[الْمُدَّثِّرِ: 8 - 10] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55] . وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: 17]
[نُوحٍ: 17، 18] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ رِيحًا فِيهَا صِرٌّ بَارِدَةً، وَزَمْهَرِيرًا بَارِدًا; فَلَا تَذَرُ عَلَى الْأَرْضِ مُؤْمِنًا إِلَّا كُفِتَ بِتِلْكَ الرِّيحِ، ثُمَّ تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى النَّاسِ، فَيَقُومُ مَلَكٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِالصُّورِ، فَيَنْفُخُ فِيهِ، فَلَا يَبْقَى خَلْقٌ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ يَكُونُ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ مَاءً مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، فَتَنْبُتُ جُسْمَانُهُمْ وَلُحْمَانُهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، كَمَا تَنْبُتُ الْأَرْضُ مِنَ الثَّرَى، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: 9] . ثُمَّ يَقُومُ مَلَكٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِالصُّورِ، فَيَنْفُخُ فِيهِ، فَتَنْطَلِقُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَى جَسَدِهَا، فَتَدْخُلُ فِيهِ، وَيَقُومُونَ، فَيَجِيئُونَ قِيَامًا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: يَبْلَوْنَ فِي الْقُبُورِ، فَإِذَا سَمِعُوا الصَّرْخَةَ عَادَتِ الْأَرْوَاحُ فِي الْأَبْدَانِ، وَالْمَفَاصِلُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَإِذَا سَمِعُوا النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ وَثَبَ الْقَوْمُ قِيَامًا عَلَى أَرْجُلِهِمْ، يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ، يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ.
[ذِكْرُ أَحَادِيثَ فِي الْبَعْثِ]
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا فِيهَا صِرٌّ بَارِدَةً، وَزَمْهَرِيرًا بَارِدَةً، فَلَا يَبْقَى عَلَى الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ إِلَّا كُفِتَ بِتِلْكَ الرِّيحِ، ثُمَّ تَقُومُ السَّاعَةُ.
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَقَالِ قَبْلَهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ، «عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: " يَا أَبَا رَزِينٍ، أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي أَهْلِكَ مَحْلًا، ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُ خَضِرًا؟ ". قُلْتُ: بَلَى.
قَالَ: " فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى، وَذَلِكَ آيَتُهُ فِي خَلْقِهِ» ". وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَغُنْدَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، بِهِ، نَحْوَهُ أَوْ مِثْلَهُ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، «عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؟ قَالَ: " أَمَرَرْتَ بِأَرْضٍ مِنْ أَرْضِكَ مُجْدِبَةٍ، ثُمَّ مَرَرْتَ بِهَا مُخْصِبَةً؟ " قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: " كَذَلِكَ النُّشُورُ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: " أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ تُحْرَقَ بِالنَّارِ أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ، وَأَنْ تُحِبَّ غَيْرَ ذِي نَسَبٍ لَا تُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَ حُبُّ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِكَ، كَمَا دَخَلَ حُبُّ الْمَاءِ قَلْبَ الظَّمْآنِ فِي الْيَوْمِ الْقَائِظِ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِي بِأَنْ أَعْلَمَ أَنِّي مُؤْمِنٌ؟ قَالَ: " مَا مِنْ أُمَّتِي، أَوْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَبْدٌ يَعْمَلُ حَسَنَةً، فَيَعْلَمُ أَنَّهَا حَسَنَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَازِيهِ بِهَا خَيْرًا، وَلَا يَعْمَلُ سَيِّئَةً، فَيَعْلَمُ أَنَّهَا سَيِّئَةٌ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهَا، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ إِلَّا هُوَ - إِلَّا وَهُوَ مِؤْمِنٌ» ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.
[حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ فِي الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ]
أَخْبَرَنَا شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمِزِّيُّ - تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ - وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمَشَايِخِ، قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ، وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا فَخْرُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْبُخَارِيِّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا حَنْبَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُكَبِّرُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحُصَيْنِ الشَّيْبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ؟ ابْنُ الْمُذْهِبِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي " مُسْنَدِ أَبِيهِ "، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ: كَتَبْتُ إِلَيْكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ عَرَضْتُهُ، وَسَمِعْتُهُ عَلَى مَا كَتَبْتُ بِهِ إِلَيْكَ، فَحَدِّثْ بِذَلِكَ عَنِّي.
قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْحِزَامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَيَّاشٍ السَّمَعِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْقُبَائِيُّ - مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنْ دَلْهَمِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَاجِبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ الْعُقَيْلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ دَلْهَمٌ: وَحَدَّثَنِيهِ أَبِي الْأَسْوَدُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطٍ - «أَنَّ لَقِيطًا خَرَجَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ، يُقَالُ لَهُ: نَهِيكُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ، قَالَ لَقِيطٌ: فَخَرَجْتُ أَنَا وَصَاحِبِي حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِانْسِلَاخِ رَجَبٍ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَافَيْنَاهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَقَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكُمْ صَوْتِي مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، أَلَا لِأُسْمِعَنَّكُمْ، أَلَا فَهَلْ مِنِ امْرِئٍ بَعَثَهُ قَوْمُهُ، فَقَالُوا: اعْلَمْ لَنَا مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَلَا ثُمَّ لَعَلَّهُ أَنْ يُلْهِيَهُ حَدِيثُ نَفْسِهِ، أَوْ حَدِيثُ صَاحِبِهِ، أَوْ يُلْهِيَهُ الضَّلَالُ، أَلَا إِنِّي مَسْئُولٌ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ أَلَا اسْمَعُوا تَعِيشُوا، أَلَا اجْلِسُوا، أَلَا اجْلِسُوا ". قَالَ: فَجَلَسَ النَّاسُ، وَقُمْتُ أَنَا وَصَاحِبِي، حَتَّى إِذَا فَرَغَ لَنَا فُؤَادُهُ وَبَصَرُهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عِنْدَكَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ؟ فَضَحِكَ لَعَمْرُ اللَّهِ، وَهَزَّ رَأْسَهُ، وَعَلِمَ أَنِّي أَبْتَغِي لِسَقْطِهِ، فَقَالَ: " ضَنَّ رَبُّكَ، عَزَّ وَجَلَّ، بِمَفَاتِيحَ خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ، لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ ". وَأَشَارَ بِيَدِهِ، قُلْتُ: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: " عِلْمُ الْمَنِيَّةِ، قَدْ عَلِمَ مَتَى مَنِيَّةُ أَحَدِكُمْ وَلَا تَعْلَمُونَهُ، وَعِلْمُ الْمَنِيِّ حِينَ يَكُونُ فِي الرَّحِمِ، قَدْ عَلِمَهُ وَلَا تَعْلَمُونَ، وَعِلْمُ مَا فِي غَدٍ وَمَا أَنْتَ طَاعِمٌ غَدًا وَلَا تَعْلَمُهُ، وَعِلْمُ يَوْمِ الْغَيْثِ يُشْرِفُ عَلَيْكُمْ آزِلِينَ مُسْنِتِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ، قَدْ عَلِمَ أَنَّ غَيْرَكُمْ إِلَى قَرِيبٍ ". قَالَ لَقِيطٌ: قُلْتُ: لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا.
" وَعِلْمُ يَوْمِ السَّاعَةِ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنَا مِمَّا تُعَلِّمُ النَّاسَ، وَمَا تَعْلَمُ، فَإِنَّا مِنْ قَبِيلٍ لَا يُصَدِّقُونَ تَصْدِيقَنَا أَحَدٌ مِنْ مَذْحِجٍ الَّتِي تَرْبُو عَلَيْنَا،
وَخَثْعَمٍ الَّتِي تُوَالِينَا، وَعَشِيرَتِنَا الَّتِي نَحْنُ مِنْهَا.
قَالَ: " تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ، ثُمَّ يُتَوَفَّى نَبِيُّكُمْ، ثُمَّ تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ، ثُمَّ تُبْعَثُ الصَّائِحَةُ، لَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا مَاتَ، وَالْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ مَعَ رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَصْبَحَ رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ يَطُوفُ فِي الْأَرْضِ، وَخَلَتْ عَلَيْهِ الْبِلَادُ، فَأَرْسَلَ رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ السَّمَاءَ تَهْضِبُ مِنْ عِنْدِ الْعَرْشِ فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ مَصْرَعِ قَتِيلٍ، وَلَا مَدْفَنِ مَيِّتٍ إِلَّا شَقَّتِ الْقَبْرَ عَنْهُ، حَتَّى تُخْلِفَهُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ، فَيَسْتَوِيَ جَالِسًا، فَيَقُولُ رَبُّكَ: مَهْيَمْ؟ لِمَا كَانَ فِيهِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَمْسِ، الْيَوْمَ، فَلِعَهْدِهِ بِالْحَيَاةِ يَحْسَبُهُ حَدِيثًا بِأَهْلِهِ ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَجْمَعُنَا بَعْدَمَا تُمَزِّقُنَا الرِّيَاحُ وَالْبِلَى وَالسِّبَاعُ؟ قَالَ: " أُنْبِئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي آلَاءِ اللَّهِ، الْأَرْضُ أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا وَهِيَ مَدَرَةٌ بَالِيَةٌ "، فَقُلْتُ: لَا تَحْيَا أَبَدًا.
" ثُمَّ أَرْسَلَ رَبُّكَ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَيْهَا السَّمَاءَ، فَلَمْ تَلْبَثْ عَلَيْكَ إِلَّا أَيَّامًا حَتَّى أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا، وَهِيَ شَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَعَمْرُ إِلَهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَجْمَعَكُمْ مِنَ الْمَاءِ، عَلَى
أَنْ يَجْمَعَ نَبَاتَ الْأَرْضِ، فَتَخْرُجُونَ مِنَ الْأَصْوَاءِ، وَمِنْ مَصَارِعِكُمْ، فَتَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَيَنْظُرُ إِلَيْكُمْ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ وَنَحْنُ مِلْءُ الْأَرْضِ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ يَنْظُرُ إِلَيْنَا، وَنَنْظُرُ إِلَيْهِ؟ قَالَ: " أُنْبِئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي آلَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَةٌ مِنْهُ صَغِيرَةٌ، تَرَوْنَهُمَا وَيَرَيَانِكُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً، لَا تَضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا، وَلَعَمْرُ إِلَهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَرَاكُمْ وَتَرَوْنَهُ مِنْهُمَا ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا يَفْعَلُ بِنَا رَبُّنَا، عَزَّ وَجَلَّ، إِذَا لَقِينَاهُ؟ قَالَ: " تُعْرَضُونَ عَلَيْهِ بَادِيَةً لَهُ صَفَحَاتُكُمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ، فَيَأْخُذُ رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ بِيَدِهِ غُرْفَةً مِنَ الْمَاءِ، فَيَنْضَحُ قَبِيلَكُمْ بِهَا، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تُخْطِئُ وَجْهَ أَحَدِكُمْ مِنْهَا قَطْرَةٌ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَتَدَعُ وَجْهَهُ مِثْلَ الرَّيْطَةِ الْبَيْضَاءِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَخْطِمُهُ بِمِثْلِ الْحُمَمِ الْأَسْوَدِ، أَلَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ نَبِيُّكُمْ، وَيَنْصَرِفُ الصَّالِحُونَ عَلَى أَثَرِهِ،
فَتَسْلُكُونَ جِسْرًا مِنَ النَّارِ، فَيَطَأُ أَحَدُكُمُ الْجَمْرَ فَيَقُولُ: حَسِّ.
فَيَقُولُ رَبُّكَ، عَزَّ وَجَلَّ: أَوَ أَنَّهْ.
فَتَطْلُعُونَ عَلَى حَوْضِ الرَّسُولِ عَلَى أَظْمَإِ - وَاللَّهِ - نَاهِلَةٍ قَطُّ رَأَيْتُهَا، فَلَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا يَبْسُطُ وَاحِدٌ مِنْكُمْ يَدَهُ إِلَّا وَقَعَ عَلَيْهَا قَدَحٌ يُطَهِّرُهُ مِنَ الطَّوْفِ، وَالْبَوْلِ، وَالْأَذَى، وَتُحْبَسُ الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ، وَلَا تَرَوْنَ مِنْهُمَا وَاحِدًا ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبِمَ نُبْصِرُ؟ قَالَ: " بِمِثْلِ بَصَرِكَ سَاعَتَكَ هَذِهِ، وَذَلِكَ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي يَوْمٍ أَشْرَقَتْ فِيهِ الْأَرْضُ وَوَاجَهَتْهُ الْجِبَالُ ".
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبِمَ نُجْزَى مِنْ سَيِّئَاتِنَا وَحَسَنَاتِنَا؟ قَالَ: " الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْجَنَّةُ وَمَا النَّارُ؟ قَالَ: " لَعَمْرُ إِلَهِكَ إِنَّ لِلنَّارِ لَسَبْعَةَ أَبْوَابٍ، مَا مِنْهُنَّ بَابَانِ إِلَّا يَسِيرُ الرَّاكِبُ بَيْنَهُمَا سَبْعِينَ عَامًا، وَإِنَّ لِلْجَنَّةِ لِثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ، مَا مِنْهُنَّ بَابَانِ إِلَّا يَسِيرُ الرَّاكِبُ بَيْنَهُمَا سَبْعِينَ عَامًا ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
فَعَلَامَ نَطَّلِعُ مِنَ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: " عَلَى أَنْهَارٍ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى، وَأَنْهَارٍ مِنْ كَأْسٍ مَا بِهَا مِنْ صُدَاعٍ وَلَا نَدَامَةٍ، وَأَنْهَارٍ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَمَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَفَاكِهَةٍ لَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَعْلَمُونَ، وَخَيْرٌ مِنْ مِثْلِهِ مَعَهُ، وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَنَا فِيهَا أَزْوَاجٌ؟ أَوَ مِنْهُنَّ مُصْلِحَاتٌ؟ قَالَ: " الصَّالِحَاتُ لِلصَّالِحِينَ، تَلَذُّونَهُنَّ مِثْلَ لَذَّاتِكُمْ فِي الدُّنْيَا وَيَلْذَذْنَ بِكُمْ غَيْرَ أَنَّ لَا تَوَالُدَ ".
قَالَ لَقِيطٌ: فَقُلْتُ: أَقْصَى مَا نَحْنُ بَالِغُونَ وَمُنْتَهُونَ إِلَيْهِ; فَلَمْ يُجِبْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَامَ أُبَايِعُكَ؟ قَالَ: فَبَسَطَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ، وَقَالَ: " عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَزِيَالِ الْمُشْرِكِ، وَأَنْ لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ ".
قَالَ: قُلْتُ: وَإِنَّ لَنَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ؟ فَقَبَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ، وَظَنَّ أَنِّي مُشْتَرِطٌ شَيْئًا لَا يُعْطِينِيهِ.
قَالَ: قُلْتُ: نَحِلُّ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا، وَلَا يَجْنِي عَلَى امْرِئٍ إِلَّا نَفْسُهُ، فَبَسَطَ يَدَهُ وَقَالَ: " ذَلِكَ لَكَ، تَحِلُّ حَيْثُ شِئْتَ وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ إِلَّا نَفْسُكَ ". قَالَ: فَانْصَرَفْنَا، فَقَالَ:
إِنَّ هَذَيْنِ - لَعَمْرُ إِلَهِكَ - مِنْ أَتْقَى النَّاسِ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ ". فَقَالَ لَهُ كَعْبُ بْنُ الْخُدَارِيِّةِ، أَحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " بَنُو الْمُنْتَفِقِ أَهْلُ ذَلِكَ ". قَالَ: فَانْصَرَفْنَا، وَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ مَضَى خَيْرٌ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ؟ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عُرْضِ قُرَيْشٍ: وَاللَّهِ إِنَّ أَبَاكَ الْمُنْتَفِقَ لَفِي النَّارِ.
قَالَ: فَلَكَأَنَّهُ وَقَعَ حَرٌّ بَيْنَ جِلْدِي وَوَجْهِي وَلَحْمِي; مِمَّا قَالَ لِأَبِي، عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ: وَأَبُوكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ثُمَّ إِذَا الْأُخْرَى أَجْمَلُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَهْلُكَ؟ قَالَ: " وَأَهْلِي، لَعَمْرُ اللَّهِ مَا أَتَيْتَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْرِ عَامِرِيٍّ أَوْ قُرَشِيٍّ مِنْ مُشْرِكٍ، فَقُلْ: أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ مُحَمَّدٌ، فَأُبَشِّرُكَ بِمَا يَسُوءُكَ ; تُجَرُّ عَلَى وَجْهِكَ وَبَطْنِكَ فِي النَّارِ ".
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانُوا عَلَى عَمَلٍ لَا يُحْسِنُونَ إِلَّا إِيَّاهُ، وَقَدْ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُصْلِحُونَ؟ قَالَ: " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ فِي آخِرِ كُلِّ سَبْعِ أُمَمٍ - يَعْنِي نَبِيًّا - فَمَنْ عَصَى نَبِيَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ، وَمَنْ أَطَاعَ نَبِيَّهُ كَانَ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ".»
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ " عَنْ أَبِي دَاوُدَ، " عَنِ
الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ، بِهِ، قَالَ شَيْخُنَا: لَعَلَّهُ مِنْ زِيَادَاتِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَقَدْ جَمَعَ أَحَادِيثَ وَآثَارًا فِي مُجَلَّدٍ تَشْهَدُ لِحَدِيثِ الصُّورِ فِي مُتَفَرِّقَاتِهِ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ [﴾ [ق: 41] ق: 141] قَالَ: مَلَكٌ قَائِمٌ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، يُنَادِي: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ، وَالْأَوْصَالُ الْمُتَقَطِّعَةُ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُنَّ أَنْ تَجْتَمِعْنَ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ.
وَبِهِ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَا يُفَتَّرُ عَنْ أَهْلِ الْقُبُورِ عَذَابُ الْقَبْرِ إِلَّا فِيمَا بَيْنَ نَفْخَةِ الصَّعْقِ وَنَفْخَةِ الْبَعْثِ، فَلِذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ حِينَ يُبْعَثُ: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا [يس: 152] يَعْنِي تِلْكَ الْفَتْرَةَ، فَيَقُولُ لَهُ الْمُؤْمِنُ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 52] .
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنُ بَكْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنِي مَعْدِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: كَانَ أَبُو مُحَلِّمٍ الْجَسْرِيُّ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ إِخْوَانُهُ، وَكَانَ
حَكِيمًا، وَكَانَ إِذَا تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ - قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 51 - 52]
[51، 52] ، بَكَى، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْقِيَامَةَ لَمَعَارِيضُ، صِفَةٌ ذَهَبَتْ فَظَاعَتُهَا بِأَوْهَامِ الْعُقُولِ، أَمَا وَاللَّهِ، لَئِنْ كَانَ الْقَوْمُ فِي رَقْدَةٍ مِثْلِ ظَاهِرِ قَوْلِهِمْ لَمَا دَعَوْا بِالْوَيْلِ عِنْدَ أَوَّلِ وَهْلَةٍ مِنْ بَعْثِهِمْ، وَلَمْ يُوقَفُوا بَعْدُ مَوْقِفَ عَرْضٍ وَلَا مُسَاءَلَةٍ، إِلَّا وَقَدْ عَايَنُوا خَطَرًا عَظِيمًا، وَحُقِّقَتْ عَلَيْهِمُ الْقِيَامَةُ بِالْجَلَائِلِ مِنْ أَمْرِهَا، وَلَئِنْ كَانُوا فِي طُولِ الْإِقَامَةِ فِي الْبَرْزَخِ; كَانُوا يَأْلَمُونَ وَيُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَمَا دَعَوْا بِالْوَيْلِ عِنْدَ انْقِطَاعِ ذَلِكَ عَنْهُمْ إِلَّا وَقَدْ نُقِلُوا إِلَى طَامَّةٍ هِيَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَلَوْلَا أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى ذَلِكَ لَمَا اسْتَصْغَرَ الْقَوْمُ مَا كَانُوا فِيهِ فَسَمَّوْهُ رُقَادًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَسْتَقْبِلُونَ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا يُقَالُ هَذَا الشَّيْءُ عِنْدَ هَذَا الشَّيْءِ رُقَادًا، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَوَّلِ شَدَائِدُ وَأَهْوَالٌ، وَلَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ وَأَدْهَى وَأَمَرُّ كَأَنَّهُ رُقَادٌ، وَإِنَّ فِي الْقُرْآنِ لَدَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ، حِينَ يَقُولُ: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: 34] ، قَالَ: ثُمَّ يَبْكِي حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ يَقُولُ: اجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَى سَائِحٍ بَيْنَ
الْعِرَاقِ وَالشَّامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَامَ فِيهِمْ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَيِّتُونَ، ثُمَّ مَبْعُوثُونَ إِلَى الْإِدَانَةِ وَالْحِسَابِ.
فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا لَا يَبْعَثُهُ اللَّهُ أَبَدًا، رَأَيْتُهُ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فِي مَوْسِمٍ مِنْ مَوَاسِمِ الْعَرَبِ، فَوَطِئَتْهُ الْإِبِلُ بِأَخْفَافِهَا، وَالدَّوَابُّ بِحَوَافِرِهَا، وَالرَّجَّالَةُ بِأَرْجُلِهَا، حَتَّى رَمَّ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ أُنْمُلَةٌ.
فَقَالَ السَّائِحُ: بَيْدَ أَنَّكَ مِنْ قَوْمٍ سَخِيفَةٍ أَحْلَامُهُمْ، ضَعِيفٍ يَقِينُهُمْ، قَلِيلٍ عِلْمُهُمْ، لَوْ أَنَّ الضَّبُعَ بَيَّتَتْ تِلْكَ الرِّمَّةَ فَأَكَلَتْهَا، ثُمَّ ثَلَطَتْهَا، ثُمَّ غَدَتْ عَلَيْهِ النَّابُ فَأَكَلَتْهُ وَبَعَرَتْهُ، ثُمَّ غَدَتْ عَلَيْهِ الْجَلَّالَةُ فَالْتَقَطَتْهُ، ثُمَّ أَوْقَدَتْهُ تَحْتَ قِدْرِ أَهْلِهَا، ثُمَّ نَسَفَتِ الرِّيَاحُ رَمَادَهُ - لَأَمَرَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كُلَّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا أَنْ يَرُدَّهُ، فَرَدَّهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ لِلْإِدَانَةِ وَالثَّوَابِ.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ; «أَنَّ شَيْخًا مِنْ شُيُوخِ الْجَاهِلِيَّةِ الْقُسَاةِ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، ثَلَاثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُهُنَّ، لَا يَنْبَغِي لِذِي عَقْلٍ أَنْ يُصَدِّقَكَ فِيهِنَّ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: إِنَّ الْعَرَبَ تَارِكَةٌ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ هِيَ وَآبَاؤُهَا، وَإِنَّا سَنَظْهَرُ عَلَى كُنُوزِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَإِنَّا سَنُبْعَثُ بَعْدَ أَنْ نَرِمَّ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَجَلْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَتْرُكَنَّ الْعَرَبُ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ هِيَ وَآبَاؤُهَا، وَلَتَظْهَرَنَّ عَلَّى كُنُوزِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَلَتَمُوتَنَّ ثُمَّ لَتُبْعَثَنَّ، ثُمَّ لَآخُذَنَّ بِيَدِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَأُذَكِّرَنَّكَ مَقَالَتَكَ هَذِهِ ". قَالَ: وَلَا تَضِلُّنِي فِي الْمَوْتَى وَلَا تَنْسَانِي؟ قَالَ: " وَلَا أَضِلُّكَ فِي الْمَوْتَى وَلَا أَنْسَاكَ ".» قَالَ: فَبَقِيَ ذَلِكَ الشَّيْخُ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّمَ، وَرَأَى ظُهُورَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى كُنُوزِ كِسْرَى، وَقَيْصَرَ، فَأَسْلَمَ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَسْمَعُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحِيبَهُ وَبُكَاءَهُ، فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِعْظَامِهِ مَا كَانَ وَاجَهَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ عُمَرُ يَأْتِيهِ وَيُسَكِّنُ مِنْهُ، وَيَقُولُ: قَدْ أَسْلَمْتَ وَوَعَدَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوُدَّ أَنْ يَأْخُذَ بِيَدِكَ، وَلَا يَأْخُذُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِ أَحَدٍ إِلَّا أَفْلَحَ وَسَعِدَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «جَاءَ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَظْمٍ حَائِلٍ فَفَتَّهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَيَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا؟ قَالَ: " نَعَمْ، يُمِيتُكَ اللَّهُ، ثُمَّ يُحْيِيكَ، ثُمَّ يُدْخِلُكَ نَارَ جَهَنَّمَ ". فَنَزَلَتْ ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: 78] » [يس: 78، 79] .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ [الواقعة: 62]
[الْوَاقِعَةِ: 62] ،. قَالَ: خَلْقُ آدَمَ وَخَلْقُكُمْ، ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة: 57] ، قَالَ: فَهَلَّا تُصَدِّقُونَ.
وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: عَجَبًا لِمَنْ يُكَذِّبُ بِالنَّشْأَةِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ يَرَى النَّشْأَةَ الْأُولَى، يَا عَجَبًا كُلَّ الْعَجَبِ لِمَنْ يُكَذِّبُ بِالنَّشْرِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُوَ يُنْشَرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] ، قَالَ: إِعَادَتُهُ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنَ ابْتِدَائِهِ، وَكُلٌّ عَلَيْهِ يَسِيرٌ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي عَبْدِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي.
وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا.
وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ".» وَهُوَ ثَابِتٌ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "
وَفِيهِمَا قِصَّةُ الَّذِي عَهِدَ إِلَى بَنِيهِ إِذَا مَاتَ أَنْ يَحْرِقُوهُ، ثُمَّ يَذْرُوا - يَوْمَ رِيحٍ - نِصْفَ رَمَادِهِ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَدَّخِرْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنَةً وَاحِدَةً.
فَلَمَّا مَاتَ فَعَلَ بِهِ بَنُوهُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ.
فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: خَشْيَتُكَ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ غَفَرَ لَهُ.
وَعَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَقَابِرَ نِصْفَ النَّهَارِ، فَنَظَرْتُ إِلَى الْقُبُورِ كَأَنَّهُمْ قَوْمٌ صُمُوتٌ، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ مَنْ يُحْيِيكُمْ ويَنْشُرُكُمْ مِنْ بَعْدِ طُولِ الْبِلَى.
فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الْحُفَرِ: يَا صَالِحُ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: 25] . قَالَ: فَخَرَرْتُ وَاللَّهِ مَغْشِيًّا عَلَيَّ.
[ذِكْرُ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ]
قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيُّ فِي كِتَابِ " الْعَاقِبَةِ ": يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَمَا أَدْرَاكَ
مَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ؟ يَوْمُ الْحَسْرةِ وَالنَّدَامَةِ، يَوْمٌ يَجِدُ كُلُّ عَامِلٍ عَمَلَهُ أَمَامَهُ، يَوْمُ الدَّمْدَمَةِ، يَوْمُ الزَّلْزَلَةِ، يَوْمُ الصَّاعِقَةِ، يَوْمُ الْوَاقِعَةِ، يَوْمُ الرَّاجِفَةِ، يَوْمُ الْوَاجِفَةِ، يَوْمُ الرَّادِفَةِ، يَوْمُ الْغَاشِيَةِ، يَوْمُ الدَّاهِيَةِ، يَوْمُ الْآزِفَةِ، يَوْمُ الْحَاقَّةِ، يَوْمُ الطَّامَّةِ، يَوْمُ الصَّاخَّةِ، يَوْمُ التَّلَاقِ، يَوْمُ الْفِرَاقِ، يَوْمُ الْمَشَاقِّ، يَوْمُ الْإِشْفَاقِ، يَوْمُ الْإِشْتَاقِ، يَوْمُ الْقِصَاصِ، يَوْمُ لَاتَ حِينَ مَنَاصٍ، يَوْمُ التَّنَادِ، يَوْمُ الْأَشْهَادِ، يَوْمُ الْمَعَادِ، يَوْمُ الْمِرْصَادِ، يَوْمُ الْمُسَاءَلَةِ، يَوْمُ الْمُنَاقَشَةِ، يَوْمُ الْحِسَابِ، يَوْمُ الْمَآبِ، يَوْمُ الْعَذَابِ، يَوْمُ الثَّوَابِ، يَوْمُ الْفِرَارِ لَوْ وُجِدَ الْفِرَارُ، يَوْمُ الْقَرَارِ إِمَّا فِي الْجَنَّةِ، وَإِمَّا فِي النَّارِ، يَوْمُ الْقَضَاءِ، يَوْمُ الْجَزَاءِ، يَوْمُ الْبُكَاءِ، يَوْمُ الْبَلَاءِ، يَوْمُ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا، يَوْمُ الْحَشْرِ، يَوْمُ النَّشْرِ، يَوْمُ الْجَمْعِ، يَوْمُ الْبَعْثِ، يَوْمُ الْعَرْضِ، يَوْمُ الْوَزْنِ، يَوْمُ الْحَقِّ، يَوْمُ الْحُكْمِ، يَوْمُ الْفَصْلِ، يَوْمٌ عَقِيمٌ، يَوْمٌ عَسِيرٌ، يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ، يَوْمٌ عَصِيبٌ، يَوْمُ النُّشُورِ، يَوْمُ الْمَصِيرِ، يَوْمُ الدِّينِ، يَوْمُ الْيَقِينِ، يَوْمُ النَّفْخَةِ، يَوْمُ الصَّيْحَةِ، يَوْمُ الرَّجْفَةِ، يَوْمُ السَّكْرَةِ، يَوْمُ الرَّجَّةِ، يَوْمُ الْفَزَعِ، يَوْمُ الْجَزَعِ، يَوْمُ الْقَلَقِ، يَوْمُ الْفَرَقِ، يَوْمُ الْعَرَقِ، يَوْمُ الْمِيقَاتِ، يَوْمٌ تَخْرُجُ الْأَمْوَاتُ، يَوْمٌ تَظْهَرُ الْخَبِيئَاتُ، يَوْمُ الِانْشِقَاقِ، يَوْمُ الِانْكِدَارِ، يَوْمُ الِانْفِطَارِ، يَوْمُ الِانْتِشَارِ، يَوْمُ الِافْتِقَارِ، يَوْمُ الْوُقُوفِ، يَوْمُ الْخُرُوجِ، يَوْمُ الِانْصِدَاعِ، يَوْمُ الِانْقِطَاعِ، يَوْمٌ مَعْلُومٌ، يَوْمٌ مَوْعُودٌ، يَوْمٌ مَشْهُودٌ، يَوْمُ تُبْلَى السَّرَائِرُ، يَوْمُ يَظْهَرُ مَا فِي الضَّمَائِرِ، يَوْمُ لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، يَوْمُ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا، يَوْمُ يُدْعَى فِيهِ إِلَى النَّارِ، يَوْمُ لَا سِجْنَ إِلَّا النَّارُ، يَوْمُ تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، يَوْمُ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ - وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ - يَوْمُ تُقَلَّبُ
وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ، يَوْمُ الْبُرُوزِ، يَوْمُ الْوُرُودِ، يَوْمُ الصُّدُورِ مِنَ الْقُبُورِ إِلَى اللَّهِ، يَوْمُ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، يَوْمُ لَا تَنْفَعُ الْمَعْذِرَةُ، يَوْمُ لَا يُرْتَجَى فِيهِ إِلَّا الْمَغْفِرَةُ.
قَالَ: وَأَهْوَلُ أَسْمَائِهِ وَأَبْشَعُ أَلْقَابِهِ يَوْمُ الْخُلُودِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْخُلُودِ، يَوْمٌ لَا انْقِطَاعَ لِعِقَابِهِ، وَلَا يُكْشَفُ فِيهِ عَنْ كَافِرٍ مَا بِهِ، فنَعُوذُ بِاللَّهِ، ثُمَّ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِهِ، وَعِقَابِهِ، وَبَلَائِهِ، وَسُوءِ قَضَائِهِ، بِرَحْمَتِهِ وَكَرَمِهِ وَجُودِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
[ذِكْرُ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ يَوْمُ النَّفْخِ فِي الصُّورِ لِبَعْثِ الْأَجْسَادِ مِنْ قُبُورِهَا وَأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ]
وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ: قَالَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
مِنْ حِينِ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ، إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَفِيهَا سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» ".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ.
وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، بِهِ نَحْوَهُ، وَهُوَ أَتَمُّ.
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ "، مِنْ طَرِيقِ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي الْأَذَانِ» ". قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: يَعْنِي أَذَانَ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ فِي " مُسْنَدِهِ ": أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَزْهَرِ مُعَاوِيَةُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: «أَتَى جِبْرِيلُ بِمِرْآةٍ بَيْضَاءَ فِيهَا وَكْتَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا هَذِهِ؟ ". قَالَ: هَذِهِ الْجُمُعَةُ فُضِّلْتَ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ، فَالنَّاسُ لَكُمْ فِيهَا تَبَعٌ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى، وَلَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ، وَفِيهَا سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ، وَهُوَ عِنْدَنَا يَوْمُ الْمَزِيدِ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَا جِبْرِيلُ، وَمَا يَوْمُ الْمَزِيدِ؟ " قَالَ: إِنَّ رَبَّكَ
اتَّخَذَ فِي الْفِرْدَوْسِ وَادِيًا أَفْيَحَ، فِيهِ كُثُبُ مِسْكٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، أَنْزَلَ اللَّهُ مَا شَاءَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَنَزَلَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَحَفَّ حَوْلَهُ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَلَيْهَا مَقَاعِدُ النَّبِيِّينَ، وَحَفَّ تِلْكَ الْمَنَابِرَ بمَنابِرَ مِنَ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٍ بِالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ، عَلَيْهَا الشُّهَدَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ، فَجَلَسُوا مِنْ وَرَائِهِمْ، عَلَى تِلْكَ الْكُثُبِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: أَنَا رَبُّكُمْ، قَدْ صَدَّقْتُمْ وَعْدِي، فَسَلُونِي أُعْطِكُمْ.
فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا، نَسْأَلُكَ رِضْوَانَكَ.
فَيَقُولُ: قَدْ رَضِيتُ عَنْكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيَّ مَا تَمَنَّيْتُمْ، وَلَدَيَّ مَزِيدٌ.
فَهُمْ يُحِبُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَا يُعْطِيهِمْ فِيهِ رَبُّهُمْ مِنَ الْخَيْرِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي اسْتَوَى فِيهِ رَبُّكُمْ عَلَى الْعَرْشِ، وَفِيهِ خَلَقَ آدَمَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ» .
ثُمَّ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَيْضًا، حَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْجَعْدِ، عَنْ أَنَسٍ، شَبِيهًا بِهِ، قَالَ: وَزَادَ فِيهِ أَشْيَاءَ.
قُلْتُ: وَسَيَأْتِي ذِكْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فِي كِتَابِ صِفَةِ الْجَنَّةِ بِشَوَاهِدِهِ وَأَسَانِيدِهِ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ
مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ عَلَيْكَ صَلَاتُنَا وَقَدْ أَرِمْتَ؟ يَعْنِي وَقَدْ بَلِيتَ.
قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ» ". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُعْفِيِّ مِثْلَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، بَدَلَ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ شَيْخُنَا وَذَلِكَ وَهْمٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «سَيِّدُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَأَعْظَمُهَا عِنْدَهُ، وَأَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى، وَفِيهِ خَمْسُ خِلَالٍ: خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ آدَمَ، وَأَهْبَطَ اللَّهُ فِيهِ أَدَمَ إِلَى الْأَرْضِ، وَفِيهِ تَوَفَّى اللَّهُ آدَمَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُسْأَلُ الْعَبْدُ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِيَّاهُ، مَا لَمْ يَسْأَلْ حَرَامًا، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَلَا سَمَاءٍ، وَلَا أَرْضٍ، وَلَا رِيَاحٍ، وَلَا جِبَالٍ، وَلَا بَحْرٍ إِلَّا وَهُنَّ يُشْفِقْنَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» ". وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ، عَنْ زُهَيْرٍ، بِهِ.
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ وَقْتَ الْأَذَانِ
لِلْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» ".
وَقَدْ حَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي " التَّذْكِرَةِ " أَنَّ قِيَامَ السَّاعَةِ يَوْمُ جُمُعَةٍ لِلنِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَهَذَا غَرِيبٌ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا قُرْطُ بْنُ حُرَيْثٍ أَبُو سَهْلٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: يَوْمَانِ وَلَيْلَتَانِ لَمْ يَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهِنَّ قَطُّ، لَيْلَةٌ تَبِيتُ مَعَ أَهْلِ الْقُبُورِ، وَلَمْ تَبِتْ لَيْلَةً قَبْلَهَا مِثْلَهَا، وَلَيْلَةٌ صَبِيحَتُهَا تُسْفِرُ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَوْمُ يَأْتِيكَ الْبَشِيرُ مِنَ اللَّهِ إِمَّا بِالْجَنَّةِ وَإِمَّا بِالنَّارِ، وَيَوْمُ تُعْطَى كِتَابَكَ إِمَّا بِيَمِينِكَ وَإِمَّا بِشِمَالِكَ.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَامِرِ بْنِ قَيْسٍ، وَهَرِمِ بْنَ حَيَّانَ وَغَيْرِهِمَا؟ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَعْظِمُونَ اللَّيْلَةَ الَّتِي يُسْفِرُ صَبِيحَتُهَا عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ "، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ جُنَيْدٍ قَالَ: بَيْنَمَا الْحَسَنُ فِي يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَفِي يَدِهِ قُلَيْلَةٌ، وَهُوَ يَمُصُّ مَاءَهَا، ثُمَّ يَمُجُّهُ فِي الْحَصَى، إِذْ تَنَفَّسَ تَنَفُّسًا شَدِيدًا، ثُمَّ بَكَى حَتَّى أُرْعِدَ مَنْكِبَاهُ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَنَّ بِالْقُلُوبِ حَيَاةً، لَوْ أَنَّ بِالْقُلُوبِ صَلَاحًا، لَأَبْكَيْتُكُمْ مِنْ لَيْلَةٍ صَبِيحَتُهَا يومُ
الْقِيَامَةِ.
أَيْ: لَيْلَةٌ تَمَخَّضُ عَنْ صَبِيحَةِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مَا سَمِعَ الْخَلَائِقُ بِيَوْمٍ قَطُّ أَكْثَرَ فِيهِ عَوْرَةً بَادِيَةً، وَلَا عَيْنًا بَاكِيَةً مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ
[ذِكْرُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]
قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا هِقْلٌ، يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» . وَقَالَ هُشَيْمٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ» ". وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، أَخْبَرَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ، أَوْ بُعِثَ قَبْلِي؟» ) . وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ بِقَرِيبٍ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ.
وَالْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: " «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، فَأَجِدُ مُوسَى بَاطِشًا بِقَائِمَةِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ» ) .
فَذِكْرُ مُوسَى فِي هَذَا السِّيَاقِ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَعَلَّهُ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ; دَخَلَ عَلَيْهِ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ ; فَإِنَّ التَّرْدِيدَ هَاهُنَا فِيهِ لَا يَظْهَرُ، لَا سِيَّمَا قَوْلُهُ: " أَمْ جُوزِيَ بَصعْقَةِ الطُّورِ ".
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَيْضًا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَابْنِ جُدْعَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: «كَانَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَبَيْنَ يَهُودِيٍّ مُنَازَعَةٌ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَي مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ.
فَلَطَمَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَتَى الْيَهُودِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " يَا يَهُودِيُّ) ، أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، فَأَجِدُ مُوسَى مُتَعَلِّقًا بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي هَلْ كَانَ قَبْلِي، أَوْ جُوزِيَ بِالصَّعْقَةِ» ) .
وَهَذَا مُرْسَلٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالْحَدِيثُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ
بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ; وَفِي بَعْضِهَا أَنَّ اللَّاطِمَ لِهَذَا الْيَهُودِيِّ إِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، لَا الصِّدِّيقُ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ أَحْسَنِهَا سِيَاقًا: " «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَأَجِدُ مُوسَى بَاطِشًا بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَصَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ» ) . وَهَذَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الصَّعْقَ يَكُونُ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ صَعْقٌ آخَرُ غَيْرُ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ، وَكَأَنَّ سَبَبَ هَذَا الصَّعْقِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّجَلِّي، يَعْنِي تَجَلِّيَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ إِذَا جَاءَ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، فَيَصْعَقُ النَّاسُ كَمَا خَرَّ مُوسَى صَعِقًا يَوْمَ الطُّورِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عِنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «كَأَنِّي أَرَانِي أَنْفُضُ رَأْسِي مِنَ التُّرَابِ، فَأَلْتَفِتُ، فَلَا أَرَى أَحَدًا إِلَّا مُوسَى مُتَعَلِّقًا بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَمِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ أَنْ لَا تُصِيبَهُ النَّفْخَةُ، أَمْ بُعِثَ قَبْلِي» ".
وَهَذَا مُرْسَلٌ أَيْضًا، وَهُوَ أَضْعَفُ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ
الصَّغَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنْ بِشْرِ بْنِ شَغَافٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «أَنَا سَيِّدُ وَلَدٍ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَمُشَفَّعٍ، بِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ تَحْتِي آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ» ) . لَمْ يُخَرِّجُوهُ، وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ غَيْرُ أَبِي سَلَمَةَ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ ( «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ أَذْهَبُ إِلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ، فَيُحْشَرُونَ مَعِي، ثُمَّ أَنْتَظِرُ أَهْلَ مَكَّةَ فَيُحْشَرُونَ مَعِي، فَأُحْشَرُ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ» ) .
وَقَالَ أَيْضًا: أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَعُمَرُ عَنْ يَسَارِهِ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَيْهِمَا، قَالَ: (هَكَذَا نُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ،
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ: مَا مِنْ فَجْرٍ يَطْلُعُ إِلَّا نَزَلَ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، حَتَّى يَحُفُّوا بِالْقَبْرِ، يَضْرِبُونَ بِأَجْنِحَتِهِمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا عَرَجُوا، وَهَبَطَ مِثْلُهُمْ فَصَنَعُوا مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا انْشَقَّتِ الْأَرْضُ خَرَجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُوَقِّرُونَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عُمَرَ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ سَيْفٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يُحْشَرُ النَّاسُ رِجَالًا، وَأُحْشَرُ رَاكِبًا عَلَى الْبُرَاقِ، وَبِلَالٌ بَيْنَ يَدَيَّ، عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ، فَإِذَا بَلَغْنَا مَجْمَعَ النَّاسِ نَادَى بِلَالٌ بِالْأَذَانِ، فَإِذَا قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَدَّقَهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ» ". وَهَذَا مُرْسَلٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
[ذِكْرُ بَعْثِ النَّاسِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، وَذِكْرُ أَوَّلِ مَنْ يُكْسَى يَوْمَئِذٍ مِنَ النَّاسِ]
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلَا ". قَالَ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ
بِالْعَوْرَاتِ؟ فَقَالَ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 37] » [عَبَسَ: 37] وَأَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، بِنَحْوِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، شَيْخٌ مِنَ النَّخَعِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْعِظَةٍ، فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104] . أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلْقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِأُنَاسٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَلَأَقُولَنَّ: أَصْحَابِي.
فَلَيُقَالَنَّ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ.
فَلَأَقُولَنَّ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 117]
[الْمَائِدَةِ: 117، 118] فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ» ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَرْفُوعًا: ( «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ
إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» ". وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا "، فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ: أَيَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى عَوْرَةِ بَعْضٍ؟ فَقَالَ: " يَا فُلَانَةُ، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 37] » [عَبَسَ 37] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، وَأَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «يُحْشَرُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا قِيَامًا أَرْبَعِينَ سَنَةً، شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: فَيُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ مِنْ شِدَّةِ الْكَرْبِ، ثُمَّ يُقَالُ: اكْسُوا إِبْرَاهِيمَ.
فَيُكْسَى قُبْطِيَّتَيْنِ مِنْ قَبَاطِيِّ الْجَنَّةِ.
قَالَ: ثُمَّ يُنَادَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيُفَجَّرُ لَهُ الْحَوْضُ، وَهُوَ مَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى مَكَّةَ.
قَالَ: فَيَشْرَبُ وَيَغْتَسِلُ، وَقَدْ تَقَطَّعَتْ أَعْنَاقُ الْخَلَائِقِ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْعَطَشِ.
قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَأُكْسَى مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ، فَأَقُومُ عَنْ - أَوْ عَلَى - يَمِينِ الْكُرْسِيِّ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ يَقُومُ ذَلِكَ الْمَقَامَ يَوْمَئِذٍ غَيْرِي، فَيُقَالُ: سَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ".
فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَتَرْجُو لِوَالِدَيْكَ شَيْئًا؟ فَقَالَ: (إِنِّي شَافِعٌ لَهُمَا، أُعْطِيتُ أَوْ مُنِعْتُ، وَلَا أَرْجُو لَهُمَا شَيْئًا ".»
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: قَدْ يَكُونُ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى الْخَلِيلُ قُبْطِيَّتَيْنِ، ثُمَّ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُلَّةَ حِبَرَةٍ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي كِتَابِ " التَّذْكِرَةِ ": وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، مِنْ حَدِيثِ الْأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ، وَأَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اكْسُوا خَلِيلِي.
فَيُؤْتَى بِرَيْطَتَيْنِ بَيْضَاوَيْنِ، فَيَلْبَسُهُمَا، ثُمَّ يَقْعُدُ مُسْتَقْبِلَ الْعَرْشِ، ثُمَّ أُوتَى بِكِسْوَتِي، فَأَلْبَسُهَا، فَأَقُومُ عَنْ يَمِينِهِ قِيَامًا لَا يَقُومُهُ أَحَدٌ غَيْرِي يَغْبِطُنِي فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ» ".
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ فِي " مِنْهَاجِ الدِّينِ " لَهُ: وَرَوَى عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ وَالْمُلَبِّينَ يَخْرُجُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
مِنْ قُبُورِهِمْ، يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ، وَيُلَبِّي الْمُلَبِّي، وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ النَّبِيُّونَ، ثُمَّ الْمُؤَذِّنُونَ.
وَذَكَرَ تَمَامَهُ.
ثُمَّ شَرَعَ الْقُرْطُبِيُّ يَذْكُرُ الْمُنَاسَبَةَ فِي تَقْدِيمِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي الْكِسْوَةِ يَوْمَئِذٍ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ مُبَالَغَةً فِي التَّسَتُّرِ، وَأَنَّهُ جُرِّدَ يَوْمَ أُلْقِي فِي النَّارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنَ يَسَارٍ، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، فَبَلَغَ شُحُومَ الْآذَانِ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاسَوْأَتَاهْ، يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ؟! قَالَ: " يُشْغَلُ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 37] » [عَبَسَ: 37] . إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الْمُسْنَدِ وَلَا فِي الْكُتُبِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا سعيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ عَطَاءِ بْنَ يَسَارٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «يُحْشَرُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً كَمَا بَدَءُوا ". قَالَتْ
أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ؟! قَالَ: " شُغِلَ النَّاسُ ". قُلْتُ: وَمَا شَغَلَهُمْ؟ قَالَ: " نَشْرُ الصُّحُفِ فِيهَا مَثَاقِيلُ الذَّرِّ، وَمَثَاقِيلُ الْخَرْدَلِ» ".
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، يَعْنِي الثَّوْرِيَّ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» ". قَالَ الْبَزَّارُ: أَحْسَبُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ شَبَّةَ غَلِطَ فِيهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَتْنُ حَدِيثٍ فِي إِسْنَادِ حَدِيثٍ، وَإِنَّمَا هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ: وَلَيْسَ لَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، عَنْ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ، بِهِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: " «وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ» ".
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَائِذِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «سَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ الرِّجَالُ؟ فَقَالَ: " حُفَاةً عُرَاةً ". ثُمَّ انْتَظَرَتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ النِّسَاءُ؟ قَالَ:
" كَذَلِكَ، حُفَاةً عُرَاةً ". قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهْ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَالَ: " وَعَنْ أَيِّ ذَلِكَ تَسْأَلِينَ؟ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَمْ لَا ". قَالَتْ: أَيُّ آيَةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 37] » [عَبَسَ: 37] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ الْكَوْثَرِ، وَهُوَ ابْنُ حَكِيمٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يُحْشَرُ النَّاسُ كَمَا وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَالنِّسَاءُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟! فَقَالَ: " نَعَمْ ". فَقَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهْ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ عَجِبْتِ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ " فَقَالَتْ: عَجِبْتُ مِنْ حَدِيثِكَ، يُحْشَرُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ.
قَالَ: فَضَرَبَ عَلَى مَنْكِبِهَا، فَقَالَ: " يَا بِنْتَ أَبِي قُحَافَةَ، شُغِلَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّظَرِ، وَسَمَوْا بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ، مَوْقُوفُونَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ، شَاخِصِينَ بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ الْعَرَقُ قَدَمَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ سَاقَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ بَطْنَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ، مِنْ طُولِ الْوُقُوفِ، ثُمَّ يَتَرَحَّمُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى الْعِبَادِ، فَيَأْمُرُ الْمَلَائِكَةَ الْمقُرَّبِينَ، فَيَحْمِلُونَ عَرْشَهُ مِنَ السَّمَاوَاتِ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى يُوضَعَ عَرْشُهُ فِي أَرْضٍ بَيْضَاءَ لَمْ يُسْفَكْ عَلَيْهَا دَمٌ، وَلَمْ يُعْمَلْ فِيهَا خَطِيئَةٌ، كَأَنَّهَا الْفِضِّةُ الْبَيْضَاءُ، ثُمَّ تَقُومُ الْمَلَائِكَةُ حَافِّينَ مَنْ حَوْلِ الْعَرْشِ، وَذَلِكَ أَوَّلُ يَوْمٍ نَظَرَتْ فَيهِ عَيْنٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَيَأْمُرُ مُنَادِيًا فَيُنَادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ الثَّقَلَانِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ: أَيْنَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ؟ أَيْنَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ؟ فَيَشْرَئِبُّ النَّاسُ لِذَلِكَ الصَّوْتِ، وَيَخْرُجُ ذَلِكَ الْمُنَادَى مِنَ الْمَوْقِفِ، فَيُعَرِّفُهُ اللَّهُ
النَّاسَ، ثُمَّ يُقَالُ: تُخْرَجُ مَعَهُ حَسَنَاتُهُ.
فَيُعَرِّفُ اللَّهُ أَهْلَ الْمَوْقِفِ تِلْكَ الْحَسَنَاتِ، فَإِذَا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قِيلَ: أَيْنَ أَصْحَابُ الْمَظَالِمِ؟ فَيَجِيئُونَ، رَجُلًا رَجُلًا، فَيُقَالُ لَهُ: أَظَلَمْتَ فُلَانًا كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ.
فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَتُؤْخَذُ حَسَنَاتُهُ، فَتُدْفَعُ إِلَى مَنْ ظَلَمَهُ يَوْمَ لَا دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِلَّا أَخْذٌ مِنَ الْحَسَنَاتِ، وَرَدٌّ مِنَ السَّيِّئَاتِ، فَلَا يَزَالُ أَصْحَابُ الْمَظَالِمِ يَسْتَوْفُونَ مِنْ حَسَنَاتِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ حَسَنَةٌ، ثُمَّ يَقُومُ مَنْ بَقِيَ مِمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا، فَيَقُولُونَ: مَا بَالُ غَيْرِنَا اسْتَوْفَى وَبَقِينَا؟ فَيُقَالُ لَهُمْ: لَا تَعْجَلُوا.
فَيُؤْخَذُ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ ظَلَمَهُ بِمَظْلَمَةٍ، فَيُعَرِّفُ اللَّهُ أَهْلَ الْمَوْقِفِ أَجْمَعِينَ ذَلِكَ، فَإِذَا فُرِغَ مِنْ حِسَابِهِ قِيلَ: ارْجِعْ إِلَى أُمِّكَ الْهَاوِيَةِ، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، وَلَا يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مَلَكٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا صِدِّيقٌ وَلَا شَهِيدٌ وَلَا بَشَرٌ، إِلَّا ظَنَّ، لِمَا رَأَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ، أَنَّهُ لَا يَنْجُو إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» ".
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلِبَعْضِهِ شَاهِدٌ فِي " الصَّحِيحِ "، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ الْوَاسِطِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُزَنِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ أَبِي سَعْدٍ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً ". فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا قَالَ: " إِنَّ الْأَبْصَارَ يَوْمَئِذٍ شَاخِصَةٌ.
وَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتِي.
قَالَ: " اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتَهَا» ".
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ ابْنُ الْخُرَاسَانِيِّ الْمُعَدَّلُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ " عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بِثِيَابٍ جُدُدٍ، فَلَبِسَهَا، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: " «إِنَّ الْمُسْلِمَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا» . فَهَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ " السُّنَنِ "، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ.
ثُمَّ شَرَعَ الْبَيْهَقِيُّ يُجِيبُ عَنْ هَذَا لِمُعَارَضَتِهِ الْأَحَادِيثَ الْمُتَقَدِّمَةَ فِي بَعْثِ النَّاسِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَبْلَى بَعْدَ قِيَامِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، فَإِذَا وَافَوُا الْمَوْقِفَ يَكُونُونَ عُرَاةً، ثُمَّ يُكْسَوْنَ مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا كُسِيَ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصِّدِّيقُونَ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ، فَتَكُونُ كِسْوَةُ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ جِنْسِ مَا يَمُوتُ فِيهِ، ثُمَّ إِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ أُلْبِسُوا مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالثِّيَابِ هَهُنَا الْأَعْمَالُ، أَيْ يُبْعَثُ فِي أَعْمَالِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: 26] . وَقَالَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] . قَالَ قَتَادَةُ: عَمَلَكَ فَأَخْلِصْهُ.
ثُمَّ اسْتَشْهَدَ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ الْأَخِيرِ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» ". قَالَ: وَرُوِّيَنَا عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ مَاتَ عَلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ بُعِثَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ".
، وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ هَانِئٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: أَوْصَانِي مُعَاذٌ بِامْرَأَتِهِ، وَخَرَجَ، فَمَاتَتْ، فَدَفَنَّاهَا فَجَاءَنَا وَقَدْ رَفَعْنَا أَيْدِيَنَا مِنْ دَفْنِهَا، فَقَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ كَفَّنْتُمُوهَا؟ قُلْنَا: فِي ثِيَابِهَا.
فَأَمَرَ بِهَا فَنُبِشَتْ، وَكَفَّنَهَا فِي ثِيَابٍ جُدُدٍ، وَقَالَ: أَحْسِنُوا أَكْفَانَ مَوْتَاكُمْ؟ فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ فِيهَا.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَيَّارِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: يُحْشَرُ الْمَوْتَى فِي أَكْفَانِهِمْ.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ.
وَعَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ فِي أَكْفَانٍ دَسِمَةٍ، وَأَبْدَانٍ بَالِيَةٍ، مُتَغَيِّرَةٌ وُجُوهُهُمْ، شَعِثَةٌ رُءُوسُهُمْ، نَهِكَةٌ أَجْسَامُهُمْ، طَائِرَةٌ قُلُوبُهُمْ مِنْ صُدُورِهِمْ وَحَنَاجِرِهِمْ، لَا يَدْرِي الْقَوْمُ مَا مَوْئِلُهُمْ إِلَّا عِنْدَ انْصِرَافِهِمْ مِنَ الْمَوْقِفِ، فَمُنْصَرَفٌ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمُنْصَرَفٌ بِهِ إِلَى النَّارِ، ثُمَّ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا سَوْءَ مُنْصَرَفَاهْ، إِنْ أَنْتَ لَمْ تَغَمَّدْنَا مِنْكَ بِرَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ، لِمَا قَدْ ضَاقَتْ صُدُورُنَا مِنَ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، وَالْجَرَائِمِ الَّتِي لَا غَافِرَ لَهَا غَيْرُكَ.
[ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة: 15] الْآيَاتِ [الْحَاقَّةِ: 15، 16] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: 41]
الْآيَاتِ [ق: 41] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: 12] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: 17] [الْمُزَّمِّلِ: 12 - 18] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: 45] الْآيَةَ [يُونُسَ: 45] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 47] الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49] [الْكَهْفِ: 47 - 49] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ [الزُّمَرِ: 67 - 75] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: 101] الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ آخِرِ السُّورَةِ: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: 111] الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: 18] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ [عَبَسَ: 33 - 42] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: 34] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ [النَّازِعَاتِ: 34 - 46] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 21] الْآيَاتِ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ [الْفَجْرِ: 21 - 30] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1] الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: 16] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: 56] [الْوَاقِعَةِ: 1 - 56] . ذَكَرَ فِيهَا سُبْحَانَهُ جَزَاءَ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ، كَمَا، ذَكَرَ مَا
يُبَشَّرُونَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِمْ وَاحْتِضَارِهِمْ فِي آخِرِهَا، كَأَنَّ الْإِنْسَانَ يُشَاهِدُ ذَلِكَ مُشَاهَدَةً.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: 6] الْآيَاتِ.
وَقَالَ فِي آخِرِهَا: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: 46] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ [الْقَمَرِ: 6 - 55] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: 48] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [إبراهيم: 51]
[إِبْرَاهِيمَ: 48 - 51] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 15] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: 17] وَقَالَ بَعْدَهَا: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: 20]
[غَافِرٍ: 15 - 20] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: 99] الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: 112]
[الْبَقَرَةِ: 254] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] الْآيَةَ.
[آلِ عِمْرَانَ: 106] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 161] الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: 161] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص: 65]
[الْقَصَصِ: 65، 66] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 35]
[الْمُرْسَلَاتِ: 35 - 37] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ لَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَنْفَعُهُمْ.
وَالْآيَاتُ فِي أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا فِي أَكْثَرِ سُوَرِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِنَا " التَّفْسِيرِ " مَا يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ آيَةٍ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِفَةِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ الْمُفَسِّرَةِ ذَلِكَ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] . وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: 18] . فَهَذَا يَكُونُ فِي حَالٍ آخَرَ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي جَوَابِ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ.