يَزِيدَ فَأَمَرَ بِهِ، فَأُنْزِلَ وَحُرِّقَ فِي أَيَّامِهِ، قَبَّحَ اللَّهُ الْوَلِيدَ هَذَا.
وَأَمَّا ابْنُهُ يَحْيَى بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ فَاسْتَجَارَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ فَبَعَثَ إِلَيْهِ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ يَتَهَدَّدُهُ حَتَّى يَحْضُرَهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ بِشْرٍ: مَا كُنْتُ لِأُؤْوِيَ مِثْلَ هَذَا الرَّجُلِ وَهُوَ عَدُوُّنَا وَابْنُ عَدُوِّنَا.
فَصَدَّقَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي ذَلِكَ.
وَلَمَّا هَدَأَ الطَّلَبُ عَنْهُ سَيَّرَهُ إِلَى خُرَاسَانَ، فَخَرَجَ يَحْيَى بْنُ زَيْدٍ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ إِلَى خُرَاسَانَ فَأَقَامُوا بِهَا هَذِهِ الْمُدَّةَ.
قَالَ أَبُو مَخْنَفٍ: وَلَمَّا قَتَلَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ خَطَبَ أَهْلَ الْكُوفَةِ، فَتَهَدَّدَهُمْ وَتَوَعَّدَهُمْ وَشَتَمَهُمْ وَأَنَّبَهُمْ ; قَالَ فِيمَا قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَأْذَنْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَتْلِ خَلْقٍ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَذِنَ لِي لَقَتَلْتُ مُقَاتَلَتَكُمْ، وَسَبَيْتُ ذَرَارِيَّكُمْ، وَمَا صَعِدْتُ هَذَا الْمِنْبَرَ إِلَّا لِأُسْمِعَكُمْ مَا تَكْرَهُونَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ الْبَطَّالُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَرْضِ الرُّومِ.
وَلَمْ يَزِدِ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى هَذَا، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الرَّجُلَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ، فَقَالَ:
عَبْدُ اللَّهِ أَبُو يَحْيَى الْمَعْرُوفُ بِالْبَطَّالِ.
كَانَ يَنْزِلُ أَنْطَاكِيَةَ، حَكَى عَنْهُ أَبُو مَرْوَانَ الْأَنْطَاكِيُّ.
ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ حِينَ عَقَدَ لِابْنِهِ مَسْلَمَةَ عَلَى غَزْوِ بِلَادِ الرُّومِ وَلَّى عَلَى رُؤَسَاءِ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ الْبَطَّالَ وَقَالَ لِابْنِهِ مَسْلَمَةَ: صَيِّرْهُ عَلَى طَلَائِعِكَ، وَأْمُرْهُ فَلْيُعَسَّ بِاللَّيْلِ الْعَسْكَرَ، فَإِنَّهُ أَمِينٌ ثِقَةٌ مِقْدَامٌ شُجَاعٌ.
وَخَرَجَ مَعَهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ يُشَيِّعُهُمْ إِلَى بَابِ دِمَشْقَ.
قَالَ: فَقَدَّمَ مَسْلَمَةُ الْبَطَّالَ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ يَكُونُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ تُرْسًا مِنَ الرُّومِ أَنْ يَصِلُوا إِلَى جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ الدِّمَشْقِيُّ: ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي أَبُو مَرْوَانَ - شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ - قَالَ: كُنْتُ أَغَازِي الْبَطَّالَ وَقَدْ أَوْطَأَ الرُّومَ ذُلًّا، قَالَ الْبَطَّالُ: فَسَأَلَنِي بَعْضُ وُلَاةِ بَنِي أُمَيَّةَ عَنْ أَعْجَبِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي فِيهِمْ، فَقُلْتُ لَهُ: خَرَجْتُ فِي سِرِّيَّةٍ لَيْلًا، فَدَفَعْنَا إِلَى قَرْيَةٍ، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: أَرْخُوا لُجُمَ خُيُولِكُمْ وَلَا تُحَرِّكُوا أَحَدًا بِقَتْلٍ وَلَا بِسَبْيٍ حَتَّى تَشْحَنُوا الْقَرْيَةَ فَإِنَّهُمْ فِي نَوْمَةٍ.
فَفَعَلُوا وَافْتَرَقُوا فِي أَزِقَّتِهَا، فَدَفَعْتُ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِي إِلَى بَيْتٍ يَزْهَرُ سِرَاجُهُ، وَإِذَا امْرَأَةٌ تُسَكِّتُ ابْنَهَا مِنْ بُكَائِهِ وَهِيَ تَقُولُ: لَتَسْكُتْنَّ أَوْ لَأَدْفَعَنَّكَ إِلَى الْبَطَّالِ يَذْهَبُ بِكَ.
وَانْتَشَلَتْهُ مِنْ سَرِيرِهِ وَقَالَتْ: أَمْسِكْ يَا بِطَّالُ.
قَالَ: فَأَخَذْتُهُ.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ عَنِ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي مَرْوَانَ الْأَنْطَاكِيِّ عَنِ الْبَطَّالِ قَالَ: انْفَرَدْتُ مَرَّةً عَلَى فَرَسِي، لَيْسَ مَعِي أَحَدٌ مِنَ الْجُنْدِ، وَقَدْ سَمَّطْتُ خَلْفِي
مِخْلَاةً فِيهَا شَعِيرٌ، وَمَعِي مَنْدِيلٌ فِيهِ خُبْزٌ وَشِوَاءٌ، فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ لَعَلِّي أَلْقَى أَحَدًا مُنْفَرِدًا أَوْ أَطَّلِعُ عَلَى خَبَرٍ، إِذَا أَنَا بِبُسْتَانٍ فِيهِ بُقُولٌ حَسَنَةٌ، فَنَزَلْتُ وَأَكَلْتُ مِنْ ذَلِكَ الْخَبْزِ وَالشِّوَاءِ مَعَ الْبَقْلِ، فَأَخَذَنِي إِسْهَالٌ عَظِيمٌ قُمْتُ مِنْهُ مِرَارًا، فَخِفْتُ أَنْ أَضْعُفَ مِنْ كَثْرَةِ الْإِسْهَالِ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَالْإِسْهَالُ مُسْتَمِرٌّ عَلَى حَالِهِ، وَجَعَلْتُ أَخْشَى إِنْ أَنَا نَزَلْتُ عَنْ فَرَسِي أَنْ أَضْعُفَ عَنِ الرُّكُوبِ، وَأَفْرَطَ بِي الْإِسْهَالُ فِي السَّرْجِ، حَتَّى خَشِيَتُ أَنْ أَسْقُطَ مِنَ الضَّعْفِ، فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الْفَرَسِ، وَنِمْتُ عَلَى وَجْهِي لَا أَدْرِي أَيْنَ يَسِيرُ الْفَرَسُ بِي، فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا بِقَرْعِ نِعَالِهِ عَلَى بَلَاطٍ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَإِذَا دَيْرٌ، وَإِذَا قَدْ خَرَجَ مِنْهُ نِسْوَةٌ صُحْبَةَ امْرَأَةٍ حَسْنَاءَ جَمِيلَةٍ جِدًّا، فَجَعَلَتْ تَقُولُ لَهُنَّ بِلِسَانِهَا: أَنْزِلْنَهُ.
فَأَنْزَلْنَنِي، فَغَسَلْنَ عَنِّي ثِيَابِي وَسَرْجِي وَفَرَسِي، وَوَضَعْنَنِي عَلَى سَرِيرٍ، وَعَمِلْنَ لِي طَعَامًا وَشَرَابًا فَمَكَثْتُ يَوْمًا وَلَيْلَةً مَسْبُوتًا، ثُمَّ أَقَمْتُ بَقِيَّةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَتَّى تُرَادَّ إِلَيَّ حَالِي، فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ قِيلَ: جَاءَ الْبِطْرِيقُ.
فَأَمَرْتُ بِفَرَسِي فَحُوِّلَ، وَغُلِّقَ عَلَيَّ الْبَابُ الَّذِي أَنَا فِيهِ، وَإِذَا هُوَ بِطْرِيقٌ كَبِيرٌ فِيهِمْ قَدْ جَاءَ لِخِطْبَتِهَا، فَأَخْبَرَهُ بَعْضُ مَنْ كَانَ هُنَاكَ بِأَنَّ هَذَا الْبَيْتَ فِيهِ رَجُلٌ وَلَهُ فَرَسٌ، فَهَمَّ بِالْهُجُومِ عَلَيَّ، فَمَنَعَتْهُ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَتْ تَقُولُ لَهُ: إِنْ فَتَحَ عَلَيْهِ الْبَابَ لَمْ أَقْضِ حَاجَتَهُ.
فَثَنَاهُ ذَلِكَ عَنِ الْهُجُومِ عَلَيَّ، وَأَقَامَ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ فِي ضِيَافَتِهِمْ، ثُمَّ رَكِبَ فَرَسَهُ، وَرَكِبَ مَعَهُ أَصْحَابُهُ وَانْطَلَقَ.
قَالَ الْبَطَّالُ: فَنَهَضْتُ فِي أَثَرِهِمْ، فَهَمَّتْ أَنْ تَمْنَعَنِي خَوْفًا عَلَيَّ مِنْهُمْ فَلَمْ أَقْبَلْ، وَسُقْتُ حَتَّى لَحِقْتُهُمْ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَانْفَرَجَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَأَرَادَ الْفِرَارَ، فَأَلْحَقُهُ فَأَضْرِبُ عُنُقَهُ وَاسْتَلَبْتُهُ وَأَخَذْتُ رَأْسَهُ مُسَمَّطًا عَلَى فَرَسِي، وَرَجَعْتُ إِلَى الدَّيْرِ، فَخَرَجْنَ إِلَيَّ
وَوَقَفْنَ بَيْنَ يَدَيَّ، فَقُلْتُ: ارْكَبْنَ.
فَرَكِبْنَ مَا هُنَالِكَ مِنَ الدَّوَابِّ، وَسُقْتُ بِهِنَّ حَتَّى أَتَيْتُ أَمِيرَ الْجَيْشِ، فَدَفَعْتُهُنَّ إِلَيْهِ، فَنَفَّلَنِي مَا شِئْتُ مِنْهُنَّ، فَأَخَذْتُ تِلْكَ الْمَرْأَةَ الْحَسْنَاءَ بِعَيْنِهَا، فَهِيَ أَمُّ أَوْلَادِي.
وَكَانَ أَبُوهَا بِطْرِيقًا كَبِيرًا فِيهِمْ، وَكَانَ الْبَطَّالُ بَعْدَ ذَلِكَ يُكَاتِبُ أَبَاهَا وَيُهَادِيهِ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ عَنِ الْوَلِيدِ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَاشِدٍ مَوْلَى خُزَاعَةَ يُخْبِرُ عَمَّنْ سَمِعَهُ مِنَ الْبَطَّالِ أَنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا وَلَّاهُ الْمِصِّيصَةَ بَعَثَ الْبَطَّالُ سَرِيَّةً إِلَى أَرْضِ الرُّومِ فَغَابَ عَنْهُ خَبَرُهَا فَلَمْ يَدْرِ مَا صَنَعُوا، فَرَكِبَ بِنَفْسِهِ وَحْدَهُ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، وَسَارَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى عَمُّورِيَّةَ، فَطَرَقَ بَابَهَا لَيْلًا، فَقَالَ لَهُ الْبَوَّابُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ الْبَطَّالُ: فَقُلْتُ: أَنَا سَيَّافُ الْمَلِكِ وَرَسُولُهُ إِلَى الْبِطْرِيقِ فَخُذْ لِي طَرِيقًا إِلَيْهِ.
فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ إِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرٍ، فَجَلَسْتُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ إِلَى جَانِبِهِ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: إِنِّي قَدْ جِئْتُكَ فِي رِسَالَةٍ، فَمُرْ هَؤُلَاءِ فَلْيَنْصَرِفُوا.
فَأَمَرَ مَنْ عِنْدَهُ فَذَهَبُوا.
قَالَ: ثُمَّ قَامَ فَغَلَقَ بَابَ الْكَنِيسَةِ عَلَيَّ وَعَلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ، فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي، وَضَرَبْتُ بِهِ رَأَسَهُ صَفْحًا، وَقُلْتُ لَهُ: أَنَا الْبَطَّالُ فَاصْدُقْنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ وَإِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَكَ.
قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قُلْتُ: السَّرِيَّةُ الَّتِي بَعَثْتُهَا مَا خَبَرُهَا؟ فَقَالَ: هُمْ فِي بِلَادِي يَنْتَهِبُونَ مَا تَهَيَّأَ لَهُمْ، وَهَذَا كِتَابٌ قَدْ جَاءَنِي يُخْبِرُ أَنَّهُمْ فِي وَادِي كَذَا وَكَذَا، وَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتُكَ.
فَقُلْتُ: هَاتِ الْأَمَانَ.
فَأَعْطَانِي الْأَمَانَ، فَقُلْتُ: ائْتِنِي بِطَعَامٍ.
فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَجَاءُوا بِطَعَامٍ، فَوُضِعَ لِي، فَأَكَلْتُ ثُمَّ قُمْتُ لِأَنْصَرِفَ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: اخْرُجُوا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الْمَلِكِ.
فَانْطَلَقُوا يَتَعَادُّونَ بَيْنَ يَدَيَّ، وَانْطَلَقْتُ إِلَى ذَلِكَ الْوَادِي
الَّذِي ذُكِرَ، فَإِذَا أَصْحَابِي هُنَالِكَ، فَأَخَذَتْهُمْ وَرَجَعْتُ إِلَى الْمِصِّيصَةِ.
فَهَذَا أَغْرَبُ مَا جَرَى.
قَالَ الْوَلِيدُ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّهُ رَأَى الْبَطَّالَ وَهُوَ قَافِلٌ مَنْ حَجَّتِهِ، وَكَانَ قَدْ شُغِلَ بِالْجِهَادِ عَنِ الْحَجِّ، وَكَانَ يَسْأَلُ اللَّهَ دَائِمًا الْحَجَّ ثُمَّ الشَّهَادَةَ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إِلَّا فِي السَّنَةِ الَّتِي اسْتُشْهِدَ فِيهَا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَ سَبَبُ شَهَادَتِهِ أَنَّ لِيُونَ مَلِكَ الرُّومِ خَرَجَ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي مِائَةِ أَلْفِ فَارِسٍ، فَبَعَثَ الْبِطْرِيقُ - الَّذِي الْبَطَّالُ مُتَزَوِّجٌ بِابْنَتِهِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَمْرَهَا - إِلَى الْبَطَّالِ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ فَأَخْبَرَ الْبَطَّالُ أَمِيرَ عَسَاكِرِ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ، وَكَانَ الْأَمِيرُ مَالِكَ بْنَ شَبِيبٍ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْمَصْلَحَةَ تَقْتَضِي أَنْ نَتَحَصَّنَ فِي مَدِينَةِ حَرَّانَ، فَنَكُونُ بِهَا حَتَّى يَقْدَمَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ فِي الْجُيُوشِ.
فَأَبَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَدَهَمَهُمُ الْجَيْشُ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَالْبَطَّالُ يَجُولُ بَيْنَ يَدَيِ الْأَبْطَالِ، وَلَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ أَنْ يُنَوِّهَ بِاسْمِهِ ; خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الرُّومِ فَاتَّفَقَ أَنْ نَادَاهُ بَعْضُهُمْ، وَذَكَرَ اسْمَهُ غَلَطًا مِنْهُ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ فُرْسَانُ الرُّومِ حَمَلُوا عَلَيْهِ حَمْلَةً وَاحِدَةً، فَاقْتَلَعُوهُ مَنْ سَرْجِهِ بِرِمَاحِهِمْ، فَأَلْقَوْهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَسَاقُوا وَرَاءَ النَّاسِ يَقْتُلُونَ فِيهِمْ وَيَأْسِرُونَ، وَقُتِلَ الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ مَالِكُ بْنُ شَبِيبٍ وَانْكَسَرَ الْمُسْلِمُونَ، وَانْطَلَقُوا إِلَى تِلْكَ الْمَدِينَةِ الْخَرَابِ فَتَحَصَّنُوا بِهَا، وَأَصْبَحَ لِيُونُ فَوَقَفَ عَلَى مَكَانِ الْمَعْرَكَةِ، فَإِذَا الْبَطَّالُ بِآخِرِ رَمَقٍ، فَقَالَ لَهُ لِيُونُ مَا هَذَا يَا أَبَا يَحْيَى؟ فَقَالَ: هَكَذَا تُقْتَلُ الْأَبْطَالُ.
فَاسْتَدْعَى لِيُونُ بِالْأَطِبَّاءِ لِيُدَاوُوهُ فَإِذَا جِرَاحُهُ قَدْ نَفَذَتْ إِلَى مَقَاتِلِهِ، فَقَالَ لَهُ لِيُونُ: هَلْ مِنْ حَاجَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَأْمُرُ مَنْ مَعَكَ مِنْ
أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَلُوا غَسْلِيَ وَالصَّلَاةَ عَلَيَّ وَدَفْنِي.
فَفَعَلَ، وَأَطْلَقَ لِأَجْلِ ذَلِكَ أُولَئِكَ الْأُسَارَى، وَانْطَلَقَ لِيُونُ إِلَى أُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَحَصَّنُوا فَحَاصَرَهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَتْهُمُ الْبُرُدُ بِقُدُومِ سُلَيْمَانَ بْنِ هِشَامٍ فِي الْجُيُوشِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَفَرَّ لِيُونُ فِي جَيْشِهِ رَاجِعًا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ.
قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: كَانَتْ وَفَاةُ الْبَطَّالِ وَمَقْتَلُهُ بِأَرْضِ الرُّومِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَسَّانَ الزِّيَادِيُّ: قُتِلَ فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ.
قُلْتُ: وَقَدْ قَالَهُ غَيْرُهُ، وَأَنَّهُ قُتِلَ هُوَ وَالْأَمِيرُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ بُخْتٍ فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَكِنَّ ابْنَ جَرِيرٍ لَمْ يُؤَرِّخْ وَفَاتَهُ إِلَّا فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: فَهَذَا مُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ الْبَطَّالِ مَعَ تَقَصِّيهِ لِلْأَخْبَارِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ الْعَامَّةُ عَنِ الْبَطَّالِ مِنَ السِّيرَةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى دَلْهَمَةَ، وَالْبَطَّالِ، وَالْأَمِيرِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَالْقَاضِي عُقَبَةَ فَكَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ، وَوَضْعٌ بَارِدٌ، وَجَهْلٌ كَبِيرٌ، وَتَخْبِيطٌ فَاحِشٌ، لَا يَرُوجُ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى غَبِيٍّ أَوْ جَاهِلٍ رَدِيٍّ، كَمَا يَرُوجُ عَلَيْهِمْ سِيرَةُ عَنْتَرَةَ الْعَبْسِيِّ الْمَكْذُوبَةُ، وَكَذَلِكَ سِيرَةُ الْبَكْرِيِّ، وَالدَّنَفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْكَذِبُ الْمُفْتَعَلُ فِي سِيرَةِ الْبَكْرِيِّ أَشَدُّ إِثْمًا وَأَعْظَمُ
جُرْمًا مِنْ غَيْرِهَا ; لِأَنَّ وَاضِعَهَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» .
[وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ]
إِيَاسٌ الذَّكِيُّ
وَهُوَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ بْنُ إِيَاسِ بْنِ هِلَالِ بْنِ رِئَابِ بْنِ عَبْدِ بْنِ دُرَيْدِ بْنِ أَوْسِ بْنِ سُوَاءَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَارِيَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَوْسِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إِلْيَاسِ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ هَكَذَا نَسَبَهُ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي نَسَبِهِ، وَهُوَ أَبُو وَاثِلَةَ الْمُزَنِيُّ قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ، وَلِجَدِّهِ صُحْبَةٌ، وَكَانَ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِذَكَائِهِ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جِدِّهِ مَرْفُوعًا فِي الْحَيَاءِ، عَنْ أَنَسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَنَافِعٍ، وَأَبِي مِجْلَزٍ.
وَعَنْهُ الْحَمَّادَانِ، وَشُعْبَةُ، وَالْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: إِنَّهُ لَفَهِمٌ، إِنَّهُ لَفَهِمٌ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، وَالْعِجْلِيُّ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ: ثِقَةٌ.
زَادَ ابْنُ سَعْدٍ: وَكَانَ عَاقِلًا مِنَ الرِّجَالِ فَطِنًا.
وَزَادَ الْعِجْلِيُّ: وَكَانَ فَقِيهًا عَفِيفًا.
وَقَدْ قَدِمَ دِمَشْقَ فِي أَيَّامِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَوَفَدَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَرَّةً أُخْرَى حِينَ عَزَلَهُ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ قَضَاءِ الْبَصْرَةِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: تَحَاكَمَ إِيَاسٌ وَهُوَ صَبِيٌّ شَابٌّ، وَشَيْخٌ إِلَى قَاضِي عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِدِمَشْقَ فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي: إِنَّهُ شَيْخٌ وَأَنْتَ شَابٌّ، فَلَا تُسَاوِهِ فِي الْكَلَامِ.
فَقَالَ إِيَاسٌ: إِنْ كَانَ كَبِيرًا فَالْحَقُّ أَكْبَرُ مِنْهُ.
فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي: اسْكُتْ.
فَقَالَ: وَمَنْ يَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِي إِذَا سَكَتُّ؟ فَقَالَ الْقَاضِي: مَا أَحْسَبُكَ تَنْطِقُ بِحَقٍّ فِي مَجْلِسِي هَذَا حَتَّى تَقُومَ.
فَقَالَ إِيَاسٌ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ - زَادَ غَيْرُهُ: فَقَالَ الْقَاضِي: مَا أَظُنُّكَ إِلَّا ظَالِمًا لَهُ.
فَقَالَ: مَا عَلَى ظَنِّ الْقَاضِي خَرَجْتُ مِنْ مَنْزِلِي - فَقَامَ الْقَاضِي، فَدَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ فَقَالَ: اقْضِ حَاجَتَهُ وَأَخْرِجْهُ السَّاعَةَ مِنْ دِمَشْقَ، لَا يُفْسِدُ عَلَيَّ النَّاسَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا عَزَلَهُ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ قَضَاءِ الْبَصْرَةِ فَرَّ مِنْهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ، فَكَانَ يَجْلِسُ فِي حَلْقَةٍ فِي جَامِعِ دِمَشْقَ، فَتَكَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ فَرَدَّ عَلَيْهِ إِيَاسٌ فَأَغْلَظَ لَهُ الْأُمَوِيُّ، فَقَامَ إِيَاسٌ فَقِيلَ لِلْأُمَوِيِّ: هَذَا إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيُّ.
فَلَمَّا عَادَ مِنَ الْغَدِ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْأُمَوِيُّ وَقَالَ:
لَمْ أَعْرِفْكَ، وَقَدْ جَلَسَتْ إِلَيْنَا بِثِيَابِ السُّوقَةِ وَكَلَّمْتَنَا بِكَلَامِ الْأَشْرَافِ، فَلَمْ نَحْتَمِلْ ذَلِكَ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا ضَمْرَةُ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: يُولَدُ فِي كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ رَجُلٌ تَامُّ الْعَقْلِ.
فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ مِنْهُمْ.
وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: دَخَلَ عَلَى إِيَاسٍ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ، فَلَمَّا رَآهُنَّ قَالَ: أَمَّا إِحْدَاهُنَّ فَمُرْضِعٌ، وَالْأُخْرَى بِكْرٌ، وَالْأُخْرَى ثَيِّبٌ.
فَقِيلَ لَهُ: بِمَ عَلِمَتْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَمَّا الْمُرْضِعُ فَلَمَّا قَعَدَتْ أَمْسَكَتْ ثَدْيَهَا بِيَدِهَا، وَأَمَّا الْبِكْرُ فَلَمَّا دَخَلَتْ لَمْ تَلْتَفِتْ إِلَى أَحَدٍ، وَأَمَّا الثَّيِّبُ فَلَمَّا دَخَلَتْ نَظَرَتْ وَرَمَتْ بِعَيْنَيْهَا.
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ:، ثَنَا الْأَحْنَفُ بْنُ حَكِيمٍ بِأَصْبَهَانَ ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، سَمِعْتُ إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: أَعْرِفُ اللَّيْلَةَ الَّتِي وُلِدْتُ فِيهَا، وَضَعَتْ أُمِّي عَلَى رَأْسِي جَفْنَةً.
وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: قَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ لِأُمِّهِ: مَا شَيْءٌ سَمِعْتُهُ وَأَنْتِ حَامِلٌ بِي وَلَهُ جَلَبَةٌ شَدِيدَةٌ؟ قَالَتْ: تِلْكَ يَا بُنَيَّ طِسْتٌ سَقَطَتْ مِنْ فَوْقِ الدَّارِ إِلَى أَسْفَلَ، فَفَزِعْتُ فَوَلَدَتُكَ تِلْكَ السَّاعَةَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَرَائِطِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ النُّمَيْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنْ أَكْذِبَ كِذْبَةً لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا أَبِي مُعَاوِيَةَ لَا أُحَاسَبُ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَّ لِي الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ عَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: مَا خَاصَمْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ بِعَقْلِي كُلِّهِ إِلَّا الْقَدَرِيَّةَ ; قَلْتُ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي عَنِ الظُّلْمِ مَا هُوَ؟ قَالُوا: أَخْذُ الْإِنْسَانِ مَا لَيْسَ لَهُ.
قُلْتُ: فَإِنَّ اللَّهَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ.
قَالَ بَعْضُهُمْ، عَنْ إِيَاسٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْكُتَّابِ وَأَنَا صَبِيٌّ، فَجَعَلَ أَوْلَادُ النَّصَارَى يَضْحَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَقُولُونَ: إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا فَضْلَةَ لِطَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
فَقُلْتُ لِلْفَقِيهِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَنْصَرِفُ فِي غِذَاءِ الْبَدَنِ؟ قَالَ: بَلَى.
قُلْتُ: فَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ طَعَامَ أَهْلِ الْجَنَّةِ كُلَّهُ غِذَاءً لِأَبْدَانِهِمْ؟ فَقَالَ لَهُ مُعَلِّمُهُ: مَا أَنْتَ إِلَّا شَيْطَانٌ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ إِيَاسٌ وَهُوَ صَغِيرٌ بِعَقْلِهِ قَدْ وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَّ طَعَامَهُمْ يَنْصَرِفُ جُشَاءً وَعَرَقًا كَالْمِسْكِ، فَإِذَا الْبَطْنُ ضَامِرٌ.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ: قَدِمَ إِيَاسٌ وَاسِطًا فَجَاءَهُ ابْنُ شُبْرُمَةَ بِمَسَائِلَ قَدْ أَعَدَّهَا، فَقَالَ لَهُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَسْأَلَكَ؟ قَالَ: سَلْ، وَقَدِ ارْتَبْتُ حِينَ اسْتَأْذَنْتَ.
فَسَأَلَهُ عَنْ سَبْعِينَ مَسْأَلَةً يُجِيبُهُ فِيهَا، وَلَمْ يَخْتَلِفَا إِلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ، رَدَّهُ إِيَاسٌ إِلَى قَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ إِيَاسٌ: أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: أَتَحْفَظُ قَوْلَهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3] ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا.
قَالَ: فَهَلْ أَبْقَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِآلِ شُبْرُمَةَ رَأْيًا؟
وَقَالَ عَبَّاسٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ: يَا أَبَا وَاثِلَةَ حَتَّى مَتَى يَبْقَى النَّاسُ؟ وَحَتَّى مَتَى يَتَوَالَدُ النَّاسُ وَيَمُوتُونَ؟ فَقَالَ لِجُلَسَائِهِ: أَجِيبُوهُ.
فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ جَوَابٌ، فَقَالَ إِيَاسٌ: حَتَّى تَتَكَامَلَ الْعِدَّتَانِ ; عِدَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَعِدَّةُ أَهْلِ النَّارِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اكْتَرَى إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ مِنَ الشَّامِ قَاصِدًا الْحَجَّ، فَرَكِبَ مَعَهُ فِي الْمَحْمَلِ غَيْلَانُ الْقَدَرِيُّ وَلَا يَعْرِفُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَمَكَثَا ثَلَاثًا لَا يُكَلِّمُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ تَحَادَثَا فَتَعَارَفَا، وَتَعَجَّبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ اجْتِمَاعِهِ بِصَاحِبِهِ، لِمُبَايَنَةِ مَا بَيْنَهُمَا فِي الِاعْتِقَادِ فِي الْقَدَرِ، فَقَالَ لَهُ إِيَاسٌ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَقُولُونَ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: 43] وَيَقُولُ أَهْلُ النَّارِ:
﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: 106] وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: 32] ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ مِنْ أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَأَمْثَالِ الْعَجَمِ مَا فِيهِ إِثْبَاتُ الْقَدَرِ، ثُمَّ اجْتَمَعَ مَرَّةً أُخْرَى إِيَاسٌ، وَغَيْلَانُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَنَاظَرَ بَيْنَهُمَا، فَقَهَرَهُ إِيَاسٌ وَمَا زَالَ يَحْصُرُهُ فِي الْكَلَامِ حَتَّى اعْتَرَفَ غَيْلَانُ بِالْعَجْزِ وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ، فَدَعَا عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ مِنْهُ، فَأُمْكِنَ مِنْ غَيْلَانَ فَقُتِلَ وَصُلِبَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَمِنْ كَلَامِ الْحَسَنِ: لَأَنْ يَكُونَ فِي فِعَالِ الرَّجُلِ فَضْلٌ عَنْ قَوْلِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ فَضْلٌ عَنْ فِعَالِهِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ: ذَكَرْتُ رَجُلًا بِسُوءٍ عِنْدَ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَنَظَرَ فِي وَجْهِي وَقَالَ: أَغَزَوْتَ الرُّومَ؟ قُلْتُ: لَا.
قَالَ: فَالسِّنْدَ وَالْهِنْدَ وَالتُّرْكَ؟ قُلْتُ: لَا.
قَالَ: أَفَسَلِمَ مِنْكَ الرُّومُ وَالسِّنْدُ وَالْهِنْدُ وَالتُّرْكُ وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْكَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ؟ ! قَالَ: فَلَمْ أَعُدْ بَعْدَهَا.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ: رَأَيْتُ إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ فِي بَيْتِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَإِذَا هُوَ أَحْمَرُ طَوِيلُ الذِّرَاعِ غَلِيظُ الثِّيَابِ، يُلَوِّثُ عِمَامَتَهُ، وَهُوَ قَدْ غَلَبَ عَلَى الْكَلَامِ، فَلَا يَتَكَلَّمُ مَعَهُ أَحَدٌ.
وَقَدْ قَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ فِيكَ عَيْبٌ سِوَى كَثْرَةِ كَلَامِكَ.
فَقَالَ: بِحَقٍّ
أَتَكَلَّمُ أَمْ بِبَاطِلٍ؟ فَقِيلَ: بَلْ بِحَقٍّ.
فَقَالَ: كُلَّمَا كَثُرَ الْحَقُّ فَهُوَ خَيْرٌ.
وَلَامَهُ بَعْضُهُمْ فِي لِبَاسِهِ الثِّيَابَ الْغَلِيظَةَ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَلْبَسُ ثَوْبًا يَخْدِمُنِي وَلَا أَلْبَسُ ثَوْبًا أَخْدِمُهُ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: قَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: إِنَّ أَشْرَفَ خِصَالِ الرَّجُلِ صَدَقُ اللِّسَانِ، وَمِنْ عَدِمَ فَضِيلَةَ الصِّدْقِ فَقَدْ فُجِعَ بِأَكْرَمِ أَخْلَاقِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَأَلَ رَجُلٌ إِيَاسًا عَنِ النَّبِيذِ، فَقَالَ: هُوَ حَرَامٌ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْمَاءِ.
فَقَالَ: حَلَالٌ.
قَالَ: فَالْكَشُوثُ؟ قَالَ: حَلَالٌ.
قَالَ: فَالتَّمْرُ؟ قَالَ: حَلَالٌ.
قَالَ: فَمَا بَالُهُ إِذَا اجْتَمَعَ يَحْرُمُ؟ فَقَالَ إِيَاسٌ: أَرَأَيْتَ لَوْ رَمَيْتُكَ بِهَذِهِ الْحَفْنَةِ مِنَ التُّرَابِ، أَتُوجِعُكَ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَهَذِهِ الْحَفْنَةُ مِنَ التِّبْنِ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَهَذِهِ الْغَرْفَةُ مِنَ الْمَاءِ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ خَلَطْتُ هَذَا بِهَذَا، وَهَذَا بِهَذَا حَتَّى صَارَ طِينًا، ثُمَّ اسْتَحْجَرَ، ثُمَّ رَمَيْتُكَ، أَيُوجِعُكَ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ، وَيَقْتُلُنِي.
قَالَ: فَكَذَلِكَ تِلْكَ الْأَشْيَاءُ إِذَا اجْتَمَعَتْ.
وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: بَعَثَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ إِلَى الْبَصْرَةِ نَائِبًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ إِيَاسٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ الْجَوْشَنِيِّ فَأَيُّهُمَا كَانَ أَفْقَهَ فَلْيُوَلِّهِ الْقَضَاءَ.
فَقَالَ إِيَاسٌ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ لَا يَتَوَلَّى: أَيُّهَا الرَّجُلُ، سَلْ فَقِيهَيِ الْبَصْرَةِ ; الْحَسَنَ، وَابْنَ سِيرِينَ.
وَكَانَ إِيَاسٌ لَا يَأْتِيهِمَا، فَعَرَفَ الْقَاسِمُ أَنَّهُ إِنْ سَأَلَهُمَا أَشَارَا
بِهِ، فَقَالَ الْقَاسِمُ لِعَدِيٍّ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّ إِيَاسًا أَفْضَلُ مِنِّي وَأَفْقَهُ مِنِّي وَأَعْلَمُ بِالْقَضَاءِ، فَإِنْ كُنْتُ صَادِقًا فَوَلِّهِ، وَإِنْ كُنْتُ كَاذِبًا فَمَا يَنْبَغِي أَنْ أَلِيَ الْقَضَاءَ.
فَقَالَ إِيَاسٌ: هَذَا رَجُلٌ أُوقِفَ عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ، فَافْتَدَى مِنْهَا بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهَا.
فَقَالَ عَدِيٌّ: أَمَا إِذْ فَطِنَتْ إِلَى هَذَا فَقَدْ وَلَّيْتُكَ الْقَضَاءَ.
فَمَكَثَ سَنَةً يَفْصِلُ بَيْنَ النَّاسِ وَيُصْلِحُ بَيْنَهُمْ، وَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ حَكَمَ بِهِ، ثُمَّ هَرَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى دِمَشْقَ، فَاسْتَعْفَى مِنَ الْقَضَاءِ، فَوَلَّى عَدِيٌّ بُعْدَهُ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ.
قَالُوا: لَمَّا تَوَلَّى إِيَاسٌ الْقَضَاءَ بِالْبَصْرَةِ فَرِحَ بِهِ الْعُلَمَاءُ، حَتَّى قَالَ أَيُّوبُ: لَقَدْ رَمَوْهَا بِحَجَرِهَا.
وَجَاءَهُ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ فَسَلَّمَا عَلَيْهِ، فَبَكَى إِيَاسٌ وَذَكَرَ حَدِيثَ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ ; قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ» فَقَالَ الْحَسَنُ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: 78] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: 79]
[الْأَنْبِيَاءِ: 78، 79] . قَالُوا: ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ لِلْخُصُومَاتِ، فَمَا قَامَ حَتَّى فَصَلَ سَبْعِينَ قَضِيَّةً، حَتَّى كَانَ يُشَبَّهُ بِشُرَيْحٍ الْقَاضِي.
وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَسَأَلَهُ عَنْهُ.
وَقَالَ إِيَاسٌ: إِنِّي لَأُكَلِّمُ النَّاسَ بِنِصْفِ عَقْلِي، فَإِذَا اخْتَصَمَ إِلَيَّ اثْنَانِ جَمَعْتُ عَقْلِي كُلَّهُ.
وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّكَ لَتُعْجَبُ بِرَأْيِكَ.
فَقَالَ: لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ أَقْضِ بِهِ.
وَقَالَ لَهُ آخَرُ: إِنَّ فِيكَ خِصَالًا لَا تُعْجِبُنِي.
فَقَالَ: مَا هِيَ؟ فَقَالَ: تَحْكُمُ قَبْلَ أَنْ تَفْهَمَ، وَتُجَالِسَ كُلَّ أَحَدٍ، وَتَلْبَسُ الثِّيَابَ الْغَلِيظَةَ.
فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا أَكْثَرُ ; الثَّلَاثَةُ أَوِ الِاثْنَانِ؟ قَالَ: الثَّلَاثَةُ.
فَقَالَ: مَا أَسْرَعَ مَا فَهِمْتَ وَأَجَبْتَ.
فَقَالَ: أَوَ يَجْهَلُ هَذَا أَحَدٌ؟ فَقَالَ: وَكَذَلِكَ مَا أَحْكَمُ أَنَا بِهِ، وَأَمَّا مُجَالَسَتِي لِكُلِّ أَحَدٍ فَلَأَنْ أَجْلِسَ مَعَ مَنْ يَعْرِفُ لِي قَدْرِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَجْلِسَ مَعَ مَنْ لَا يَعْرِفُ لِي قَدْرِي، وَأَمَّا الثِّيَابُ فَإِنَّمَا أَلْبَسُ مِنْهَا مَا يَقِينِي لَا مَا أَقِيهِ أَنَا.
قَالُوا: وَتَحَاكَمَ إِلَيْهِ اثْنَانِ قَدْ أَوْدَعَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ الْآخَرِ مَالًا، وَجَحَدَهُ الْآخَرُ، فَقَالَ إِيَاسٌ لِلْمُودِعِ: أَيْنَ أَوْدَعْتَهُ؟ قَالَ: عِنْدَ شَجَرَةٍ فِي بُسْتَانٍ.
فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَيْهَا، فَقِفْ عِنْدَهَا لَعَلَّكَ تَتَذَكَّرُ.
فَانْطَلَقَ.
وَجَلَسَ الْآخَرُ، فَجَعَلَ إِيَاسٌ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ وَيُلَاحِظُهُ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَقَالَ لَهُ: أَوْصَلَ صَاحِبُكَ بَعْدُ إِلَيْهَا؟ فَقَالَ: لَا بَعْدُ، أَصْلَحَكَ اللَّهُ.
فَقَالَ لَهُ: قُمْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ فَأَدِّ إِلَيْهِ حَقَّهُ، وَإِلَّا جَعَلْتُكَ نَكَالًا.
وَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَقَامَ مَعَهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ وَدِيعَتَهُ بِكَمَالِهَا.
وَجَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ أَوْدَعْتُ عِنْدَ فُلَانٍ مَالًا، وَقَدْ جَحَدَنِي.
فَقَالَ لَهُ: اذْهَبِ الْآنَ وَائْتِنِي غَدًا.
وَبَعَثَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الْجَاحِدِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ
قَدِ اجْتَمَعَ عِنْدَنَا هَاهُنَا مَالٌ، فَضَعْهُ عِنْدَكَ فِي مَكَانٍ حَرِيزٍ.
فَقَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً.
فَقَالَ: لَهُ اذْهَبِ الْآنَ وَائْتِنِي غَدًا.
وَأَصْبَحَ ذَلِكَ الرَّجُلُ صَاحِبُ الْحَقِّ فَجَاءَ إِلَى إِيَاسٍ فَقَالَ لَهُ: اذْهَبِ الْآنَ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: أَعْطِنِي حَقِّي وَإِلَّا رَفَعَتُكَ إِلَى الْقَاضِي.
فَذَهَبَ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَخَافَ أَنْ لَا يُودِعَ عِنْدَهُ الْحَاكِمُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ حَقَّهُ، فَجَاءَ إِلَى إِيَاسٍ فَأَعْلَمَهُ، ثُمَّ جَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنَ الْغَدِ ; رَجَاءَ أَنْ يُودَعَ، فَانْتَهَرَهُ إِيَاسٌ وَطَرَدَهُ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ خَائِنٌ.
وَتَحَاكَمَ إِلَيْهِ اثْنَانِ فِي جَارِيَةٍ، فَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهَا ضَعِيفَةُ الْعَقْلِ، فَقَالَ لَهَا إِيَاسٌ: أَيُّ رِجْلَيْكِ أَطْوَلَ؟ فَقَالَتْ: هَذِهِ.
فَقَالَ لَهَا: أَتَذْكُرِينَ لَيْلَةَ وُلِدْتِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ.
فَقَالَ لِلْبَائِعِ: رُدَّ رُدَّ.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ إِيَاسًا سَمِعَ صَوْتَ امْرَأَةٍ مِنْ بَيْتِهَا، فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَةٌ حَامِلٌ بِصَبِيٍّ.
فَلَمَّا وَلَدَتْ وَلَدَتْ كَمَا قَالَ، فَسُئِلَ: بِمَ عَرَفْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ صَوْتَهَا وَنَفَسُهَا مَعَهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهَا حَامِلٌ، وَفِي صَوْتِهَا صَحَلٌ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ غُلَامٌ.
قَالُوا: ثُمَّ مَرَّ يَوْمًا بِبَعْضِ الْمَكَاتِبِ، فَإِذَا صَبِيٌّ هُنَالِكَ فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ أَدْرِي شَيْئًا فَهَذَا الصَّبِيُّ ابْنُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ فَإِذَا هُوَ ابْنُهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: شَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ إِيَاسٍ فَقَالَ لَهُ: مَا اسْمُكَ؟ فَقَالَ: أَبُو الْعَنْقَزِ.
فَلَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ: دَعَوْنِي إِلَى إِيَاسٍ فَإِذَا رَجُلٌ كُلَّمَا فَرَغَ مِنْ حَدِيثٍ أَخَذَ فِي آخِرَ.
وَقَالَ إِيَاسٌ: كُلُّ رَجُلٍ لَا يَعْرِفُ عَيْبَ نَفْسِهِ فَهُوَ أَحْمَقُ.
فَقِيلَ لَهُ: فَمَا عَيْبُكَ؟ قَالَ: كَثْرَةُ الْكَلَامِ.
قَالُوا: وَلَمَّا مَاتَتْ أُمُّهُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: كَانَ لِي بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إِلَى الْجَنَّةِ، فَغُلِقَ أَحَدُهُمَا.
وَقَالَ أَبُوهُ: إِنَّ النَّاسَ يَلِدُونَ أَبْنَاءً، وَوَلَدْتُ أَبًا.
وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَهُ، وَيَكْتُبُونَ عَنْهُ الْفِرَاسَةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ حَوْلَهُ جُلُوسٌ، إِذْ نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ قَدْ جَاءَ، فَجَلَسَ عَلَى دَكَّةِ حَانُوتٍ، وَجَعَلَ كُلَّمَا مَرَّ أَحَدٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَنَظَرَ فِي وَجْهِ رَجُلٍ، ثُمَّ عَادَ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَذَا فَقِيهُ كُتَّابٍ قَدْ أَبَقَ لَهُ غُلَامٌ أَعْوَرُ فَهُوَ يَتَطَلَّبُهُ.
فَقَامُوا إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ فَسَأَلُوهُ، فَوَجَدُوهُ كَمَا قَالَ إِيَاسٌ فَقَالُوا لِإِيَاسٍ: مِنْ أَيْنَ عَرَفْتَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَمَّا جَلَسَ عَلَى دَكَّةِ الْحَانُوتِ عَلِمْتُ أَنَّهُ ذُو وِلَايَةٍ، ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِفَقَاهَةِ الْمَكْتَبِ، ثُمَّ جَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى كُلِّ مَنْ يَمُرُّ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ فَقَدَ غُلَامًا، ثُمَّ لَمَّا قَامَ فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِ ذَلِكَ الرَّجُلِ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، عَرَفْتُ أَنَّ غُلَامَهُ أَعْوَرُ.
وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ خَلِّكَانَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً فِي تَرْجَمَتِهِ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: شَهِدَ
عِنْدِي رَجُلٌ فِي بُسْتَانٍ، فَقُلْتُ لَهُ: كَمْ عَدَدُ أَشْجَارِهِ؟ فَقَالَ: كَمْ عَدَدُ جُذُوعِ هَذَا الْمَجْلِسِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ مِنْ مُدَّةِ سِنِينَ؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي.
وَأَقْرَرْتُ شَهَادَتَهُ.
قَالَ خَلِيفَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: تُوفِّيَ بِوَاسِطَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ]
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ
ذَكَرَ الْمَدَائِنِيُّ عَنْ شُيُوخِهِ أَنَّ خَاقَانَ مِلْكَ التُّرْكِ لَمَّا قُتِلَ فِي وِلَايَةِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ عَلَى خُرَاسَانَ، تَفَرَّقَ شَمْلُ الْأَتْرَاكِ وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُغِيرُ عَلَى بَعْضٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا حَتَّى كَادَتْ أَنْ تُخَرَّبَ بِلَادُهُمْ، وَاشْتَغَلُوا عَنِ الْمُسْلِمِينَ.
وَفِيهَا سَأَلَ أَهْلُ الصُّغْدِ مِنْ أَمِيرِ خُرَاسَانَ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ أَنْ يَرُدَّهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَسَأَلُوهُ شُرُوطًا أَنْكَرَهَا الْعُلَمَاءُ، مِنْهَا ; أَنْ لَا يُعَاقَبُ مَنِ ارْتَدَّ مِنْهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَلَا تُؤْخَذُ أُسَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَأَرَادَ أَنْ يُوَافِقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِشِدَّةِ نِكَايَتِهِمْ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَعَابَ عَلَيْهِ النَّاسُ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى هِشَامٍ فِي ذَلِكَ فَتَوَقَّفَ، ثُمَّ لَمَّا رَأَى أَنَّ هَؤُلَاءِ إِذَا اسْتَمَرُّوا عَلَى مُعَانَدَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ كَانَ ضَرَرُهُمْ أَشَدَّ، أَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ بَعَثَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ أَمِيرُ الْعِرَاقِ وَفْدًا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَسْأَلُ مِنْهُ أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهِ نِيَابَةَ خُرَاسَانَ، وَتَكَلَّمُوا فِي نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ أَمِيرِ خُرَاسَانَ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ شَهْمًا شُجَاعًا، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَبِرَ وَضَعُفَ بَصَرُهُ فَلَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ إِلَّا مِنْ قَرِيبٍ بِصَوْتِهِ، وَتَكَلَّمُوا فِيهِ كَلَامًا كَثِيرًا، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى ذَلِكَ هِشَامٌ وَاسْتَمَرَّ بِهِ عَلَى
إِمْرَةِ خُرَاسَانَ وَوِلَايَتِهَا.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا يَزِيدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْعُمَّالُ فِيهَا مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الْقَصِيرُ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ وَأَبُو يُونُسَ سُلَيْمُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسْعِ بْنِ جَابِرٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرَاجِمَهُمْ فِي كِتَابِنَا " التَّكْمِيلِ "، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ]
فِيهَا غَزَا سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِلَادَ الرُّومِ فَلَقِيَ مَلِكَ الرُّومِ أَلْيُونَ فَسَلِمَ سُلَيْمَانُ وَغَنِمَ.
وَفِيهَا قَدِمَ جَمَاعَةٌ مِنْ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ مِنْ بِلَادِ خُرَاسَانَ قَاصِدِينَ إِلَى مَكَّةَ، فَمَرُّوا بِالْكُوفَةِ فَبَلَغَهُمْ أَنَّ فِي السِّجْنِ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ مِنْ نُوَّابِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ قَدْ حَبَسَهُمْ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فَاجْتَمَعُوا بِهِمْ فِي السِّجْنِ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْبَيْعَةِ لِبَنِي الْعَبَّاسِ وَإِذَا عِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ جَانِبٌ كَبِيرٌ، فَقَبِلُوا مِنْهُمْ، وَوَجَدُوا عِنْدَهُمْ فِي السِّجْنِ أَبَا مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيَّ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ غُلَامٌ يَخْدِمُ عِيسَى بْنَ مَعْقِلَ الْعِجْلِيَّ وَكَانَ مَحْبُوسًا، فَأَعْجَبَهُمْ شَهَامَتُهُ وَقُوَّتُهُ وَاسْتِجَابَتُهُ مَعَ مَوْلَاهُ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ، فَاشْتَرَاهُ بُكَيْرُ بْنُ مَاهَانَ مِنْهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَخَرَجُوا بِهِ مَعَهُمْ، فَاسْتَنْدَبُوهُ لِهَذَا الْأَمْرِ، فَكَانُوا لَا يُوَجِّهُونَهُ إِلَى مَكَانٍ
إِلَّا ذَهَبَ، وَنَتَجَ مَا يُوَجِّهُونَهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.
وَهُوَ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ دُعَاةُ بَنِي الْعَبَّاسِ فَقَامَ مَقَامَهُ وَلَدُهُ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إِنَّمَا تُوُفِّيَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ، وَأَبُو مَعْشَرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَجَّاجِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَكَانَ نَائِبَ الْحِجَازِ وَالطَّائِفِ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ يَقِفُ عَلَى بَابِهَا، وَيَهْدِي إِلَيْهَا الْأَلْطَافَ وَالتُّحَفَ، وَيَعْتَذِرُ إِلَيْهَا مِنَ التَّقْصِيرِ، وَهِيَ لَا تَلْتَفِتُ إِلَى ذَلِكَ.
وَنُوَّابُ الْبِلَادِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ
أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَكِّيُّ الْقَارِئُ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَوَثَّقَهُ الْأَئِمَّةُ.
تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا بِسَنَةٍ.
وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ.
وَقِيلَ: سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الزُّهْرِيُّ
مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ، أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ أَحَدُ الْأَعْلَامِ، مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، سَمِعَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ.
رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَصَابَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَارْتَحَلْتُ إِلَى دِمَشْقَ، وَكَانَ عِنْدِي عِيَالٌ كَثِيرَةٌ، فَجِئْتُ جَامِعَهَا، فَجَلَسْتُ فِي أَعْظَمِ حَلْقَةٍ، فَإِذَا رَجُلٌ قَدْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَسْأَلَةٌ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِيهَا شَيْئًا - وَقَدْ شَذَّ عَنْهُ - فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ يَرْوِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
فَقُلْتُ: إِنِّي أَحْفَظُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَخَذَنِي فَأَدْخَلَنِي عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ.
فَسَأَلَنِي: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَانْتَسَبْتُ لَهُ، وَذَكَرْتُ لَهُ حَاجَتِي وَعِيَالِي، فَسَأَلَنِي: هَلْ تَحْفَظُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَالْفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ.
فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَأَجَبْتُهُ، فَقَضَى دَيْنِي، وَأَمَرَ لِي بِجَائِزَةٍ، وَقَالَ لِي: اطْلُبِ الْعِلْمَ، فَإِنِّي أَرَى لَكَ عَيْنًا حَافِظَةً وَقَلْبًا ذَكِيًّا.
قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَطْلُبُ الْعِلْمَ وَأَتَتَبَّعُهُ، فَبَلَغَنِي أَنَّ امْرَأَةً بِقُبَاءَ رَأَتْ رُؤْيَا عَجِيبَةً، فَأَتَيْتُهَا فَسَأَلْتُهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: إِنَّ بِعْلِي مَاتَ وَتَرَكَ لَنَا خَادِمًا وَدَاجِنًا وَنُخَيْلَاتٍ ; نَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا،
وَنَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِهَا، فَبَيْنَمَا أَنَا بَيْنَ النَّائِمَةِ وَالْيَقْظَى رَأَيْتُ كَأَنَّ ابْنِي الْكَبِيرَ - وَكَانَ مُشْتَدًّا - قَدْ أَقْبَلَ، فَأَخَذَ الشَّفْرَةَ، فَذَبَحَ وَلَدَ الدَّاجِنِ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا يُضَيِّقُ عَلَيْنَا اللَّبَنَ.
تَمَّ نَصَبَ الْقِدْرَ، وَقَطَّعَهُ وَوَضَعَهُ فِيهِ، ثُمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ فَذَبَحَ بِهَا أَخَاهُ - وَأَخُوهُ صَغِيرٌ كَمَا قَدْ جَاءَ - ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ مَذْعُورَةً، فَدَخَلَ وَلَدِي الْكَبِيرُ فَقَالَ: أَيْنَ اللَّبَنُ؟ فَقُلْتُ: شَرِبَهُ وَلَدُ الدَّاجِنِ.
فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ ضَيَّقَ عَلَيْنَا اللَّبَنَ.
ثُمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ فَذَبَحَهُ وَقَطَّعَهُ فِي الْقِدْرِ، فَبَقِيتُ مُشْفِقَةً خَائِفَةً مِمَّا رَأَيْتُ، فَأَخَذْتُ وَلَدِي الصَّغِيرَ فَغَيَّبْتُهُ فِي بَعْضِ بُيُوتِ الْجِيرَانِ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى الْمَنْزِلِ وَأَنَا مُشْفِقَةٌ جِدًّا مِمَّا رَأَيْتُ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ قَائِلًا يَقُولُ: مَا لَكِ مُغْتَمَّةً؟ فَقُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُ مَنَامًا، فَأَنَا أَحْذَرُ مِنْهُ.
فَقَالَ: يَا رُؤْيَا، يَا رُؤْيَا.
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، فَقَالَ: مَا أَرَدْتِ إِلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ؟ قَالَتْ: مَا أَرَدْتُ إِلَّا خَيْرًا.
ثُمَّ قَالَ: يَا أَحْلَامُ، يَا أَحْلَامُ.
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ دُونَهَا فِي الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ، فَقَالَ: مَا أَرَدْتِ إِلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ؟ فَقَالَتْ: مَا أَرَدْتُ إِلَّا خَيْرًا.
ثُمَّ قَالَ: يَا أَضْغَاثُ، يَا أَضْغَاثُ.
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ شَعِثَةٌ، فَقَالَ: مَا أَرَدْتِ إِلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ؟ فَقَالَتْ: إِنَّهَا امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَغُمَّهَا سَاعَةً.
ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ، فَجَاءَ ابْنِي فَوَضَعَ الطَّعَامَ، وَقَالَ: أَيْنَ أَخِي؟ فَقُلْتُ لَهُ: دَرَجَ إِلَى بُيُوتِ الْجِيرَانِ.
فَذَهَبَ وَرَاءَهُ، فَكَأَنَّمَا هُدِيَ إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِ يُقَبِّلُهُ، ثُمَّ وَضَعَهُ وَجَلَسْنَا جَمِيعًا، فَأَكَلَنَا مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ.
وُلِدَ الزُّهْرِيُّ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَكَانَ قَصِيرًا قَلِيلَ اللِّحْيَةِ، لَهُ شَعَرَاتٌ طِوَالٌ، خَفِيفُ الْعَارِضِينَ.
قَالُوا: وَقَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي نَحْوٍ مَنْ ثَمَانِينَ يَوْمًا، وَجَالَسَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ
ثَمَانَ سِنِينَ أَوْ عَشْرَ سِنِينَ، تَمَسُّ رُكْبَتُهُ رُكْبَتَهُ.
وَكَانَ يَخْدِمُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَسْتَقِي لَهُ الْمَاءَ الْمَالِحَ، وَيَدُورُ عَلَى مَشَايِخِ الْحَدِيثِ وَمَعَهُ أَلْوَاحٌ يَكْتُبُ عَنْهُمُ الْحَدِيثَ، وَيَكْتُبُ عَنْهُمْ كُلَّ مَا سَمِعَ مِنْهُمْ، حَتَّى صَارَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ أَوْ أَعْلَمَهُمْ فِي زَمَانِهِ، وَقَدِ احْتَاجَ أَهْلُ عَصْرِهِ إِلَيْهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نَكْرَهُ كِتَابَ الْعِلْمِ حَتَّى أَكْرَهَنَا عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءُ، فَرَأَيْنَا أَنْ لَا نَمْنَعَهُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ كَانَ الزُّهْرِيُّ يَرْجِعُ مِنْ عِنْدِ عُرْوَةَ فَيَقُولُ لِجَارِيَةٍ عِنْدَهُ فِيهَا لُكْنَةٌ: حَدَّثَنَا عُرْوَةُ ثَنَا فُلَانٌ.
وَيَسْرُدُ عَلَيْهَا مَا سَمِعَهُ مِنْهُ، فَتَقُولُ لَهُ الْجَارِيَةُ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا تَقُولُ.
فَيَقُولُ لَهَا: اسْكُتِي لَكَاعِ، فَإِنِّي لَا أُرِيدُكِ، إِنَّمَا أُرِيدُ نَفْسِي.
ثُمَّ وَفَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِدِمَشْقَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَأَكْرَمَهُ وَقَضَى دَيْنَهُ، وَفَرَضَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَجُلَسَائِهِ، ثُمَّ كَانَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَوْلَادِهِ مِنْ بَعْدِهِ الْوَلِيدِ، وَسُلَيْمَانَ وَكَذَلِكَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثُمَّ عِنْدَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَاسْتَقْضَاهُ يَزِيدُ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ حَبِيبٍ ثُمَّ كَانَ حَظِيًّا عِنْدَ هِشَامٍ وَحَجَّ مَعَهُ، وَجَعَلَهُ مُعَلِّمَ أَوْلَادِهِ إِلَى أَنْ تُوفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، قَبْلَ هِشَامٍ بِسَنَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: مَا اسْتَوْدَعْتُ قَلْبِي شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ.
قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ أَكْلَ التُّفَّاحِ وَسُؤْرَ الْفَأْرِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ يُنْسِي.
وَكَانَ يَشْرَبُ الْعَسَلَ وَيَقُولُ: إِنَّهُ يُذَكِّرُ.
وَفِيهِ يَقُولُ فَائِدُ بْنُ أَقْرَمَ:
ذَرْ ذَا وَأَثْنِ عَلَى الْكَرِيمِ مُحَمَّدٍ ... وَاذْكُرْ فَوَاضِلَهُ عَلَى الْأَصْحَابِ
وَإِذَا يُقَالُ مَنِ الْجَوَادُ بِمَالِهِ ... قِيلَ الْجَوَادُ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابِ
أَهْلُ الْمَدَائِنِ يَعْرِفُونَ مَكَانَهُ ... وَرَبِيعُ نَادِيهِ عَلَى الْأَعْرَابِ
يَشْرِي وَفَاءَ جِفَانِهِ وَيَمُدُّهَا ... بِكُسُورِ أَثْبَاجٍ وَفَتْقِ لُبَابِ
وَقَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: حَدَّثَ الزُّهْرِيُّ يَوْمًا بِحَدِيثٍ، فَلَمَّا قَامَ أَخَذْتُ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ فَاسْتَفْهَمْتُهُ، فَقَالَ: تَسْتَفْهِمُنِي؟ مَا اسْتَفْهَمْتُ عَالِمًا قَطُّ، وَلَا رَدَدْتُ عَلَى عَالِمٍ قَطُّ.
ثُمَّ جَعَلَ ابْنُ مَهْدِيٍّ يَقُولُ: فَذِيكَ الطِّوَالُ، وَتِلْكَ الْمَغَازِي.
وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ خَالِدٍ السَّلَامِيِّ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ
مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - أَنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ أَنْ يَكْتُبَ لِبَنِيهِ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ، فَأَمْلَى عَلَى كَاتِبِهِ أَرْبَعَمِائَةِ حَدِيثٍ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ فَحَدَّثَهُمْ بِهَا، ثُمَّ إِنَّ هِشَامًا قَالَ لِلزَّهْرِيِّ: إِنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ ضَاعَ.
فَقَالَ: لَا عَلَيْكَ.
فَأَمْلَى عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ، ثُمَّ أَخْرَجَ هِشَامٌ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ، فَإِذَا هُوَ لَمْ يُغَادِرْ حَرْفًا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ هِشَامٌ امْتِحَانَ حِفْظِهِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ سَوْقًا لِلْحَدِيثِ إِذَا حَدَّثَ مِنَ الزُّهْرِيِّ.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَنَصَّ لِلْحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَلَا أَهْوَنَ مِنَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ عِنْدَهُ، وَمَا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْبَعْرِ.
قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: وَلَقَدْ جَالَسْتُ جَابِرًا، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَنْسَقُ لِلْحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَحْسَنُ النَّاسِ حَدِيثًا وَأَجْوَدُهُمْ إِسْنَادًا الزُّهْرِيُّ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَحْسَنُ الْأَسَانِيدِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: مَكَثْتُ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً أَخْتَلِفُ مِنَ الْحِجَازِ إِلَى الشَّامِ، وَمِنَ الشَّامِ إِلَى الْحِجَازِ فَمَا كُنْتُ أَسْمَعُ حَدِيثًا أَسْتَطْرِفُهُ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: مَا رَأَيْتُ عَالِمًا قَطُّ أَجْمَعَ مِنَ ابْنِ شِهَابٍ وَلَوْ سَمِعْتَهُ يُحَدِّثُ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لَقُلْتَ: مَا يُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا.
وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ قَلْتَ: لَا يُحْسِنُ إِلَّا هَذَا.
وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ الْأَعْرَابِ وَالْأَنْسَابِ قُلْتَ: لَا يُحْسِنُ إِلَّا هَذَا.
وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَانَ حَدِيثَهُ، ثُمَّ يَتْلُوهُ بِدُعَاءٍ جَامِعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ أَحَاطَ بِهِ عِلْمُكَ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ أَحَاطَ بِهِ عِلْمُكَ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
قَالَ اللَّيْثُ: وَكَانَ الزُّهْرِيُّ أَسْخَى مَنْ رَأَيْتُ، كَانَ يُعْطِي كُلَّ مَنْ جَاءَ وَسَأَلَهُ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ شَيْءٌ اسْتَسْلَفَ، وَكَانَ يُطْعِمُ النَّاسَ الثَّرِيدَ وَيَسْقِيهِمُ الْعَسَلَ، وَكَانَ يَسْمُرُ عَلَى شَرَابِ الْعَسَلِ كَمَا يَسْمُرُ أَهْلُ الشَّرَابِ عَلَى شَرَابِهِمْ، وَيَقُولُ: اسْقُونَا وَحَدِّثُونَا.
فَإِذَا نَعَسَ أَحَدُهُمْ يَقُولُ لَهُ: مَا أَنْتَ مِنْ سُمَّارِ قُرَيْشٍ.
وَكَانَتْ لَهُ قُبَّةٌ مُعَصْفَرَةٌ، وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ، وَتَحْتُهُ بِسَاطٌ مُعَصْفَرٌ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: مَا بَقِيَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعِلْمِ مَا بَقِيَ عِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَ مَعْمَرٌ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: عَلَيْكُمْ بِابْنِ شِهَابٍ فَإِنَّهُ مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ مِنْهُ.
وَكَذَا قَالَ مَكْحُولٌ.
وَقَالَ أَيُّوبُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ.
فَقِيلَ لَهُ: وَلَا الْحَسَنُ؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ.
وَقِيلَ لِمَكْحُولٍ: مَنْ أَعْلَمُ مَنْ لَقِيتَ؟ قَالَ: الزُّهْرِيُّ.
قِيلَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: الزُّهْرِيُّ.
قِيلَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: الزُّهْرِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: كَانَ الزُّهْرِيُّ إِذَا دَخَلَ الْمَدِينَةَ لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدٌ حَتَّى يَخْرُجَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: مُحَدِّثُو أَهْلِ الْحِجَازِ ثَلَاثَةٌ الزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: الَّذِينَ أَفْتَوْا أَرْبَعَةٌ الزُّهْرِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ
وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ أَفْقَهُهُمْ عِنْدِي.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: ثَلَاثٌ إِذَا كُنَّ فِي الْقَاضِي فَلَيْسَ بِقَاضٍ، إِذَا كَرِهَ اللَّوَائِمَ وَأَحَبَّ الْمَحَامِدَ، وَكَرِهَ الْعَزْلَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: كَانَ يُقَالُ: فُصَحَاءُ زَمَانِهِمُ الزُّهْرِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمُوسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ الَّذِي أَدَّبَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَدَّبَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ أَمَّتَهُ أَمَانَةُ اللَّهِ إِلَى رَسُولِهِ لِيُؤَدِّيَهُ عَلَى مَا أُدِّيَ إِلَيْهِ، فَمَنْ سَمِعَ عِلْمًا فَلْيَجْعَلْهُ أَمَامَهُ حُجَّةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ.
وَقَالَ الْوَلِيدُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَمِرُّوا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا جَاءَتْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: إِنَّ مِنْ غَوَائِلِ الْعِلْمِ أَنْ يُتْرَكَ الْعَالِمُ
حَتَّى يَذْهَبَ عِلْمُهُ، وَالنِّسْيَانَ، وَالْكَذِبَ، وَهُوَ أَشَدُّ الْغَوَائِلِ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: الْقِرَاءَةُ عَلَى الْعَالَمِ وَالسَّمَاعُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إِذَا طَالَ الْمَجْلِسُ كَانَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَصِيبٌ.
وَقَدْ قَضَى عَنْهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مَرَّةً ثَمَانِينَ أَلْفًا.
وَفِي رِوَايَةٍ: سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا.
وَفِي رِوَايَةٍ عِشْرِينَ أَلْفًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَتَبَ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي الْإِسْرَافِ، وَكَانَ يَسْتَدِينُ، فَقَالَ لَهُ: لَا آمَنُ أَنْ يَحْبِسَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ عَنْكَ فَتَكُونَ قَدْ حُمِلْتَ عَلَى أَمَانَتِكَ.
قَالَ: فَوَعَدَهُ الزُّهْرِيُّ أَنْ يُقْصِرَ، فَمَرَّ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ وَضَعَ الطَّعَامَ وَنَصَبَ مَوَائِدَ الْعَسَلِ، فَوَقَفَ بِهِ رَجَاءٌ وَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا هَذَا بِالَّذِي فَارَقْتَنَا عَلَيْهِ.
فَقَالَ لَهُ الزُّهْرِيُّ: انْزِلْ فَإِنَّ السَّخِيَّ لَا تُؤَدِّبُهُ التَّجَارِبُ.
وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
لَهُ سَحَائِبُ جُودٍ فِي أَنَامِلِهِ ... أَمْطَارُهَا الْفِضَّةُ الْبَيْضَاءُ وَالذَّهَبُ
يَقُولُ فِي الْعُسْرِ إِنْ أَيْسَرْتُ ثَانِيَةً ... أَقْصَرْتُ عَنْ بَعْضِ مَا أُعْطِي وَمَا أَهَبُ
حَتَّى إِذَا عَادَ أَيَامُ الْيَسَارِ لَهُ
رَأَيْتَ أَمْوَالَهُ فِي النَّاسِ تُنْتَهَبُ
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: وُلِدَ الزُّهْرِيُّ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ.
وَقَدِمَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى أَمْوَالِهِ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ بِشَغْبٍ وَبَدَا فَأَقَامَ بِهَا، فَمَرِضَ هُنَاكَ وَمَاتَ، وَأَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، قَالُوا: وَكَانَ ثِقَةً، كَثِيرَ الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ وَالرِّوَايَةِ، فَقِيهًا جَامِعًا.
وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ: رَأَيْتُ قَبْرَ الزُّهْرِيِّ بِأَدَامَى - وَهِيَ خَلْفَ شَغْبٍ وَبَدَا مِنْ فِلَسْطِينَ - مُسَنَّمًا مُجَصَّصًا.
وَقَدْ وَقَفَ الْأَوْزَاعِيُّ يَوْمًا عَلَى قَبْرِهِ فَقَالَ: يَا قَبْرُ كَمْ فِيكَ مِنْ عِلْمٍ وَحِلْمٍ.
وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ تُوفِّيَ الزُّهْرِيُّ بِأَمْوَالِهِ بِشَغْبٍ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، عَنْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ لِيَدْعُوَ لَهُ الْمَارَّةُ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
وَالصَّحِيحُ
الْأَوَّلُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، كَمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ:
بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ بْنِ تَمِيمٍ السُّكُونِيُّ أَبُو عَمْرٍو وَيُقَالُ: أَبُو زُرْعَةَ إِمَامُ الْجَامِعِ بِدِمَشْقَ أَيَّامَ هِشَامٍ وَقَاصُّ أَهْلِ الشَّامِ، كَانَ أَحَدَ الزُّهَّادِ الْكِبَارِ وَالْعُبَّادِ الصُّوَّامِ الْقُوَّامِ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ لَهُ صُحْبَةٌ، وَعَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَكْتُبُ عَنْهُ مَا يَقُولُهُ مِنَ الْفَوَائِدِ الْعَظِيمَةِ فِي قَصَصِهِ وَوَعْظِهِ، وَقَالَ: مَا رَأَيْتُ وَاعِظًا قَطُّ مِثْلَهُ.
وَقَالَ أَيْضًا: مَا بَلَغَنِي عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَادَةِ مَا بَلَغَنِي عَنْهُ، كَانَ يُصَلِّي فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَلْفَ رَكْعَةٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ، وَهُوَ الْأَصْمَعِيُّ: كَانَ إِذَا نَعَسَ فِي لَيْلِ الشِّتَاءِ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي ثِيَابِهِ فِي الْبِرْكَةِ، فَعَاتَبَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ مَاءَ الْبِرْكَةِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ صَدِيدِ جَهَنَّمَ.
وَقَالَ آخَرُ، وَهُوَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: كَانَ إِذَا كَبَّرَ فِي الْمِحْرَابِ سَمِعُوا تَكْبِيرَهُ مِنَ الْأَوْزَاعِ - قُلْتُ: وَهِيَ خَارِجُ بَابِ الْفَرَادِيسِ بِمَحَلَّةِ سُوقِ قُمَيْلَةَ الْيَوْمَ - قَالَ: وَكُنَّا نَتَبَيَّنُ قِرَاءَتَهُ مِنْ عَقَبَةِ الشِّيحِ عِنْدَ دَارِ الضِّيَافَةِ.
يَعْنِي مِنْ عِنْدِ دَارِ الذَّهَبِ دَاخِلَ بَابِ الْفَرَادِيسِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ: هُوَ شَامِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ: كَانَ أَحَدَ الْعُلَمَاءِ، قَاصًّا حَسَنَ الْقِصَصِ.
وَقَدِ اتَّهَمَهُ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ بِالْقَدَرِ، حِينَ قَالَ بِلَالٌ يَوْمًا فِي وَعْظِهِ: رُبَّ مَسْرُورٍ مَغْبُونٍ، وَرُبَّ مَغْبُونٍ لَا يَشْعُرُ، فَوَيْلٌ لِمَنْ لَهُ الْوَيْلُ وَلَا يَشْعُرُ، يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَضْحَكُ، وَقَدْ حَقَّ عَلَيْهِ فِي قَضَاءِ اللَّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيَا وَيْلٌ لَكَ رُوحًا، وَيَا وَيْلٌ لَكَ جَسَدًا، فَلْتَبْكِ وَلْتَبْكِ عَلَيْكَ الْبَوَاكِي لِطُولِ الْأَمَدِ.
وَقَدْ سَاقَ ابْنُ عَسَاكِرَ شَيْئًا حَسَنًا مِنْ كَلَامِهِ فِي مَوَاعِظِهِ الْبَلِيغَةِ ; فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَاللَّهِ لَكَفَى بِهِ ذَنْبًا أَنَّ اللَّهَ يُزَهِّدُنَا فِي الدُّنْيَا، وَنَحْنُ نَرْغَبُ فِيهَا،
زَاهِدُكُمْ رَاغِبٌ، وَعَالِمُكُمْ جَاهِلٌ، وَمُجْتَهِدُكُمْ مُقَصِّرٌ.
وَقَالَ أَيْضًا: أَخٌ لَكَ كُلَّمَا لَقِيَكَ ذَكَّرَكَ بِنَصِيبِكَ مِنَ اللَّهِ، أَوْ أَخْبَرَكَ بِعَيْبٍ فِيكَ، أَحَبُّ إِلَيْكَ وَخَيْرٌ لَكَ مِنْ أَخٍ كُلَّمَا لَقِيَكَ وَضَعَ فِي كَفِّكَ دِينَارًا.
وَقَالَ أَيْضًا: لَا تَكُنْ وَلِيًّا لِلَّهِ فِي الْعَلَانِيَةِ وَعَدُوَّهُ فِي السِّرِّ، وَلَا تَكُنْ ذَا وَجْهَيْنِ وَذَا لِسَانَيْنِ، فَتُظْهِرُ لِلنَّاسِ أَنَّكَ تَخْشَى اللَّهَ لِيَحْمَدُوكَ، وَقَلْبُكَ فَاجِرٌ.
وَقَالَ أَيْضًا: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ لَمْ تُخْلَقُوا لِلْفَنَاءِ، وَإِنَّمَا خُلِقْتُمْ لِلْبَقَاءِ، تُنْقَلُونَ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ، كَمَا نُقِلْتُمْ مِنَ الْأَصْلَابِ إِلَى الْأَرْحَامِ، وَمِنَ الْأَرْحَامِ إِلَى الدُّنْيَا، وَمِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْقُبُورِ، وَمِنَ الْقُبُورِ إِلَى الْمَوْقِفِ، وَمِنَ الْمَوْقِفِ إِلَى الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ.
