وَفِي " الصَّحِيحِ " مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " «إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الصِّرَاطِ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ مِنْهُمْ لِرَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا، إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا، وَيَصُومُونَ مَعَنَا، وَيَحُجُّونَ مَعَنَا، وَيَغْزُونَ مَعَنَا، فَيُقَالُ لَهُمُ: اذْهَبُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ مِنَ النَّارِ، ثُمَّ يَقُولُ: نِصْفَ دِينَارٍ.
ثُمَّ يَقُولُ: مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.
فَأَخْرِجُوهُ مِنَ النَّارِ ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: اقْرَءُوا إِنْ شَئْتُمْ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40] . قَالَ: " فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ، يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ.
فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ".
" فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِيمُ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ، أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ.
ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ.
فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا، أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ.
فَيُقَالُ: عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا.
فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا، أَيُّ شَيْءٍ
أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: رِضَايَ فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» ".
وَفِي حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذِكْرِ دُخُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ -: " «فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، شَفِّعْنِي فِيمَنْ وَقَعَ فِي النَّارِ مِنْ أُمَّتِي.
فَيَقُولُ: نَعَمْ، أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ، مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ ثُلُثَا دِينَارٍ، نِصْفُ دِينَارٍ، ثُلُثُ دِينَارٍ، رُبُعُ دِينَارٍ، حَتَّى بَلَغَ قِيرَاطَيْنِ، أَخْرِجُوا مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ ". قَالَ: " ثُمَّ يُؤْذَنُ فِي الشَّفَاعَةِ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا شُفِّعَ، إِلَّا اللَّعَّانُ فَإِنَّهُ لَا يَشْفَعُ، حَتَّى إِنَّ إِبْلِيسَ لَيَتَطَاوَلُ يَوْمَئِذٍ فِي النَّارِ رَجَاءَ أَنْ يُشْفَعَ لَهُ، مِمَّا يَرَى مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا شُفِّعَ ". قَالَ: " فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: بَقِيتُ أَنَا وَأَنَا أَرْحَمُ الرَاحِمِينَ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا مَا لَا يُحْصِي عِدَّتَهُمْ غَيْرُهُ سُبْحَانَهُ، كَأَنَّهُمُ الْخُشُبُ الْمُحْتَرِقَةُ، فَيُطْرَحُونَ عَلَى شَطِّ نَهَرٍ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، يُقَالُ لَهُ: الْحَيَوَانُ.
فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» ". رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا.
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ - هُوَ السَّمْتِيُّ - عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «يُعْرَضُ أَهْلُ النَّارِ صُفُوفًا، فَيَمُرُّ بِهِمُ الْمُؤْمِنُونَ، فَيَرَى الرَّجُلُ مِنْ
أَهْلِ النَّارِ الرَّجُلَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَرَفَهُ فِي الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ، أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ اسْتَعَنْتَنِي عَلَى حَاجَةِ كَذَا وَكَذَا فَأَعَنْتُكَ؟ وَيَقُولُ الْآخَرُ: يَا فُلَانُ، أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ أَعْطَيْتُكَ - قَالَ: أُرَاهُ قَالَ: - كَذَا وَكَذَا؟ فَيَذْكُرُ ذَلِكَ الْمُؤْمِنُ، فَيَعْرِفُهُ، فَيَشْفَعُ لَهُ إِلَى رَبِّهِ، فَيُشَفِّعُهُ فِيهِ» ". فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَنَسٍ: قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يُصَفُّ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُفُوفًا - وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ - فَيَمُرُّ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عَلَى الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ: أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ نَاوَلْتُكَ طَهُورًا؟ فَيَشْفَعُ لَهُ.
وَيَمُرُّ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ اسْتَسْقَيْتَنِي فَسَقَيْتُكَ شَرْبَةً؟ قَالَ: فَيَشْفَعُ لَهُ وَيَمُرُّ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ، أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ بَعَثْتَنِي لِحَاجَةِ كَذَا وَكَذَا فَذَهَبْتُ لَكَ؟ فَيَشْفَعُ لَهُ» ".
وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ بِلَفْظٍ آخَرَ قَرِيبٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ
عُمْرَ، أَنْبَأَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَقُولُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا رَبِّ، إِنَّ فُلَانًا سَقَانِي شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ فِي الدُّنْيَا، فَشَفِّعْنِي فِيهِ.
فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبْ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ.
فَيَذْهَبُ فَيَتَحَسَّسُ عَلَيْهِ فِي النَّارِ حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنْهَا» ".
وَهَذَا مُرْسَلٌ مِنْ مَرَاسِيلِ الْحَسَنِ الْحِسَانِ.
[الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي شَفَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِأَهَالِيهِمْ]
وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي شَفَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِأَهَالِيهِمْ: حَكَى بَعْضُهُمْ عَنْ زَبُورِ دَاوُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ فِيهِ مَكْتُوبًا: يَقُولُ اللَّهُ عِزَّ وَجَلَّ: إِنَّ عِبَادِيَ الزَّاهِدِينَ أَقُولُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِنِّي لَمْ أَزْوِ عَنْكُمُ الدُّنْيَا لَهَوَانِكُمْ عَلَيَّ، وَلَا لِعِزَّةِ الدُّنْيَا عِنْدِي وَلَكِنْ أَرَدْتُ ذَلِكَ بِكُمْ لِتَسْتَوْفُوا نَصِيبَكُمُ الْيَوْمَ كَامِلًا مَوْفُورًا عِنْدِي، لَمْ تَكْلِمْهُ الدُّنْيَا، وَلَمْ تُشَعِّثْهُ الشَّهَوَاتُ فَتَخَلَّلُوا الصُّفُوفَ، فَمَنْ أَحْبَبْتُمُوهُ فِي الدُّنْيَا أَوْ قَضَى لَكُمْ حَاجَةً، أَوْ رَدَ عَنْكُمْ غِيبَةً، أَوْ كَسَاكُمْ خِرْقَةً، أَوْ أَطْعَمَكُمْ لُقْمَةً، أَوْ سَقَاكُمْ شَرْبَةً؟ ابْتَغَاءَ وَجْهِي وَطَلَبَ مَرْضَاتِي، فَخُذُوا بِيَدِهِ، وَأَدْخِلُوهُ الْجَنَّةَ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ مِنْ أُمَّتِي رِجَالًا يَشْفَعُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِي الْفِئَامِ مِنَ النَّاسِ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِهِ، وَيَشْفَعُ الرَجُلُ لِلْقَبِيلَةِ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِهِ، وَيَشْفَعُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لِلرَّجُلِ وَأَهْلِهِ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِهِ» ".
وَرَوَى الْبَزَّارُ بِسَنَدِهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، مَرْفُوعًا: " «إِنَّ الرَجُلَ لَيَشْفَعُ لِلرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ» ".
وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: قُمْ يَا فُلَانُ فَاشْفَعْ.
فَيَقُومُ الرَّجُلُ فَيَشْفَعُ لِلْقَبِيلَةِ، وَلِأَهْلِ الْبَيْتِ، وَلِلرَّجُلِ، وَلِلرَّجُلَيْنِ، عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِ» ".
وَمِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ: أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ مُضَرَ، وَيَشْفَعُ الرَّجُلُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وَيَشْفَعُ عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِ» ".
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُكْرَمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا حَرِيزٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - أَوْ عَبْدِ اللَّهِ - بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ
أَبِي أُمَامَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «لَيَدْخُلَنُّ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ لَيْسَ بِنَبِيٍّ مِثْلُ الْحَيَّيْنِ - أَوْ مِثْلُ أَحَدِ الْحَيَّيْنِ - رَبِيعَةَ، وَمُضَرَ ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا رَبِيعَةُ مِنْ مُضَرَ؟ فَقَالَ: " إِنَّمَا أَقُولُ مَا أُقَوَّلُ» ".
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى رَهْطٍ أَنَا رَابِعُهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ". قُلْنَا: سِوَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " سِوَايَ ".» قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَلَمَّا قَامَ قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ أَبِي الْجَدْعَاءِ.
ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ، وَعَنْ عَفَّانَ عَنْ وُهَيْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، بِهِ، نَحْوَهُ.
وَرَوَاهُ أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شَبَابَةَ، عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَيْسَرَةَ، وَحَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ الرَحَبِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَدْخُلُ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ مِثْلُ أَحَدِ الْحَيَّيْنِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا رَبِيعَةُ وَمُضَرُ.
قَالَ: " إِنَّمَا أَقُولُ مَا أُقَوَّلُ» ". قَالَ: فَكَانَ الْمَشْيَخَةُ يُرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْجَدْعَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ". قَالُوا: سِوَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " سِوَايَ ".» قَالَ الْفِرْيَابِيُّ: يُقَالُ: إِنَّهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُمْ، مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، بِهِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ لِابْنِ أَبِي الْجَدْعَاءِ حَدِيثٌ سِوَاهُ.
وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ
الْأَسَدِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أُقَيْشٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِهِ أَكْثَرُ مِنْ مُضَرَ، وَإِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ سَيَعْظُمُ لِلنَّارِ حَتَّى يَكُونَ أَحَدَ زَوَايَاهَا» ". وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: " «إِنَّ مِنْ أُمَّتِي لَمَنْ يَشْفَعُ لِأَكْثَرَ مِنْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، وَإِنَّ مِنْ أُمَّتِي لَمَنْ يَعْظُمُ لِلنَّارِ حَتَّى يَكُونَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِهَا» ".
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَدْخُلُ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ أَكْثَرُ مِنْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ» ". قَالَ هِشَامٌ: أَخْبَرَنِي حَوْشَبٌ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ: أُوَيْسٌ بِأَيِّ شَيْءٍ بَلَغَ هَذَا؟ قَالَ: فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ الْعَصَرِيَّ، حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ صُهْبَانَ، سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
قَالَ: " «يُحْمَلُ النَّاسُ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَتَقَادَعُ بِهِمْ جَنَبَتَا الصِّرَاطِ تَقَادُعَ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ، فَيُنَجِّي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِلْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ أَنْ يَشْفَعُوا، فَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ، وَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ، وَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ - زَادَ عَفَّانُ مَرَّةً، فَقَالَ: وَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ - مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً مِنْ إِيمَانٍ» .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ أَبَانٍ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ - يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ - حَدَّثَنَا أَبُو ظِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «سَلَكَ رَجُلَانِ مَفَازَةً، أَحَدُهُمَا عَابِدٌ، وَالْآخَرُ بِهِ رَهَقٌ، وَمَعَ الَّذِي بِهِ رَهَقٌ إِدَاوَةٌ، فِيهَا مَاءٌ، وَلَيْسَ مَعَ الْعَابِدِ مَاءٌ، فَعَطِشَ الْعَابِدُ، فَقَالَ: أَيْ فُلَانُ، اسْقِنِي فَهُوَ ذَا أَمُوتُ.
فَقَالَ: إِنَّمَا مَعِي إِدَاوَةٌ، وَنَحْنُ فِي مَفَازَةٍ، فَإِنْ سَقَيْتُكَ هَلَكْتُ.
فَسَلَكَا، ثُمَّ إِنَّ الْعَابِدَ اشْتَدَّ بِهِ الْعَطَشُ، فَقَالَ: أَيْ فُلَانُ، اسْقِنِي فَهُوَ ذَا أَمُوتُ.
فَقَالَ: إِنَّمَا مَعِي إِدَاوَةٌ، وَنَحْنُ فِي مَفَازَةٍ، فَإِنْ
سَقَيْتُكَ هَلَكْتُ.
فَسَلَكَا، ثُمَّ إِنَّ الْعَابِدَ اشْتَدَّ بِهِ الْعَطَشُ، فَقَالَ: أَيْ فُلَانُ، اسْقِنِي ; فَهُوَ ذَا أَمُوتُ.
فَقَالَ: إِنَّمَا مَعِي إِدَاوَةٌ، وَنَحْنُ فِي مَفَازَةٍ، فَإِنْ سَقَيْتُكَ هَلَكْتُ.
فَسَلَكَا، ثُمَّ إِنَّ الْعَابِدَ سَقَطَ، فَقَالَ: أَيْ فُلَانُ، اسْقِنِي؟ فَهُوَ ذَا أَمُوتُ.
قَالَ الَّذِي بِهِ رَهَقٌ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ الصَّالِحَ يَمُوتُ ضَيَاعًا، إِنْ تَرَكْتُهُ وَلَمْ أَسْقِهِ لَا تَبُلُّنِي عِنْدَ اللَّهِ بَالَّةٌ أَبَدًا.
فَرَشَّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ وَسَقَاهُ، ثُمَّ سَلَكَا الْمَفَازَةَ، فَقَطَعَاهَا، قَالَ: فَيُوقَفَانِ لِلْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُؤْمَرُ بِالْعَابِدِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيُؤْمَرُ بِالَّذِي بِهِ رَهَقٌ إِلَى النَّارِ.
قَالَ: فَيَعْرِفُ الَّذِي بِهِ رَهَقٌ الْعَابِدَ، وَلَا يَعْرِفُ الْعَابِدُ الَّذِي بِهِ رَهَقٌ، فَيُنَادِيهِ: أَيْ فُلَانُ، أَنَا الَّذِي آثَرْتُكَ عَلَى نَفْسِي يَوْمَ الْمَفَازَةِ، وَقَدْ أُمِرَ بِي إِلَى النَّارِ، فَاشْفَعْ لِي إِلَى رَبِّكَ.
فَيَقُولُ الْعَابِدُ: أَيْ رَبِّ، إِنَّهُ قَدْ آثَرَنِي عَلَى نَفْسِهِ، أَيْ رَبِّ هَبْهُ لِيَ الْيَوْمَ.
فَيَهَبُهُ لَهُ، فَيَأْخُذُ بِيَدِهِ، فَيَنْطَلِقُ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ ". زَادَ فِيهِ: " فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ، مَا أَشَدَّ مَا غَيَّرَتْكَ نِعْمَةُ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ» ".
ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهَذَا الْإِسْنَادُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ قَوِيٍّ فَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعْدٍ الزَّاهِدُ إِمْلَاءً، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْبُوشَنْجِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي سَارَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُشْرِفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى النَّارِ، فَيُنَادِيهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ، هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُكَ، مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا الَّذِي مَرَرْتَ بِي فِي الدُّنْيَا،
فَاسْتَسْقَيْتَنِي شَرْبَةً مِنْ مًاءٍ، فَسَقَيْتُكَ.
قَالَ: قَدْ عَرَفْتُكَ.
قَالَ: فَاشْفَعْ لِي بِهَا عِنْدَ رَبِّكَ.
قَالَ: فَيَسْأَلُ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ: إِنِّي أَشْرَفْتُ عَلَى النَّارِ، فَنَادَانِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهَا، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، مَا أَعْرِفُكَ، مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الَّذِي مَرَرْتَ بِي فِي الدُّنْيَا، فَاسْتَسْقَيْتَنِي شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ، فَسَقَيْتُكَ فَاشْفَعْ لِي بِهَا عِنْدَ رَبِّكَ.
فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفِّعُهُ اللَّهُ، فَيَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ فَيُخْرَجُ مِنَ النَّارِ» ".
أَنْبَأَنَا أَبُو طَالِبٍ طَاهِرٌ الْفَقِيهُ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ الْأَصْبَهَانِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو قَبِيصَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ الضَّبِّيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِمْرَانَ الْأَخْنَسِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ جَارَ ابْنِ هَارُونَ يُحَدِّثُ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَجْمَعُ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ صُفُوفًا، وَأَهْلَ النَّارِ صُفُوفًا، فَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ صُفُوفِ أَهْلِ النَّارِ إِلَى رَجُلٍ مِنْ صُفُوفِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ، مَا تَذْكُرُ يَوْمَ اصْطَنَعْتُ إِلَيْكَ فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ هَذَا اصْطَنَعَ إِلَيَّ فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا.
فَيُقَالُ: خُذْ بِيَدِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ» ". قَالَ أَنَسٌ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ.
قَالَ: وَكَذَا رَوَاهُ السَّمْعَانِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِمْرَانَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَدِيثٌ فِيهِ شَفَاعَةُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِصَاحِبِهَا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ]
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: أَخْبَرَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ حُيَيٍّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمِنَ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ الصِّيَامَ، وَالْقُرْآنَ لَيَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ ; يَقُولُ الصِّيَامُ: رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ.
وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ.
وَرَوَى نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ أَخِي يَتَعَاطَى الشَّرَابَ، فَمَرِضَ، فَبَعَثَ إِلَيَّ لَيْلًا أَنِ الْحَقْ بِي فَأَتَيْتُهُ، فَرَأَيْتُ أَسْوَدَيْنِ قَدْ دَنَوَا مِنْهُ، فَقُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، هَلَكَ ابْنُ أَخِي.
فَاطَّلَعَ أَبْيَضَانِ مِنَ الْكُوَّةِ الَّتِي فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: انْزِلْ إِلَيْهِ.
فَلَمَّا نَزَلَ تَنَحَّى عَنْهُ الْأَسْوَدَانِ، فَشَمَّ فَاهُ، فَقَالَ: مَا أَرَى فِيهِ ذِكْرًا.
ثُمَّ شَمَّ بَطْنَهُ، فَقَالَ: مَا أَرَى فِيهَا صِيَامًا، ثُمَّ شَمَّ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أَرَى فِيهِمَا صَلَاةً.
فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، رَجُلٌ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ وَيْحَكَ، عُدْ فَانْظُرْ.
فَعَادَ فَنَظَرَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَنَزَلَ
الْآخَرُ فَشَمَّ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، ثُمَّ عَادَ، فَإِذَا فِي طَرَفٍ لِسَانِهِ تَكْبِيرَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ بِأَنْطَاكِيَةَ، فَقَبَضُوا رُوحَهُ، فَشَمُّوا فِي الْبَيْتِ رَائِحَةَ الْمِسْكِ، وَشَهِدَ النَّاسُ جِنَازَتَهُ.
حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ الْقُرْطُبِيُّ فِي " التَّذْكِرَةِ ": وَخَرَّجَ أَبُو الْقَاسِمِ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخُتَّلِيُّ فِي كِتَابِ " الدِّيبَاجِ " لَهُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنَ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ أَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ ; إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، وَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ". قَالَ: " فَيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مِثْلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ". أَوْ قَالَ: " مِثْلَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ". قَالَ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ: " مِثْلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ: عُتَقَاءُ اللَّهِ» ".
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، مَرْفُوعًا: " «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ ذَكَرَنِي يَوْمًا، أَوْ خَافَنِي فِي مَقَامٍ» ". وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِنَّ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخَلَ النَّارَ اشْتَدَّ صِيَاحُهُمَا، فَقَالَ الرَّبُّ تَعَالَى: أَخْرِجُوهُمَا.
فَلَمَّا أُخْرِجَا قَالَ لَهُمَا: لِأَيِّ شَيْءٍ اشْتَدَّ صِيَاحُكُمَا؟ فَقَالَا: فَعَلْنَا ذَلِكَ لِتَرْحَمَنَا.
قَالَ: إِنَّ رَحْمَتِي لَكُمَا أَنْ تَنْطَلِقَا فَتُلْقِيَا أَنْفُسَكُمَا حَيْثُ كُنْتُمَا مِنَ النَّارِ.
فَيَنْطَلِقَانِ فَيُلْقِي أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ، فَيَجْعَلُهَا عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَيَقُومُ الْآخَرُ، فَلَا يُلْقِي نَفْسَهُ، فَيَقُولُ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُلْقِيَ نَفْسَكَ، كَمَا أَلْقَى صَاحِبُكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تُعِيدَنِي فِيهَا بَعْدَ مَا أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا.
فَيَقُولُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ: لَكَ رَجَاؤُكَ.
فَيَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ جَمِيعًا بِرَحْمَةِ اللَّهِ» ".
وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ لِحَالِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَنْعُمٍ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ، وَلَكِنْ تُغْتَفَرُ رِوَايَةُ مِثْلِ هَذَا فِي هَذَا الْبَابِ ; لِأَنَّهُ مِنَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: أَنْبَأْنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ الْجَنْبِيِّ، أَنَّ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ، وَعُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ حَدَّثَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَفَرَغَ اللَّهُ مِنْ قَضَاءِ الْخَلْقِ فَيَبْقَى رَجُلَانِ، فَيُؤْمَرُ بِهِمَا إِلَى النَّارِ، فَيَلْتَفِتُ أَحَدُهُمَا، فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: رُدُّوهُ.
فَيَرُدُّونَهُ، فَيَقُولُ لَهُ: لِمَ الْتَفَتَّ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ أَرْجُو أَنْ تُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ.
فَيُؤْمَرُ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: لَقَدْ أَعْطَانِي رَبِّي حَتَّى لَوْ أَنِّي أَطْعَمْتُ أَهْلَ الْجَنَّةِ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي شَيْئًا» ". وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَهُ يُرَى السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ.
[فَصْلٌ فِي أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: 46] الْآيَاتِ [الْأَعْرَافِ: 46] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: الْأَعْرَافُ سُورٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَعَلَيْهِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ أَهْلَ الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ قَوْمٌ تَجَاوَزَتْ بِهِمْ حَسَنَاتُهُمُ النَّارَ، وَقَصَّرَتْ بِهِمْ سَيِّئَاتُهُمْ عَنِ الْجَنَّةِ، وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: قُومُوا ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ; فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا، وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ: أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالٌ تَسْتَوِي حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ، فَيُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى نَهَرٍ يُقَالُ لَهُ: الْحَيَاةُ.
تُرْبَتُهُ وَرْسٌ وَزَعْفَرَانُ، وَحَافَتَاهُ قَصَبٌ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٍ بِاللُّؤْلُؤِ، فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ فَيَبْدُو فِي نُحُورِهِمْ شَامَةٌ بَيْضَاءُ، ثُمَّ يَغْتَسِلُونَ فَيَزْدَادُونَ بَيَاضًا، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: تَمَنَّوْا مَا شِئْتُمْ.
فَيَتَمَنَّوْنَ مَا شَاءُوا، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا تَمَنَّيْتُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً.
فَأُولَئِكَ مَسَاكِينُ الْجَنَّةِ.
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِيهَا غَرَابَةٌ فِي شَأْنِ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ، وَصِفَاتِهِمْ، تَرَكْنَاهَا لِضَعْفِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ذِكْرُ آخِرِ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ]
ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ «أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ " قَالُوا: لَا.
يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: " هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ " قَالُوا: لَا.
قَالَ: " فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ.
فَيَقُولُونَ:
نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ.
فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ.
فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا.
فَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ، سَلِّمْ.
وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: " فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مِمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَهُ مِمَّنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ، يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ، تَأْكُلُ النَّارُ مِنَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ ; حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ وَقَدِ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مِنْ مَاءِ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، وَيَفْرُغُ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا إِلَى الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ ; فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا.
فَيَدْعُو اللَّهَ مَا شَاءَ
أَنْ يَدْعُوَهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ.
وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ، فَيَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ.
يَقُولُ اللَّهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟ وَيْلَكَ يَا بْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ.
وَيَدْعُو اللَّهَ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ.
فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ.
فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ.
وَيْلَكَ يَا بْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ.
فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللَّهَ، حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ اللَّهُ مِنْهُ قَالَ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ.
فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللَّهُ لَهُ: تَمَنَّهْ.
فَيَسْأَلُ اللَّهَ وَيَتَمَنَّى، حَتَّى إِنَّ اللَّهَ لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ» ".
قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ، حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: " وَمِثْلُهُ مَعَهُ ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: " وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظْتُ إِلَّا قَوْلَهُ: " ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ". فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ: " ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ.
هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مُعَمِّرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ أَوْرَدَ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنَ يَسَارٍ، وَغَيْرِهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَسَاقَهُ بِطُولِهِ، نَحْوَهُ، وَفِيهِ: أَنَّهُ يُعْطَى ذَلِكَ وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ.
وَفِي بَعْضِ سِيَاقَاتِهِ: أَنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنَ النَّارِ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ فِي ثَلَاثِ مَرَاحِلَ، كُلُّ مَرْحَلَةٍ يَجْلِسُ تَحْتَ شَجَرَةٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ هِيَ أَحْسَنُ مِنْ أُخْتِهَا الَّتِي قَبْلَهَا.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِيهِ: " عَشَرَةُ أَمْثَالِهِ ". كَمَا حَفِظَهُ أَبُو سَعِيدٍ.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْظَمُ وَأَكْرَمُ وَأَرْأَفُ وَأَرْحَمُ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا، فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ.
فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ.
فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى.
فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا - أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْلَ عَشَرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا - فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي - أَوْ تَضْحَكُ مِنِّي - وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟ ". فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَكَانَ يُقَالُ: ذَلِكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً» .
[فَصْلٌ فِي آخِرِ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ]
فَصْلٌ (آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ)
رَوَى الدَارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِهِ " الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ "، وَالْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، مِنْ طَرِيقٍ غَرِيبَةٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ آخِرَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ، يُقَالُ لَهُ: جُهَيْنَةُ.
فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: عِنْدَ جُهَيْنَةَ الْخَبَرُ الْيَقِينُ، سَلُوهُ: هَلْ بَقِيَ فِي النَّارِ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ؟» ". وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا تَصِحُّ نِسْبَتُهُ إِلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ ; لِجَهَالَةِ رُوَاتِهِ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ مَحْفُوظًا مِنْ حَدِيثِهِ لَكَانَ فِي كُتُبِهِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ، كَ " الْمُوَطَّأِ " وَغَيْرِهِ مِمَّا رَوَاهُ عَنْهُ الثِّقَاتُ.
وَالْعَجِيبُ أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ ذَكَرَهُ فِي " التَّذْكِرَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ، فَقَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ، يُقَالُ لَهُ: جُهَيْنَةُ.
فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: وَعِنْدَ جُهَيْنَةَ الْخَبَرُ الْيَقِينُ» ". وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ، وَلَمْ يُضَعِّفْهُ، وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ قَوْلًا آخَرَ أَنَّ اسْمَهُ هَنَّادٌ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ.
لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً.
فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَهُنَا ". فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ» .
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ يَحْيَى الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو فَرْوَةَ يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الرَّهَاوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنِي أَبُو يَحْيَى الْكَلَاعِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ آخِرَ رَجُلٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ يَتَقَلَّبُ عَلَى الصِّرَاطِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، كَالْغُلَامِ يَضْرِبُهُ أَبُوهُ، وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ يَعْجِزُ عَنْهُ عَمَلُهُ أَنْ يَسْعَى، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ بَلِّغْ بِيَ الْجَنَّةَ وَنَجِّنِي مِنَ النَّارِ، فَيُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِ: عَبْدِي، إِنْ أَنَا نَجَّيْتُكَ مِنَ النَّارِ، وَأَدْخَلْتُكَ الْجَنَّةَ أَتَعْتَرِفُ لِي بِذُنُوبِكَ وِخَطَايَاكَ؟ فَيَقُولُ الْعَبْدُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَئِنْ نَجَّيْتَنِي مِنَ النَّارِ لَأَعْتَرِفَنَّ لَكَ بِذُنُوبِي وَخَطَايَايَ.
فَيَجُوزَ الْجِسْرَ، وَيَقُولُ الْعَبْدُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ: لَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَهُ بِذُنُوبِي وَخَطَايَايَ لَيَرُدُّنِي إِلَى النَّارِ.
فَيُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِ: عَبْدِي، اعْتَرِفْ لِي بِذُنُوبِكَ وَخَطَايَاكَ أَغْفِرْهَا لَكَ، وَأُدْخِلْكَ الْجَنَّةَ.
فَيَقُولُ الْعَبْدُ: لَا وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ، مَا أَذْنَبْتُ ذَنْبًا قَطُّ، وَلَا أَخْطَأْتُ خَطِيئَةً قَطُّ.
فَيُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّ لِي عَلَيْكَ بَيِّنَةً.
فَيَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَا يَرَى أَحَدًا فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَرِنِي بَيِّنَتَكَ، فَيَسْتَنْطِقُ اللَّهُ جِلْدَهُ بِالْمُحَقَّرَاتِ، فَإِذَا رَأَى الْعَبْدُ ذَلِكَ يَقُولُ: يَا رَبِّ، عِنْدِي وَعِزَّتِكَ الْعَظَائِمُ.
فَيُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِ: عَبْدِي أَنَا أَعْرَفُ بِهَا مِنْكَ، اعْتَرِفْ لِي بِهَا أَغْفِرْهَا لَكَ وَأُدْخِلْكَ الْجَنَّةَ.
فَيَعْتَرِفُ الْعَبْدُ بِذُنُوبِهِ، فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ ". ثُمَّ ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، يَقُولُ: " هَذَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً، فَكَيْفَ بِالَّذِي فَوْقَهُ؟» ! ".
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سَلَّامٌ - يَعْنِي ابْنَ مِسْكِينٍ - عَنْ أَبِي ظِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " «إِنَّ عَبْدًا فِي جَهَنَّمَ لَيُنَادِي أَلْفَ سَنَةٍ: يَا حَنَّانُ، يَا مَنَّانُ ". قَالَ: " فَيَقُولُ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَائْتِنِي بِعَبْدِي هَذَا.
فَيَنْطَلِقُ جِبْرِيلُ فَيَجِدُ أَهْلَ النَّارِ مُنْكَبِّينَ يَبْكُونَ، فَيَرْجِعُ إِلَى رَبِّهِ، فَيُخْبِرُهُ، فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَائْتِنِي بِهِ، فَإِنَّهُ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا.
فَيَجِيءُ بِهِ، فَيُوقِفُهُ عَلَى رَبِّهِ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا عَبْدِي، كَيْفَ وَجَدْتَ مَكَانَكَ وَمَقِيلَكَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، شَرَّ مَكَانٍ وَشَرَّ مَقِيلٍ.
فَيَقُولُ: رُدُّوا عَبْدِي.
فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا كُنْتُ أَرْجُو إِذْ أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا أَنْ تَرُدَّنِي فِيهَا.
فَيَقُولُ: دَعُوا عَبْدِي» ". انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ وَأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «يَخْرُجُ أَرْبَعَةٌ مِنَ النَّارِ - قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: أَرْبَعَةٌ.
وَقَالَ ثَابِتٌ: رَجُلَانِ - فَيُعْرَضُونَ عَلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَيَلْتَفِتُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، قَدْ كُنْتُ أَرْجُو إِذْ أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا أَنْ لَا تُعِيدَنِي فِيهَا.
فَيُنَجِّيهِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْهَا» ". وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: حَدَّثَنِي رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَنْعُمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِنَّ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخَلَ النَّارَ يَشْتَدُّ صِيَاحُهُمَا، فَقَالَ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ: أَخْرِجُوهُمَا.
فَأُخْرِجَا، فَقَالَ لَهُمَا: لِأَيِّ شَيْءٍ اشْتَدَّ صِيَاحُكُمَا؟ قَالَا: فَعَلْنَا ذَلِكَ لِتَرْحَمَنَا.
قَالَ: رَحْمَتِي لَكُمَا أَنْ تَنْطَلِقَا فَتُلْقِيَا أَنْفُسَكُمَا حَيْثُ كُنْتُمَا مِنَ النَّارِ.
قَالَ: فَيَنْطَلِقَانِ، فَيُلْقِي أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَيَقُومُ الْآخَرُ، فَلَا يُلْقِي نَفْسَهُ، فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ تَعَالَى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُلْقِيَ نَفْسَكَ، كَمَا أَلْقَى صَاحِبُكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ، إِنِّي أَرْجُوكَ أَنْ لَا تُعِيدَنِي فِيهَا بَعْدَ مَا أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا.
فَيَقُولُ الرَّبُّ: لَكَ رَجَاؤُكَ.
فَيَدْخُلَانِ جَمِيعًا الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ» ".
وَذَكَرَ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ فِي خُطْبَتِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَمَرَهُمَا بِالرُّجُوعِ إِلَى النَّارِ
يَنْطَلِقُ أَحَدُهُمَا فِي أَغْلَالِهِ وَسَلَاسِلِهِ حَتَّى يَقْتَحِمَهَا، وَيَتَلَكَّأُ الْآخَرُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَوَّلِ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي خَبَرْتُ مِنْ وَبَالِ مَعْصِيَتِكَ مَا لَمْ أَكُنْ أَتَعَرَّضُ لِسَخَطِكَ ثَانِيًا.
وَيَقُولُ لِلْآخَرِ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَلَكَّأْتَ؟ فَيَقُولُ: حُسْنُ ظَنِّي بِكَ إِذْ أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا أَنْ لَا تُعِيدَنِي فِيهَا.
فَيَرْحَمُهُمَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَيُدْخِلُهُمَا الْجَنَّةَ.
[فَصْلٌ فِي خُلُودِ الْكَافِرِينَ فِي النَّارِ]
فَصْلُ (خُلُودِ الْكَافِرِينَ فِي النَّارِ)
إِذَا خَرَجَ أَهْلُ الْمَعَاصِي مِنَ النَّارِ، فَلَمْ يَبْقَ فِيهَا غَيْرُ الْكَافِرِينَ، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَا خُرُوجَ لَهُمْ مِنْهَا، وَلَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا، بَلْ هُمْ خَالِدُونَ فِيهَا أَبَدًا، وَهُمُ الَّذِينَ حَبَسَهُمُ الْقُرْآنُ، وَحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالْخُلُودِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: 23] . وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 64]
[النِّسَاءِ: 168، 169] .
فَهَذِهِ ثَلَاثُ آيَاتٍ، فِيهِنَّ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالْخُلُودِ فِي النَّارِ أَبَدًا، لَيْسَ لَهُنَّ رَابِعَةٌ مِثْلُهُنَّ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 128] . وَقَوْلُهُ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107] . فَقَدَ
تَكَلَّمَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى هَذِهِ الْآيَاتِ بِكَلَامٍ يَطُولُ بَسْطُهُ، وَجَاءَتْ آثَارٌ عَنِ الصَّحَابَةِ غَرِيبَةٌ، وَوَرَدَتْ أَخْبَارٌ عَجِيبَةٌ، وَلِلْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ مَوْضِعٌ آخَرُ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَأَكْرَمُ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُوقَفَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ وَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ وَلَا مَوْتَ.
فَازْدَادَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَازْدَادَ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ» ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَسَدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ مِثْلَهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ الرَّبِيعِ، مَوْصِلِيٌّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَبْشًا أَغْبَرَ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ.
فَيَشْرَئِبُّونَ، وَيَنْظُرُونَ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ.
فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، وَيُرَوْنَ أَنْ قَدْ جَاءَ الْفَرَجُ، فَيُذْبَحُ وَيُقَالُ: خُلُودٌ لَا مَوْتَ» ". وَهَذَا إِسْنَادٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُوقَفُ عَلَى الصِّرَاطِ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ وَجِلِينَ أَنْ يُخْرَجُوا - وَقَالَ يَزِيدُ: أَنْ يَخْرُجُوا - مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ فَيُقَالُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ رَبَّنَا، هَذَا الْمَوْتُ.
ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ.
فَيَطَّلِعُونَ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ، فَيُقَالُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ.
فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ عَلَى الصِّرَاطِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا: خُلُودٌ فِيمَا تَجِدُونَ لَا مَوْتَ فِيهِ أَبَدًا» ". إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ خَالِدٍ الطَّاحِيُّ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ الطَّاحِيُّ، عَنْ أَخِيهِ خَالِدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُذْبَحُ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ لَا مَوْتَ» ". ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ أَنَسٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[صِفَةُ الْجَنَّةِ وَمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ الدَّائِمِ عَلَى الْأَبَدِ]
[ذِكْرُ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ الدَّائِمِ عَلَى الْأَبَدِ]
ذِكْرُ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ الدَّائِمِ عَلَى الْأَبَدِ، لَا يَفْنَى وَلَا يَضْمَحِلُّ وَلَا يَبِيدُ أَبَدًا بَلْ كُلُّ مَا لَهُ فِي ازْدِيَادٍ وَبَهَاءٍ وَحُسْنٍ، نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ الْجَنَّةَ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ
قَالَ تَعَالَى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: 35] . وَالْمُنْقَطِعُ وَلَوْ بَعْدَ أُلُوفٍ مِنَ السِّنِينَ لَيْسَ بِدَائِمٍ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: 54] . وَالْمُنْقَطِعُ يَنْفَدُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: 96] . فَأَخْبَرَ أَنَّ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا يَنْفَدُ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ لَا يَنْفَدُ، فَلَوْ كَانَ لَهُ آخِرٌ لَكَانَ يَنْفَدُ كَمَا يَنْفَدُ نَعِيمُ الدُّنْيَا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق: 25] أَيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ.
قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ; غَيْرُ مَقْطُوعٍ وَلَا مَنْقُوصٍ، وَمِنْهُ الْمَنُونُ، وَهُوَ قَطْعُ عُمُرِ الْإِنْسَانِ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ: غَيْرُ مَحْسُوبٍ.
وَهُوَ مِثْلُ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ مَا يَنْقَطِعُ مَحْسُوبٌ مُقَدَّرٌ، بِخِلَافِ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ.
[ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي عَدَدِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَاتِّسَاعِهَا وَعَظَمَةِ جَنَّاتِهَا]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: 50] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: 23] .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا انْتَهَوْا إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ وَجَدُوهُ مُغْلَقًا، فَيَسْتَشْفِعُونَ اللَّهَ ; لِيُفْتَحَ لَهُمْ، بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَأْتِي بَابَ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُقَعْقِعُ حَلْقَةَ الْبَابِ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: " مُحَمَّدٌ ". فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ أَنْ لَا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ.
وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " أَنَّهُ أَوَّلُ شَافِعٍ فِي الْجَنَّةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُقَعْقِعُ بَابَ الْجَنَّةِ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ: " «مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ".
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ رِوَايَةِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخِطَابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» ".
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُدْعَى الرَّيَّانَ، يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَإِذَا دَخَلُوهُ أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ غَيْرُهُمْ» ". قَالَ بِشْرٌ: فَلَقِيتُ أَبَا حَازِمٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَحَدَّثَنِي بِهِ، غَيْرَ أَنِّي لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْفَظُ.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ؟ بَابٌ مِنْهَا يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ» ".
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، بِهِ.
وَرَوَاهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلٍ، بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَلِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ ضَرُورَةٍ دُعِيَ، مِنْ أَيِّهَا دُعِيَ، فَهَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» ".
وَأَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ الزُّهُرِيِّ بِهِ، وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ شُفْعَةَ قَالَ: لَقِيَنِي عُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا تَلَقَّوْهُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، مِنْ أَيِّهَا شَاءَ دَخَلَ» ".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ أَيْضًا.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى الْأُمْلُوكِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدٍ السُّلَمِيَّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ فِي قِتَالِ الْمُخْلِصِ وَالْمُذْنِبِ وَالْمُنَافِقِ، قَالَ فِيهِ: " «وَلِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، وَإِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ، وَلَا يَمْحُو النِّفَاقَ» ". الْحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، قَالَ فِيهِ: " «فَيَقُولُ اللَّهُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلْ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ.
وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ وَمَا بَيْنَ عِضَادَتَيِ الْبَابِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى» ".
وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ "، عَنْ خَالِدِ بْنِ عُمَيْرٍ الْعَدَوِيِّ، أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ خَطَبَهُمْ، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصُرْمٍ، وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مِنْهَا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ يَتَصَابُّهَا
صَاحِبُهَا، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ لَا زَوَالَ لَهَا، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ ; فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفَةِ جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا لَا يُدْرِكُ لَهَا قَعْرًا، وَوَاللَّهِ لَتُمْلَأَنَّ، أَفَعَجِبْتُمْ؟ وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ، حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا، فَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَاتَّزَرْتُ بِنِصْفِهَا، وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا، فَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا أَصْبَحَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ، وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيمًا وَعِنْدَ اللَّهِ صَغِيرًا، وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلَّا تَنَاسَخَتْ، حَتَّى يَكُونَ آخِرَ عَاقِبَتِهَا مُلْكًا، فَسَتَخْبُرُونَ وَتُجَرِّبُونَ الْأُمَرَاءَ بَعْدَنَا.
وَفِي " الْمُسْنَدِ " مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ آخِرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ، وَمَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ عَامًا، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَإِنَّهُ لَكَظِيظٌ» ".
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ حَكِيمِ
بْنِ مُعَاوِيَةَ، بِهِ، وَقَالَ: " مَسِيرَةُ سَبْعِ سِنِينَ ".
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الصَّبَّاحِ أَبُو الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «بَابُ أُمَّتِي الَّتِي تَدْخُلُ مِنْهُ الْجَنَّةَ عَرْضُهُ مَسِيرَةُ الرَّاكِبِ الْمُجَوِّدِ ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَيُضْغَطُونَ عَلَيْهِ حَتَّى تَكَادَ مَنَاكِبُهُمْ تَزُولُ» ".
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ خَالِدٍ هَذَا، ثُمَّ قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ، وَقَالَ: لِخَالِدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مَنَاكِيرُ عَنْ سَالِمٍ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَحَدِيثُ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ: " أَرْبَعِينَ سَنَةً ". أَصَحُّ.
وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي " مُسْنَدِهِ "، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ فِي الْجَنَّةِ لَمَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً» ".
فَأَمَّا حَدِيثُ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِنَّ لِلنَّارِ سَبْعَةَ أَبْوَابٍ، مَا مِنْهُنَّ بَابَانِ إِلَّا يَسِيرُ الرَاكِبُ بَيْنَهُمَا سَبْعِينَ عَامًا» ". وَكَذَلِكَ قَالَ فِي بُعْدِ مَا بَيْنَ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، وَحَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى بُعْدِ مَا بَيْنَ الْبَابِ إِلَى الْبَابِ الْآخَرِ، لَا عَلَى مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي بَابٍ وَاحِدٍ، بَلِ الْبَابُ يَدُورُ فِي طُولِ الْجِدَارِ كَمَا يَدُورُ حَوْلَ صُدُورِ الْبَلَدِ إِلَى الْبَابِ الْآخَرِ ; لِئَلَّا يُعَارِضَ مَا تَقَدَّمَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ وَادَّعَى أَنَّ لِلْجَنَّةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَابًا، وَلَكِنْ لَمْ يُقِمْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلًا قَوِيًّا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ قَالَ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ حَدِيثُ عُمَرَ: " «مَنْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ". وَفِي آخِرِهِ قَالَ: " فُتِحَ لَهُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ» ". خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَالَ: وَرَوَى الْآجُرِّيُّ فِي كِتَابِ " النَّصِيحَةِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: بَابُ الضُّحَى.
يُنَادِي مُنَادٍ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُدَاوِمُونَ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى؟ هَذَا بَابُكُمْ فَادْخُلُوا» ". قَالَ: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَبْوَابُ الْجَنَّةِ مِنْهَا بَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بَابُ التَّوْبَةِ، وَبَابُ الصَّلَاةِ، وَبَابُ
الصَّوْمِ، وَبَابُ الزَّكَاةِ، وَبَابُ الصَّدَقَةِ، وَبَابُ الْحَجِّ، وَبَابُ الْعُمْرَةِ، وَبَابُ الْجِهَادِ، وَبَابُ الصِّلَةِ.
وَزَادَ غَيْرُهُ بَابَ الْكَاظِمِينَ، وَبَابَ الرَّاضِينَ، وَالْبَابَ الْأَيْمِنَ الذِي يَدْخُلُ مِنْهُ الَّذِينَ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ.
وَجَعَلَ الْقُرْطُبِيُّ الْبَابَ الَّذِي عَرْضُهُ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُجَوِّدِ - كَمَا وَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيَ - بَابًا ثَالِثَ عَشَرَ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ".
وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " قَالَ: وَقِيلَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَلَيْسَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِفْتَاحَ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ إِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ، وَإِلَّا لَمْ يُفْتَحْ لَكَ.
يَعْنِي: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ التَّوْحِيدِ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ مِنْ فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَتِرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، قَالَ: يُسَاقُ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا، حَتَّى إِذَا انْتَهَوْا إِلَى أَوَّلِ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا، وَجَدُوا عِنْدَهُ شَجَرَةً.
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
[ذِكْرُ تَعْدَادِ مَحَالِّ الْجَنَّةِ وَارْتِفَاعِهَا وَاتِّسَاعِهَا]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 46]
[الرَّحْمَنِ: 46، 47] الْآيَاتِ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ» ".
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُؤَمَّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلسَّابِقِينَ، وَجَنَتَانِ مِنْ وَرِقٍ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ» ".
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ أُمَّ حَارِثَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ هَلَكَ حَارِثَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْتَ مَوْقِعَ حَارِثَةَ مِنْ قَلْبِي، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا سَوْفَ تَرَى مَا أَصْنَعُ.
فَقَالَ لَهَا: " أَهَبِلْتِ؟ أَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ؟! إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى ". وَقَالَ: " غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ - أَوْ مَوْضِعُ قَدَمٍ - مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الْأَرْضِ لَأَضَاءَتَ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا وَلَنَصِيفُهَا - يَعْنِي الْخِمَارَ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ".
وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: " «الْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا» ". وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الغاشية: 10] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: 75] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: 133] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: 21] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، فَإِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نُخْبِرُ النَّاسَ؟ قَالَ: " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ وَسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْفَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تُفَجَّرُ - أَوْ تَفَجَّرُ - أَنْهَارُ الْجَنَّةِ» ". شَكَّ أَبُو عَامِرٍ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ بِمَعْنَاهُ.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ الدَّلَّالُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «مَنْ صَلَّى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَصَامَ رَمَضَانَ " - لَا أَدْرِي ذَكَرَ زَكَاةً أَمْ لَا؟ - " كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، هَاجَرَ أَوْ قَعَدَ حَيْثُ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَخْرُجُ فَأُوذِنُ النَّاسَ؟ فَقَالَ: " لَا، ذَرِ النَّاسَ يَعْمَلُونَ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ مِائَةُ دَرَجَةٍ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِنْهَا مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَأَعْلَى دَرَجَةٍ مِنْهَا الْفِرْدَوْسُ.
وَعَلَيْهَا يَكُونُ الْعَرْشُ، وَهِيَ أَوْسَطُ شَيْءٍ فِي الْجَنَّةِ، وَمِنْهَا تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ» ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِهِ.
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ سُوَيْدٍ، عَنْ حَفْصِ بْنَ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدٍ مُخْتَصَرًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ ". وَقَالَ عَفَّانُ: " كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَاهَا دَرَجَةً، وَمِنْهَا تَخْرُجُ الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ، وَالْعَرْشُ مِنْ فَوْقِهَا، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ» ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى، بِهِ.
قُلْتُ: وَلَا تَكُونُ هَذِهِ الصِّفَةُ إِلَّا فِي الْمُقَبَّبِ، فَإِنَّ أَعْلَى الْقُبَّةِ هُوَ أَوْسَطُهَا، فَالْجَنَّةُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ» ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَبَّاسٍ الْعَنْبَرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، فَذَكَرَهُ، وَعِنْدَهُ: " «مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِائَةُ عَامٍ» ". وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا حَسَنٌ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، لَوْ أَنَّ الْعَالَمِينَ اجْتَمَعُوا فِي إِحْدَاهُنَّ لَوَسِعَتْهُمْ» ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا.