البداية والنهايةصفحات 753-792

َ فَتْحُ الرَّيِّ

صفحات 753-792

وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِ " الْهَمْزِ وَالرِّدْفِ "، وَأَنَّهُ أَخَذَ الْعَرَبِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ، وَاشْتَغَلَ بِحَلَبَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ النَّحْوِيِّ، وَأَخَذَ عَنْهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ، وَالْخَطِيبُ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ التِّبْرِيزِيُّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ مَكَثَ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ عَلَى طَرِيقَةِ الْحُكَمَاءِ، وَأَنَّهُ أَوْصَى أَنْ يَكْتُبَ عَلَى قَبْرِهِ: هَذَا جَنَاهُ أَبِي عَلَيَّ ... وَمَا جَنَيْتُ عَلَى أَحَدْ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَهَذَا أَيْضًا مُتَعَلِّقٌ بِاعْتِقَادِ الْحُكَمَاءِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِيجَادُ الْوَلَدِ وَإِخْرَاجُهُ إِلَى هَذَا الْوُجُودِ جِنَايَةٌ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِلْحَوَادِثِ وَالْآفَاتِ.
قُلْتُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنِ اعْتِقَادِ الْحُكَمَاءِ إِلَى آخِرِ وَقْتٍ، وَأَنَّهُ لَمْ يُقْلِعْ عَنْ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِظَوَاهِرِ الْأُمُورِ وَبَوَاطِنِهَا.
وَذَكَرَ ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّ عَيْنَهُ الْيُمْنَى كَانَتْ نَاتِئَةً، وَعَلَيْهَا بَيَاضٌ، وَالْيُسْرَى غَائِرَةٌ، وَكَانَ نَحِيفًا، ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ أَشْعَارِهِ الْجَيِّدَةِ أَبْيَاتًا، فَمِنْهَا قَوْلُهُ: لَا تَطْلُبَنَّ بَآلَةٍ لَكَ رُتْبَةً ... قَلَمُ الْبَلِيغِ بِغَيْرِ جَدٍّ مَغْزَلُ سَكَنَ السِّمَاكَانَ السَّمَاءَ كِلَاهُمَا ... هَذَا لَهُ رُمْحٌ وَهَذَا أَعْزَلُ الْأُسْتَاذُ أَبُو عُثْمَانَ الصَّابُونِيُّ، إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ

إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَابِدٍ النَّيْسَابُورِيُّ الْحَافِظُ الْوَاعِظُ الْمُفَسِّرُ، قَدِمَ دِمَشْقَ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى الْحَجِّ، فَسَمِعَ بِهَا وَذَكَّرَ النَّاسَ، وَقَدْ تَرْجَمَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ تَرْجَمَةً عَظِيمَةً، وَأَوْرَدَ لَهُ أَشْيَاءَ حَسَنَةً مِنْ أَقْوَالِهِ وَشِعْرِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: إِذَا لَمْ أُصِبْ أَمْوَالَكُمْ وَنَوَالَكُمْ ... وَلَمْ آمُلِ الْمَعْرُوفَ مِنْكُمْ وَلَا الْبِرَّا وَكُنْتُمْ عَبِيدًا لِلَّذِي أَنَا عَبْدُهُ ... فَمِنْ أَجْلِ مَاذَا أُتْعِبُ الْبَدَنَ الْحُرَّا وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَتَرَدَّدُ وَأَنَا بِمَكَّةَ فِي الْمَذَاهِبِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: عَلَيْكَ بِاعْتِقَادِ أَبِي عُثْمَانَ الصَّابُونِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا كَانَتْ فِتْنَةُ الْخَبِيثِ الْبَسَاسِيرِيِّ وَهُوَ أَرْسَلَانُ التُّرْكِيُّ - قَبَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ أَخَا الْمَلِكِ طُغْرُلْبَكَ تَرَكَ الْمَوْصِلَ الَّذِي كَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ أَخُوهُ عَلَيْهَا، وَعَدَلَ إِلَى نَاحِيَةِ بِلَادِ الْجَبَلِ، فَاسْتَدْعَاهُ أَخُوهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَصْلَحَ أَمْرَهُ، وَلَكِنْ فِي غُبُونِ ذَلِكَ رَكِبَ الْبَسَاسِيرِيُّ وَمَعَهُ قُرَيْشُ بْنُ بَدْرَانَ أَمِيرُ الْعَرَبِ إِلَى الْمَوْصِلِ فَأَخَذَهَا، وَأَخْرَبَ قَلْعَتَهَا، فَسَارَ الْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ سَرِيعًا مِنْ بَغْدَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَاسْتَرَدَّهَا، وَهَرَبَ مِنْهُ الْبَسَاسِيرِيُّ وَقُرَيْشٌ ; خَوْفًا مِنْهُ فَتَبِعَهُمَا إِلَى نَصِيبِينَ وَفَارَقَهُ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ وَعَصَى عَلَيْهِ، وَهَرَبَ إِلَى هَمَذَانَ وَذَلِكَ بِإِشَارَةِ الْبَسَاسِيرِيِّ عَلَيْهِ فَسَارَ الْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ وَرَاءَ أَخِيهِ، وَتَرَكَ عَسَاكِرَهُ وَرَاءَهُ، فَتَفَرَّقُوا، وَقَلَّ مَنْ لَحِقَهُ مِنْهُمْ، وَرَجَعَتْ زَوْجَتُهُ الْخَاتُونُ وَوَزِيرُهُ الْكُنْدُرِيُّ إِلَى بَغْدَادَ، ثُمَّ جَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّ أَخَاهُ قَدِ اسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ طُغْرُلْبَكَ مَحْصُورٌ بِهَمَذَانَ، فَانْزَعَجَ النَّاسُ لِذَلِكَ، وَاضْطَرَبَتْ بَغْدَادُ، وَأَرْجَفَ النَّاسُ بِأَنَّ الْبَسَاسِيرِيَّ عَازِمٌ عَلَى قَصْدِ بَغْدَادَ، وَأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مِنَ الْأَنْبَارِ فَقَوِيَ عَزْمُ الْكُنْدُرِيِّ الْوَزِيرِ عَلَى الْمُقَامِ بِبَغْدَادَ، فَأَرَادَتْ الْخَاتُونُ أَنْ تَقْبِضَ عَلَيْهِ، فَتَحَوَّلَ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَنُهِبَتْ دَارُهُ، وَقُطِعَ الْجِسْرُ الَّذِي بَيْنَ الْجَانِبَيْنِ، وَرَكِبَتْ الْخَاتُونُ فِي جُمْهُورِ الْجَيْشِ، وَذَهَبَتْ إِلَى

هَمَذَانَ لِتَنْصُرَ زَوْجَهَا وَسَارَ الْكُنْدُرِيُّ وَمَعَهُ أَنُوشِرْوَانَ بْنُ تُومَانَ وَأُمُّهُ الْخَاتُونُ الْمَذْكُورَةُ، وَمَعَهَا بَقِيَّةُ الْجَيْشِ إِلَى بِلَادِ الْأَهْوَازِ، وَبَقِيَتْ بَغْدَادُ لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، فَعَزَمَ الْخَلِيفَةُ عَلَى التَّرَحُّلِ عَنْ بَغْدَادَ إِلَى غَيْرِهَا، وَلَيْتَهُ فَعَلَ، ثُمَّ أَحَبَّ دَارَهُ وَالْمُقَامَ مَعَ أَهْلِهِ، فَمَكَثَ فِيهَا اغْتِرَارًا وَدَعَةً، وَلَمَّا خَلَا الْبَلَدُ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ قِيلَ لِلنَّاسِ: مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ فَلْيَذْهَبْ حَيْثُ شَاءَ.
فَانْزَعَجَ النَّاسُ، وَبَكَى الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالْأَطْفَالُ، وَعَبَرَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَبَلَغَتِ الْمِعْبَرَةُ دِينَارًا وَدِينَارَيْنِ لِعَدَمِ الْجِسْرِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَطَارَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ نَحْوُ عَشْرِ بُومَاتٍ مُجْتَمِعَاتٍ يَصِحْنَ صِيَاحًا مُزْعِجًا، وَقِيلَ لِرَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ: مِنَ الْمَصْلَحَةِ أَنَّ الْخَلِيفَةَ يَرْتَحِلُ مِنْ بَغْدَادَ لِعَدَمِ الْمُقَاتِلَةِ بِهَا، فَلَمْ يَقْبَلْ.
وَشَرَعُوا فِي اسْتِخْدَامِ طَائِفَةٍ مِنَ الْعَوَامِّ، وَدُفِعَ إِلَيْهِمُ السِّلَاحُ مِنْ دَارِ الْمَمْلَكَةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، دَخَلَ الْبَسَاسِيرِيُّ إِلَى بَغْدَادَ وَمَعَهُ الرَّايَاتُ الْبِيضُ الْمِصْرِيَّةُ، وَعَلَى رَأْسِهِ أَعْلَامٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا: الْإِمَامُ الْمُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ أَبُو تَمِيمٍ مَعَدٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَلَقَّاهُ أَهْلُ الْكَرْخِ فَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَجْتَازَ عِنْدَهُمْ، فَدَخَلَ الْكَرْخَ، وَخَرَجَ إِلَى مَشْرَعَةِ الرَّوَايَا، فَخَيَّمَ بِهَا، وَالنَّاسُ إِذْ ذَاكَ فِي ضُرٍّ وَمَجَاعَةٍ شَدِيدَةٍ، وَنَزَلَ قُرَيْشُ بْنُ بَدْرَانَ فِي نَحْوٍ مِنْ مِائَتَيْ فَارِسٍ عَلَى مَشْرَعَةِ بَابِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ الْبَسَاسِيرِيُّ قَدْ جَمَعَ الْعَيَّارِينَ وَأَطْمَعَهُمْ فِي نَهْبِ دَارِ الْخِلَافَةِ، وَنَهَبَ أَهْلُ الْكَرْخِ دُورَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِبَابِ

الْبَصْرَةِ وَنُهِبَتْ دَارُ قَاضِي الْقُضَاةِ الدَّامَغَانِيِّ، وَهَلَكَ أَكْثَرُ السِّجِلَّاتِ وَالْكُتُبِ الْحُكْمِيَّةِ وَأُبِيعَتْ لِلْعَطَّارِينَ، وَنُهِبَتْ دُورُ الْمُتَعَلِّقِينَ بِالْخَلِيفَةِ، وَأَعَادَتِ الرَّوَافِضُ الْأَذَانَ بِحَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَأُذِّنَ بِهِ فِي سَائِرِ جَوَامِعِ بَغْدَادَ فِي الْجُمُعَاتِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَخُطِبَ بِبَغْدَادَ لِلْمُسْتَنْصِرِ الْعُبَيْدِيِّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الْفَاطِمِيُّ، عَلَى مَنَابِرِ بَغْدَادَ وَضُرِبَتْ لَهُ السِّكَّةُ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَحُوصِرَتْ دَارُ الْخِلَافَةِ، فَحَاجَفَ الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْمُسْلِمَةِ الْمُلَقَّبُ بِرَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْتَخْدِمِينَ دُونَهَا، فَلَمْ يَفِدْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَرَكِبَ الْخَلِيفَةُ بِالسَّوَادِ وَالْبُرْدَةِ عَلَى كَتِفِهِ، وَعَلَى رَأْسِهِ اللِّوَاءُ، وَبِيَدِهِ سَيْفٌ مُصَلَّتٌ، وَحَوْلَهُ زُمْرَةٌ مِنَ الْهَاشِمِيِّينَ، وَالْجَوَارِي حَاسِرَاتٍ عَنْ وُجُوهِهِنَّ، نَاشِرَاتٍ شُعُورَهُنَّ، مَعَهُنَّ الْمَصَاحِفُ عَلَى رُءُوسِ الرِّمَاحِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْخَدَمُ بِالسُّيُوفِ الْمُسَلَّلَةِ، ثُمَّ إِنَّ الْخَلِيفَةَ أَخَذَ ذِمَامًا مِنْ أَمِيرِ الْعَرَبِ قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ لِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَزِيرِهِ ابْنِ الْمُسْلِمَةِ فَأَمَّنَهُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَنْزَلَهُ فِي خَيْمَةٍ، فَلَامَهُ الْبَسَاسِيرِيُّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ مَا كَانَ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنْ أَنَّكَ لَا تَسْتَبِدُّ بِرَأْيِ دُونِي وَلَا أَنَا دُونَكَ، وَمَهْمَا مَلَكْنَا فَبَيْنِي وَبَيْنَكَ.
وَاسْتَحْضَرَ الْبَسَاسِيرِيُّ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ مُسْلِمَةَ فَوَبَّخَهُ تَوْبِيخًا، وَلَامَهُ لَوْمًا شَدِيدًا، ثُمَّ ضَرَبَهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا، وَاعْتَقَلَهُ مُهَانًا عِنْدَهُ، وَنَهَبَتِ الْعَامَّةُ دَارَ الْخِلَافَةِ، فَلَا يُحْصَى مَا أَخَذُوا مِنْهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالنَّفَائِسِ وَالدِّيبَاجِ وَالْأَثَاثِ وَالثِّيَابِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُوصَفُ.
ثُمَّ اتَّفَقَ رَأْيُ الْبَسَاسِيرِيِّ وَقُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ عَلَى تَسْيِيرِ الْخَلِيفَةِ مِنْ بَغْدَادَ وَتَسْلِيمِهِ إِلَى أَمِيرِ حَدِيثَةِ عَانَةَ - وَهُوَ مُهَارِشُ بْنُ مُجَلِّي الْبَدَوِيُّ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَمِّ قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ، وَكَانَ رَجُلًا

صَالِحًا - فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْخَلِيفَةَ دَخَلَ عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ بَغْدَادَ فَلَمْ يَفِدْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَسَيَّرَهُ مَعَ أَصْحَابِهِمَا فِي هَوْدَجٍ إِلَى حَدِيثَةِ عَانَةَ، فَكَانَ عِنْدَ مُهَارِشٍ أَمِيرِهَا حَوْلًا كَامِلًا، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَحُكِيَ عَنِ الْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كُنْتُ بِحَدِيثَةِ عَانَةَ قُمْتُ لَيْلَةً إِلَى الصَّلَاةِ، فَوَجَدْتُ فِي قَلْبِي حَلَاوَةَ الْمُنَاجَاةِ، ثُمَّ دَعَوْتُ اللَّهَ تَعَالَى بِمَا سَنَحَ لِي، ثُمَّ قُلْتُ: اللَّهُمَّ أَعِدْنِي إِلَى وَطَنِي، وَاجْمَعْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَهْلِي وَوَلَدِي، وَيَسِّرِ اجْتِمَاعَنَا، وَأَعِدْ رَوْضَ الْأُنْسِ زَاهِرًا، وَرَبْعَ الْقُرْبِ عَامِرًا، فَقَدْ قَلَّ الْعَزَاءُ، وَبَرِحَ الْخَفَاءُ، قَالَ: فَسَمِعْتُ قَائِلًا عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ يَقُولُ: نَعَمْ نَعَمْ.
فَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ يُخَاطِبُ آخَرُ، ثُمَّ أَخَذْتُ فِي السُّؤَالِ وَالِابْتِهَالِ، فَسَمِعْتُ ذَلِكَ الصَّائِحَ يَقُولُ: إِلَى الْحَوْلِ، إِلَى الْحَوْلِ.
فَعَلِمْتُ أَنَّهُ هَاتِفٌ أَنْطَقَهُ اللَّهُ بِمَا جَرَى الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَكَانَ كَذَلِكَ، خَرَجَ مِنْ دَارِهِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَرَجَعَ إِلَيْهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَقَدْ قَالَ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ فِي مَقَامِهِ بِالْحَدِيثَةِ شِعْرًا يَذْكُرُ فِيهِ حَالَهُ، فَمِنْهُ: خَابَتْ ظُنُونِي فِيمَنْ كُنْتُ آمُلُهُ ... وَلَمْ يَجُلْ ذِكْرُ مَنْ وَالَيْتُ فِي خَلَدِي تَعَلَّمُوا مِنْ صُرُوفِ الدَّهْرِ كُلُّهُمُ ... فَمَا أَرَى أَحَدًا يَحْنُو عَلَى أَحَدِ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ: مَا لِي مِنَ الْأَيَّامِ إِلَّا مَوْعِدٌ ... فَمَتَى أَرَى ظُفْرًا بِذَاكَ الْمَوْعِدِ يَوْمِي يَمُرُّ وَكُلَّمَا قَضَّيْتُهُ ... عَلَّلْتُ نَفْسِي بِالْحَدِيثِ إِلَى غَدِ أَحْيَا بِنَفْسٍ تَسْتَرِيحُ إَلَى الْمُنَى ... وَعَلَى مَطَامِعِهَا تَرُوحُ وَتَغْتَدِي

وَأُمًّا الْبَسَاسِيرِيُّ وَمَا اعْتَمَدَهُ فِي بَغْدَادَ فَإِنَّهُ رَكِبَ يَوْمَ عِيدِ الْأَضْحَى، وَأَلْبَسَ الْخُطَبَاءَ وَالْمُؤْمِنِينَ الْبَيَاضَ، وَعَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابِهِ كَذَلِكَ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْأَلْوِيَةُ الْمُسْتَنْصِرِيَّةُ وَالْمَطَارِدُ الْمِصْرِيَّةُ، وَخَطَبَ لِلْمُسْتَنْصِرِ الْفَاطِمِيِّ صَاحِبِ مِصْرَ، وَالرَّوَافِضُ فِي غَايَةِ السُّرُورِ، وَالْأَذَانُ فِي سَائِرِ بِلَادِ الْعِرَاقِ بِحَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَانْتَقَمَ الْبَسَاسِيرِيُّ مِنْ أَعْيَانِ أَهْلِ بَغْدَادَ انْتِقَامًا عَظِيمًا، وَغَرَّقَ خَلْقًا مِمَّنْ كَانَ يُعَادِيهِ، وَبَسَطَ عَلَى آخَرِينَ الْأَرْزَاقَ وَالْعَطَايَا.
وَمَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أُحْضِرَ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ الْمُسْلِمَةِ الْمُلَقَّبُ بِرَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، وَطُرْطُورٌ مِنْ لِبْدٍ أَحْمَرَ، وَفِي رَقَبَتِهِ مِخْنَقَةٌ مِنْ جُلُودٍ كَالتَّعَاوِيذِ، فَأُرْكِبَ جَمَلًا وَطِيفَ بِهِ فِي الْبَلَدِ، وَخَلْفَهُ مَنْ يَصْفَعُهُ بِقِطْعَةٍ مِنْ جِلْدٍ، وَحِينَ اجْتَازَ بِالْكَرْخِ نَثَرُوا عَلَيْهِ خُلْقَانَ الْمُدَاسَاتِ، وَبَصَقُوا فِي وَجْهِهِ، وَلَعَنُوهُ وَسَبُّوهُ، وَأُوقِفَ بِإِزَاءِ دَارِ الْخِلَافَةِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءِ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26] ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنَ التَّطْوَافِ بِهِ فِي مَحَالِّ الْبَلَدِ، وَأُعِيدَ إِلَى الْمُعَسْكَرِ، فَأُلْبِسَ جِلْدَ ثَوْرٍ بِقَرْنَيْهِ، وَعُلِّقَ بِكَلُّوبٍ فِي شِدْقَيْهِ، وَرُفِعَ إِلَى الْخَشَبَةِ حَيًّا، فَجَعَلَ يَضْطَرِبُ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، فَمَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَانَ آخِرُ كَلَامِهِ أَنْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانِي سَعِيدًا وَأَمَاتَنِي شَهِيدًا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ بَرَدٌ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ أَهْلَكَ كَثِيرًا مِنَ الْغَلَّاتِ، وَقُتِلَ بَعْضُ الْفَلَّاحِينَ، وَزَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً عَظِيمَةً، وَزُلْزِلَتْ بَغْدَادُ فِي شَوَّالٍ قَبْلَ الْفِتْنَةِ بِشَهْرٍ

زِلْزَالًا شَدِيدًا، فَتَهَدَّمَتْ دُورٌ كَثِيرَةٌ، وَوَرَدَتِ الْأَخْبَارُ أَنَّهَا اتَّصَلَتْ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى هَمَذَانَ وَوَاسِطٍ وَعَانَةَ وَتِكْرِيتَ، وَذُكِرَ أَنَّ الطَّوَاحِينَ وَقَفَتْ مِنْ شِدَّةِ الزَّلَازِلِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَثُرَ النَّهْبُ بِبَغْدَادَ حَتَّى كَانَتِ الْعَمَائِمُ تُخْطَفُ عَنِ الرُّءُوسِ، حَتَّى إِنَّ الشَّيْخَ أَبَا نَصْرِ بْنَ الصَّبَّاغِ خُطِفَتْ عِمَامَتُهُ وَطَيْلَسَانُهُ، وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
وَفِي أَوَاخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَكُ مِنْ هَمَذَانَ فَقَاتَلَ أَخَاهُ، وَانْتَصَرَ عَلَيْهِ، فَفَرِحَ النَّاسُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ فَتَبَاشَرَ النَّاسُ بِذَلِكَ، وَكَثُرَ سُرُورُهُمْ وَفَرَحُهُمْ، وَلَمْ يُظْهِرُوا ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ الْبَسَاسِيرِيِّ، وَاسْتَنْجَدَ طُغْرُلْبَكُ بِأَوْلَادِ أَخِيهِ دَاوُدَ - وَكَانَ قَدْ مَاتَ - وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنُودِ عَلَى أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ، فَغَلَبُوهُ وَأَسَرُوهُ وَذَلِكَ فِي أَوَائِلِ سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى عَمِّهِمْ طُغْرُلْبَكَ فَسَارَ بِهِمْ نَحْوَ الْعِرَاقِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَنِّيُّ الْفَرَضِيُّ وَهُوَ شَيْخُ الْخَبْرِيِّ، وَكَانَ شَافِعِيُّ الْمَذْهَبِ، قُتِلَ بِبَغْدَادَ فِي فِتْنَةِ الْبَسَاسِيرِيِّ، وَدُفِنِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

دَاوُدُ أَخُو طُغْرُلْبَكَ الْأَكْبَرُ كَانَ مُقِيمًا بِبَلْخَ بِإِزَاءِ أَوْلَادِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَامَ أَوْلَادُهُ مَقَامَهُ.
طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ عُمَرَ، أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ الْفَقِيهُ شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ، وُلِدَ بِآمُلَ طَبَرِسْتَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَسَمِعَ بِجُرْجَانَ مِنْ أَبِي أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيِّ، وَبِنَيْسَابُورَ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ الْمَاسَرْجِسِيِّ، وَعَلَيْهِ دَرَسَ الْفِقْهَ، وَتَفَقَّهَ أَيْضًا عَلَى أَبِي عَلِيٍّ الزَّجَّاجِيِّ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ كَجٍّ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِبَغْدَادَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَشَرَحَ " الْمُخْتَصَرَ " وَ " فُرُوعَ ابْنِ الْحَدَّادِ "، وَصَنَّفَ فِي الْأُصُولِ وَالْجَدَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُلُومِ الْكَثِيرَةِ النَّافِعَةِ، وَسَمِعَ بِبَغْدَادَ مِنَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِرَبْعِ الْكَرْخِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيِّ، وَكَانَ ثِقَةً دَيِّنًا وَرِعًا، عَالِمًا بِأُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ، وَلَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْبَاهِرَةُ فِي ذَلِكَ، سَلِيمَ الصَّدْرِ، مُوَاظِبًا عَلَى تَعْلِيمِ الْعِلْمِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَقَدْ ذَكَرْتُ تَرْجَمَتَهُ فِي " الطَّبَقَاتِ " بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ.
وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ عَنْهُ - وَكَانَ شَيْخَهُ، وَقَدْ أَجْلَسَهُ بَعْدَهُ فِي الْحَلْقَةِ - أَنَّهُ أَسْلَمَ خُفًّا لَهُ عِنْدَ خَفَّافٍ ; لِيُصْلِحَهُ لَهُ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَكَانَ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أَخَذَهُ فَغَمَسَهُ فِي الْمَاءِ، وَقَالَ: السَّاعَةَ السَّاعَةَ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: إِنَّمَا

أَسْلَمْتُهُ لَكَ لِتُصْلِحَهُ، وَلَمْ أُسْلِمْهُ لِتُعَلِّمَهُ السِّبَاحَةَ.
وَحَكَى ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ وَلِأَخِيهِ عِمَامَةٌ وَقَمِيصٌ إِذَا لَبِسَهُمَا هَذَا جَلَسَ الْآخَرُ فِي الْبَيْتِ، وَقَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: قَوْمٌ إِذَا غَسَلُوا ثِيَابَ جَمَالِهِمْ ... لَبِسُوا الْبُيُوتَ إِلَى فَرَاغِ الْغَاسِلِ وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْعُمُرِ مِائَةَ سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ، وَهُوَ صَحِيحُ الْعَقْلِ وَالْفَهْمِ وَالْأَعْضَاءِ، يُفْتِي وَيَشْتَغِلُ إِلَى أَنْ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ الْبَصْرِيُّ شَيْخُ الشَّافِعِيِّينَ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْكَثِيرَةِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَالتَّفْسِيرِ وَ " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " وَ " أَدَبِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ " قَالَ: بَسَطْتُ الْفِقْهَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ وَرَقَةٍ - يَعْنِي " الْحَاوِيَ الْكَبِيرَ " - وَاخْتَصَرْتُهُ فِي أَرْبَعِينَ وَرَقَةً - يَعْنِي " الْإِقْنَاعَ " - وَقَدْ وَلِيَ الْحُكْمَ فِي بِلَادٍ كَثِيرَةٍ، وَكَانَ حَلِيمًا وَقُورًا أَدِيبًا، لَمْ يَرَ أَصْحَابُهُ ذِرَاعَهُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ مِنْ شِدَّةِ تَحَرُّزِهِ وَأَدَبِهِ، وَقَدِ اسْتَقْصَيْتُ تَرْجَمَتَهُ فِي " الطَّبَقَاتِ ". وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ.

وَقَدْ أَنْشَدَ لَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ أَشْعَارًا مِنْهَا قَوْلُهُ: جَرَى قَلَمُ الْقَضَاءِ بِمَا يَكُونُ ... فَسِيَّانِ التَّحَرُّكُ وَالسُّكُونُ جُنُونٌ مِنْكَ أَنْ تَسْعَى لِرِزْقٍ ... وَيُرْزَقُ فِي غِشَاوَتِهِ الْجَنِينُ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ، أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْمُسْلِمَةِ، عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ أَبُو الْقَاسِمِ وَزِيرُ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ كَانَ أَوَّلًا قَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي أَحْمَدَ الْفَرَضِيِّ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ كَانَ أَحَدَ الْمُعَدِّلِينَ، ثُمَّ اسْتَكْتَبَهُ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَاسْتَوْزَرَهُ، وَلَقَّبَهُ رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ، شَرَفَ الْوُزَرَاءَ، جَمَالَ الْوَرَى.
كَانَ مُتَضَلِّعًا بِعُلُومٍ كَثِيرَةٍ مَعَ سَدَادِ رَأْيٍ وَوُفُورِ عَقْلٍ، وَقَدْ مَكَثَ فِي الْوِزَارَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَشَهْرًا، ثُمَّ قَتَلَهُ الْبَسَاسِيرِيُّ بَعْدَمَا شَهَّرَهُ، ثُمَّ صَلَبَهُ مُعَلَّقًا بِشِدْقَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ ثِنْتَانِ وَخَمْسُونَ سَنَةً وَخَمْسَةُ أَشْهُرٍ.
عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ شِيطَا الْمَسْنِدُ لِلْحَدِيثِ، وَكَانَ ثِقَةً، بَصِيرًا بِالْعَرَبِيَّةِ وَوُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ وَمَذَاهِبِ الْقُرَّاءِ، بَلَغَ الثَّمَانِينَ، وَلَهُ كِتَابٌ فِي التَّجْوِيدِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

مَنْصُورُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَبُو الْفَوَارِسِ الْأَسَدِيُّ صَاحِبُ الْجَزِيرَةِ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَاجْتَمَعَتِ الْعَشِيرَةُ عَلَى إِقَامَةِ وَلَدِهِ صَدَقَةَ مِنْ بَعْدِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

اسْتَهَلَّتْ وَبَغْدَادُ فِي قَبْضَةِ الْبَسَاسِيرِيِّ، وَيَخْطُبُ فِيهَا لِلْمُسْتَنْصِرِ الْفَاطِمِيِّ، وَالْقَائِمُ قَاعِدٌ بِحَدِيثَةِ عَانَةَ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ ثَانِي عَشَرَ صَفَرٍ أَحْضَرَ الْبَسَاسِيرِيُّ قَاضِيَ الْقُضَاةِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيَّ وَجَمَاعَةً مِنَ الْوُجُوهِ وَالْأَعْيَانِ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْبَيْعَةَ لِلْمُسْتَنْصِرِ الْفَاطِمِيِّ، ثُمَّ دَخَلَ دَارَ الْخِلَافَةِ وَهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ مَعَهُ، وَأَمَرَ بِنَقْضِ تَاجِ دَارِ الْخِلَافَةِ، فَنُقِضَتْ بَعْضُ الشَّرَارِيفِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: إِنَّ الْقُبْحَ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، فَتَرَكَهُ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى زِيَارَةِ الْمَشْهِدِ بِالْكُوفَةِ، وَعَزَمَ عَلَى حَفْرِ نَهْرٍ يُسَاقُ إِلَى الْحَائِرِ لِوَفَاءِ نَذْرٍ كَانَ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ بِأَنْ تُنْقَلَ جُثَّةُ ابْنِ مُسْلِمَةَ إِلَى مَا يُقَارِبُ الْحَرِيمَ الطَّاهِرِيَّ، وَأَنْ تُنْصَبَ عَلَى دِجْلَةَ، وَكَتَبَتْ إِلَيْهِ أُمُّ الْخَلِيفَةِ - وَكَانَتْ عَجُوزًا كَبِيرَةً قَدْ بَلَغَتِ التِّسْعِينَ، وَهِيَ مُخْتَفِيَةٌ فِي مَكَانٍ - إِلَى الْبَسَاسِيرِيِّ تَشْكُو إِلَيْهِ الْحَاجَةَ وَالْفَقْرَ وَضِيقِ الْحَالِ،

فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَنَقَلَهَا إِلَى الْحَرِيمِ، وَأَخْدَمَهَا جَارِيَتَيْنِ، وَرَتَّبَ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ اثْنَيْ عَشَرَ رِطْلًا مِنْ خُبْزٍ، وَأَرْبَعَةَ أَرْطَالٍ لَحْمًا، وَلَا يَفِي هَذَا قِيرَاطًا مِمَّا فَعَلَهُ بِوَلَدِهَا وَبِأَهْلِ السُّنَّةِ.

[فَصْلٌ]

وَلَمَّا تَخَلَّصَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَكُ مِنْ حَصْرِهِ بِهَمَذَانَ، وَقَاتَلَ أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَسَرَهُ وَقَتَلَهُ، وَتَمَكَّنَ مِنْ أَمْرِهِ، وَطَابَتْ نَفْسُهُ، وَاسْتَقَرَّ حَالُهُ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ مُنَازِعٌ، كَتَبَ إِلَى قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ، مِنَ الْأَعْرَابِ، يَأْمُرُهُ بِأَنْ يُعَادَ الْخَلِيفَةُ إِلَى دَارِهِ، عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَتَوَعَّدَهُ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ بَأْسًا شَدِيدًا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ يَتَلَطَّفُ بِهِ، وَيُسَالِمُهُ، وَيَقُولُ: أَنَا مَعَكَ عَلَى الْبَسَاسِيرِيِّ بِكُلِّ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، حَتَّى يُمَكِّنَ اللَّهُ مِنْهُ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ أَتَسَرَّعَ فِي أَمْرٍ يَكُونُ فِيهِ عَلَى الْخَلِيفَةِ مَفْسَدَةٌ، أَوْ يَبْدُرَ إِلَيْهِ أَحَدٌ بِأَذِيَّةٍ، وَلَكِنِّي سَأَعْمَلُ لِمَا أَمَرْتَنِي بِكُلِّ مَا يُمْكِنُنِي.
وَأَمَرَ بِرَدِّ امْرَأَةِ الْخَلِيفَةِ الْخَاتُونِ الْمُعَظَّمَةِ أَرْسَلَانَ خَاتُونَ إِلَى دَارِهَا وَقَرَارِهَا.
ثُمَّ إِنَّهُ رَاسَلَ الْبَسَاسِيرِيَّ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِعَوْدِ الْخَلِيفَةِ إِلَى دَارِهِ، وَخَوْفِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَلِكِ طُغْرُلْبَكَ، وَقَالَ لَهُ فِيمَا قَالَ: إِنَّكَ دَعَوْتَنَا إِلَى طَاعَةِ الْمُسْتَنْصِرِ صَاحِبِ مِصْرَ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِتُّمِائَةِ فَرْسَخٍ، وَلَمْ يَأْتِنَا مِنْ جِهَتِةِ رَسُولٌ وَلَا أَحَدٌ، وَلَمْ يُفَكِّرْ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِ، وَهَذَا الْمَلِكُ مِنْ وَرَائِنَا بِالْمِرْصَادِ.
وَجَاءَ كِتَابٌ مِنَ الْمَلِكِ طُغْرُلْبَكَ عُنْوَانُهُ: إِلَى الْأَمِيرِ الْجَلِيلِ عَلَمِ الدِّينِ أَبِي الْمَعَالِي قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ مَوْلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ شَاهِنْشَاهَ الْمُعْظَّمِ مَلِكِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ طُغْرُلْبَكَ أَبِي طَالِبٍ مُحَمَّدِ بْنِ مِيكَائِيلَ بْنِ سَلْجُوقَ.
وَعَلَى رَأْسِ الْكِتَابِ الْعَلَامَةُ السُّلْطَانِيَّةُ بِخَطِّ السُّلْطَانِ: حَسْبِي اللَّهُ.
وَكَانَ فِي الْكِتَابِ: وَالْآنَ قَدْ سَرَتْ بِنَا الْمَقَادِيرُ إِلَى قِتَالِ

كُلِّ عَدُوٍّ لِلدِّينِ وَالْمُلْكِ، وَلَمْ يَبْقَ لَنَا وَعَلَيْنَا فِي الْمُهِمَّاتِ إِلَّا خِدْمَةُ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا الْإِمَامِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِطْلَاعُ أُبَّهَةِ إِمَامَتِهِ عَلَى سَرِيرِ عِزِّهِ، فَإِنَّ الَّذِي يَلْزَمُنَا ذَلِكَ، وَلَا فُسْحَةَ فِي التَّضْجِيعِ فِيهِ سَاعَةً مِنَ الزَّمَانِ، وَقَدْ أَقْبَلْنَا بِخُيُولِ الْمَشْرِقِ إِلَى هَذَا الْمُهِمِّ الْعَظِيمِ، وَنُرِيدُ مِنَ الْأَمِيرِ الْجَلِيلِ عَلَمِ الدِّينِ إِتْمَامَ السَّعْيِ النَّجِيحِ الَّذِي وُفِّقَ لَهُ وَتَفَرَّدَ بِهِ، وَهُوَ أَنْ يُتِمَّ وَفَاءَهُ مِنْ أَمَانَتِهِ وَخِدْمَتِهِ فِي بَابِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْبَلَ بِهِ مُكَرَّمًا إِلَى وَكْرِ عِزِّهِ، وَمَثْوَى إِمَامَتِهِ، وَمَوْقِفِ خِلَافَتِهِ مِنْ مَدِينَةِ السَّلَامِ، وَيَنْتَدِبَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَوَلِّيًا أَمْرَهُ، وَمُنْفِذًا حُكْمَهُ، وَشَاهِرًا سَيْفَهُ وَقَلَمَهُ، وَذَلِكَ الْمُرَادُ، وَهُوَ خَلِيفَتُنَا فِي تِلْكَ الْخِدْمَةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَنُوَلِّيهِ الْعِرَاقَ بِأُسَرِهَا وَنُصَفِّي لَهُ مَشَارِعَ بَرِّهَا وَبَحْرِهَا، لَا يَطَأُ حَافِرُ خَيْلٍ مِنْ خُيُولِ الْعَجَمِ شِبْرًا مِنْ أَرَاضِي تِلْكَ الْمَمْلَكَةِ إِلَّا بِالْتِمَاسِهِ لِمُعَاوَنَتِهِ وَمُظَاهَرَتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يُحَافِظَ عَلَى شَخْصِهِ الْعَالِي بِتَحْوِيلِهِ مِنَ الْقَلْعَةِ إِلَى حِلَّتِهِ أَوْ فِي الْقَلْعَةِ إِلَى حِينِ لِحَاقِنَا بِخِدْمَتِهِ، فَنَتَكَفَّلُ بِإِعَادَتِهِ، وَيَكُونُ الْأَمِيرُ الْجَلِيلُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَلْتَقِيَ بِنَا أَوْ يُقِيمَ حَيْثُ شَاءَ فَنُوَلِّيهِ الْعِرَاقَ كُلَّهَا، وَنَسْتَخْلِفُهُ فِي الْخِدْمَةِ الْإِمَامِيَّةِ، وَنَصْرِفُ أَعِنَّتَنَا إِلَى الْمَمَالِكِ الشَّرْقِيَّةِ، فَهِمَمُنَا لَا تَقْتَضِي إِلَّا هَذَا الْغَرَضَ الْمُفْتَرَضَ، وَلَا تَسْفُ إِلَى مَمْلَكَةٍ مِنْ تِلْكَ الْمَمَالِكِ بَلِ الْهِمَّةُ دِينِيَّةٌ، وَهُوَ - أَدَامَ اللَّهُ تَمْكِينَهُ - يَتَيَقَّنُ مَا ذَكَرْنَا، وَيَعْلَمُ أَنَّ تَوَجُّهَنَا إِثْرَ هَذَا الْكِتَابِ لِهَذَا الْغَرَضِ الْمَعْلُومِ وَلَا غَرَضَ سِوَاهُ، فَلَا يُشْعِرَنَّ قُلُوبَ عَشَائِرِهِ رَهْبَتَهُ، فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ

إِخْوَانُنَا وَفِي ذِمَّتِنَا وَعَهْدِنَا، وَعَلَيْنَا بِهِ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ مَا دَامُوا مُوَافِقِينَ لِلْأَمِيرِ الْأَجَلِّ فِي مَوَالِينَا وَمَنِ اتَّصَلَ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَالْأَكْرَادِ، فَإِنَّهُمْ مُقِرُّونَ وَفِي جُمْلَتِهِ دَاخِلُونَ فِي عَهْدِنَا وَذِمَّتِنَا وَعَهْدِهِ وَذِمَّتِهِ، وَلِكُلِّ مُجْتَرِمٍ فِي الْعِرَاقِ عَفْوُنَا وَأَمْنُنَا مِمَّا بَدَرَ مِنْهُ إِلَّا الْبَسَاسِيرِيَّ، فَإِنَّهُ لَا عَهْدَ لَهُ وَلَا أَمَانَ مِنَّا، وَهُوَ مَوْكُولٌ إِلَى الشَّيْطَانِ وَتَسَاوِيلِهِ ; فَقَدِ ارْتَكَبَ فِي دِينِ اللَّهِ عَظِيمًا، وَهُوَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَأْخُوذٌ حَيْثُ وُجِدَ وَمُعَذَّبٌ عَلَى مَا عَمِلَ، فَقَدْ سَعَى فِي دِمَاءِ خَلْقٍ كَثِيرٍ بِسُوءِ دَخِيلَتِهِ، وَدَلَّتْ أَفْعَالُهُ عَلَى سُوءِ عَقِيدَتِهِ.
وَكَتَبَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
وَبَعَثَ بِهَذَا الْكِتَابِ مَعَ رَسُولَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبَعَثَ مَعَهُمَا بِتُحَفٍ عَظِيمَةٍ لِلْخَلِيفَةِ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَخْدِمَا الْخَلِيفَةَ نِيَابَةً عَنْهُ، جَزَاهُ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا.
وَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ، اسْتَعْلَمَ أَخْبَارَ الْمَلِكِ طُغْرُلْبَكَ مِنَ الرُّسُلِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِذَا مَعَهُ جُنُودٌ عَظِيمَةٌ، فَخَافَ مِنْ ذَلِكَ خَوْفًا شَدِيدًا، وَبَعَثَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ فَأَمَرَ بِحَفْرِ أَمَاكِنَ لِلْمَاءِ وَتَجْهِيزِ عُلُوفَاتٍ كَثِيرَةٍ إِلَى هُنَاكَ.
وَنَفَّذَ الْكِتَابَ وَالْأَخْبَارَ إِلَى الْبَسَاسِيرِيِّ، فَانْزَعَجَ لِذَلِكَ الْبَسَاسِيرِيُّ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - وَخَارَتْ قُوَّتُهُ وَضَعُفَ أَمْرُهُ، وَبَعَثَ إِلَى أَهْلِهِ، فَنَقَلَهُمْ عَنْ بَغْدَادَ وَأَرْصَدَ لَهُ إِقَامَاتٍ عَظِيمَةً بِوَاسِطٍ وَجَعَلَهَا دَارَ مَقَرَّتِهِ، وَوَافَقَ عَلَى عَوْدِ الْخَلِيفَةِ إِلَى بَغْدَادَ وَلَكِنِ اشْتَرَطَ شُرُوطًا كَثِيرَةً لِتُذْهِبَ خَجَلَهُ.
وَلَمَّا انْتَقَلَ أَهْلُ الْبَسَاسِيرِيِّ مِنْ بَغْدَادَ وَصَحِبَتْهُمْ أَهْلُ الْكَرْخِ وَالرَّوَافِضِ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - وَانْحَدَرُوا فِي دِجْلَةَ إِلَى وَاسِطٍ كَانَ خُرُوجُهُمْ عَنْ بَغْدَادَ فِي سَادِسِ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَفِي مِثْلِهِ مِنَ الْعَامِ الْمَاضِي دَخَلُوا بَغْدَادَ وَعِنْدَ ذَلِكَ ثَارَ الْهَاشِمِيُّونَ وَأَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ بَابِ

