بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَغَيْرِهِمَا، قَالُوا: لَمَّا بَلَغَ مُعَاوِيَةَ مَسِيرُ عَلِيٍّ إِلَيْهِ، سَارَ مُعَاوِيَةُ نَحْوَ عَلِيٍّ وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ سُفْيَانَ بْنَ عَمْرٍو أَبَا الْأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وَعَلَى السَّاقَةِ بُسْرَ بْنَ أَرْطَاةَ حَتَّى تَوَافَوْا جَمِيعًا بِقُنَاصِرِينَ إِلَى جَانِبِ صِفِّينَ.
وَزَادَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ فَقَالَ: جَعَلَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ أَبَا الْأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وَعَلَى السَّاقَةِ بُسْرًا، وَعَلَى الْخَيْلِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَدَفَعَ اللِّوَاءَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَجَعَلَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وَعَلَى رَجَّالَتِهَا يَزِيدَ بْنَ زَحْرٍ الْعَنْسِيَّ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَلَى رَجَّالَتِهَا حَابِسَ بْنَ سَعْدٍ الطَّائِيَّ، وَعَلَى خَيْلِ دِمَشْقَ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، وَعَلَى رَجَّالَتِهِمْ يَزِيدَ بْنَ لَبِيدِ بْنِ كُرْزٍ الْبَجَلِيَّ، وَجَعَلَ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ ذَا الْكَلَاعِ، وَعَلَى أَهْلِ فِلَسْطِينَ مَسْلَمَةَ بْنَ مُخَلَّدٍ، وَقَامَ مُعَاوِيَةُ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، وَاللَّهِ مَا أَصَبْتُ الشَّامَ إِلَّا بِالطَّاعَةِ، وَلَا أَضْبِطُ حَرْبَ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَّا بِالصَّبْرِ، وَلَا أُكَابِدُ أَهْلَ الْحِجَازِ إِلَّا بِاللُّطْفِ، وَقَدْ تَهَيَّأْتُمْ وَسِرْتُمْ
لِتَمْنَعُوا الشَّامَ وَتَأْخُذُوا الْعِرَاقَ، وَسَارَ الْقَوْمُ لِيَمْنَعُوا الْعِرَاقَ وَيَأْخُذُوا الشَّامَ وَلَعَمْرِي مَا لِلشَّامِ رَجَاءٌ فِي الْعِرَاقِ وَلَا أَمْوَالِهَا، وَلَا لِلْعِرَاقِ خِبْرَةُ أَهْلِ الشَّامِ وَلَا بَصَائِرُهَا، مَعَ أَنَّ لِلْقَوْمِ أَعْدَادَهُمْ، وَلَيْسَ بَعْدَكُمْ غَيْرُكُمْ، فَإِنْ غَلَبْتُمُوهُمْ فَلَيْسَ تَغْلِبُوهُمْ إِلَّا مِنْ أَنَاتِكُمْ وَصَبْرِكُمْ، وَإِنْ غَلَبُوكُمْ غَلَبُوا مَنْ بَعْدَكُمْ، وَالْقَوْمُ لَاقُوكُمْ بِكَيْدِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَرِقَّةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَبَصَائِرِ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَقَسْوَةِ أَهْلِ مِصْرَ، وَإِنَّمَا يُنْصَرُ غَدًا مَنْ يُنْصَرُ الْيَوْمَ، فَاسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.
فَلَمَّا بَلَغَ عَلِيًّا خُطْبَةُ مُعَاوِيَةَ، قَامَ فِي أَصْحَابِهِ أَيْضًا خَطِيبًا وَحَضَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، وَمَدَحَهُمْ بِالصَّبْرِ وَشَجَّعَهُمْ بِكَثْرَتِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ.
قَالَ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَزَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: سَارَ عَلِيٌّ إِلَى الشَّامِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَأَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ فِي نَحْوٍ مِنْهُمْ مَنْ أَهْلِ الشَّامِ.
وَقَالَ غَيْرُهُمْ: أَقْبَلَ عَلِيٌّ فِي مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، وَأَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ فِي مِائَةِ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا.
ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ دِيزِيلَ فِي كِتَابِهِ.
وَقَدْ تَعَاقَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا، فَعَقَلُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْعَمَائِمِ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ خَمْسَةَ صُفُوفٍ، وَمَعَهُمْ سِتَّةُ صُفُوفٍ آخَرِينَ، وَكَذَلِكَ
أَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا أَحَدَ عَشَرَ صَفًّا أَيْضًا، فَتَوَاقَفُوا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ صَفَرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَكَانَ أَمِيرَ الْحَرْبِ يَوْمَئِذٍ لِلْعِرَاقِيِّينَ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ، وَأَمِيرَ الْحَرْبِ يَوْمَئِذٍ لِلشَّامِيِّينَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَاقْتَتَلُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَرَاجَعُوا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِمْ، وَقَدِ انْتَصَفَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَتَكَافَئُوا فِي الْقِتَالِ، ثُمَّ أَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَأَمِيرُ حَرْبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ، وَأَمِيرُ الشَّامِيِّينَ يَوْمَئِذٍ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ; تَحْمِلُ الْخَيْلُ عَلَى الْخَيْلِ، وَالرِّجَالُ عَلَى الرِّجَالُ، ثُمَّ تَرَاجَعُوا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِمْ، وَقَدْ صَبَرَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِلْآخَرِ وَتَكَافَئُوا، ثُمَّ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ - وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ - عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ مِنْ نَاحِيَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي الشَّامِيِّينَ فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَحَمَلَ عَمَّارٌ عَلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَأَزَالَهُ عَنْ مَوْقِفِهِ، وَبَارَزَ زِيَادُ بْنُ النَّضْرِ الْحَارِثِيُّ - وَكَانَ عَلَى الْخَيَّالَةِ يَوْمَئِذٍ - رَجُلًا، فَلَمَّا تَوَاقَفَا تَعَارَفَا فَإِذَا هُمَا أَخَوَانِ مِنْ أُمٍّ، فَانْصَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى قَوْمِهِ، وَتَرَكَ صَاحِبَهُ، وَتَرَاجَعَ النَّاسُ مِنَ الْعَشِيِّ، وَقَدْ صَبَرَ كُلُّ فَرِيقٍ لِصَاحِبِهِ، وَخَرَجَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ - وَهُوَ يَوْمُ السَّبْتِ - مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهُوَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَعَهُ جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فِي جَحْفَلٍ كَثِيرٍ مِنْ جِهَةِ الشَّامِيِّينَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَبَرَزَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَطَلَبَ
مِنَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَبْرُزَ إِلَيْهِ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَادَا أَنْ يَقْتَرِبَا قَالَ عَلِيٌّ: مَنِ الْمُبَارِزُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ ابْنُكُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.
فَيُقَالُ: إِنَّ عَلِيًّا حَرَّكَ دَابَّتَهُ وَأَمَرَ ابْنَهُ أَنْ يَتَوَقَّفَ، وَتَقَدَّمَ عَلِيٌّ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: تَقَدَّمْ إِلَيَّ.
فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: لَا حَاجَةَ لِي فِي مُبَارَزَتِكَ.
فَقَالَ: بَلَى.
فَقَالَ: لَا.
فَرَجَعَ عَنْهُ عَلِيٌّ وَتَحَاجَزَ النَّاسُ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ - وَهُوَ يَوْمُ الْأَحَدِ - فِي الْعِرَاقِيِّينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَفِي الشَّامِيِّينَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا وَجَعَلَ الْوَلِيدُ يَنَالُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ - فِيمَا ذَكَرَهُ أَبُو مِخْنَفٍ - وَيَقُولُ: قَتَلْتُمْ خَلِيفَتَكُمْ وَلَمْ تَنَالُوا مَا طَلَبْتُمْ، وَوَاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ نَاصِرُنَا عَلَيْكُمْ.
فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَابْرُزْ إِلَيَّ.
فَأَبَى عَلَيْهِ.
وَيُقَالُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَاتَلَ يَوْمَئِذٍ قِتَالًا شَدِيدًا بِنَفْسِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ - وَهُوَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ - مِنْ جِهَةِ عَلِيٍّ عَلَى الْعِرَاقِيِّينَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَمِنْ جِهَةِ أَهْلِ الشَّامِ ابْنُ ذِي الْكَلَاعِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا أَيْضًا، وَتَصَابَرُوا ثُمَّ تَرَاجَعُوا، ثُمَّ خَرَجَ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ - وَهُوَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ - مِنْ جِهَةِ عَلِيٍّ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ قِرْنُهُ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا أَيْضًا، وَلَمْ يَغْلِبْ أَحَدٌ أَحَدًا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ كُلِّهَا.
قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَعْيَنَ الْجُهَنِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: حَتَّى مَتَى لَا نُنَاهِضُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بِأَجْمَعِنَا؟ ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ عَشِيَّةَ الْأَرْبِعَاءِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُبْرَمُ مَا نَقَضَ، وَمَا أَبْرَمَ لَمْ يَنْقُضْهُ النَّاقِضُونَ، لَوْ شَاءَ مَا اخْتَلَفَ اثْنَانِ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا تَنَازَعَتِ الْأُمَّةُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَلَا جَحَدَ الْمَفْضُولُ ذَا الْفَضْلِ فَضْلَهُ، وَقَدْ سَاقَتْنَا وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الْأَقْدَارُ، فَلَفَّتْ بَيْنَنَا فِي هَذَا الْمَكَانِ، فَنَحْنُ مِنْ رَبِّنَا بِمَرْأَى وَمَسْمَعٍ، فَلَوْ شَاءَ لَعَجَّلَ النِّقْمَةَ، وَكَانَ مِنْهُ التَّغْيِيرُ حَتَّى يُكَذِّبَ اللَّهُ الظَّالِمَ، وَيُعْلَمَ الْحَقُّ أَيْنَ مَصِيرُهُ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ الْأَعْمَالِ، وَجَعَلَ الْآخِرَةَ عِنْدَهُ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ لِيَجْزِيَ ﴿الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: 31] . أَلَا وَإِنَّكُمْ لَاقُوا الْقَوْمِ غَدًا فَأَطِيلُوا اللَّيْلَةَ الْقِيَامَ، وَأَكْثِرُوا تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ، وَأَسْأَلُوا اللَّهَ النَّصْرَ وَالصَّبْرَ، وَالْقَوْهُمْ بِالْجِدِّ وَالْحَزْمِ، وَكُونُوا صَادِقِينَ.
قَالَ: فَوَثَبَ النَّاسُ إِلَى سُيُوفِهِمْ وَرِمَاحِهِمْ وَنِبَالِهِمْ يُصْلِحُونَهَا.
قَالَ: وَمَرَّ بِالنَّاسِ وَهُمْ كَذَلِكَ كَعْبُ بْنُ جُعَيْلٍ التَّغْلَبِيُّ، فَرَأَى مَا يَصْنَعُونَ فَجَعَلَ يَقُولُ:
أَصْبَحَتِ الْأَمَّةُ فِي أَمْرِ عَجَبْ ... وَالْمُلْكُ مَجْمُوعٌ غَدًا لِمَنْ غَلَبْ فَقُلْتُ قَوْلًا صَادِقًا غَيْرَ كَذِبْ ... إِنَّ غَدًا تَهْلِكُ أَعْلَامُ الْعَرَبْ قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحَ عَلِيٌّ فِي جُنُودِهِ قَدْ عَبَّأَهُمْ كَمَا أَرَادَ، وَرَكِبَ مُعَاوِيَةُ فِي جَيْشِهِ قَدْ عَبَّأَهُمْ كَمَا أَرَادَ، وَقَدْ أَمَرَ عَلِيٌّ كُلَّ قَبِيلَةِ مَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنْ تَكْفِيَهُ أُخْتَهَا مَنْ أَهْلِ الشَّامِ، ثُمَّ زَحَفَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَتَقَاتَلُوا قِتَالًا عَظِيمًا لَا يَفِرُّ أَحَدٌ مِنْ أَحَدٍ وَلَا يَغْلِبُ أَحَدٌ أَحَدًا، ثُمَّ تَحَاجَزُوا عِنْدَ الْعَشِيِّ وَأَصْبَحَ عَلِيٌّ فَصَلَّى الْفَجْرَ بِغَلَسٍ وَبَاكَرَ الْقِتَالَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ أَهْلَ الشَّامِ فَاسْتَقْبَلُوهُ بِوُجُوهِهِمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو مِخْنَفٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَحْفُوظِ الْمَكْفُوفِ الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضًا لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَجَعَلْتَ فِيهِ مَجْرَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَنَازِلَ النُّجُومِ، وَجَعَلْتَ فِيهِ سِبْطًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يَسْأَمُونَ الْعِبَادَةَ، وَرَبَّ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي جَعَلْتَهَا قَرَارًا لِلْأَنَامِ وَالْهَوَامِّ وَالْأَنْعَامِ، وَمَا لَا يُحْصَى مِمَّا يُرَى وَمَا لَا يُرَى مِنْ خَلْقِكَ الْعَظِيمِ، وَرَبَّ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ، وَرَبَّ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَرَبَّ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ الْمُحِيطِ بِالْعَالَمِ، وَرَبَّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي الَّتِي جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَادًا وَلِلْخَلْقِ مَتَاعًا، إِنْ أَظَهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ وَالْفَسَادَ وَسَدِّدْنَا لِلْحَقِّ، وَإِنْ أَظَهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنِي الشَّهَادَةَ، وَجَنِّبْ بَقِيَّةَ أَصْحَابِي مِنَ
الْفِتْنَةِ.
ثُمَّ تَقَدَّمَ عَلِيٌّ وَهُوَ فِي الْقَلْبِ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَلَى الْقُرَّاءِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وَالنَّاسُ عَلَى رَايَاتِهِمْ، فَزَحَفَ بِهِمْ إِلَى الْقَوْمِ.
وَأَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ - وَقَدْ بَايَعَهُ أَهْلُ الشَّامِ عَلَى الْمَوْتِ - فَتَوَاقَفَ النَّاسُ فِي مَوْطِنٍ مَهُولٍ وَأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَحَمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ أَمِيرُ مَيْمَنَةِ عَلِيٍّ عَلَى مَيْسَرَةِ أَهْلِ الشَّامِ وَعَلَيْهَا حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَاضْطَرَّهُ حَتَّى أَلْجَأَهُ إِلَى الْقَلْبِ، وَفِيهِ مُعَاوِيَةُ، وَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَرَّضَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَقَامَ كُلُّ أَمِيرٍ فِي أَصْحَابِهِ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَالْجِهَادِ، وَيَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ الْقِتَالِ، وَحَرَّضَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ النَّاسَ عَلَى الثَّبَاتِ وَالصَّبْرِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ وَتَلَا عَلَيْهِمْ آيَاتِ الْقِتَالِ مِنْ أَمَاكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ ; فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4] . ثُمَّ قَالَ: قَدِّمُوا الْمُدَارِعَ وَأَخِّرُوا الْحَاسِرَ وَعَضُّوا عَلَى الْأَضْرَاسِ، فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ، وَالْتَوُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ، فَإِنَّهُ أَصْوَنُ لِلْأَسِنَّةِ، وَغُضُّوا الْأَبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبُطُ لِلْجَأْشِ وَأَسْكُنُ لِلْقَلْبِ، وَأَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ، وَأَوْلَى بِالْوَقَارِ، رَايَاتِكُمْ لَا تُمِيلُوهَا وَلَا تُزِيلُوهَا وَلَا تَجْعَلُوهَا إِلَّا بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ.
وَقَدْ ذَكَرَ عُلَمَاءُ التَّارِيخِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَارَزَ فِي يَوْمِ صِفِّينَ وَقَاتَلَ وَقَتَلَ خَلْقَا، حَتَّى ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَتَلَ خَمْسَمِائَةٍ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُرَيْبَ بْنَ الصَّبَّاحِ قَتَلَ أَرْبَعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مُبَارَزَةً، ثُمَّ وَضَعَهُمْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ وَنَادَى: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ فَبَرَزَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ فَتَجَاوَلَا سَاعَةً ثُمَّ ضَرَبَهُ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ فَبَرَزَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ بْنُ وَدَاعَةَ الْحِمْيَرِيُّ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ إِلَيْهِ رُودُ بْنُ الْحَارِثِ الْكَلَاعِيُّ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ إِلَيْهِ الْمُطَاعُ بْنُ الْمُطَّلِبِ الْقَيْنِيُّ فَقَتَلَهُ.
ثُمَّ تَلَا عَلِيٌّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: 194] ثُمَّ نَادَى: وَيْحَكَ يَا مُعَاوِيَةُ! ابْرُزْ إِلَيَّ وَلَا تُفْنِ الْعَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ.
فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو يَا مُعَاوِيَةُ اغْتَنِمْهُ فَإِنَّهُ قَدْ أَثْخَنَ بِقَتْلِ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ.
فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُقْهَرْ قَطُّ، وَإِنَّمَا أَرَدْتَ قَتْلِي لِتُصِيبَ الْخِلَافَةَ مِنْ بَعْدِي، اذْهَبْ إِلَيْكَ! فَلَيْسَ مِثْلِي يُخْدَعُ.
وَذَكَرُوا أَنَّ عَلِيًّا حَمَلَ عَلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَوْمًا فَضَرَبَهُ بِالرُّمْحِ، فَأَلْقَاهُ إِلَى
الْأَرْضِ فَبَدَتْ سَوْءَتُهُ فَرَجَعَ عَلِيٌّ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: مَالَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَجَعَتْ عَنْهُ؟ فَقَالَ: أَتُدْرُونَ مَنْ هُوَ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: هُوَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَإِنَّهُ تَلَقَّانِي بِسَوْءَتِهِ فَذَكَّرَنِي بِالرَّحِمِ فَرَجَعْتُ عَنْهُ.
فَلَمَّا رَجَعَ عَمْرٌو إِلَى مُعَاوِيَةَ قَالَ لَهُ: احْمَدِ اللَّهَ، وَاحْمَدِ اسْتَكَ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دِيزِيلَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ نَصْرٍ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ شَمِرٍ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ نُمَيْرٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَسْمَعُ عَلِيًّا وَهُوَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ صِفِّينَ، أَمَا تَخَافُونَ مَقْتَ اللَّهِ حَتَّى مَتَى.
ثُمَّ انْفَتَلَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا سَمِعْنَا بِرَئِيسٍ أَصَابَ بِيَدِهِ مِنَ الْقَتْلِ مَا أَصَابَ عَلِيٌّ يَوْمَئِذٍ، إِنَّهُ قَتَلَ فِيمَا ذَكَرَ الْعَادُّونَ زِيَادَةً عَلَى خَمْسِمِائَةِ رَجُلٍ يَخْرُجُ فَيَضْرِبُ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَنْحَنِيَ، ثُمَّ يَجِيءُ فَيَقُولُ: مَعْذِرَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ، وَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَقْلَعَهُ وَلَكِنْ يَحْجِزُنِي عَنْهُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ وَلَا فَتًى إِلَّا عَلِيٌّ» قَالَ: فَيَأْخُذُهُ فَيُصْلِحُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ وَحَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ
أَخْبَرَهُ مَنْ حَضَرَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَأَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ لَقِيطٍ قَالَ: شَهِدْنَا صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ عَلَيْنَا دَمًا عَبِيطًا.
قَالَ اللَّيْثُ فِي حَدِيثِهِ: حَتَّى أَنْ كَانُوا لَيَأْخُذُونَهُ بِالصِّحَافِ وَالْآنِيَةِ.
قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ فَتَمْتَلِئُ وَنُهْرِيقُهَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُدَيْلٍ كَسَرَ الْمَيْسَرَةَ الَّتِي فِيهَا حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ حَتَّى أَدْخَلَهَا فِي الْقَلْبِ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ الشُّجْعَانَ أَنْ يُعَاوِنُوا حَبِيبًا عَلَى الْكَرَّةِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُهُ بِالْحَمْلَةِ وَالْكَرَّةِ عَلَى ابْنِ بُدَيْلٍ، فَحَمَلَ حَبِيبٌ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الشُّجْعَانِ عَلَى مَيْمَنَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَزَالُوهُمْ عَنْ أَمَاكِنِهِمْ وَانْكَشَفُوا عَنْ أَمِيرِهِمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا زُهَاءُ ثَلَاثِمِائَةٍ وَانْجَفَلَ بَقِيَّةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ عَلِيٍّ مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ إِلَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَلَيْهِمْ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَثَبَتَ رَبِيعَةُ مَعَ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَاقْتَرَبَ أَهْلُ الشَّامِ مِنْهُ حَتَّى جَعَلَتْ نِبَالُهُمْ تَصِلُ إِلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ مَوْلًى لِبَنِي أُمَيَّةَ فَاعْتَرَضَهُ مَوْلًى لِعَلِيٍّ فَقَتَلَهُ الْأُمَوِيُّ، وَأَقْبَلَ يُرِيدُ عَلِيًّا، وَحَوْلَهُ بَنُوهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى عَلِيٍّ، أَخَذَهُ عَلِيٌّ بِيَدِهِ، فَرَفَعَهُ ثُمَّ أَلْقَاهُ عَلَى الْأَرْضِ فَكَسَرَ عَضُدَهُ وَمَنْكِبَهِ وَابْتَدَرَهُ
الْحُسَيْنُ وَمُحَمَّدٌ بِأَسْيَافِهِمَا فَقَتَلَاهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْحَسَنِ ابْنِهِ، وَهُوَ وَاقِفٌ مَعَهُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَصْنَعَ كَمَا صَنَعَا؟ فَقَالَ: كَفَيَانِي أَمْرَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَأَسْرَعَ إِلَى عَلِيٍّ أَهْلُ الشَّامِ فَجَعَلَ عَلِيٌّ لَا يَزِيدُهُ قُرْبُهُمْ مِنْهُ سُرْعَةً فِي مِشْيَتِهِ، بَلْ هُوَ سَائِرٌ عَلَى هِينَتِهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ: يَا أَبَهْ، لَوْ سَعَيْتَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا! فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّ لِأَبِيكَ يَوْمًا لَنْ يَعْدُوَهُ، وَلَا يُبْطِئُ بِهِ عَنْهُ السَّعْيُ، وَلَا يُعَجِّلُ بِهِ إِلَيْهِ الْمَشْيُ، إِنَّ أَبَاكَ وَاللَّهِ مَا يُبَالِي أَوَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ أَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ.
ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا أَمَرَ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ أَنْ يَلْحَقَ الْمُنْهَزِمِينَ فَيَرُدَّهُمْ، فَسَاقَ بِأَسْرَعِ سَوْقٍ حَتَّى اسْتَقْبَلَ الْمُنْهَزِمِينَ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، فَجَعَلَ يُؤَنِّبُهُمْ وَيُوَبِّخُهُمْ وَيُحَرِّضُ الْقَبَائِلَ وَالشُّجْعَانَ مِنْهُمْ عَلَى الْكَرَّةِ، فَتَابَعَهُ طَائِفَةٌ وَاسْتَمَرَّ آخَرُونَ فِي هَزِيمَتِهِمْ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَرَجَعَ بِهِمْ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ فَجَعَلَ لَا يَلْقَى قَبِيلَةً مِنَ الشَّامِيِّينَ إِلَّا كَشَفَهَا، وَلَا طَائِفَةَ إِلَّا رَدَّهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَمِيرِ الْمَيْمَنَةِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ، وَمَعَهُ نَحْوٌ مَنْ ثَلَاثِمِائَةٍ قَدْ ثَبَتُوا فِي مَكَانِهِمْ فَسَأَلُوهُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: حَيٌّ صَالِحٌ.
فَالْتَفُّوا عَلَيْهِ، فَتَقَدَّمَ بِهِمْ حَتَّى تَرَاجَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَذَلِكَ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى الْغُرُوبِ، وَأَرَادَ ابْنُ بُدَيْلٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَأَمَرَهُ الْأَشْتَرُ أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ ابْنُ بُدَيْلٍ، وَحَمَلَ نَحْوَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ وَجَدَهُ وَاقِفًا أَمَامَ أَصْحَابِهِ وَفِي يَدِهِ سَيْفَانِ وَحَوْلَهُ كَتَائِبُ أَمْثَالُ الْجِبَالِ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ ابْنُ بُدَيْلٍ حَمَلَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فَقَتَلُوهُ وَأَلْقَوْهُ إِلَى الْأَرْضِ قَتِيلًا، وَفَرَّ أَصْحَابُهُ مُنْهَزِمِينَ وَأَكْثَرُهُمْ مَجْرُوحٌ، فَلَمَّا انْهَزَمُوا قَالَ مُعَاوِيَةُ لِأَصْحَابِهِ: انْظُرُوا إِلَى أَمِيرِهِمْ؟ فَجَاءُوا إِلَيْهِ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، فَتَقَدَّمَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَذَا وَاللَّهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ - وَهُوَ حَاتِمٌ الطَّائِيُّ -: أَخُو الْحَرْبِ إِنْ عَضَّتْ بِهِ الْحَرْبُ عَضَّهَا ... وَإِنْ شَمَّرَتْ يَوْمًا بِهِ الْحَرْبُ شَمَّرَا وَيَحْمِي إِذَا مَا الْمَوْتِ حَانَ لِقَاؤُهُ ... كَذَلِكَ ذُو الْأَشْبَالِ يَحْمِي إِذَا فَرَّا كَلَيْثً هِزَبْرٍ كَانَ يَحْمِي ذِمَارَهُ ... رَمَتْهُ الْمَنَايَا قَصْدَهَا فَتَقَطَّرَا
ثُمَّ حَمَلَ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيَّ بِمَنْ رَجَعَ مَعَهُ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ، فَصَدَقَ الْحَمْلَةَ حَتَّى خَالَطَ الصُّفُوفَ الْخَمْسَةَ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا عَلَى الْمَوْتِ أَنْ لَا يَفِرُّوا وَهُمْ حَوْلَ مُعَاوِيَةَ، فَخَرَقَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةً، وَبَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ صَفٌّ وَاحِدٌ، قَالَ الْأَشْتَرُ: فَرَأَيْتُ هَوْلًا عَظِيمًا، وَكِدْتُ أَنْ أَفِرَّ فَمَا ثَبَّتَنِي إِلَّا قَوْلُ ابْنُ الْإِطْنَابَةِ - وَهِيَ أُمُّهُ مِنْ بَلْقَيْنَ، وَكَانَ هُوَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ جَاهِلِيٌّ:
أَبَتْ لِي عِفَّتِي وَأَبَى بَلَائِي ... وِإِقْدَامِي عَلَى الْبَطَلِ الْمُشِيحِ
وَإِعْطَائِى عَلَى الْمَكْرُوهِ مَالِي ... وَضَرْبِي هَامَةَ الرَّجُلِ السَّمِيحِ
وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ ... مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي
قَالَ: هَذَا هُوَ الَّذِي ثَبَّتَنِي فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ.
وَالْعَجَبُ أَنَّ ابْنَ دِيزِيلَ رَوَى فِي كِتَابِهِ أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ حَمَلُوا حَمْلَةً وَاحِدَةً، فَلَمْ يَبْقَ لِأَهْلِ الشَّامِ صَفٌّ إِلَّا أَزَالُوهُ، حَتَّى أَفْضَوْا إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَدَعَا بِفَرَسِهِ لِيَنْجُوَ عَلَيْهِ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: فَلَمَّا وَضَعْتُ رِجْلِي فِي آلَةِ الرِّكَابِ تَمَثَّلْتُ بِأَبْيَاتِ عَمْرِو بْنِ الْإِطْنَابَةِ:
أَبَتْ لِي عِفَّتِي وَأَبَى بَلَائِي ... وَأَخْذِي الْحَمْدَ بِالثَّمَنِ الرَّبِيحِ
وَإِعْطَائِي عَلَى الْمَكْرُوهِ مَالِي ... وَضَرْبِي هَامَةَ الْبَطَلِ الْمُشِيحِ
وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ ... مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي
قَالَ: فَثَبَتُّ.
وَنَظَرَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَوْمَ صِفِّينَ، فَقَالَ: الْيَوْمَ صَبْرٌ وَغَدًا فَخْرٌ.
فَقَالَ لَهُ عَمْرُو: صَدَقْتَ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ: فَأَصَبْتُ خَيْرًا فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ أُصِيبَ خَيْرًا فِي الْآخِرَةِ.
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ.
وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ - وَهُوَ أَمِيرُ الْخَيَّالَةِ لِعَلِيٍّ - فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ وَلَكَ إِمْرَةُ الْعِرَاقِ.
فَطَمِعَ فِيهَا، فَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ الْعِرَاقَ لَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا.
ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا لَمَّا رَأَى الْمَيْمَنَةَ قَدِ اجْتَمَعَتْ، رَجَعَ إِلَى النَّاسِ فَأَنَّبَ بَعْضَهُمْ وَعَذَّرَ بَعْضَهُمْ وَحَرَّضَ النَّاسَ وَثَبَّتَهُمْ، ثُمَّ تَرَاجَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ فَاجْتَمَعَ شَمْلُهُمْ وَدَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ لَهُمْ وَجَالُوا فِي الشَّامِيِّينَ وَصَالُوا، وَتَبَارَزَ الشُّجْعَانُ فَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْيَانِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ - فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - مِنْهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنَ الشَّامِيِّينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَاتِلِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَنْ هُوَ؟ وَقَدْ ذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دِيزِيلَ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ لَمَّا خَرَجَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرًا عَلَى الْحَرْبِ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ، أَحْضَرَ امْرَأَتَيْهِ ; أَسْمَاءَ بِنْتَ عُطَارِدِ بْنِ حَاجِبٍ التَّمِيمِيِّ، وَبَحْرِيَّةَ بِنْتَ هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ الشَيْبَانَيِّ، فَوَقَفَتَا وَرَاءَهُ فِي رَاحِلَتَيْنِ لِتَنْظُرَا إِلَى قِتَالِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَقُوَّتِهِ، فَوَاجَهَتْهُ مِنْ جَيْشِ الْعِرَاقِيِّينَ رَبِيعَةُ الْكُوفَةِ وَعَلَيْهِمْ زِيَادُ بْنُ خَصَفَةَ التَّيْمِيُّ، فَشَدُّوا عَلَيْهِ شَدَّةً وَاحِدَةً، فَقَتَلُوهُ بَعْدَ مَا انْهَزَمَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَنَزَلَتْ رَبِيعَةُ فَضَرَبُوا لِأَمِيرِهِمْ خَيْمَةً، فَبَقِيَ مِنْهَا طُنُبٌ لَمْ يَجِدُوا لَهُ وَتَدًا فَشَدُّوهُ بِرِجْلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَجَاءَتِ امْرَأَتَاهُ تُوَلْوِلَانِ حَتَّى وَقَفَتَا عَلَيْهِ وَبَكَتَا عِنْدَهُ، وَشَفَعَتِ امْرَأَتُهُ بَحْرِيَّةُ إِلَى الْأَمِيرِ أَنْ يُطْلِقَهُ لَهَا فَأَطْلَقَهُ لَهَا فَاحْتَمَلَتَاهُ فِي هَوْدَجِهِمَا.
وَقُتِلَ مَعَهُ أَيْضًا ذُو الْكَلَاعِ الْحِمْيَرِيُّ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَفِي مَقْتَلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَقُولُ كَعْبُ بْنُ جُعَيْلٍ التَّغْلَبِيُّ:
أَلَا إِنَّمَا تَبْكِي الْعُيُونُ لِفَارِسٍ ... بِصِفِّينَ وَلَّتْ خَيْلُهُ وَهْوَ وَاقِفُ
تَبَدَّلَ مِنْ أَسْمَاءَ أَسْيَافَ وَائِلٍ
وَكَانَ فَتًى لَوْ أَخْطَأَتْهُ الْمَتَالِفُ ... تَرَكْنَ عُبَيْدَ اللَّهِ بِالْقَاعِ ثَاوِيًا
تَسِيلُ دَمَاهُ وَالْعُرُوقُ نَوَازِفُ ... يَنُوءُ وَيَغْشَاهُ شَآبِيبُ مِنْ دَمٍ
كَمَا لَاحَ مِنْ جَيْبِ الْقَمِيصِ الْكَفَائِفُ ... وَقَدْ صَبَرَتْ حَوْلَ ابْنِ عَمِّ مُحَمَّدٍ
لَدَى الْمَوْتِ أَرْبَابُ الْمَنَاقِبِ ... شَارِفُ فَمَا بَرَحُوا حَتَّى رَأَى اللَّهُ صَبْرَهُمْ
وَحَتَّى أُلِيِحَتْ بِالْأَكُفِّ الْمَصَاحِفُ
وَزَادَ غَيْرُهُ فِيهَا:
مُعَاوِيَ لَا تَنْهَضْ بِغَيْرِ وَثِيقَةٍ ... فَإِنَّكَ بَعْدَ الْيَوْمِ بِالذُّلِّ عَارِفُ
وَقَدْ أَجَابَهُ أَبُو جَهْمَةَ الْأَسْدِيُّ بِقَصِيدَةٍ فِيهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْهِجَاءِ تَرَكْنَاهَا قَصْدًا.
وَهَذَا مَقْتَلُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَتَلَهُ أَهْلُ الشَّامِ وَبَانَ بِذَلِكَ وَظَهَرَ سِرُّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ أَنَّهُ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا مُحِقٌّ وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ بَاغٍ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ.
ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِخْنَفٍ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَعْيَنَ الْجُهَنِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ عَمَّارًا قَالَ يَوْمَئِذٍ: أَيْنَ مَنْ يَبْتَغِي رِضْوَانَ اللَّهِ وَلَا يَلْوِي إِلَى مَالٍ وَلَا وَلَدٍ؟ قَالَ: فَأَتَتْهُ عِصَابَةٌ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، اقْصِدُوا بِنَا نَحْوَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ دَمَ عُثْمَانَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا، وَاللَّهِ مَا قَصْدُهُمُ الْأَخْذَ بِدَمِهِ وَلَا الْقِيَامَ بِثَأْرِهِ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ ذَاقُوا الدُّنْيَا فَاسْتَحْلَوْهَا وَاسْتَمْرَءُوهَا، وَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ إِذَا لَزِمَهُمْ حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَتَمَرَّغُونَ فِيهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَشَهَوَاتِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ سَابِقَةٌ فِي الْإِسْلَامِ يَسْتَحِقُّونَ بِهَا طَاعَةَ النَّاسِ لَهُمْ وَالْوِلَايَةَ عَلَيْهِمْ، وَلَا تَمَكَّنَتْ مِنْ قُلُوبِهِمْ خَشْيَةُ اللَّهِ الَّتِي تَمْنَعُ مَنْ تَمَكَّنَتْ مِنْ قَلْبِهِ عَنْ نَيْلِ الشَّهَوَاتِ، وَتَعْقِلُهُ عَنْ إِرَادَةِ الدُّنْيَا وَطَلَبِ الْعُلُوِّ فِيهَا، وَتَحْمِلُهُ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالْمَيْلِ إِلَى أَهْلِهِ، فَخَدَعُوا أَتْبَاعَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: إِمَامُنَا قُتِلَ مَظْلُومًا.
لِيَكُونُوا بِذَلِكَ جَبَابِرَةً مُلُوكًا، وَتِلْكَ مَكِيدَةٌ بَلَغُوا بِهَا مَا تَرَوْنَ، وَلَوْلَا هِيَ مَا تَبِعَهُمْ مِنَ النَّاسِ رَجُلَانِ، وَلَكَانُوا أَذَلَّ وَأَخَسَّ وَأَقَلَّ، وَلَكِنَّ قَوْلَ الْبَاطِلِ لَهُ حَلَاوَةٌ فِي أَسْمَاعِ الْغَافِلِينَ، فَسِيرُوا إِلَى اللَّهِ سَيْرًا جَمِيلًا، وَاذْكُرُوهُ ذِكْرًا كَثِيرًا.
ثُمَّ تَقَدَّمَ فَلَقِيَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
عُمَرَ فَلَامَهُمَا وَانْتَهَرَهُمَا وَوَعَظَهُمَا، وَذَكَرُوا مِنْ كَلَامِهِ لَهُمَا مَا فِيهِ غِلْظَةٌ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ عَمَّارًا يَوْمَ صِفِّينَ شَيْخًا كَبِيرًا آدَمَ طُوَالًا، آخِذٌ الْحَرْبَةَ بِيَدِهِ وَيَدُهُ تَرْعَدُ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ قَاتَلْتُ بِهَذِهِ الرَّايَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَهَذِهِ الرَّابِعَةُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ ضَرَبُونَا حَتَّى يَبْلُغُوا بِنَا شَعَفَاتِ هَجَرَ، لَعَرَفْتُ أَنَّ مُصْلِحِينَا عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ وَحَجَّاجٌ، حَدَّثَنِي شُعْبَةُ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ حَجَّاجٌ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتَ قِتَالَكُمْ رَأْيًا رَأَيْتُمُوهُ، فَإِنَّ الرَّأْيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، أَوْ عَهْدًا عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: مَا
عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً.
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَلَهُ تَمَامٌ عَنْ عَمَّارٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ فِي الْمُنَافِقِينَ.
وَهَذَا كَمَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَغَيْرِهِمَا، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ ; مِنْهُمُ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ، وَقَيْسُ بْنُ عُبَادٍ، وَأَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ شَرِيكٍ، وَأَبُو حَسَّانَ الْأَجْرَدُ، وَغَيْرُهُمْ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ؟ فَقَالَ: لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا فِي الْقُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ.
قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ فَإِذَا فِيهَا الْعَقْلُ وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَأَنَّ الْمَدِينَةَ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ.
وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ صِفِّينَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا الرَّأْيَ عَلَى الدِّينِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَقْدِرُ لَرَدَدْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمْرَهُ، وَوَاللَّهِ مَا حَمَلْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا مُنْذُ أَسْلَمْنَا لِأَمْرٍ يَقْطَعُنَا إِلَّا أَسْهَلَنْ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ، غَيْرِ أَمْرِنَا هَذَا، فَإِنَّا لَا نَسُدُّ مِنْهُ خَصْمًا إِلَّا انْفَتَحَ لَنَا غَيْرُهُ لَا نَدْرِي كَيْفَ نُبَالِي لَهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ يَوْمَ صِفِّينَ: ائْتُونِي بِشَرْبَةِ لَبَنٍ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «آخِرُ شَرْبَةٍ تَشْرَبُهَا مِنَ الدُّنْيَا شَرْبَةُ لَبَنٍ»
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، أَنَّ عَمَّارًا أُتِيَ بِشَرْبَةِ لَبَنٍ، فَضَحِكَ وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِي: «إِنَّ آخَرَ شَرَابٍ أَشْرَبُهُ لَبَنٌ حِينَ أَمُوتُ»
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دِيزِيلَ: ثَنَا يَحْيَى، ثَنَا نَصْرٌ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ شَمِرٍ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ عَلَيْهِمْ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ ابْنُ جَوْنٍ السَّكُونِيُّ، وَأَبُو الْغَادِيَةِ الْفَزَارِيُّ، فَأَمَّا أَبُو الْغَادِيَةِ فَطَعَنَهُ، وَأَمَّا ابْنُ جَوْنٍ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ.
وَقَدْ كَانَ ذُو الْكَلَاعِ سَمِعَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَآخَرُ شَرْبَةٍ تَشْرَبُهَا صَاعُ لَبَنٍ» . فَكَانَ ذُو الْكَلَاعِ يَقُولُ لِعَمْرٍو: وَيْحَكَ مَا هَذَا يَا عَمْرُو؟ فَيَقُولُ لَهُ عَمْرٌو: إِنَّهُ سَيَرْجِعُ إِلَيْنَا.
قَالَ: فَلَمَّا أُصِيبَ عَمَّارٌ بَعْدَ ذِي الْكَلَاعِ، قَالَ عَمْرٌو لِمُعَاوِيَةَ: مَا أَدْرِي بِقَتْلِ أَيِّهِمَا أَنَا أَشَدُّ فَرَحًا ; بِقَتْلِ عَمَّارٍ أَوْ ذِي الْكَلَاعِ، وَاللَّهِ لَوْ بَقِيَ ذُو الْكَلَاعِ حَتَّى يُقْتَلَ عَمَّارٌ لَمَالَ بِعَامَّةِ أَهْلِ الشَّامِ إِلَى عَلِيٍّ، وَلَأَفْسَدَ عَلَيْنَا جُنْدَنَا.
قَالَ: وَكَانَ لَا يَزَالُ يَجِيءُ رَجُلٌ فَيَقُولُ لِمُعَاوِيَةَ وَعَمْرٍو: أَنَا قَتَلْتُ عَمَّارًا.
فَيَقُولُ لَهُ عَمْرٌو: فَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ؟ فَيَخْلِطُونَ فِيمَا يُخْبِرُونَ، حَتَّى جَاءَ ابْنُ جَوْنٍ فَقَالَ: أَنَا سَمِعْتُهُ
يَقُولُ:
الْيَوْمَ أَلْقَى الْأَحِبَّةْ ... مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ
فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: صَدَقْتَ أَنْتَ، إِنَّكَ صَاحِبُهُ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ: رُوَيْدًا، أَمَا وَاللَّهِ مَا ظَفِرْتَ بِذَاكَ، وَلَقَدْ أَسَخَطْتَ رَبَّكَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ دِيزِيلَ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُوسُفَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِعَمَّارٍ: «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» .
وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ أَرْسَلُوهُ ; مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ، وَمُجَاهِدٌ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَحَبَّةُ الْعُرَنِيُّ، وَسَاقَهَ مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا.
وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شَمِرٍ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: " «مَا خُيِّرَ عَمَّارٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَرْشَدَهُمَا» ". وَبِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شَمِرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ
الْأَوْسَطِ، قَالَ: اخْتَصَمَ رَجُلَانِ فِي سَلَبِ عَمَّارٍ وَفِي قَتْلِهِ، فَأَتَيَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِيَتَحَاكَمَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا: وَيْحَكُمَا، اخْرُجَا عَنِّي، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «وَلِعَتْ قُرَيْشٌ بِعَمَّارٍ، مَا لَهُمْ وَلِعَمَّارٍ؟ عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ، قَاتِلُهُ وَسَالِبُهُ فِي النَّارِ» . قَالَ: فَبَلَغَنِي أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّمَا قَتَلَهُ مَنْ أَخْرَجَهُ.
يَخْدَعُ بِذَلِكَ أَهْلَ الشَّامِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، ثَنَا عِيسَى بْنُ عُمَرَ، ثَنَا هُشَيْمٌ، ثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ - وَكَانَ يَأْتِي مِنْ عِنْدِ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ - قَالَ: بَيْنَا هُوَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي قَتْلِ عَمَّارٍ، فَقَالَ لَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: لِيَطِبْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا نَفْسًا لِصَاحِبِهِ بِقَتْلِ عَمَّارٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» . فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَمْرٍو: أَلَا تَنْهَى عَنَّا مَجْنُونَكَ هَذَا؟ ثُمَّ أَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: فَلِمَ تُقَاتِلُ مَعَنَا؟ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَرَنِي بِطَاعَةِ وَالِدِي مَا كَانَ حَيًّا، وَأَنَا مَعَكُمْ وَلَسْتُ أُقَاتِلُ.
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى، ثَنَا نَصْرٌ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ عِمْرَانَ الْبُرْجُمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ لِأَبِيهِ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَرَنِي بِطَاعَتِكَ مَا سِرْتُ مَعَكَ هَذَا الْمَسِيرَ، أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» ؟
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: جَاءَ قَاتِلُ عَمَّارٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: أَمَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ عَمْرٌو؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: صَدَقَ إِنَّمَا قَتَلَهُ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ بِصِفِّينَ وَكُنَّا قَدْ وَكَّلْنَا بِفَرَسِهِ نَفْسَيْنِ يَحْفَظَانِهِ وَيَمْنَعَانِهِ أَنْ يَحْمِلَ، فَكَانَ إِذَا حَانَتْ مِنْهُمَا غَفْلَةٌ، حَمَلَ فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يَخْضِبَ سَيْفَهُ، وَإِنَّهُ حَمَلَ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى انْثَنَى سَيْفُهُ، فَأَلْقَاهُ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّهُ انْثَنَى مَا رَجَعْتُ.
قَالَ: وَرَأَيْتُ عَمَّارًا لَا يَأْخُذُ وَادِيًا مِنْ أَوْدِيَةِ صِفِّينَ إِلَّا اتَّبَعَهُ مَنْ كَانَ هُنَاكَ مِنْ
أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَأَيْتُهُ جَاءَ إِلَى الْمِرْقَالِ، هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ، وَهُوَ صَاحِبُ رَايَةِ عَلِيٍّ، فَقَالَ: يَا هَاشِمُ تَقَدَّمَ، الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ، وَالْمَوْتُ فِي أَطْرَافِ الْأَسَلِ، وَقَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتَزَيَّنَتِ الْحَوَرُ الْعَيْنُ: الْيَوْمَ أَلْقَى الْأَحِبَّةْ مَحُمَّدًا وَحِزْبَهْ ثُمَّ حَمَلَا هُوَ وَهَاشِمٌ فَقُتِلَا، رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: وَحَمَلَ حِينَئِذٍ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ كَأَنَّهُمَا كَانَا - يَعْنِي عَمَّارًا وَهَاشِمًا - عَلَمًا لَهُمْ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ قُلْتُ: لَأَدْخُلَنَّ اللَّيْلَةَ إِلَى عَسْكَرِ الشَّامِيِّينَ حَتَّى أَعْلَمَ هَلْ بَلَغَ مِنْهُمْ قَتْلُ عَمَّارٍ مَا بَلَغَ مِنَّا؟ وَكُنَّا إِذَا تَوَادَعْنَا مِنَ الْقِتَالِ تَحَدَّثُوا إِلَيْنَا وَتَحَدَّثْنَا إِلَيْهِمْ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَقَدْ هَدَأَتِ الرِّجْلُ، ثُمَّ دَخَلْتُ عَسْكَرَهُمْ فَإِذَا أَنَا بِأَرْبَعَةٍ يَتَسَامَرُونَ ; مُعَاوِيَةُ، وَأَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو - وَهُوَ خَيْرُ الْأَرْبَعَةِ - فَأَدْخَلْتُ فَرَسِي بَيْنَهُمْ مَخَافَةَ أَنْ يَفُوتَنِي مَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ قَتَلْتُمْ هَذَا الرَّجُلَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا، وَقَدْ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا قَالَ! قَالَ: وَمَا قَالَ؟ قَالَ:
أَلَمْ تَكُنْ مَعَنَا وَنَحْنُ نَبْنِي الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ يَنْقُلُونَ حَجَرًا حَجَرًا، وَلَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ يَنْقُلُ حَجَرَيْنِ حَجَرَيْنِ، وَلَبِنَتَيْنِ لِبِنْتَيْنِ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: " وَيْحَكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ، النَّاسُ يَنْقُلُونَ حَجَرًا حَجَرًا، وَلَبِنَةً لَبِنَةً، وَأَنْتَ تَنْقُلُ حَجَرَيْنِ حَجَرَيْنِ، وَلَبِنَتَيْنِ لِبِنْتَيْنِ ; رَغْبَةً مِنْكَ فِي الْأَجْرِ! وَأَنْتَ وَيْحَكَ مَعَ ذَلِكَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ "؟ قَالَ: فَدَفَعَ عَمْرٌو صَدْرَ فَرَسِهِ، ثُمَّ جَذَبَ مُعَاوِيَةَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ، أَمَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ؟ قَالَ: وَمَا يَقُولُ؟ فَأَخْبَرُهُ الْخَبَرَ.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّكَ شَيْخٌ أَخْرَقُ، وَلَا تَزَالُ تُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ، وَأَنْتَ تَدْحَضُ فِي بَوْلِكَ، أَوَنَحْنُ قَتَلْنَا عَمَّارًا؟ إِنَّمَا قَتَلَ عَمَّارًا مَنْ جَاءَ بِهِ.
قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ مِنْ عِنْدِ فَسَاطِيطِهِمْ وَأَخْبِيَتِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّمَا قَتَلَ عَمَّارًا مَنْ جَاءَ بِهِ.
فَلَا أَدْرَى مَنْ كَانَ أَعْجَبُ هُوَ أَوْ هُمْ؟
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِعَمَّارٍ: «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» .
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
دِينَارٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِعَمَّارٍ: «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» .
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: إِنِّي لَأَسِيرُ مَعَ مُعَاوِيَةَ مُنْصَرَفَهُ مِنْ صِفِّينَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: يَا أَبَتِ، أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ لِعَمَّارٍ: «وَيْحَكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ، تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» ؟ فَقَالَ عَمْرٌو لِمُعَاوِيَةَ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ هَذَا؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا يَزَالُ يَأْتِينَا بِهَنَةٍ، أَنْحَنُ قَتَلْنَاهُ؟ إِنَّمَا قَتَلَهُ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِ.
ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ نَحْوَهُ.
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ بِهَذَا السِّيَاقِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي سَلَكَهُ مُعَاوِيَةُ بَعِيدٌ، ثُمَّ لَمْ يَنْفَرِدْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بِهَذَا الْحَدِيثِ، بَلْ قَدْ رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ ; فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ "،
مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِعَمَّارٍ: «يَا وَيْحَ عَمَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ» . وَفِي الْفِتَنِ مِنْ صَحِيحِهِ أَيْضًا: «يَا وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ» .
وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي - يَعْنِي أَبَا قَتَادَةُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِعَمَّارٍ: «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» .
وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي - يَعْنِي قَتَادَةَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِعَمَّارٍ: «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» .
وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: " وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ ".
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَبِي الْجَوَّابِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ زُرَيْقٍ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِذَا اخْتَلَفِ النَّاسُ كَانَ ابْنُ سُمَيَّةَ مَعَ الْحَقِّ» .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دِيزِيلَ فِي " سِيرَةِ عَلِيٍّ ": ثَنَا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْكَرَابِيسِيُّ، ثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ زُرَيْقٍ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَّنَنَا أَنْ يَظْلِمَنَا وَلَمْ يُؤَمِّنَّا أَنْ يَفْتِنَنَا، أَرَأَيْتَ إِذَا نَزَلَتْ فِتْنَةٌ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: عَلَيْكَ بِكِتَابِ اللَّهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ قَوْمٌ كُلُّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ كَانَ ابْنُ سُمَيَّةَ مَعَ الْحَقِّ» .
وَرَوَى ابْنُ دِيزِيلَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ نَفْسِهِ حَدِيثًا فِي ذِكْرِ عَمَّارٍ وَأَنَّهُ مَعَ فِرْقَةِ الْحَقِّ، وَإِسْنَادُهُ غَرِيبٌ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ
عُبَيْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، ثَنَا الْأَسْفَاطِيُّ، ثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، ثَنَا يُوسُفُ الْمَاجِشُونُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنْ مَوْلَاةٍ لِعَمَّارٍ، قَالَتْ: «اشْتَكَى عَمَّارٌ شَكْوَى أَرِقَ مِنْهَا فَغُشِيَ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ وَنَحْنُ نَبْكِي حَوْلَهُ، فَقَالَ: مَا تَبْكُونَ، أَتَخْشَوْنَ أَنْ أَمُوتَ عَلَى فِرَاشِي؟ أَخْبَرَنِي حَبِيبِي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ تَقْتُلُنِي الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَأَنَّ آخِرَ زَادِي مِنَ الدُّنْيَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ» .
وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَجَعَلْنَا نَنْقُلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَكَانَ عَمَّارٌ يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَتَتَرَّبَ رَأْسُهُ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَصْحَابِي، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ جَعَلَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: «وَيْحَكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ، تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.
وَمَا زَادَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا أَنَالَهَا اللَّهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
فَهُوَ كَذِبٌ وَبَهْتٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَتِ الْأَحَادِيثُ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ
عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، بِتَسْمِيَةِ الْفَرِيقَيْنِ مُسْلِمِينَ، كَمَا سَنُورِدُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ عَمَّارًا لَمَّا قُتِلَ قَالَ عَلِيٌّ لِرَبِيعَةَ وَهَمْدَانَ: أَنْتُمْ دِرْعِي وَرُمْحِي.
فَانْتُدِبَ لَهُ نَحْوٌ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَتَقَدَّمَهُمْ عَلَى بَغْلَتِهِ فَحَمَلَ وَحَمَلُوا مَعَهُ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَبْقَ لِأَهْلِ الشَّامِ صَفٌّ إِلَّا انْتَقَضَ، وَقَتَلُوا كُلَّ مَنِ انْتَهَوْا إِلَيْهِ، حَتَّى بَلَغُوا مُعَاوِيَةَ، وَعَلِيٌّ يُقَاتِلُ وَيَقُولُ:
أَضْرِبُهُمْ وَلَا أَرَى مُعَاوِيَةْ ... الْجَاحِظَ الْعَيْنِ الْعَظِيمَ الْحَاوِيَةْ
قَالَ ثُمَّ دَعَا عَلِىٌّ مُعَاوِيَةَ إِلَى أَنْ يُبَارِزَهُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَنْ يَبْرُزَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُبَارِزْهُ رَجُلٌ قَطُّ إِلَّا قَتَلَهُ، وَلَكِنَّكَ طَمِعْتَ فِيهَا بَعْدِي.
ثُمَّ قَدَّمَ عَلِيٌّ ابْنَهُ مُحَمَّدًا فِي عِصَابَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ أَتْبَعَهُ عَلِيٌّ فِي عِصَابَةٍ أُخْرَى فَحَمَلَ بِهِمْ، فَقَتَلَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ خَلْقًا كَثِيرًا أَيْضًا، وَقُتِلَ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ أَيْضًا، وَطَارَتْ أَكُفٌّ وَمَعَاصِمُ وَرُءُوسٌ عَنْ كَوَاهِلِهَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - ثُمَّ حَانَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ، فَمَا صَلَّى بِالنَّاسِ إِلَّا إِيمَاءً ; صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ، وَاسْتَمَرَّ الْقِتَالُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ كُلِّهَا
وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ اللَّيَالِي شَرًّا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتُسَمَّى هَذِهِ اللَّيْلَةُ لَيْلَةَ الْهَرِيرِ.
وَكَانَتْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ تَقَصَّفَتْ فِيهَا الرِّمَاحُ وَنَفَدَتِ النِّبَالُ، وَصَارَ النَّاسُ إِلَى السُّيُوفِ وَعَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحَرِّضُ الْقَبَائِلَ، وَيَتَقَدَّمُ إِلَيْهِمْ، يَأْمُرُ بِالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَهُوَ أَمَامَ النَّاسِ فِي قَلْبِ الْجَيْشِ، وَعَلَى الْمَيْمَنَةِ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ، تَوَلَّاهَا بَعْدَ قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَذَلِكَ لَمَّا قُتِلَ عَمَّارٌ، عَرَفَ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ بُغَاةٌ لَيْسَ مَعَهُمْ حَقٌّ.
وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السِّيَرِ، أَنَّهُمُ اقْتَتَلُوا بِالرِّمَاحِ حَتَّى تَقَصَّفَتْ، وَبِالنِّبَالِ حَتَّى فَنِيَتْ، وَبِالسُّيُوفِ حَتَّى تَحَطَّمَتْ، ثُمَّ صَارُوا إِلَى أَنْ تَقَاتَلُوا بِالْأَيْدِي، وَالرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ، وَالتُّرَابِ يَعْفِرُونَهُ فِي الْوُجُوهِ، ثُمَّ تَعَاضُّوا بِالْأَسْنَانِ، فَكَانَ يَقْتَتِلُ الرَّجُلَانِ حَتَّى يُثْخِنَا ثُمَّ يَجْلِسَانِ يَسْتَرِيحَانِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَهْمِزُ عَلَى الْآخَرِ وَيَهِرُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُومَانِ فَيَقْتَتِلَانِ كَمَا كَانَا،
لَا يُمَكِّنُ أَحَدُهُمَا الْفِرَارَ مِنَ الْآخَرِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُمْ حَتَّى أَصْبَحَ النَّاسُ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَهُمْ كَذَلِكَ، وَصَلَّى النَّاسُ الصُّبْحَ إِيمَاءً وَهُمْ فِي الْقِتَالِ حَتَّى تَضَاحَى النَّهَارُ وَأَقْبَلَ النَّصْرُ، وَتُوَجَّهَ النَّصْرُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ صَارَتْ إِلَيْهِ إِمْرَةُ الْمَيْمَنَةِ - وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْأَبْطَالِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْحُرُوبَ وَلَا يَهَابُونَ الْقَتْلَ - فَحَمَلَ بِمَنْ فِيهَا عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، وَتَبِعَهُ عَلِيٌّ فَانْفَضَّتْ غَالِبُ صُفُوفِ أَهْلِ الشَّامِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْهَزِيمَةُ وَالْكَسْرَةُ وَالْفِرَارُ.
[ذِكْرُ رَفْعِ أَهْلِ الشَّامِ الْمَصَاحِفَ مَكْرًا مِنْهُمْ بِأَهْلِ الْعِرَاقِ وَخَدِيعَةً]
فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَ أَهْلُ الشَّامِ الْمَصَاحِفَ فَوْقَ الرِّمَاحِ، وَقَالُوا: هَذَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، قَدْ فَنِيَ النَّاسُ فَمَنْ لِلثِّغُورِ؟ وَمَنْ لِجِهَادِ الْمُشْرِكِينَ وَالْكُفَّارِ؟ وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ التَّارِيخِ، أَنَّ الَّذِي أَشَارَ بِرَفْعِ الْمَصَاحِفِ هُوَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَذَلِكَ لَمَّا رَأَى أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَدْ ظَهَرُوا وَانْتَصَرُوا، أَحَبَّ أَنْ يَنْفَصِلَ الْحَالُ، وَأَنْ يَتَأَخَّرَ الْأَمْرُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ صَابِرٌ لِلْآخَرِ، وَالنَّاسُ
يَتَفَانَوْنَ، فَقَالَ لِمُعَاوِيَةَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَمْرًا لَا يَزِيدُنَا إِلَّا اجْتِمَاعًا، وَلَا يَزِيدُ أَهْلَ الْعِرَاقِ إِلَّا تَفَرُّقًا وَاخْتِلَافًا، أَرَى أَنْ نَرْفَعَ الْمَصَاحِفَ وَنَدْعُوَهُمْ إِلَيْهَا، فَإِنْ أَجَابُوا كُلُّهُمْ إِلَى ذَلِكَ بَرَدَ الْقِتَالُ هَذِهِ السَّاعَةَ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ - بِأَنْ يَقُولَ بَعْضُهُمْ: نُجِيبُهُمْ.
وَبَعْضُهُمْ: لَا نُجِيبُهُمْ.
فَشِلُوا وَذَهَبَتْ رِيحُهُمْ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سِياهٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ فِي مَسْجِدِ أَهْلِهِ أَسْأَلُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ بِالنَّهْرَوَانِ، فِيمَ اسْتَجَابُوا لَهُ وَفِيمَ فَارَقُوهُ، وَفِيمَ اسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ؟ فَقَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ، فَلَمَّا اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ بِأَهْلِ الشَّامِ اعْتَصَمُوا بِتَلٍّ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ: أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ بِمُصْحَفٍ فَادْعُهُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَنْ يَأْبَى عَلَيْكَ.
فَجَاءَ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: 23] فَقَالَ عَلِيٌّ: نَعَمْ، أَنَا أَوْلَى بِذَلِكَ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ.
قَالَ فَجَاءَتْهُ الْخَوَارِجُ - وَنَحْنُ نَدْعُوهُمْ يَوْمَئِذٍ الْقُرَّاءَ - وَسُيُوفُهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَنْتَظِرُ بِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ
عَلَى التَّلِّ، أَلَا نَمْشِيَ إِلَيْهِمْ بِسُيُوفِنَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَتَكَلَّمَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهَمُوا أَنْفُسَكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ - يَوْمَ الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ - وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ.
فَلَمَّا رُفِعَتِ الْمَصَاحِفُ، قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: نُجِيبُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَنُنِيبُ إِلَيْهِ.
قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُنْدُبٍ الْأَزْدِيُّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: عِبَادَ اللَّهِ، امْضُوا إِلَى حَقِّكُمْ وَصِدْقِكُمْ وَقِتَالِ عَدُوِّكُمْ ; فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَابْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَحَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ وَابْنَ أَبِي سَرْحٍ وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، لَيْسُوا بِأَصْحَابِ دِينٍ وَلَا قُرْآنٍ، أَنَا أَعْرَفُ بِهِمْ مِنْكُمْ، وَقَدْ صَحِبْتُهُمْ أَطْفَالًا، وَصَحِبْتُهُمْ رِجَالًا، فَكَانُوا شَرَّ أَطْفَالٍ، وَشَرَّ رِجَالٍ، وَيْحَكُمُ! وَاللَّهِ إِنَّهُمْ مَا رَفَعُوهَا رَفْعَ مَنْ يَقْرَأُهَا وَيَعْمَلُ بِمَا فِيهَا وَإِنَّمَا رَفَعُوهَا خَدِيعَةً
وَدَهَاءً وَمَكِيدَةً وَمَكْرًا وَتَخْذِيلًا لَكُمْ، وَكَسْرًا لِحِدَّتِكُمْ وَقِتَالِكُمْ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا هَزِيمَتُهُمْ وَفِرَارُهُمْ وَنَصْرُكُمْ عَلَيْهِمْ.
فَقَالُوا لَهُ: مَا يَسَعُنَا أَنْ نُدْعَى إِلَى كِتَابِ اللَّهِ فَنَأْبَى أَنْ نَقْبَلَهُ وَنُجِيبَ إِلَيْهِ.
فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي إِنَّمَا أُقَاتِلُهُمْ لِيَدِينُوا بِحُكْمِ الْكِتَابِ ; فَإِنَّهُمْ قَدْ عَصَوُا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَتَرَكُوا عَهْدَهُ، وَنَبَذُوا كِتَابَهُ.
فَقَالَ لَهُ مِسْعَرُ بْنُ فَدَكِيٍّ التَّمِيمِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ حِصْنٍ الطَّائِيُّ ثُمَّ السِّنْبِسِيُّ فِي عِصَابَةٍ مَعَهُمَا مِنَ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ صَارُوا بَعْدَ ذَلِكَ خَوَارِجَ: يَا عَلِيُّ أَجِبْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ إِذْ دُعِيتَ إِلَيْهِ وَإِلَّا دَفَعْنَاكَ بَرُمَّتِكَ إِلَى الْقَوْمِ، أَوْ نَفْعَلُ بِكَ مَا فَعَلْنَا بِابْنِ عَفَّانَ، إِنَّهُ لَمَّا تَرَكَ الْعَمَلَ بِكِتَابِ اللَّهِ قَتَلْنَاهُ، وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّهَا أَوْ لَنَفْعَلَنَّهَا بِكَ.
قَالَ: فَاحْفَظُوا عَنِّي نَهْيِي إِيَّاكُمْ وَاحْفَظُوا مَقَالَتَكُمْ لِي، أَمَّا أَنَا فَإِنْ تُطِيعُونِي فَقَاتِلُوا، وَإِنْ تَعْصُونِي فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ.
قَالُوا: فَابْعَثْ إِلَى الْأَشْتَرِ فَلْيَأْتِكَ وَيَكُفَّ عَنِ الْقِتَالِ.
فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ لِيَكُفَّ عَنِ الْقِتَالِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الْخَوَارِجِ، فَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْتَشِرِ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ مَنْ شَهِدَ صِفِّينَ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ رُءُوسِ الْخَوَارِجِ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَى كَذِبٍ، أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ كَرِهَ ذَلِكَ وَأَبَى،
وَقَالَ فِي عَلِيٍّ بَعْضَ مَا أَكْرَهُ ذِكْرَهُ، ثُمَّ قَالَ عَمَّارٌ: مَنْ رَائِحٌ إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَبْتَغِيَ غَيْرَ اللَّهِ حَكَمًا؟ فَحَمَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَكَانَ مِمَّنْ دَعَا إِلَى ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ سَادَاتِ الشَّامِيِّينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ; قَامَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْمُوَادَعَةِ وَالْكَفِّ وَتَرْكِ الْقِتَالَ وَالِائْتِمَارِ بِمَا فِي الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ عَنْ أَمْرِ مُعَاوِيَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَكَانَ مِمَّنْ أَشَارَ عَلَى عَلِيٍّ بِالْقَبُولِ وَالدُّخُولِ فِي ذَلِكَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَرَوَى أَبُو مِخْنَفٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا بَعَثَ إِلَى الْأَشْتَرِ قَالَ: قُلْ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ سَاعَةٌ لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تُزِيلَنِي عَنْ مَوْقِفِي فِيهَا، إِنِّي قَدْ رَجَوْتُ أَنْ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيَّ فَلَا تُعْجِلْنِي.
فَرَجَعَ الرَّسُولُ - وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ هَانِئٍ - إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ الْأَشْتَرُ، وَصَمَّمَ الْأَشْتَرُ عَلَى الْقِتَالِ لِيَنْتَهِزَ الْفُرْصَةَ، فَارْتَفَعَ الْهَرْجُ وَعَلَتِ الْأَصْوَاتُ، فَقَالَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ لِعَلِيٍّ: وَاللَّهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا أَمَرْتَهُ أَنْ يُقَاتِلَ.
فَقَالَ عَلِيٌّ: أَرَأَيْتُمُونِي سَارَرْتُ الرَّسُولَ، أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْهِ جَهْرَةً وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ؟ فَقَالُوا: فَابْعَثْ إِلَيْهِ فَلْيَأْتِكَ وَإِلَّا وَاللَّهِ اعْتَزَلْنَاكَ.
فَقَالَ عَلِيٌّ لِيَزِيدَ بْنِ هَانِئٍ: وَيْحَكَ! قُلْ لَهُ: أَقْبِلْ إِلَيَّ فَإِنَّ الْفِتْنَةَ قَدْ وَقَعَتْ.
فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ هَانِئٍ وَأَبْلَغَهُ مَا قَالَ عَلِيٌّ أَنَّهُ يُقْبِلُ إِلَيْهِ، جَعَلَ
الْأَشْتَرُ يَتَمَلْمَلُ وَيَقُولُ: وَيْحَكَ! أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّصْرِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَلِيلُ؟ فَقُلْتُ: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ ; أَنْ تَرْجِعَ أَوْ يَقْتَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قُتِلَ عُثْمَانُ؟ ثُمَّ مَاذَا تُغْنِي عَنْكَ نَصْرَتُكُ هَاهُنَا؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ الْأَشْتَرُ إِلَى عَلِيٍّ وَتَرَكَ الْقِتَالَ، فَقَالَ الْأَشْتَرُ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، يَا أَهْلَ الذُّلِّ وَالْوَهْنِ، أَحِينَ عَلَوْتُمُ الْقَوْمَ، وَظَهَرْتُمْ وَظَنُّوا أَنَّكُمْ لَهُمْ قَاهِرُونَ ; رَفَعُوا الْمَصَاحِفَ يَدْعُونَكُمْ إِلَى مَا فِيهَا، وَقَدْ وَاللَّهِ تَرَكُوا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِيهَا، وَسُنَّةَ مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، فَلَا تُجِيبُوهُمْ، أَمْهِلُونِي فَإِنِّي قَدْ أَحْسَسْتُ بِالْفَتْحِ.
قَالُوا: لَا.
قَالَ: أَمْهِلُونِي عَدْوَ الْفَرَسِ فَإِنِّي قَدْ طَمِعْتُ فِي النَّصْرِ.
قَالُوا: إِذًا نَدْخُلُ مَعَكَ فِي خَطِيئَتِكَ.
ثُمَّ أَخَذَ الْأَشْتَرُ يُنَاظِرُ أُولَئِكَ الْقُرَّاءَ الدَّاعِينَ إِلَى إِجَابَةِ أَهْلِ الشَّامِ بِمَا حَاصِلُهُ: إِنْ كَانَ أَوَّلُ قِتَالِكُمْ لِهَؤُلَاءِ حَقًّا فَاسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَاشْهَدُوا لِقَتْلَاكُمْ بِالنَّارِ.
فَقَالُوا: دَعْنَا مِنْكَ فَإِنَّا لَا نُطِيعُكَ وَلَا صَاحِبَكَ أَبَدًا، وَنَحْنُ قَاتَلْنَا هَؤُلَاءِ فِي اللَّهِ وَتَرَكْنَا قِتَالَهُمْ لِلَّهِ.
فَقَالَ لَهُمُ الْأَشْتَرُ: خُدِعْتُمْ وَاللَّهِ فَانْخَدَعْتُمْ، وَدُعِيتُمْ إِلَى وَضْعِ الْحَرْبِ فَأَجَبْتُمْ يَا أَصْحَابَ السُّوءِ، كُنَّا نَظُنُّ صَلَاتَكُمْ زَهَادَةً فِي
الدُّنْيَا وَشَوْقًا إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ، فَلَا أَرَى فِرَارَكُمْ إِلَّا إِلَى الدُّنْيَا مِنَ الْمَوْتِ، يَا أَشْبَاهَ النِّيبِ الْجَلَّالَةِ، مَا أَنْتُمْ بِرَبَّانِيِّينَ بَعْدَهَا، فَابْعُدُوا كَمَا بَعِدَ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ.
فَسَبُّوهُ وَسَبَّهُمْ فَضَرَبُوا وَجْهَ دَابَّتِهِ بِسِيَاطِهِمْ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ أُمُورٌ طَوِيلَةٌ، وَرَغِبَ أَكْثَرُ النَّاسِ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ بِكَمَالِهِمْ إِلَى الْمُصَالَحَةِ وَالْمُسَالَمَةِ مُدَّةً لَعَلَّهُمْ يَتَّفِقُونَ عَلَى أَمْرٍ يَكُونُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِحَقْنِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَفَانَوْا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَلَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ الْمُتَأَخِّرَةِ الَّتِي كَانَ آخِرُهَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةُ، وَهِيَ لَيْلَةُ الْهَرِيرِ.
وَقَدْ صَبَرَ كُلٌّ مِنَ الْجَيْشَيْنِ لِلْآخَرِ صَبْرًا لَمْ يُرَ مِثْلَهُ لِمَا كَانَ فِيهِمْ مِنَ الشُّجْعَانِ وَالْأَبْطَالِ مَا لَيْسَ يُوجَدُ مِثْلُهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلِهَذَا لَمْ يَفِرَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ بَلْ صَبَرُوا حَتَّى قُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ - فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ - سَبْعُونَ أَلْفًا ; خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ; مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَسَيْفٌ وَغَيْرُهُ.
وَزَادَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ: وَكَانَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ
بَدْرِيًّا.
قَالَ: وَكَانَ بَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ تِسْعُونَ زَحْفًا.
وَاخْتَلَفَا فِي مُدَّةِ الْمُقَامِ بِصِفِّينَ ; فَقَالَ سَيْفٌ: سَبْعَةُ أَشْهُرٍ أَوْ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ: مِائَةٌ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ.
قُلْتُ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ أَبِي مِخْنَفٍ أَنَّهُ كَانَ مِنْ مُسْتَهَلِّ ذِي الْحِجَّةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ صَفَرٍ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ يَوْمًا.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُدْفَنُ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ خَمْسُونَ نَفْسًا.
هَذَا كُلُّهُ مُلَخَّصٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ جَرِيرٍ، وَابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " الْمُنْتَظَمِ ".
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ أَهْلُ الشَّامِ سِتِّينَ أَلْفًا فَقُتِلَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَكَانَ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِائَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا فَقُتِلَ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ أَلْفًا.
وَحَمَلَ الْبَيْهَقِيُّ هَذِهِ الْوَقْعَةَ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ يُقْتَلُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ وَدَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ» . وَرَوَاهُ مُجَالِدٌ، عَنْ أَبِي الْحَوَارِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ دَعَوَاهُمَا وَاحِدَةٌ ; فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ مَرَقَتْ مِنْهُمَا مَارِقَةٌ تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ» . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ وَإِسْحَاقَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ نَاجِيَةَ الْكَاهِلِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «إِنَّ رَحَى الْإِسْلَامِ سَتَزُولُ لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ يَهْلَكُوا فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ، وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا.
فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِمَّا مَضَى أَمْ مِمَّا بَقِيَ؟