الْمَفَاتِيحَ فَيُبَصِّرُ اللَّهُ بِهِ أَعْيُنًا عُورًا، وَيُسْمِعُ آذَانًا وُقْرًا، وَيُقِيمُ بِهِ أَلْسُنًا مُعْوَجَّةً حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يُعِينُ الْمَظْلُومَ وَيَمْنَعُهُ.» وَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْفَقِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنٍ عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ حَدَّثَنَا حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: 46] قَالَ: نُودُوا: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ اسْتَجَبْتُ لَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَدْعُوَنِي، وَأَعْطَيْتُكُمْ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُونِي.
وَذَكَرَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى دَاوُدَ فِي الزَّبُورِ: يَا دَاوُدُ إِنَّهُ سَيَأْتِي مِنْ بَعْدِكَ نَبِيٌّ اسْمُهُ أَحْمَدُ وَمُحَمَّدُ صَادِقًا سَيِّدًا، لَا أَغْضَبُ عَلَيْهِ أَبَدًا وَلَا يُغْضِبُنِي أَبَدًا، وَقَدْ غَفَرْتُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْصِيَنِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأُمَّتُهُ مَرْحُومَةٌ أَعْطَيْتُهُمْ مِنَ النَّوَافِلِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتُ الْأَنْبِيَاءَ، وَافْتَرَضْتُ عَلَيْهُمُ الْفَرَائِضَ الَّتِي افْتَرَضْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ حَتَّى يَأْتُونِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنُورُهُمْ مِثْلُ نُورِ الْأَنْبِيَاءِ.
إِلَى أَنْ قَالَ: يَا دَاوُدُ إِنِّي فَضَّلْتُ مُحَمَّدًا وَأُمَّتَهُ عَلَى الْأُمَمِ كُلِّهَا.
وَالْعِلْمُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا فِي مَوَاضِعِهَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: 52]
[الْبَقَرَةِ: 146] وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: 107]
[اَلْمَائِدَةِ: 83] وَفِي قِصَّةِ النَّجَاشِيِّ، وَسَلْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَذَكَرْنَا فِي تَضَاعِيفِ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ، مَا تَقَدَّمُ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ مِنْ وَصْفِهِمْ لِبِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَعْتِهِ وَبَلَدِ مَوْلِدِهِ وَدَارِ مُهَاجَرِهِ، وَنَعْتِ أُمَّتِهِ فِي قِصَّةِ
مُوسَى وَأَشْعِيَا وَأَرْمِيَا وَدَانْيَالَ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ آخِرِ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَاتَمِهِمْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، أَنَّهُ قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ خَطِيبًا قَائِلًا لَهُمْ ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6] وَفِي الْإِنْجِيلِ الْبِشَارَةُ بِالْبَارَقْلِيطِ وَالْمُرَادُ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ عَنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَمْرٍو عَنِ الْعَيْزَارِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَكْتُوبٌ فِي الْإِنْجِيلِ لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا سَخَّابٌ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا بَلْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ» .
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا فَيْضٌ الْبَجَلِيُّ حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: جُدَّ فِي أَمْرِي، وَاسْمَعْ وَأَطِعْ يَا ابْنَ الطَّاهِرَةِ الْبِكْرِ الْبَتُولِ، أَنَا خَلَقْتُكَ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ فَجَعَلْتُكَ آيَةً لِلْعَالَمِينَ فَإِيَّايَ فَاعْبُدْ فَبَيِّنْ لِأَهْلِ سُورَانَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ بَلِّغْ مَنْ بَيْنِ يَدَيْكَ أَنِّي أَنَا الْحَقُّ الْقَائِمُ الَّذِي لَا أَزُولُ صَدِّقُوا بِالنَّبِيِّ
الْأُمِّيِّ الْعَرَبِيِّ، صَاحِبِ الْجَمَلِ وَالْمِدْرَعَةِ وَالْعِمَامَةِ وَهِيَ التَّاجُ وَالنَّعْلَيْنِ وَالْهِرَاوَةِ وَهِيَ الْقَضِيبُ، الْجَعْدُ الرَّأْسِ الصَّلْتُ الْجَبِينِ الْمَقْرُونُ الْحَاجِبَيْنِ الْأَنْجَلُ الْعَيْنَيْنِ الْأَهْدَبُ الْأَشْفَارِ الْأَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ الْأَقْنَى الْأَنْفِ الْوَاضِحُ الْخَدَّيْنِ الْكَثُّ اللِّحْيَةِ، عَرَقُهُ فِي وَجْهِهِ كَاللُّؤْلُؤِ رِيحُ الْمِسْكِ يَنْضَحُ مِنْهُ، كَأَنَّ عُنُقَهُ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ وَكَأَنَّ الذَّهَبَ يَجْرِي فِي تَرَاقِيهِ، لَهُ شَعَرَاتٌ مِنْ لَبَّتِهِ إِلَى سُرَّتِهِ تَجْرِي كَالْقَضِيبِ لَيْسَ فِي بَطْنِهِ شَعْرٌ غَيْرُهُ، شَثْنُ الْكَفِّ وَالْقَدَمِ، إِذَا جَاءَ مَعَ النَّاسِ غَمَرَهُمْ، وَإِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَتَقَلَّعُ مِنَ الصَّخْرِ وَيَتَحَدَّرُ مِنْ صَبَبٍ، ذُو النَّسْلِ الْقَلِيلِ.
وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الذُّكُورَ مِنْ صُلْبِهِ.
هَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ حَدَّثَنِي بَعْضُ
عُمُومَتِي وَآبَائِي أَنَّهُمْ كَانَتْ عِنْدَهُمْ وَرَقَةٌ يَتَوَارَثُونَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَهِيَ عِنْدَهُمْ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ذَكَرُوهَا لَهُ وَأَتَوْهُ بِهَا، مَكْتُوبٌ فِيهَا: بِسْمِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ، وَقَوْلُ الظَّالِمِينَ فِي تَبَابٍ، هَذَا الذِّكْرُ لِأُمَّةٍ تَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ، يُسَبِّلُونَ أَطْرَافَهُمْ وَيَأْتَزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَيَخُوضُونَ الْبُحُورَ إِلَى أَعْدَائِهِمْ فِيهِمْ صَلَاةٌ لَوْ كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ مَا أُهْلِكُوا بِالطُّوفَانِ، وَفِي عَادٍ مَا أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ، وَفِي ثَمُودَ مَا أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ، وَقَوْلُ الظَّالِمِينَ فِي تِبَابٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً أُخْرَى، قَالَ: فَعَجِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَرَأْتُ عَلَيْهِ لِمَا فِيهَا.
وَذَكَرْنَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: 157] قِصَّةَ هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيِّ حِينَ بَعَثَهُ الصِّدِّيقُ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى هِرَقْلَ، يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَذَكَرَ أَنَّهُ أَخْرَجَ لَهُمْ صُوَرَ الْأَنْبِيَاءِ فِي رَبْعَةٍ، مِنْ آدَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، عَلَى النَّعْتِ وَالشَّكْلِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَ صُورَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ قَائِمًا إِكْرَامًا لَهُ.
ثُمَّ جَلَسَ وَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَتَأَمَّلُهَا.
قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: مَنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الصُّوَرُ؟ فَقَالَ: إِنَّ آدَمَ سَأَلَ
رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ وَلَدِهِ فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ صُوَرَهُمْ فَكَانَ فِي خِزَانَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ فَاسْتَخْرَجَهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ فَدَفَعَهَا إِلَى دَانْيَالَ.
ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ نَفْسِي قَدْ طَابَتْ بِالْخُرُوجِ مِنْ مُلْكِي، وَإِنِّي كُنْتُ عَبْدًا لِأَشَرِّكُمْ مَلَكَةً حَتَّى أَمُوتَ.
ثُمَّ أَجَازَنَا فَأَحْسَنَ جَائِزَتَنَا وَسَرَّحَنَا.
فَلَمَّا أَتَيْنَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَحَدَّثْنَاهُ بِمَا رَأَيْنَا وَمَا أَجَازَنَا وَمَا قَالَ لَنَا.
قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: مِسْكِينٌ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا لَفَعَلَ.
ثُمَّ قَالَ: «أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ وَالْيَهُودَ يَجِدُونَ نَعْتَ مُحَمَّدٍ عِنْدَهُمْ.» رَوَاهُ الْحَاكِمُ بِطُولِهِ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ.
وَقَالَ الْأُمَوِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قَدِمْتُ بِرَقِيقٍ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ أَعْطَانِيهِمْ فَقَالُوا لِي: يَا عَمْرُو لَوْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ لَعَرَفْنَاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخْبِرَنَا فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَقُلْتُ: أَهُوَ هَذَا؟ قَالُوا: لَا.
فَمَرَّ عُمَرُ فَقُلْتُ: أَهُوَ هَذَا؟ قَالُوا: لَا.
فَدَخَلْنَا الدَّارَ فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادُونِي: يَا عَمْرُو هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ
هُوَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِهِ أَحَدٌ، عَرَفُوهُ بِمَا كَانُوا يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ إِنْذَارُ سَبَأٍ لِقَوْمِهِ، وَبِشَارَتِهِ لَهُمْ بِوُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِعْرٍ أَسْلَفْنَاهُ فِي تَرْجَمَتِهِ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْحَبْرَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ لِتُبَّعٍ الْيَمَانِيِّ، حِينَ حَاصَرَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِنَّهَا مُهَاجَرُ نَبِيٍّ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَرَجَعَ عَنْهَا، وَنَظَمَ شِعْرًا يَتَضَمَّنُ السَّلَامَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
[قِصَّةُ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ الْحِمْيَرِيِّ، وَبِشَارَتُهُ بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ]
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَهْلٍ الْخَرَائِطِيُّ فِي كِتَابِهِ هَوَاتِفِ الْجَانِّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ - هُوَ ابْنُ بَكَّارٍ الْقَعْنَبِيُّ - عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا ظَهَرَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ - قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَاسْمُهُ النُّعْمَانُ بْنُ قَيْسٍ - عَلَى الْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَتَيْنِ، أَتَتْهُ وُفُودُ الْعَرَبِ وَشُعَرَاؤُهَا، تُهَنِّئُهُ وَتَمْدَحُهُ وَتَذْكُرُ مَا كَانَ مِنْ حُسْنِ بَلَائِهِ، وَأَتَاهُ فِيمَنْ أَتَاهُ وَفْدُ قُرَيْشٍ فِيهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ، وَخُوَيْلِدُ بْنُ أَسَدٍ فِي أُنَاسٍ مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ فَقَدِمُوا عَلَيْهِ صَنْعَاءَ فَإِذَا هُوَ فِي رَأْسِ غُمْدَانَ الَّذِي ذَكَرَهُ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ
وَاشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْكَ التَّاجُ مُرْتَفِعًا ... فِي رَأْسِ غُمْدَانَ دَارًا مِنْكَ مِحْلَالَا
فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْآذِنُ فَأَخْبَرَهُ بِمَكَانِهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْكَلَامِ فَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُلُوكِ فَقَدْ أَذِنَّا لَكَ.
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ مَحَلًّا رَفِيعًا صَعْبًا مَنِيعًا شَامِخًا بَاذِخًا، وَأَنْبَتَكَ مَنْبَتًا طَابَتْ أَرُومَتُهُ، وَعَزَّتْ جُرْثُومَتُهُ، وَثَبَتَ أَصْلُهُ، وَبَسَقَ فَرْعُهُ، فِي أَكْرَمِ مَوْطِنٍ وَأَطْيَبِ مَعْدِنٍ فَأَنْتَ - أَبَيْتَ اللَّعْنَ - مَلِكُ الْعَرَبِ، وَرَبِيعُهَا الَّذِي تَخْصَبُ بِهِ الْبِلَادُ، وَرَأْسُ الْعَرَبِ الَّذِي لَهُ تَنْقَادُ، وَعَمُودُهَا الَّذِي عَلَيْهِ الْعِمَادُ، وَمَعْقِلُهَا الَّذِي يَلْجَأُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ، وَسَلَفُكَ خَيْرُ سَلَفٍ، وَأَنْتَ لَنَا مِنْهُمْ خَيْرُ خَلَفٍ فَلَنْ يَخْمُدَ مَنْ هُمْ سَلَفُهُ، وَلَنْ يَهْلِكَ مَنْ أَنْتَ خَلَفُهُ، وَنَحْنُ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ، وَسَدَنَةُ بَيْتِهِ أَشْخَصَنَا إِلَيْكَ الَّذِي أَبْهَجَنَا مِنْ كَشْفِكَ الْكَرْبَ الَّذِي قَدْ فَدَحَنَا، وَفْدُ التَّهْنِئَةِ لَا وَفْدُ الْمَرْزِئَةِ.
قَالَ: وَأَيُّهُمْ أَنْتَ أَيُّهَا الْمُتَكَلِّمُ؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ.
قَالَ: ابْنُ أُخْتِنَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: ادْنُ.
فَأَدْنَاهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا وَنَاقَةً وَرَحْلًا وَمُسْتَنَاخًا سَهْلًا، وَمَلِكًا رِبَحْلًا يُعْطِي عَطَاءً جَزْلًا، قَدْ سَمِعَ الْمَلِكُ مَقَالَتَكُمْ، وَعَرَفَ قَرَابَتَكُمْ وَقَبِلَ وَسِيلَتَكُمْ فَأَنْتُمْ أَهْلُ
اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَلَكُمُ الْكَرَامَةُ مَا أَقَمْتُمْ وَالْحِبَاءُ إِذَا ظَعَنْتُمْ، ثُمَّ أُنْهِضُوا إِلَى دَارِ الْكَرَامَةِ وَالْوُفُودِ فَأَقَامُوا شَهْرًا لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ وَلَا يَأْذَنُ لَهُمْ بِالِانْصِرَافِ.
ثُمَّ انْتَبَهَ لَهُمُ انْتِبَاهَةً فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَدْنَى مَجْلِسَهُ وَأَخْلَاهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ إِنِّي مُفْضٍ إِلَيْكَ مِنْ سِرِّ عِلْمِي، مَا أَنْ لَوْ يَكُونُ غَيْرُكَ لَمْ أَبُحْ بِهِ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُكَ مَعْدِنَهُ; فَأَطْلَعْتُكَ طَلِيعَهُ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ مَطْوِيًّا حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ: إِنِّي أَجِدُّ فِي الْكِتَابِ الْمَكْنُونِ وَالْعِلْمِ الْمَخْزُونِ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ لِأَنْفُسِنَا، وَاحْتَجَبْنَاهُ دُونَ غَيْرِنَا خَيْرًا عَظِيمًا، وَخَطَرًا جَسِيمًا فِيهِ شَرَفُ الْحَيَاةِ، وَفَضِيلَةُ الْوَفَاةِ لِلنَّاسِ عَامَّةً وَلِرَهْطِكَ كَافَّةً وَلَكَ خَاصَّةً.
فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَيُّهَا الْمَلِكُ مِثْلُكَ سَرَّ وَبَرَّ فَمَا هُوَ؟ فِدَاكَ أَهْلُ الْوَبَرِ زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ.
قَالَ: إِذَا وُلِدَ مَوْلُودٌ بِتِهَامَةْ، غُلَامٌ بِهِ عَلَامَةْ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ شَامَةْ، كَانَتْ لَهُ الْإِمَامَةْ، وَلَكُمْ بِهِ الزَّعَامَةْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةْ.
قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ، قَدْ أُبْتُ بِخَيْرِ مَا آبَ بِهِ وَافِدٌ، وَلَوْلَا هَيْبَةُ الْمَلِكِ وَإِجْلَالُهُ وَإِعْظَامُهُ; لَسَأَلْتُهُ مِنْ سَارِّهِ إِيَّايَ مَا أَزْدَادُ بِهِ سُرُورًا.
قَالَ ابْنُ ذِي يَزَنَ: هَذَا حِينُهُ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ، أَوْ قَدْ وُلِدَ وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ يَمُوتُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ، وَيَكْفُلُهُ جَدُّهُ وَعَمُّهُ، وَلَدْنَاهُ مِرَارًا وَاللَّهُ بَاعِثُهُ جِهَارًا، وَجَاعِلٌ لَهُ مِنَّا أَنْصَارًا يُعِزُّ بِهِمْ أَوْلِيَاءَهُ، وَيُذِلُّ بِهِمْ أَعْدَاءَهُ، وَيَضْرِبُ بِهِمُ النَّاسَ عَنْ عُرْضٍ، وَيَسْتَبِيحُ بِهِمْ كَرَائِمَ الْأَرْضِ يَكْسِرُ
الْأَوْثَانَ، وَيُخْمِدُ النِّيرَانَ، وَيَعْبُدُ الرَّحْمَنَ وَيَدْحَرُ الشَّيْطَانَ، قَوْلُهُ فَصْلٌ وَحُكْمُهُ عَدْلٌ، يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَفْعَلُهُ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُبْطِلُهُ.
فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَيُّهَا الْمَلِكُ عَزَّ جَدُّكَ، وَعَلَا كَعْبُكَ، وَدَامَ مُلْكُكَ، وَطَالَ عُمُرُكَ، فَهَذَا نِجَارِي فَهَلِ الْمَلِكُ سَارَّنِي بِإِفْصَاحٍ، فَقَدْ وَضَّحَ لِي بَعْضَ الْإِيضَاحِ.
فَقَالَ ابْنُ ذِي يَزَنَ: وَالْبَيْتِ ذِي الْحُجُبِ وَالْعَلَامَاتِ عَلَى النُّقُبِ، إِنَّكَ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَجَدُّهُ غَيْرَ كَذِبٍ.
فَخَرَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ سَاجِدًا فَقَالَ: ارْفَعْ رَأْسَكَ ثَلَجَ صَدْرُكَ، وَعَلَا أَمْرُكَ فَهَلْ أَحْسَسْتَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْتُ لَكَ؟ فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ كَانَ لِيَ ابْنٌ وَكُنْتُ بِهِ مُعْجَبًا، وَعَلَيْهِ رَفِيقَا فَزَوَّجْتُهُ كَرِيمَةً مَنْ كَرَائِمِ قَوْمِهِ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ فَجَاءَتْ بِغُلَامٍ سَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا فَمَاتَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَكَفَلْتُهُ أَنَا وَعَمُّهُ.
قَالَ ابْنُ ذِي يَزَنَ: إِنَّ الَّذِي قُلْتُ لَكَ كَمَا قُلْتَ فَاحْتَفِظْ بِابْنِكَ، وَاحْذَرْ عَلَيْهِ الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَهُ أَعْدَاءٌ، وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِ سَبِيلًا، وَاطْوِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ دُونَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ الَّذِينَ مَعَكَ; فَإِنِّي لَسْتُ آمَنُ أَنْ تُدْخِلَهُمُ النَّفَاسَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكُمُ الرِّيَاسَةُ فَيَطْلُبُونَ لَهُ الْغَوَائِلَ، وَيَنْصِبُونَ لَهُ الْحَبَائِلَ فَهُمْ فَاعِلُونَ أَوْ أَبْنَاؤُهُمْ، وَلَوْلَا أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ مُجْتَاحِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ; لَسِرْتُ بِخَيْلِي وَرَجِلِي حَتَّى أُصَيِّرَ يَثْرِبَ دَارَ مُلْكِي فَإِنِّي أَجِدُ فِي الْكِتَابِ النَّاطِقِ وَالْعِلْمِ السَّابِقِ أَنَّ بِيَثْرِبَ اسْتِحْكَامُ أَمْرِهِ، وَأَهْلُ
نُصْرَتِهِ، وَمَوْضِعُ قَبْرِهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أَقِيهِ الْآفَاتِ، وَأَحْذَرُ عَلَيْهِ الْعَاهَاتِ لَأَعْلَنْتُ - عَلَى حَدَاثَةِ سِنِّهِ - أَمْرَهُ، وَلَأَوْطَأْتُ عَلَى أَسْنَانِ الْعَرَبِ عَقِبَهُ، وَلَكِنِّي صَادِفٌ ذَلِكَ إِلَيْكَ، عَنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ بِمَنْ مَعَكَ قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِعَشَرَةِ أَعْبُدٍ وَعَشْرِ إِمَاءٍ، وَبِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَحُلَّتَيْنِ مِنَ الْبُرُودِ، وَبِخَمْسَةِ أَرْطَالٍ مِنَ الذَّهَبِ وَعَشَرَةِ أَرْطَالِ فِضَّةٍ، وَكَرِشٍ مَمْلُوءٍ عَنْبَرًا، وَأَمَرَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِعَشْرَةِ أَضْعَافِ ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُ: إِذَا حَالَ الْحَوْلُ فَأْتِنِي فَمَاتَ ابْنُ ذِي يَزَنَ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ.
فَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ كَثِيرًا مَا يَقُولُ لَا يَغْبِطْنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ بِجَزِيلِ عَطَاءِ الْمَلِكِ فَإِنَّهُ إِلَى نَفَادٍ، وَلَكِنْ لِيَغْبِطْنِي بِمَا يَبْقَى لِي وَلِعَقِبِي مِنْ بَعْدِي ذِكْرُهُ وَفَخْرُهُ وَشَرَفُهُ.
فَإِذَا قِيلَ لَهُ مَتَى ذَلِكَ؟ قَالَ: سَيُعْلَمُ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ.
قَالَ: وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ
جَلَبْنَا النُّصْحَ تَحْقُبُهُ ... الْمَطَايَا عَلَى أَكْوَارِ أَجْمَالٍ وَنُوقِ
مُغَلْغِلَةٌ مَرَاتِعُهَا تُعَالَى ... إِلَى صَنْعَاءَ مِنْ فَجٍّ عَمِيقِ
تَؤُمُّ بِنَا ابْنَ ذِي يَزَنَ ... وَيُغْرِي بِذَاتِ بِطُونِهَا ذَمُّ الطَّرِيقِ
وَتَرْعَى مِنْ مَخَائِلِهِ بُرُوقًا ... مُوَاصِلَةَ الْوَمِيضِ إِلَى بُرُوقِ
فَلَمَّا وَاقَعَتْ صَنْعَاءَ حَلَّتْ
بِدَارِ الْمُلْكِ وَالْحَسَبِ الْعَتِيقِ
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ، مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ بِكْرِ بْنِ بَكَّارٍ الْقَعْنَبِيِّ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: أُخْبِرْتُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُفَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الصَّقْرِ بْنِ عُفَيْرِ بْنِ زُرْعَةَ بْنِ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ حَدَّثَنِي أَبِي أَبُو يَزَنَ إِبْرَاهِيمُ حَدَّثَنَا عَمِّي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو رَجَاءٍ حَدَّثَنَا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زُرْعَةَ بْنِ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ لَمَّا ظَهَرَ جَدِّي سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ عَلَى الْحَبَشَةِ وَذَكَرَهُ بِطُولِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَرَائِطِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقُلُوسِيُّ حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَبِي سُوَيَّةَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُوَيَّةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي سُوَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ خَلِيفَةَ قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ
بْنَ عُثْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ سُوَاةَ بْنِ خَثْعَمِ بْنِ سَعْدٍ فَقُلْتُ: كَيْفَ سَمَّاكَ أَبُوكَ مُحَمَّدًا؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ أَبِي عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَقَالَ: خَرَجْتُ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَنَا مِنْهُمْ وَسُفْيَانُ بْنُ مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمٍ وَأُسَامَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُنْدُبِ بْنِ الْعَقِيدِ وَيَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ حَرْبُوصِ بْنِ مَازِنٍ، وَنَحْنُ نُرِيدُ ابْنَ جَفْنَةَ مَلِكَ غَسَّانَ فَلَمَّا شَارَفْنَا الشَّامَ نَزَلْنَا عَلَى غَدِيرٍ عَلَيْهِ شَجَرَاتٌ فَتَحَدَّثْنَا فَسَمِعَ كَلَامَنَا رَاهِبٌ فَأَشْرَفَ عَلَيْنَا فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ لُغَةٌ مَا هِيَ بِلُغَةِ هَذِهِ الْبِلَادِ قُلْنَا: نَعَمْ نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ مُضَرَ قَالَ: مِنْ أَيِّ الْمُضَرِيِّينَ؟ قُلْنَا: مِنْ خِنْدَفٍ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ سَيُبْعَثُ وَشِيكًا نَبِيٌّ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ فَسَارِعُوا إِلَيْهِ، وَخُذُوا بِحَظِّكُمْ مِنْهُ تَرْشُدُوا فَقُلْنَا لَهُ: مَا اسْمُهُ؟ قَالَ: اسْمُهُ مُحَمَّدٌ قَالَ: فَرَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ ابْنِ جَفْنَةَ فَوُلِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا ابْنٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَمِعَ فِي أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّبِيُّ الْمُبَشَّرُ بِهِ وَلَدَهُ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَرَائِطِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَعْدٍ حَدَّثَنَا حَازِمُ بْنُ عِقَالِ بْنِ الزَّهْرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي الْحُصَيْنِ بْنِ السَّمَوْءَلِ بْنِ عَادِيَاءَ حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ حَيْرَانَ بْنِ جَمِيعِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سِمَاكِ بْنِ الْحُصَيْنِ بْنِ السَّمَوْءَلِ بْنِ عَادِيَاءَ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتِ الْأَوْسَ بْنَ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الْوَفَاةُ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ قَوْمُهُ مِنْ غَسَّانَ فَقَالُوا: إِنَّهُ قَدْ حَضَرَكَ مِنْ
أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى، وَكُنَّا نَأْمُرُكَ بِالتَّزَوُّجِ فِي شَبَابِكَ فَتَأْبَى.
وَهَذَا أَخُوكَ الْخَزْرَجُ لَهُ خَمْسَةُ بَنِينَ، وَلَيْسَ لَكَ وَلَدٌ غَيْرَ مَالِكٍ فَقَالَ: لَنْ يَهْلَكَ هَالِكٌ تَرَكَ مِثْلَ مَالِكٍ إِنَّ الَّذِي يُخْرِجُ النَّارَ مِنَ الْوَثِيمَةِ، قَادِرٌ أَنْ يَجْعَلَ لِمَالِكٍ نَسْلًا وَرِجَالًا بُسْلًا، وَكُلٌّ إِلَى الْمَوْتِ.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى مَالِكٍ، وَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ الْمَنِيَّةُ وَلَا الدَّنِيَّةُ، الْعِقَابُ وَلَا الْعِتَابُ، التَّجَلُّدُ وَلَا التَّلَدُّدُ، الْقَبْرُ خَيْرٌ مِنَ الْفَقْرِ، إِنَّهُ مَنْ قَلَّ ذَلَّ، وَمَنْ كَرَّ فَرَّ، وَمِنْ كَرَمِ الْكَرِيمِ الدَّفْعُ عَنِ الْحَرِيمِ وَالدَّهْرُ يَوْمَانِ; فَيَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ، فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ، وَإِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْطَبِرْ، وَكُلَاهُمَا سَيَنْحَسِرُ لَيْسَ يُفْلِتُ مِنْهُمَا الْمَلِكُ الْمُتَوَّجُ وَلَا اللَّئِيمُ الْمُعَلْهَجُ، سَلِّمْ لِيَوْمِكَ حِيَالَ رَبِّكَ.
ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
شَهِدْتُ السَّبَايَا يَوْمَ آلِ مُحَرَّقٍ ... وَأَدْرَكَ عُمُرِي صَيْحَةَ اللَّهِ فِي الْحِجْرِ
فَلَمْ أَرَ ذَا مُلْكٍ مِنَ النَّاسِ وَاحِدًا ... وَلَا سُوقَةً إِلَّا إِلَى الْمَوْتِ وَالْقَبْرِ
فَعَلَّ الَّذِي أَرْدَى ثَمُودًا وَجُرْهُمًا ... سَيُعْقِبُ لِي نَسْلًا عَلَى آخِرِ الدَّهْرِ
تَقَرُّ بِهِمْ مِنْ آلِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ... عُيُونٌ لَدَى الدَّاعِي إِلَى طَلَبِ الْوَتْرِ
فَإِنْ لَمْ تَكُ الْأيَّامُ أَبْلَيْنَ جَدَّتِي ... وَشَيَّبْنَ رَأْسِي وَالْمَشِيبُ مَعَ الْعُمُرِ
فَإِنَّ لَنَا رَبًّا عَلَا فَوْقَ عَرْشِهِ عَلِيمًا بِمَا يَأْتِي مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ... أَلَمْ يَأْتِ قَوْمِي أَنَّ للَّهِ دَعْوَةً يَفُوزُ بِهَا أَهْلُ السَّعَادَةِ وَالْبِرِّ ... إِذَا بُعِثَ الْمَبْعُوثُ مِنْ آلِ غَالِبٍ بَمَكَّةَ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْحِجْرِ ... هُنَالِكَ فَابْغُوا نَصْرَهُ بِبِلَادِكُمْ بَنِي عَامِرٍ إِنَّ السَّعَادَةَ فِي النَّصْرِ قَالَ: ثُمَّ قُضِيَ مِنْ سَاعَتِهِ.
[بَابٌ فِي هَوَاتِفِ الْجَانِّ]
وَهُوَ مَا أَلْقَتْهُ الْجَانُّ عَلَى أَلْسِنَةِ
الْكُهَّانِ، وَمَسْمُوعًا مِنَ الْأَوْثَانِ
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي عُمَرُ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ - أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ لِشَيْءٍ قَطُّ: إِنِّي لَأَظُنُّهُ.
إِلَّا كَانَ كَمَا يَظُنُّ، بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَالِسٌ إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ فَقَالَ: لَقَدْ أَخْطَأَ ظَنِّي، أَوْ إِنَّ هَذَا عَلَى دِينِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنَهُمْ، عَلَيَّ الرَّجُلَ.
فَدُعِيَ بِهِ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ اسْتَقْبَلَ بِهِ رَجُلًا مُسْلِمًا.
قَالَ: فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي.
قَالَ: كُنْتُ كَاهِنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
قَالَ: فَمَا أَعْجَبُ مَا جَاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ؟ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا فِي السُّوقِ يَوْمًا جَاءَتْنِي أَعْرِفُ فِيهَا الْفَزَعَ فَقَالَتْ
أَلَمْ تَرَ الْجِنَّ وَإِبْلَاسَهَا ... وَيَأْسَهَا مِنْ بِعْدِ إِنْكَاسِهَا
وَلُحُوقَهَا بِالْقِلَاصِ وَأَحْلَاسِهَا
قَالَ عُمَرُ: صَدَقَ، بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ عِنْدَ آلِهَتِهِمْ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ فَصَرَخَ بِهِ صَارِخٌ لَمْ أَسْمَعْ صَارِخًا قَطُّ أَشَدَّ صَوْتًا مِنْهُ يَقُولُ: يَا جَلِيحُ أَمْرٌ نَجِيحٌ رَجُلٌ فَصِيحٌ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَوَثَبَ الْقَوْمُ فَقُلْتُ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا، ثُمَّ نَادَى: يَا جَلِيحُ أَمْرٌ نَجِيحٌ رَجُلٌ فَصِيحٌ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقُمْتُ فَمَا نَشِبْنَا أَنْ قِيلَ: هَذَا نَبِيٌّ.
تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ.
وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ الْأَزْدِيُّ، وَيُقَالُ: السَّدُوسِيُّ مِنْ أَهْلِ السَّرَاةِ مِنْ جِبَالِ الْبَلْقَاءِ لَهُ صُحْبَةٌ، وَوِفَادَةٌ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ، وَابْنُ مَنْدَهْ: رَوَى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَهُ صُحْبَةٌ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ فِي أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ أَحْمَدُ بْنُ رَوْحٍ الْبَرْذَعِيُّ الْحَافِظُ والدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْمِصْرِيُّ: سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ الْوَقَّاصِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ: كَانَ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْيَمَنِ ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ، وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُهُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ مُطَوَّلَةٍ بِأَبْسَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي النَّاسِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ يُرِيدُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ عُمَرُ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَعَلَى شِرْكِهِ مَا فَارَقَهُ بَعْدُ أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
فَسَلَّمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ أَسْلَمْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: فَهَلْ كُنْتَ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ خِلْتَ فِيَّ وَاسْتَقْبَلْتَنِي بِأَمْرٍ مَا أَرَاكَ قُلْتَهُ لِأَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِكَ مُنْذُ وُلِّيتَ مَا وُلِّيتَ.
فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ غَفْرًا، قَدْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى شَرٍّ مِنْ هَذَا نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَعْتَنِقُ الْأَوْثَانَ حَتَّى أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِرَسُولِهِ وَبِالْإِسْلَامِ.
قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ كُنْتُ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي مَا جَاءَ بِهِ صَاحِبُكَ.
قَالَ: جَاءَنِي قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِشَهْرٍ أَوْ شَيْعِهِ فَقَالَ
أَلَمْ تَرَ الْجِنَّ وَإِبْلَاسَهَا ... وَيَأْسَهَا مِنْ بَعْدِ إِنْكَاسِهَا
وَلُحُوقَهَا بِالْقِلَاصِ وَأَحْلَاسِهَا
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ هَذَا الْكَلَامُ سَجْعٌ لَيْسَ بِشِعْرٍ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ:
فَقَالَ عُمَرُ عِنْدَ ذَلِكَ يُحَدِّثُ النَّاسَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَعِنْدَ وَثَنٍ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ ذَبَحَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ عِجْلًا فَنَحْنُ نَنْتَظِرُ قَسْمَهُ أَنْ يَقْسِمَ لَنَا مِنْهُ إِذْ سَمِعْتُ مَنْ جَوْفِ الْعِجْلَ صَوْتًا مَا سَمِعْتُ صَوْتًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِشَهْرٍ أَوْ شَيْعِهِ يَقُولُ: يَا ذَرِيحُ، أَمْرٌ نَجِيحٌ، رَجُلٌ يَصِيحُ، يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالَ: رَجُلٌ يَصِيحُ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَإِبْلَاسِهَا ... وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَحْلَاسِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا مُؤْمِنُو الْجِنِّ كَأَنْجَاسِهَا
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حُجْرِ بْنِ النُّعْمَانِ الشَّامِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَنْصُورٍ الْأَنْبَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَقَّاصِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: «بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسٌ، إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَعْرِفُ هَذَا
الْمَارَّ؟ قَالَ: وَمَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ الَّذِي أَتَاهُ رَئِيُّهُ بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَأَنْتَ عَلَى مَا كُنْتَ عَلَيْهِ مِنْ كَهَانَتِكَ؟ قَالَ: فَغَضِبَ، وَقَالَ: مَا اسْتَقْبَلَنِي بِهَذَا أَحَدٌ مُنْذُ أَسْلَمْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ عُمَرُ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ مِمَّا كُنْتَ عَلَيْهِ مِنْ كَهَانَتِكَ فَأَخْبِرْنِي بِإِتْيَانِكَ رَئِيُّكَ بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَيْنَمَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، إِذْ أَتَانِي رَئِيِّي فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: قُمْ يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبٍ وَاسْمَعْ مَقَالَتِي، وَاعْقِلْ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ إِنَّهُ قَدْ بُعِثَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ، يَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَإِلَى عِبَادَتِهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتَطْلَابِهَا ... وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَقْتَابِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا صَادِقُ الْجِنِّ كَكَذَّابِهَا
فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ ... لَيْسَ قُدَّامُاهَا كَأَذْنَابِهَا
قَالَ: قُلْتُ: دَعْنِي أَنَامُ فَإِنِّي أَمْسَيْتُ نَاعِسًا.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ أَتَانِي فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: قُمْ يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبٍ، وَاسْمَعْ مَقَالَتِي، وَاعْقِلْ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ إِنَّهُ بُعِثَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَإِلَى
عِبَادَتِهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتَخْيَارِهَا ... وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَكْوَارِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا مُؤْمِنُو الْجِنِّ كَكُفَّارِهَا
فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ ... بَيْنَ رَوَابِيهَا وَأَحْجَارِهَا
قَالَ: قُلْتُ: دَعْنِي أَنَامُ فَإِنِّي أَمْسَيْتُ نَاعِسًا.
فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ، أَتَانِي فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: قُمْ يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبٍ فَاسْمَعْ مَقَالَتِي وَاعْقِلْ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، إِنَّهُ قَدْ بُعِثَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى عِبَادَتِهِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتَحْسَاسِهَا ... وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَحْلَاسِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا خَيِّرُ الْجِنِّ كَأَنْجَاسِهَا
فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ ... وَاسْمُ بِعَيْنَيْكَ إِلَى رَأْسِهَا
قَالَ: فَقُمْتُ، وَقُلْتُ: قَدِ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبِي.
فَرَحَّلْتُ نَاقَتِي، ثُمَّ أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ يَعْنِي مَكَّةَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَصْحَابِهِ فَدَنَوْتُ فَقُلْتُ: اسْمَعْ مَقَالَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: هَاتِ فَأَنْشَأْتُ أَقُولُ
أَتَانِي نَجِيِّي بَعْدَ هَدْءٍ وَرَقْدَةٍ ... وَلَمْ يَكُ فِيمَا قَدْ تَلَوْتُ بِكَاذِبِ
ثَلَاثَ لَيَالٍ قَوْلُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ ... أَتَاكَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ
فَشَمَّرْتُ عَنْ ذَيْلِي الْأِزَارَ وَوَسَّطَتْ
بِيَ الذِّعْلِبُ الْوَجْنَاءُ غُبْرَ السَّبَاسِبِ ... فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ
وَأَنَّكَ مَأْمُونٌ عَلَى كُلِّ غَالِبِ ... وَأَنَّكَ أَدْنَى الْمُرْسَلِينَ وَسِيلَةً
إِلَى اللَّهِ يَا ابْنَ الْأَكْرَمِينَ الْأَطَايِبِ ... فَمُرْنَا بِمَا يَأْتِيكَ يَا خَيْرَ مَنْ مَشَى
وَإِنْ كَانَ فِيمَا جَاءَ شَيْبُ الذَّوَائِبِ ... وَكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لَا ذُو شَفَاعَةٍ
سِوَاكَ بِمُغْنٍ عَنْ سَوَادِ بْنِ قَارِبِ
قَالَ: فَفَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، بِمَقَالَتِي فَرَحًا شَدِيدًا حَتَّى رُئِيَ الْفَرَحُ فِي وُجُوهِهِمْ.
قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْكَ فَهَلْ يَأْتِيكَ رَئِيُّكَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: أَمَّا مُنْذُ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ فَلَا، وَنِعْمَ الْعِوَضُ كِتَابُ اللَّهِ مِنَ الْجِنِّ.
ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: كُنَّا يَوْمًا فِي حَيٍّ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالَ لَهُمْ: آلُ ذَرِيحٍ، وَقَدْ ذَبَحُوا عِجْلًا لَهُمْ وَالْجَزَّارُ يُعَالِجُهُ إِذْ سَمِعْنَا صَوْتًا مِنْ جَوْفِ الْعِجْلَ وَلَا نَرَى شَيْئًا قَالَ: يَا آلَ ذَرِيحٍ، أَمْرٌ نَجِيحٌ، صَائِحٌ يَصِيحُ، بِلِسَانٍ فَصِيحٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيُّ وَقَدْ تَسَاعَدُوا عَلَى أَنَّ السَّامِعَ الصَّوْتَ مِنَ الْعِجْلِ هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَهْلٍ الْخَرَائِطِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي جَمَعَهُ فِي هَوَاتِفِ الْجَانِّ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى الْمُؤَدِّبُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْوَصَّافِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: «دَخَلَ سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ السَّدُوسِيُّ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبٍ، هَلْ تُحْسِنُ الْيَوْمَ مَنْ كَهَانَتِكَ شَيْئًا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا اسْتَقْبَلْتَ أَحَدًا مِنْ جُلَسَائِكَ بِمِثْلِ مَا اسْتَقْبَلْتَنِي بِهِ.
قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا سَوَادُ مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنْ شِرْكِنَا أَعْظَمُ مِمَّا كُنْتَ عَلَيْهِ مِنْ كَهَانَتِكَ وَاللَّهِ يَا سَوَادُ لَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ حَدِيثٌ إِنَّهُ لَعَجَبٌ مِنَ الْعَجَبِ.
قَالَ: إِي وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ لَعَجَبٌ مِنَ الْعَجَبِ.
قَالَ: فَحَدِّثْنِيهِ قَالَ: كُنْتُ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي نَجِيِّي فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا سَوَادُ اسْمَعْ أَقُلْ لَكَ.
قُلْتُ: هَاتِ.
قَالَ
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَأَنْجَاسِهَا ... وَرَحْلِهَا الْعِيسَ بِأَحْلَاسِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا مُؤْمِنُوهَا مِثْلَ أَرْجَاسِهَا
فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ ... وَاسْمُ بِعَيْنَيْكَ إِلَى رَأْسِهَا
قَالَ: فَنِمْتُ، وَلَمْ أَحْفِلْ بِقَوْلِهِ شَيْئًا.
فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ أَتَانِي فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: قُمْ يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبٍ اسْمَعْ أَقُلْ لَكَ قُلْتُ: هَاتِ قَالَ
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتَطْلَابِهَا ... وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَقْتَابِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا صَادِقُ الْجِنِّ كَكَذَّابِهَا
فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ ... لَيْسَ الْمَقَادِيمُ كَأَذْنَابِهَا
قَالَ: فَحَرَّكَ قَوْلُهُ مِنِّي شَيْئًا، وَنِمْتُ فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ أَتَانِي فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبٍ أَتَعْقِلُ أَمْ لَا تَعْقِلُ؟ قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: ظَهَرَ بِمَكَّةَ نَبِيٌّ يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ فَالْحَقْ بِهِ اسْمَعْ أَقُلْ لَكَ.
قُلْتُ: هَاتِ.
قَالَ
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتَنْفَارِهَا ... وَرَحْلِهَا الْعِيسَ بِأَكْوَارِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا مُؤْمِنُو الْجِنِّ كَكُفَّارِهَا
فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ ... بَيْنَ رَوَابِيهَا وَأَحْجَارِهَا
قَالَ: فَعَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَرَادَ بِي خَيْرًا فَقُمْتُ إِلَى بُرْدَةٍ لِي فَفَتَقْتُهَا وَلَبِسْتُهَا، وَوَضَعْتُ رِجْلِي فِي غَرْزِ رِكَابِ النَّاقَةِ، وَأَقْبَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَضَ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمْتُ، وَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: إِذَا اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ فَأَخْبِرْهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ قُمْتُ فَقُلْتُ
أَتَانِي نَجِيِّي بَعْدَ هَدْءٍ وَرَقْدَةٍ ... وَلَمْ يَكُ فِيمَا قَدْ بَلَوْتُ بِكَاذِبِ
ثَلَاثَ لَيَالٍ قَوْلُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ ... أَتَاكَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ
فَشَمَّرْتُ عَنْ ذَيْلِي الْإِزَارَ وَوَسَّطَتْ ... بِيَ الذِّعْلِبُ الْوَجْنَاءُ غُبْرَ السَّبَاسِبِ
وَأَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا رَبَّ غَيْرُهُ ... وَأَنَّكَ مَأْمُونٌ عَلَى كُلِّ غَائِبِ
وَأَنَّكَ أَدْنَى الْمُرْسَلِينَ وِسَيلَةً ... إِلَى اللَّهِ يَا ابْنَ الْأَكْرَمِينَ الْأَطَايِبِ
فَمُرْنَا بِمَا يَأْتِيكَ يَا خَيْرَ مُرْسَلٍ ... وَإِنْ كَانَ فِيمَا جَاءَ شَيْبُ الذَّوَائِبِ
قَالَ: فَسُرَّ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ تُحِسُّ الْيَوْمَ مِنْهَا بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أَمَّا مُذْ عَلَّمَنِي اللَّهُ الْقُرْآنَ فَلَا» . وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، قَالَ: «لَمَّا وَرَدَ سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ عَلَى عُمَرَ قَالَ: يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبٍ مَا بَقِيَ مِنْ كَهَانَتِكَ؟ فَغَضِبَ، وَقَالَ: مَا أَظُنُّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اسْتَقْبَلْتَ أَحَدًا مِنَ الْعَرَبِ بِمِثْلِ هَذَا.
فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ مِنَ الْغَضَبِ قَالَ: انْظُرْ سَوَادُ، لَلَّذِي كُنَّا عَلَيْهِ قَبْلَ الْيَوْمِ مِنَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ.
ثُمَّ قَالَ: يَا سَوَادُ حَدِّثْنِي حَدِيثًا كُنْتُ أَشْتَهِي أَسْمَعُهُ مِنْكَ، قَالَ: نَعَمْ بَيَنَا أَنَا فِي إِبِلٍ لِي بِالسَّرَاةِ لَيْلًا وَأَنَا نَائِمٌ وَكَانَ لِي نَجِيٌّ مِنَ الْجِنِّ فَأَتَانِي فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ فَقَالَ لِي: قُمْ يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبٍ فَقَدْ ظَهَرَ بِتِهَامَةَ نَبِيٌّ يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ، وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَزَادَ فِي آخِرِ الشِّعْرِ
وَكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لَا ذُو قُرَابَةٍ ... سِوَاكَ بِمُغْنٍ عَنْ سَوَادِ بْنِ قَارِبِ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سِرْ فِي قَوْمِكَ، وَقُلْ هَذَا الشِّعْرَ فِيهِمْ» .
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ الْمُحَارِبِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ الْأَزْدِيُّ قَالَ: كُنْتُ نَائِمًا عَلَى جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ السَّرَاةِ فَأَتَانِي آتٍ فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ أَيْضًا.
وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبَرَاءِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: «قَالَ سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ: كُنْتُ نَازِلًا بِالْهِنْدِ فَجَاءَنِي رَئِيِّي ذَاتَ لَيْلَةٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَقَالَ بَعْدَ إِنْشَادِ الشِّعْرِ الْأَخِيرِ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَقَالَ: أَفْلَحْتَ يَا سَوَادُ» .
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ خَبَرٍ كَانَ بِالْمَدِينَةِ بِمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ; أَنَّ امْرَأَةً بِالْمَدِينَةِ كَانَ لَهَا تَابِعٌ مِنَ الْجِنِّ فَجَاءَ فِي صُورَةِ طَائِرٍ أَبْيَضَ فَوَقَعَ عَلَى حَائِطٍ لَهُمْ فَقَالَتْ لَهُ: لِمَ لَا تَنْزِلُ إِلَيْنَا فَتُحَدِّثَنَا وَنُحَدِّثَكَ، وَتُخْبِرَنَا وَنُخْبِرَكَ؟ فَقَالَ لَهَا: إِنَّهُ قَدْ بُعِثَ نَبِيٌّ بِمَكَّةَ حَرَّمَ الزِّنَا، وَمَنَعَ مِنَّا الْقَرَارَ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ
عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ خَبَرٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ امْرَأَةً تُدْعَى فَاطِمَةَ كَانَ لَهَا تَابِعٌ فَجَاءَهَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَامَ عَلَى الْجِدَارِ فَقَالَتْ: أَلَا تَنْزِلُ؟ فَقَالَ: لَا إِنَّهُ قَدْ بُعِثَ الرَّسُولُ الَّذِي حَرَّمَ الزِّنَا.
وَأَرْسَلَهُ بَعْضُ التَّابِعِينَ أَيْضًا، وَسَمَّاهُ بِابْنِ لَوْذَانَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ غَابَ عَنْهَا مُدَّةً، ثُمَّ لَمَّا قَدِمَ عَاتَبَتْهُ فَقَالَ: إِنِّي جِئْتُ الرَّسُولَ فَسَمِعْتُهُ يُحَرِّمُ الزِّنَا فَعَلَيْكِ السَّلَامُ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ: «قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ خَرَجْنَا فِي عِيرٍ إِلَى الشَّامِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا كُنَّا بِأَفْوَاهِ الشَّامِ، وَبِهَا كَاهِنَةٌ فَتَعَرَّضَتْنَا فَقَالَتْ: أَتَانِي صَاحِبِي فَوَقَفَ عَلَى بَابِي فَقُلْتُ: أَلَا تَدْخُلُ؟ فَقَالَ: لَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ خَرَجَ أَحْمَدُ، وَجَاءَ أَمْرٌ لَا يُطَاقُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَرَجَعْتُ إِلَى مَكَّةَ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ،» وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ الْوَحْيُ يُسْمَعُ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ مُنِعُوا.
وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالَ لَهَا: سُعَيْرَةُ لَهَا تَابِعٌ مِنَ الْجِنِّ فَلَمَّا رَأَى الْوَحْيَ لَا يُسْتَطَاعُ، أَتَاهَا فَدَخَلَ فِي صَدْرِهَا فَضَجَّ فِي صَدْرِهَا، فَذَهَبَ عَقْلُهَا، فَجَعَلَ يَقُولُ مِنْ صَدْرِهَا: وُضِعَ الْعِنَاقُ، وَمُنِعَ الرِّفَاقُ، وَجَاءَ أَمْرٌ لَا يُطَاقُ، وَأَحْمَدُ حَرَّمَ الزِّنَا.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَرَائِطِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيُّ بِمِصْرَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يَزِيدَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ «عَنْ مِرْدَاسِ بْنِ قَيْسٍ السَّدُوسِيِّ قَالَ: حَضَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ الْكِهَانَةُ، وَمَا كَانَ مِنْ تَغْيِيرِهَا عِنْدَ مَخْرِجِهِ - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَانَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ شَيْءٌ أَخْبِرُكَ أَنَّ جَارِيَةً مِنَّا يُقَالَ لَهَا: الْخَلَصَةُ لَمْ يُعْلَمْ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْرًا، إِذَا جَاءَتْنَا فَقَالَتْ: يَا مَعْشَرَ دَوْسٍ، الْعَجَبُ الْعَجَبُ لِمَا أَصَابَنِي هَلْ عَلِمْتُمْ إِلَّا خَيْرًا؟ قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: إِنِّي لَفِي غَنَمِي إِذْ غَشِيَتْنِي ظُلْمَةٌ، وَوَجَدْتُ كَحِسِّ الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ، فَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ قَدْ حَبِلْتُ، حَتَّى إِذَا دَنَتْ وِلَادَتُهَا، وَضَعَتْ غُلَامًا أَغْضَفَ لَهُ أُذُنَانِ كَأُذُنَيِ الْكَلْبِ فَمَكَثَ فِينَا حَتَّى إِنَّهُ لَيَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ إِذْ وَثَبَ وَثْبَةً وَأَلْقَى إِزَارَهُ، وَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا وَيْلَةْ يَا وَيْلَةْ، يَا عَوْلَةْ يَا عَوْلَةْ، يَا وَيْلَ غَنْمٍ، يَا وَيْلَ فَهْمٍ مِنْ قَابِسِ النَّارِ، الْخَيْلُ وَاللَّهِ وَرَاءَ الْعَقَبَةِ، فِيهِنَّ فِتْيَانٌ حِسَانٌ نَجِبَةٌ.
قَالَ: فَرَكِبْنَا وَأَخَذْنَا الْأَدَاةَ، وَقُلْنَا: يَا وَيْلَكَ مَا تَرَى؟ فَقَالَ: هَلْ مِنْ جَارِيَةٍ طَامِثٍ؟ فَقُلْنَا: وَمَنْ لَنَا بِهَا؟ فَقَالَ شَيْخٌ مِنَّا: هِيَ وَاللَّهِ عِنْدِي عَفِيفَةُ الْأُمِّ.
فَقُلْنَا: فَعَجِّلْهَا فَأَتَى بِالْجَارِيَةِ، وَطَلَعَ
الْجَبَلَ، وَقَالَ لِلْجَارِيَةِ: اطْرَحِي ثَوْبَكِ، وَاخْرُجِي فِي وُجُوهِهِمْ، وَقَالَ الْقَوْمُ: اتَّبِعُوا أَثَرَهَا، وَقَالَ لِرَجُلٍ مِنَّا يُقَالَ لَهُ: أَحْمَرُ بْنُ حَابِسٍ: يَا أَحْمَرُ بْنَ حَابِسٍ عَلَيْكَ أَوَّلُ فَارِسٍ فَحَمَلَ أَحْمَرُ فَطَعَنَ أَوَّلَ فَارِسٍ فَصَرَعَهُ وَانْهَزَمُوا فَغَنِمْنَاهُمْ قَالَ: فَابْتَنَيْنَا عَلَيْهِمْ بَيْتًا، وَسَمَّيْنَاهُ ذَا الْخَلَصَةِ وَكَانَ لَا يَقُولُ لَنَا شَيْئًا إِلَّا كَانَ كَمَا يَقُولُ حَتَّى إِذَا كَانَ مَبْعَثُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَنَا يَوْمًا: يَا مَعْشَرَ دَوْسٍ، نَزَلَتْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ فَارْكَبُوا فَرَكِبْنَا فَقَالَ لَنَا: أَكْدِسُوا الْخَيْلَ كَدْسًا، احْشُوَا الْقَوْمَ رَمْسًا الْقَوْهُمْ غَدِيَّةً، وَاشْرَبُوا الْخَمْرَ عَشِيَّةً قَالَ: فَلَقِينَاهُمْ فَهَزَمُونَا وَغَلَبُونَا فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا: مَا حَالُكَ وَمَا الَّذِي صَنَعْتَ بِنَا؟ فَنَظَرْنَا إِلَيْهِ وَقَدِ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَانْتَصَبَتْ أُذُنَاهُ، وَانْبَرَمَ غَضْبَانَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَنْفَطِرَ، وَقَامَ فَرَكِبْنَا، وَاغْتَفَرْنَا هَذِهِ لَهُ، وَمَكَثْنَا بَعْدَ ذَلِكَ حِينًا، ثُمَّ دَعَانَا فَقَالَ: هَلْ لَكَمَ فِي غَزْوَةٍ تَهَبُ لَكُمْ عِزًّا، وَتَجْعَلُ لَكُمْ حِرْزًا، وَيَكُونُ فِي أَيْدِيكُمْ كَنْزًا؟ فَقُلْنَا: مَا أَحْوَجَنَا إِلَى ذَلِكَ فَقَالَ: ارْكَبُوا فَرَكِبْنَا فَقُلْنَا: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: بَنُو الْحَارِثِ بْنِ
مَسْلَمَةَ، ثُمَّ قَالَ: قِفُوا فَوَقَفْنَا.
ثُمَّ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِفَهْمٍ، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ لَكُمْ فِيهِمْ ذَمٌّ، عَلَيْكُمْ بِمُضَرَ، هُمْ أَرْبَابُ خَيْلٍ وَنَعَمٍ، ثُمَّ قَالَ: لَا رَهْطُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ، قَلِيلُ الْعَدَدِ، وَفِيُّ الذِّمَّةِ، ثُمَّ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِكَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَاشْكُرُوهَا صَنِيعَةَ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَلْيَكُنْ بِهِمُ الْوَقِيعَةُ قَالَ: فَلَقِينَاهُمْ فَهَزَمُونَا، وَفَضَحُونَا فَرَجَعْنَا، وَقُلْنَا: وَيْلَكَ مَاذَا تَصْنَعُ بِنَا؟ قَالَ: مَا أَدْرِي كَذَبَنِي الَّذِي كَانَ يَصْدُقُنِي اسْجُنُونِي فِي بَيْتِي ثَلَاثًا، ثُمَّ ائْتُونِي فَفَعَلْنَا بِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ بَعْدَ ثَالِثَةٍ فَفَتَحْنَا عَنْهُ فَإِذَا هُوَ كَأَنَّهُ جَمْرَةُ نَارٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ دَوْسٍ حُرِسَتِ السَّمَاءُ، وَخَرَجَ خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ قُلْنَا: أَيْنَ؟ قَالَ: بِمَكَّةَ، وَأَنَا مَيِّتٌ فَادْفِنُونِي فِي رَأْسِ جَبَلٍ فَإِنِّي سَوْفَ أَضْطَرِمُ نَارًا، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي كُنْتُ عَلَيْكُمْ عَارًا فَإِذَا رَأَيْتُمُ اضْطِرَامِي وَتَلَهُّبِي فَاقْذِفُونِي بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، ثُمَّ قُولُوا مَعَ كُلِّ حَجَرٍ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَهْدَأُ وَأُطْفَأُ، قَالَ: وَإِنَّهُ مَاتَ فَاشْتَعَلَ نَارًا فَفَعَلْنَا بِهِ مَا أَمَرَ وَقَدْ قَذَفْنَاهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ نَقُولُ مَعَ كُلِّ حَجَرٍ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فَخَمَدَ وَطُفِئَ، وَأَقَمْنَا حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا الْحَاجُّ فَأَخْبَرُونَا بِمَبْعَثِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ» غَرِيبُّ جِدًّا.
وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ عَنِ النَّضْرِ
بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا فِي عِيرٍ لَنَا إِلَى الشَّامِ فَلَمَّا كُنَّا بَيْنَ الزَّرْقَاءِ، وَمَعَانٍ قَدْ عَرَّسْنَا مِنَ اللَّيْلِ فَإِذَا بِفَارِسٍ يَقُولُ وَهُوَ بَيْنُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ: أَيُّهَا النِّيَامُ هُبُّوا فَلَيْسَ هَذَا بِحِينِ رُقَادٍ، قَدْ خَرَجَ أَحْمَدُ وَطُرِدَتِ الْجِنُّ كُلَّ مَطْرَدٍ فَفَزِعْنَا، وَنَحْنُ رُفْقَةٌ حَزَاوِرَةٌ، كُلُّهُمْ قَدْ سَمِعَ بِهَذَا فَرَجَعْنَا إِلَى أَهْلِنَا فَإِذَا هُمْ يَذْكُرُونَ اخْتِلَافًا بِمَكَّةَ، بَيْنَ قُرَيْشٍ فِي نَبِيٍّ قَدْ خَرَجَ فِيهِمْ مَنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اسْمُهُ أَحْمَدُ.
ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ.
وَقَالَ الْخَرَائِطِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيُّ بِمِصْرَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ مِنْهُمْ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ وَزَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، كَانُوا عِنْدَ صَنَمٍ لَهُمْ يَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ قَدِ اتَّخَذُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ عِيدًا كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ، وَيَنْحَرُونَ لَهُ الْجَزُورَ، ثُمَّ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، وَيَعْكُفُونَ عَلَيْهِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِي اللَّيْلِ فَرَأَوْهُ مَكْبُوبًا عَلَى وَجْهِهِ فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ فَأَخَذُوهُ فَرَدُّوهُ إِلَى حَالِهِ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنِ انْقَلَبَ انْقِلَابًا عَنِيفًا فَأَخَذُوهُ فَرَدُّوهُ إِلَى حَالِهِ فَانْقَلَبَ
الثَّالِثَةَ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ اغْتَمُّوا لَهُ، وَأَعْظَمُوا ذَلِكَ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ: مَا لَهُ قَدْ أَكْثَرَ التَّنَكُّسَ، إِنَّ هَذَا لِأَمْرٍ قَدْ حَدَثَ، وَذَلِكَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ عُثْمَانُ يَقُولُ أَيَا صَنَمَ الْعِيدِ الَّذِي صُفَّ حَوْلَهُ ... صَنَادِيدُ وَفْدٍ مِنْ بِعِيدٍ وَمِنْ قُرْبِ تَكَوَّسْتَ مَغْلُوبًا فَمَا ذَاكَ قُلْ لَنَا ... أَذَاكَ سَفِيهٌ أَمْ تَكَوَّسْتَ لِلْعَتْبِ فَإِنْ كَانَ مِنْ ذَنْبٍ أَتَيْنَا فَإِنَّنَا ... نَبُوءُ بِإِقْرَارٍ وَنَلْوِي عَنِ الذَّنْبِ وَإِنْ كُنْتَ مَغْلُوبًا تَكَوَّسْتَ صَاغِرًا ... فَمَا أَنْتَ فِي الْأَوْثَانِ بِالسَّيِّدِ الرَّبِّ قَالَ: فَأَخَذُوا الصَّنَمَ فَرَدُّوهُ إِلَى حَالِهِ فَلَمَّا اسْتَوَى هَتَفَ بِهِمْ هَاتِفٌ مِنَ الصَّنَمِ، بِصَوْتٍ جَهِيرٍ وَهُوَ يَقُولُ: تَرَدَّى لِمَوْلُوْدٍ أَنَارَتْ بِنُورِهِ ... جَمِيعُ فِجَاجِ الْأَرْضِ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ وَخرَّتْ لَهُ الْأَوْثَانُ طُرًّا وَأُرْعِدَتْ ... قُلُوبُ مُلُوكِ الْأَرْضِ طُرًّا مِنَ الرُّعْبِ وَنَارُ جَمِيعِ الْفُرْسِ بَاخَتْ وَأَظْلَمَتْ ... وَقَدْ بَاتَ شَاهُ الْفُرْسِ فِي أَعْظَمِ الْكَرْبِ وَصُدَّتْ عَنِ الْكُهَّانِ بِالْغَيْبِ جِنُّهَا ... فَلَا مُخْبِرٌ عَنْهُمْ بِحَقٍّ وَلَا كَذِبَ فَيَالَ قُصَيٍّ إِرْجِعُوا عَنْ ضَلَالِكُمْ ... وَهُبُّوا إِلَى الْإِسْلَامِ وَالْمَنْزِلِ الرَّحْبِ قَالَ: فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ خَلَصُوا نَجِيًّا فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَصَادَقُوا، وَلْيَكْتُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فَقَالُوا: أَجَلْ فَقَالَ لَهُمْ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ:
تَعْلَمُونَ - وَاللَّهِ - مَا قَوْمُكُمْ عَلَى دِينٍ، وَلَقَدْ أَخْطَئُوا الْحُجَّةَ، وَتَرَكُوا دِينَ إِبْرَاهِيمَ مَا حَجَرٌ تُطِيفُونَ بِهِ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ؟ يَا قَوْمِ، الْتَمِسُوا لِأَنْفُسِكُمُ الدِّينَ.
قَالَ: فَخَرَجُوا عِنْدَ ذَلِكَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ، وَيَسْأَلُونَ عَنِ الْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَمَّا وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَتَنَصَّرَ، وَقَرَأَ الْكُتُبَ حَتَّى عَلِمَ عِلْمًا، وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فَسَارَ إِلَى قَيْصَرَ فَتَنَصَّرَ، وَحَسُنَتْ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُ، وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَأَرَادَ الْخُرُوجَ فَحُبِسَ، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ فَضَرَبَ فِي الْأَرْضِ حَتَّى بَلَغَ الرِّقَّةَ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ فَلَقِيَ بِهَا رَاهِبًا عَالِمًا فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي يَطْلُبُ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: إِنَّكَ لَتَطْلُبُ دِينًا مَا تَجِدُ مَنْ يَحْمِلُكَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ مِنْ بَلَدِكَ يُبْعَثُ بِدِينِ الْحَنِيفِيَّةِ فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ رَجَعَ يُرِيدُ مَكَّةَ فَغَارَتْ عَلَيْهِ لَخْمٌ فَقَتَلُوهُ، وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ خَرَجَ مَعَ مَنْ خَرَجَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَلَمَّا صَارَ بِهَا تَنَصَّرَ، وَفَارَقَ الْإِسْلَامَ فَكَانَ بِهَا حَتَّى هَلَكَ هُنَالِكَ نَصْرَانِيًّا، تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ لَهُ شَاهِدٌ.
وَقَدْ قَالَ الْخَرَائِطِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ صَالِحٍ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَنَسٍ السُّلَمِيِّ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ أَنَّهُ كَانَ بِغَمْرَةٍ فِي لَقَاحٍ لَهُ نِصْفَ النَّهَارِ، إِذْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ
نَعَامَةٌ بَيْضَاءُ عَلَيْهَا رَاكِبٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ مِثْلُ اللَّبَنِ فَقَالَ: يَا عَبَّاسُ بْنَ مِرْدَاسٍ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّمَاءَ كَفَتْ أَحْرَاسَهَا، وَأَنَّ الْحَرْبَ تَجَرَّعَتْ أَنْفَاسَهَا، وَأَنَّ الْخَيْلَ وَضَعَتْ أَحْلَاسَهَا، وَأَنَّ الَّذِي نَزَلَ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لَيْلَةَ الثُّلَاثَا، صَاحِبُ النَّاقَةِ الْقَصْوَا قَالَ: فَرَجَعْتُ مَرْعُوبًا قَدْ رَاعَنِي مَا رَأَيْتُ، وَسَمِعْتُ حَتَّى جِئْتُ وَثَنًا لَنَا يُدْعَى الضِّمَارَ، وَكُنَّا نَعْبُدُهُ، وَنُكَلَّمُ مَنْ جَوْفِهِ فَكَنَسْتُ مَا حَوْلَهُ، ثُمَّ تَمَسَّحْتُ بِهِ وَقَبَّلْتُهُ فَإِذَا صَائِحٌ مَنْ جَوْفِهِ يَقُولُ
قُلْ لِلْقَبَائِلِ مِنْ سُلَيْمٍ كُلِّهَا ... هَلَكَ الضَّمَارُ وَفَازَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ
هَلَكَ الضِّمَارُ وَكَانَ يُعْبَدُ مَرَّةً ... قَبْلَ الْكِتَابِ مَعَ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
إِنَّ الَّذِي وَرِثَ النُّبُوَّةَ وَالْهُدَى ... بِعْدَ ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَدِ
قَالَ: فَخَرَجْتُ مَرْعُوبًا حَتَّى أَتَيْتُ قَوْمِي فَقَصَصْتُ عَلَيْهِمُ الْقِصَّةَ، وَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ، وَخَرَجْتُ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ قَوْمِي بَنِي حَارِثَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِي: يَا عَبَّاسُ كَيْفَ كَانَ إِسْلَامُكَ؟ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ قَالَ: فَسُرَّ بِذَلِكَ، وَأَسْلَمْتُ أَنَا وَقَوْمِي.
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي
عَاصِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بِهِ، ثُمَّ رَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَصْمَعِيِّ حَدَّثَنِي الْوَصَّافِيُّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ إِسْحَاقَ الْخُزَاعِيِّ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: أَوَّلُ إِسْلَامِي أَنَّ مِرْدَاسًا أَبِي لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَانِي بِصَنَمٍ لَهُ يُقَالَ لَهُ: ضِمَارٌ فَجَعَلْتُهُ فِي بَيْتٍ، وَجَعَلْتُ آتِيهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً فَلَمَّا ظَهَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْتُ صَوْتًا مُرْسَلًا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ رَاعَنِي فَوَثَبْتُ إِلَى ضِمَارٍ مُسْتَغِيثًا، وَإِذَا بِالصَّوْتِ مِنْ جَوْفِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
قَلْ لِلْقَبِيلَةِ مِنْ سُلَيْمٍ كِلِّهَا ... هَلَكَ الْأَنِيسُ وَعَاشَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ
أَوْدَى ضِمَارُ وَكَانَ يُعْبَدُ مَرَّةً ... قَبْلَ الْكِتَابِ إِلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
إِنَّ الَّذِي وَرِثَ النُّبُوَّةَ وَالْهُدَى ... بَعْدَ ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَدِ
قَالَ: فَكَتَمْتُهُ النَّاسَ فَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ مِنَ الْأَحْزَابِ، بَيْنَا أَنَا فِي إِبِلِي بِطَرَفِ الْعَقِيقِ مَنْ ذَاتِ عِرْقٍ رَاقِدًا سَمِعْتُ صَوْتًا، وَإِذَا بِرَجُلٍ عَلَى جَنَاحِ نَعَامَةٍ، وَهُوَ يَقُولُ: النُّورُ الَّذِي وَقَعَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ، مَعَ صَاحِبِ النَّاقَةِ الْعَضْبَاءِ، فِي دِيَارِ إِخْوَانِ بَنِي الْعَنْقَاءِ.
فَأَجَابَهُ هَاتِفٌ مِنْ شِمَالِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
بَشِّرِ الْجِنَّ وَإِبْلَاسَهَا ... أَنْ وَضَعَتِ الْمَطِيُّ أَحْلَاسَهَا وَكَلَأَتِ السَّمَاءُ أَحْرَاسَهَا قَالَ: فَوَثَبْتُ مَذْعُورًا، وَعَلِمْتُ أَنَّ مُحَمَّدًا مُرْسَلٌ فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَاحْتَثَثْتُ السَّيْرَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَبَايَعْتُهُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ إِلَى ضِمَارٍ فَأَحْرَقْتُهُ بِالنَّارِ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْشَدْتُهُ شِعْرًا أَقُولُ فِيهِ لَعَمْرُكَ إِنِّي يَوْمَ أَجْعَلُ جَاهِلًا ... ضِمَارًا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ مُشَارِكًا وَتَرْكِي رَسُولَ اللَّهِ وَالْأَوْسَ حَوْلَهُ ... أُولَئِكَ أَنْصَارٌ لَهُ مَا أُولَئِكَا كَتَارِكِ سَهْلِ الْأَرْضِ وَالْحَزْنَ يَبْتَغِي ... لِيَسْلُكَ فِي وَعْثِ الْأُمُورِ الْمَسَالِكَا فَآمَنْتُ بِاللَّهِ الَّذِي أَنَا عَبْدُهُ ... وَخَالَفْتُ مَنْ أَمْسَى يُرِيدُ الْمَهَالِكَا وَوَجَّهْتُ وَجْهِي نَحْوَ مَكَّةَ قَاصِدًا ... أُبَايِعُ نَبِيَّ الْأَكْرَمِينَ الْمُبَارَكَا نَبِيٌّ أَتَانَا بَعْدَ عِيسَى بِنَاطِقٍ ... مِنَ الْحَقِّ فِيهِ الْفَصْلُ فِيهِ كَذَلِكَا أَمِينٌ عَلَى الْقُرْآنِ أَوَّلُ شَافِعٍ ... وَأَوَّلُ مَبْعُوثٍ يُجِيبُ الْمَلَائِكَا تَلَافَى عُرَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ انْتِقَاضِهَا ... فَأَحْكَمَهَا حَتَّى أَقَامَ الْمَنَاسِكَا عَنَيْتُكَ يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا ... تَوَسَّطْتَ فِي الْفَرْعَيْنِ وَالْمَجْدِ مَالِكا
وَأَنْتَ الْمُصَفَّى مِنْ قُرَيْشٍ إِذَا سَمَتْ ... عَلَى ضُمْرِهَا تَبْقَى الْقُرُونَ الْمُبَارَكَا إِذَا انْتَسَبَ الْحَيَّانِ كَعْبٌ وَمَالِكٌ ... وَجَدْنَاكَ مَحْضًا وَالنِّسَاءَ الْعَوَارِكَا قَالَ الْخَرَائِطِيُّ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيُّ بِمِصْرَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ مِنْ آلِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْ خَثْعَمٍ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ مِمَّا دَعَانَا إِلَى الْإِسْلَامِ أَنَّا كُنَّا قَوْمًا نَعْبُدُ الْأَوْثَانَ فَبَيْنَا نَحْنُ ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ وَثَنٍ لَنَا، إِذْ أَقْبَلَ نَفَرٌ يَتَقَاضَوْنَ إِلَيْهِ، يَرْجُونَ الْفَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، لِشَيْءٍ شَجَرَ بَيْنَهُمْ إِذْ هَتَفَ بِهِمْ هَاتِفٌ مِنَ الصَّنَمِ فَجَعَلَ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ذَوُو الْأَجْسَامِ ... مِنْ بَيْنِ أَشْيَاخٍ إِلَى غُلَامِ مَا أَنْتُمْ وَطَائِشُ الْأَحْلَامِ ... وَمُسْنِدُ الْحُكْمِ إِلَى الْأَصْنَامِ أَكُلُّكُمْ فِي حِيرَةِ النِّيَامِ ... أَمْ لَا تَرَوْنَ مَا أَرَى أَمَامِي مِنْ سَاطِعٍ يَجْلُو دُجَى الظَّلَامِ ... قَدْ لَاحَ لِلنَّاظِرِ مِنْ تِهَامِ ذَاكَ نَبِيٌّ سَيِّدُ الْأَنَامِ ... قَدْ جَاءَ بَعْدَ الْكُفْرِ بِالْإِسْلَامِ
أَكْرَمَهُ الرَّحْمَنُ مِنْ إِمَامِ
وَمِنْ رَسُولٍ صَادِقِ الْكَلَامِ ... أَعْدَلَ ذِي حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ
يَأْمُرُ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ ... وَالْبِرِّ وَالصِّلَاتِ لِلْأَرْحَامِ
وَيَزْجُرُ النَّاسَ عَنِ الْآثَامِ ... وَالرِّجْسِ وَالْأَوْثَانِ وَالْحَرَامِ
مِنْ هَاشِمٍ فِي ذِرْوَةِ السَّنَامِ ... مُسْتَعْلِنًا فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْنَا ذَلِكَ تَفَرَّقْنَا عَنْهُ، وَأَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمْنَا.
وَقَالَ الْخَرَائِطِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْبَلَوِيُّ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَكْبَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ: رَافِعُ بْنُ عُمَيْرٍ وَكَانَ أَهْدَى النَّاسِ لِلطَّرِيقِ، وَأَسْرَاهُمْ بِلَيْلٍ، وَأَهْجَمَهُمْ عَلَى هَوْلٍ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِ لِذَلِكَ دُعْمُوصَ الْعَرَبِ، لِهِدَايَتِهِ وَجَرَاءَتِهِ عَلَى السَّيْرِ فَذَكَرَ عَنْ بَدْءِ إِسْلَامِهِ قَالَ: إِنِّي لَأَسِيرُ بِرَمْلِ عَالِجٍ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِذْ غَلَبَنِي النَّوْمُ فَنَزَلْتُ عَنْ رَاحِلَتِي وَأَنَخْتُهَا وَتَوَسَّدْتُ ذِرَاعَهَا وَنِمْتُ، وَقَدْ تَعَوَّذْتُ قَبْلَ نَوْمِي فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِعَظِيمِ هَذَا الْوَادِي مِنَ الْجِنِّ مِنْ أَنْ أُؤْذَى أَوْ أُهَاجَ فَرَأَيْتُ فِي مَنَامِي رَجُلًا شَابًّا يَرْصُدُ نَاقَتِي، وَبِيَدِهِ حَرْبَةٌ يُرِيدُ أَنْ يَضَعَهَا فِي نَحْرِهَا فَانْتَبَهْتُ لِذَلِكَ فَزِعًا فَنَظَرْتُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمْ أَرَ شَيْئًا فَقُلْتُ: هَذَا حُلْمٌ، ثُمَّ عُدْتُ فَغَفَوْتُ فَرَأَيْتُ فِي مَنَامِي مِثْلَ رُؤْيَايَ الْأُولَى فَانْتَبَهْتُ
فَدُرْتُ حَوْلَ نَاقَتِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَإِذَا نَاقَتِي تُرْعَدُ، ثُمَّ غَفَوْتُ فَرَأَيْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَانْتَبَهْتُ فَرَأَيْتُ نَاقَتِي تَضْطَرِبُ وَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بَرْجَلٍ شَابٍّ كَالَّذِي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ بِيَدِهِ حَرْبَةٌ، وَرَجُلٍ شَيْخٍ مُمْسِكٍ بِيَدِهِ يَرُدُّهُ عَنْهَا وَهُوَ يَقُولُ
يَا مَالِكُ بْنَ مُهَلْهِلِ بْنِ دِثَارِ ... مَهْلًا فِدًى لَكَ مِئْزَرِي وَإِزَارِي
عَنْ نَاقَةِ الْإِنْسِيِّ لَا تَعْرِضْ لَهَا ... وَاخْتَرْ بِهَا مَا شِئْتَ مِنْ أَثْوَارِي
وَلَقَدْ بَدَا لِي مِنْكَ مَا لَمْ أَحْتَسِبْ ... أَلَّا رَعَيْتَ قَرَابَتِي وَذِمَارِي
تَسْمُو إِلَيْهِ بِحَرْبَةٍ مَسْمُومَةٍ ... تَبًّا لِفِعْلِكَ يَا أَبَا الْغَفَّارِ
لَوْلَا الْحَيَاءُ وَأَنَّ أَهْلَكَ جِيرَةٌ ... لَعَلِمْتَ مَا كَشَّفْتَ مِنْ أَخْبَارِي
قَالَ: فَأَجَابَهُ الشَّابُّ وَهُوَ يَقُولُ
أَأَرَدْتَ أَنْ تَعْلُو وَتَخْفِضَ ذِكْرَنَا ... فِي غَيْرِ مُزْرِيةٍ أَبَا الْعَيْزَارِ
مَا كَانَ فِيهِمْ سَيِّدٌ فِيمَا مَضَى ... إِنَّ الْخِيَارَ هُمُو بَنُو الْأَخْيَارِ
فَاقْصِدْ لِقَصْدِكَ يَا مُعَكْبِرُ ... إِنِّمَا كَانَ الْمُجِيرُ مُهَلْهِلَ بْنَ دِثَارِ
قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمَا يَتَنَازَعَانِ، إِذْ طَلَعَتْ ثَلَاثَةُ أَثْوَارٍ مِنَ الْوَحْشِ فَقَالَ الشَّيْخُ لِلْفَتَى: قُمْ يَا ابْنَ أُخْتِ، فَخُذْ أَيُّهَا شِئْتَ فَدَاءً لِنَاقَةِ جَارِي الْإِنْسِيِّ.
فَقَامَ الْفَتَى فَأَخَذَ مِنْهَا ثَوْرًا وَانْصَرَفَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الشَّيْخِ فَقَالَ: يَا هَذَا إِذَا نَزَلْتَ وَادِيًا مِنَ الْأَوْدِيَةِ فَخِفْتَ هَوْلَهُ فَقُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ رَبِّ مُحَمَّدٍ مِنْ هَوْلِ هَذَا الْوَادِي وَلَا تَعُذْ بِأَحَدٍ مِنَ الْجِنِّ فَقَدْ بَطَلَ أَمْرُهَا قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: وَمَنْ مُحَمَّدٌ هَذَا؟ قَالَ: نَبِيٌّ عَرَبِيٌّ لَا شَرْقِيٌّ وَلَا غَرْبِيٌّ بُعِثَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.
قُلْتُ: