهُ أَمَانًا مِنْهُ، وَقَدْ قَالَ مُعَاوِيَةُ لَأَبَى بَكْرَةَ: هَلْ مِنْ عَهِدٍ تَعْهَدُهُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَعْهَدُ إِلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَنْظُرَ لِنَفْسِكَ وَرَعِيَّتِكَ وَتَعْمَلَ صَالِحًا، فَإِنَّكَ قَدْ تَقَلَّدْتَ عَظِيمًا، خِلَافَةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، فَاتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّ لَكَ غَايَةً لَا تَعْدُوهَا، وَمِنْ وَرَائِكَ طَالِبٌ