وَقَالَ أَيْضًا: عِبَادُ الرَّحْمَنِ، إِنَّكُمْ تَعْمَلُونَ فِي أَيَّامٍ قِصَارٍ لِأَيَّامٍ طِوَالٍ، وَفِي دَارِ زَوَالٍ لِدَارِ مُقَامٍ، وَدَارِ حُزْنٍ وَنَصَبٍ لِدَارِ نَعِيمٍ وَخُلْدٍ، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ عَلَى يَقِينٍ فَلَا يَتَعَنَّ، عِبَادَ الرَّحْمَنِ، لَوْ قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاكُمُ الْمَاضِيَةُ لَكَانَ فِيمَا تَسْتَقْبِلُونَ لَكُمْ شُغُلٌ، وَلَوْ عَمِلْتُمْ بِمَا تَعْمَلُونَ لَكُنْتُمْ عِبَادَ اللَّهِ حَقًّا، عِبَادَ الرَّحْمَنِ، أَمَّا مَا
وَكَلَكُمُ اللَّهُ بِهِ فَتُضَيِّعُونَهُ، وَأَمَّا مَا تَكَفَّلَ اللَّهُ لَكُمْ بِهِ فَتَطْلُبُونَهُ! مَا هَكَذَا نَعَتَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُوقِنِينَ، أَذَوُو عُقُولٍ فِي الدُّنْيَا وَبُلْهٌ عَمَّا خُلِقْتُمْ لَهُ؟ ! فَكَمَا تَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ بِمَا تُؤَدُّونَ مِنْ طَاعَتِهِ، فَكَذَلِكَ أَشْفِقُوا مِنْ عَذَابِهِ بِمَا تَنْتَهِكُونَ مِنْ مَعَاصِيهِ، عِبَادَ الرَّحْمَنِ، هَلْ جَاءَكُمْ مُخْبِرٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِكُمْ تُقُبِّلَ مِنْكُمْ؟ أَوْ شَيْئًا مِنْ خَطَايَاكُمْ غُفِرَ لَكُمْ؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115] وَاللَّهِ لَوْ عُجِّلَ لَكُمُ الثَّوَابُ فِي الدُّنْيَا لَاسْتَقْلَلْتُمْ مَا فُرِضَ عَلَيْكُمْ، أَتَرْغَبُونَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ لِتَعْجِيلِ دَارٍ مَغْمُورَةٍ بِالْآفَاتِ، وَلَا تَرْغَبُونَ وَتَنَافِسُونَ فِي جَنَّةٍ ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: 35] ؟ !
وَقَالَ أَيْضًا: الذِّكْرُ ذِكْرَانِ ; ذِكْرُ اللَّهِ بِاللِّسَانِ حَسَنٌ جَمِيلٌ، وَذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ مَا أَحَلَّ وَحَرَّمَ أَفْضَلُ، عِبَادُ الرَّحْمَنِ، يُقَالُ لِأَحَدِنَا: تُحِبُّ أَنْ تَمُوتَ؟ فَيَقُولُ: لَا.
فَيُقَالُ: لِمَ؟ فَيَقُولُ: حَتَّى أَعْمَلَ.
فَيُقَالُ لَهُ: اعْمَلْ.
فَيَقُولُ: سَوْفَ.
فَلَا يُحِبُّ أَنْ يَمُوتَ، وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ، وَأَحَبُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ أَنْ يُؤَخِّرَ عَمَلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يُحِبُّ أَنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ عَرَضُ دُنْيَاهُ، عِبَادَ الرَّحْمَنِ، إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الْفَرِيضَةَ الْوَاحِدَةَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ أَضَاعَ مَا سِوَاهَا، فَمَا يَزَالُ يُمَنِّيهِ الشَّيْطَانُ فِيهَا وَيُزَيِّنُ لَهُ حَتَّى مَا يَرَى شَيْئًا دُونَ الْجَنَّةِ، فَقَبْلَ أَنْ تَعْمَلُوا أَعْمَالَكُمْ فَانْظُرُوا مَاذَا تُرِيدُونَ بِهَا، فَإِنْ كَانَتْ خَالِصَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَمْضُوهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا تَشُقُّوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَلَا شَيْءَ لَكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ
مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10] .
وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ إِلَى عَذَابِكُمْ بِسَرِيعٍ ; يُقِيلُ الْعَثْرَةَ، وَيَقْبَلُ الْمُقْبِلَ، وَيَدْعُو الْمُدْبِرَ.
وَقَالَ أَيْضًا: إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ لَجُوجًا، مُمَارِيًا، مُعْجَبًا بِرَأْيِهِ، فَقَدْ تَمَّتْ خَسَارَتُهُ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: خَرَجَ النَّاسُ بِدِمَشْقَ يَسْتَسْقُونَ، فَقَامَ فِيهِمْ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ مَنْ حَضَرْتُمْ، أَلَسْتُمْ مُقِرِّينَ بِالْإِسَاءَةِ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91] وَقَدْ أَقْرَرْنَا بِالْإِسَاءَةِ، فَاعْفُ عَنَّا وَاسْقِنَا.
قَالَ: فَسُقُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَيْضًا: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَقَدْ أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا يَشْتَدُّونَ بَيْنَ الْأَعْرَاضِ، وَيَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَإِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ كَانُوا رُهْبَانًا.
وَسَمِعْتُهُ أَيْضًا يَقُولُ: لَا تَنْظُرُ إِلَى صِغَرِ الذَّنْبِ، وَانْظُرْ مَنْ عَصَيْتَ.
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ بَادَأَكَ بِالْوُدِّ فَقَدَ اسْتَرَقَّكَ بِالشُّكْرِ.
وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَيْغِ الْقُلُوبِ، وَمِنْ تَبِعَاتِ الذُّنُوبِ، وَمِنْ مُرْدِيَاتِ الْأَعْمَالِ، وَمُضِلَّاتِ الْفِتَنِ.
الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ،
هُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ مَرْوَانُ الْجَعْدِيُّ وَهُوَ مَرْوَانُ الْحِمَارُ آخِرُ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ كَانَ شَيْخُهُ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ أَصْلُهُ مِنْ حَرَّانَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مِنْ مَوَالِي بَنِي مَرْوَانَ.
سَكَنَ الْجَعْدُ دِمَشْقَ، وَكَانَتْ لَهُ بِهَا دَارٌ بِالْقُرْبِ مِنَ الْقَلَانِسِيِّينَ إِلَى جَانِبِ الْكَنِيسَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
قُلْتُ: وَهِيَ مَحَلَّةٌ بِالْقُرْبِ مِنَ الْخَوَّاصِينَ الْيَوْمَ غَرْبِيَّهَا عِنْدَ حَمَّامِ الْقَطَّانِينَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: حَمَّامُ قُلَيْنِسَ.
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ وَغَيْرُهُ: وَقَدْ أَخَذَ بِدْعَتَهُ عَنْ بَيَانِ بْنِ سَمْعَانَ وَأَخَذَهَا بَيَانٌ عَنْ طَالُوتِ ابْنِ أُخْتِ لَبِيدِ بْنِ أَعْصَمَ وَزَوْجِ ابْنَتِهِ، عَنْ لَبِيدِ بْنِ أَعْصَمَ السَّاحِرِ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَأَخَذَ عَنِ الْجَعْدِ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ الْخَزَرِيُّ.
وَقِيلَ: التِّرْمِذِيُّ.
وَقَدْ أَقَامَ بِبَلْخَ وَكَانَ يُصَلِّي مَعَ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ فِي مَسْجِدِهِ
وَيَتَنَاظَرَانِ، حَتَّى نُفِيَ إِلَى تِرْمِذَ، ثُمَّ قُتِلَ الْجَهْمُ بِأَصْبَهَانَ وَقِيلَ: بِمَرْوَ.
قَتَلَهُ نَائِبُهَا سَلْمُ بْنُ أَحْوَزَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَجَزَاهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وَأَخَذَ بِشْرُ الْمَرِيسِيُّ عَنِ الْجَهْمِ وَأَخَذَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ، عَنْ بِشْرٍ وَأَمَّا الْجَعْدُ لَعَنَهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ أَقَامَ بِدِمَشْقَ حَتَّى أَظْهَرَ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَتَطَلَّبَهُ بَنُو أُمَيَّةَ فَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَسَكَنَ الْكُوفَةَ فِلْقَيْهِ بِهَا الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ فَتَقَلَّدَ هَذَا الْقَوْلَ، لَعَنَهُمَا اللَّهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ يَوْمَ عِيدِ الْأَضْحَى بِالْكُوفَةِ وَذَلِكَ أَنَّ خَالِدًا خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ تِلْكَ: أَيُّهَا النَّاسُ، ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ عُلُوًّا كَبِيرًا.
ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ بِيَدِهِ، أَثَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَتَقَبَّلَ مِنْهُ، وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَدْ كَانَ هِشَامٌ طَلَبَهُ بِدِمَشْقَ حِينَ أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ، ثُمَّ إِنَّهُ هَرَبَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَقَتَلَهُ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَقَدْ رَوَى قِصَّتَهُ مَعَ خَالِدٍ الْبُخَارِيُّ فِي " أَفْعَالِ الْعِبَادِ " وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي السُّنَّةِ كَالطَّبَرَانِيِّ، وَابْنِ أَبِي عَاصِمٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ وَذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي " التَّارِيخِ ".
وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَى وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَأَنَّهُ كَانَ كُلَّمَا رَاحَ إِلَى وَهْبٍ
يَغْتَسِلُ وَيَقُولُ: أَجْمَعُ لِلْعَقْلِ.
وَكَانَ يَسْأَلُ وَهْبًا عَنْ صِفَاتِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ لَهُ وَهْبٌ يَوْمًا: وَيْلَكَ يَا جَعْدُ أَقْصِرِ الْمَسْأَلَةَ، إِنِّي لَأَظُنُّكَ مِنَ الْهَالِكِينَ، لَوْ لَمْ يُخْبِرْنَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّ لَهُ يَدًا مَا قُلْنَا ذَلِكَ، وَأَنَّ لَهُ عَيْنًا مَا قُلْنَا ذَلِكَ.
ثُمَّ لَمْ يَلْبَثِ الْجَعْدُ أَنْ صُلِبَ، ثُمَّ قُتِلَ.
وَذُكِرَ فِي تَرْجَمَتِهِ أَنَّهُ قَالَ لِلْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ وَيُرْوَى لِعِمْرَانِ بْنِ حِطَّانَ:
لَيْثٌ عَلَيَّ وَفِي الْحُرُوبِ نَعَامَةٌ ... فَتْخَاءُ تَجْفُلُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ
هَلَّا بَرَزْتَ إِلَى غَزَالَةَ فِي الْوَغَى ... بَلْ كَانَ قَلْبُكَ فِي جَنَاحَيْ طَائِرِ