الْبَصْرَةِ إِلَى الْكَرْخِ، فَنَهَبُوا وَأَحْرَقُوا مِنْهُ مَحَالَّ كَثِيرَةً جِدًّا، وَاحْتَرَقَ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ دَارُ الْعِلْمِ الَّتِي كَانَ وَقَّفَهَا الْوَزِيرُ أَرْدَشِيرُ مِنْ مُدَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً، وَفِيهَا مِنَ الْكُتُبَ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَا احْتَرَقَ دَرْبُ الزَّعْفَرَانِ وَفِيهِ أَلْفٌ وَمِائَتَا دَارٍ، لِكُلِّ دَارٍ مِنْهَا قِيمَةٌ جَلِيلَةٌ عَظِيمَةٌ.
وَتَرَحَّلَ قُرَيْشُ بْنُ بَدْرَانَ إِلَى أَرْضِ الْمَوْصِلِ وَبَعَثَ إِلَى حَدِيثِ عَانَةَ يَقُولُ لِأَمِيرِهَا مُهَارِشِ بْنِ مُجَلِّي الَّذِي سُلِّمَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ: الْمَصْلَحَةُ تَقْتَضِي أَنَّ الْخَلِيفَةَ تُحَوِّلُهُ إِلَيَّ حَتَّى نَسْتَأْمِنَ لِأَنْفُسِنَا بِسَبَبِهِ، وَلَا تُسَلِّمْهُ حَتَّى تَسْتَأْمِنَ لَنَا، وَتَأْخُذَ أَمَانًا فِي يَدِكَ دُونَ يَدِي، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ مُهَارِشٌ، وَقَالَ: قَدْ غَرَّنِي الْبَسَاسِيرِيُّ وَوَعَدَنِي بِأَشْيَاءَ لَمْ أَرَهَا، وَلَسْتُ بِمُرْسِلِهِ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَلَهُ فِي عُنُقِي أَيْمَانٌ كَثِيرَةٌ لَا أَغْدِرُهَا.
وَكَانَ مُهَارِشٌ رَجُلًا صَالِحًا ثِقَةً أَمِينًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَالَ لِلْخَلِيفَةِ: مِنَ الْمَصْلَحَةِ أَنْ نَسِيرَ إِلَى بَلَدِ بَدْرِ بْنِ مُهَلْهَلٍ، وَنَنْظُرُ مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَكَ فَإِنْ ظَهَرَ دَخَلْنَا بَغْدَادَ وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى نَظَرْنَا لِأَنْفُسِنَا، فَإِنَّا نَخْشَى مِنَ الْبَسَاسِيرِيِّ أَنْ يَأْتِيَنَا فَيَحْضُرَنَا.
فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَةُ: افْعَلْ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ.
فَسَارَا فِي الْحَادِي عَشَرَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ إِلَى أَنْ حَصَلَا بِقَلْعَةِ تَلِّ عُكْبَرَا فَلَقِيَتْهُ رُسُلُ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَكَ بِالْهَدَايَا وَالتُّحَفِ الَّتِي كَانَ أَنْفَذَهَا إِلَيْهِ، وَهُوَ مُتَشَوِّقٌ كَثِيرًا.
وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ السُّلْطَانَ طُغْرُلْبَكَ قَدْ دَخَلَ بَغْدَادَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، غَيْرَ أَنَّ الْجَيْشَ نَهَبُوا الْبَلَدَ سِوَى دَارِ الْخَلِيفَةِ، وَصُودِرَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ التُّجَّارِ، وَأُخِذَتْ مِنْهُمْ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَشَرَعُوا فِي عِمَارَةِ دَارِ الْمُلْكِ، وَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى الْخَلِيفَةِ مَرَاكِبَ كَثِيرَةً مِنْ أَنْوَاعِ الْخُيُولِ وَغَيْرِهَا، وَسُرَادِقَ

عَظِيمَةً، وَمَلَابِسَ سَنِيَّةً وَمَا يَلِيقُ بِالْخَلِيفَةِ فِي السَّفَرِ، أَرْسَلَ ذَلِكَ مَعَ الْوَزِيرِ عَمِيدِ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيِّ، وَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ أَرْسَلُوا بِتِلْكَ الْآلَاتِ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَيْهِ، وَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: اضْرِبُوا السُّرَادِقَ، وَلِيَلْبَسَ الْخَلِيفَةُ مَا يَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ نَجِيءُ نَحْنُ فَنَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ، فَلَا يَأْذَنُ لَنَا إِلَّا بَعْدَ سَاعَةٍ طَوِيلَةٍ.
فَلَمَّا دَخَلَ الْوَزِيرُ وَمَنْ مَعَهُ قَبَّلُوا الْأَرْضَ وَأَخْبَرُوهُ بِسُرُورِ السُّلْطَانِ بِمَا حَصَلَ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى بَغْدَادَ وَاشْتِيَاقِهِ إِلَيْهِ جِدًّا، وَأَخْبَرُوا مُهَارِشًا بِشُكْرِ السُّلْطَانِ لَهُ وَنِيَّتِهِ لَهُ بِمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِهِ مِنَ الْإِكْرَامِ.
وَكَتَبَ عَمِيدُ الْمُلْكِ كِتَابًا إِلَى السُّلْطَانِ يُعْلِمُهُ بِصِفَةِ مَا جَرَى الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَأَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ خَطَّ الْخَلِيفَةِ فِي أَعَلَا الْكِتَابِ ; لِيَكُونَ أَقَرَّهُ لِعَيْنِ السُّلْطَانِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ دَوَاةٌ، وَأَحْضَرَ الْوَزِيرُ دَوَاتَهُ وَمَعَهَا سَيْفٌ، وَقَالَ: هَذِهِ خِدْمَةُ السَّيْفِ وَالْقَلَمِ، فَأَعْجَبَ الْخَلِيفَةَ ذَلِكَ.
وَتَرْحَّلُوا مِنْ مَنْزِلِهِمْ ذَلِكَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى النَّهْرَوَانِ خَرَجَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَكَ مِنْ بَغْدَادَ لِتَلَقِّيهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى السُّرَادِقِ قَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَأَخَذَ الْخَلِيفَةُ مِخَدَّةً، فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَخَذَهَا الْمَلِكُ فَقَبَّلَهَا، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهَا، كَمَا أَشَارَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدَّمَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْحَبْلَ الْيَاقُوتَ الْأَحْمَرَ الَّذِي كَانَ لِبَنِي بُوَيْهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ، وَأَخْرَجَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ حَبَّةً مِنْ لُؤْلُؤٍ كِبَارٍ، وَقَالَ: أَرْسَلَانُ خَاتُونَ - يَعْنِي زَوْجَةَ الْخَلِيفَةِ - تَخْدُمُ وَتَسْأَلُ أَنْ تُسَبِّحَ بِهَذِهِ السُّبْحَةِ، وَجَعَلَ يَعْتَذِرُ مِنْ تَأَخُّرِهِ عَنِ الْحَضْرَةِ بِسَبَبِ عِصْيَانِ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَتَلْتُهُ، وَاتَّفَقَ مَوْتُ أَخِي الْأَكْبَرِ دَاوُدَ، فَاشْتَغَلْتُ بِتَرْتِيبِ أَوْلَادِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَكُنْتُ عَزَمْتُ عَلَى أَنْ أَصْمُدَ إِلَى الْحَدِيثَةِ ; لِأَصُونَ الْمُهْجَةَ الشَّرِيفَةَ، وَلَكِنْ لَمَّا بَلَغَنِي، بِحَمْدِ اللَّهِ، أَمْرُ مَوْلَايَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْخَلِيفَةِ، فَرِحْتُ بِذَلِكَ وَأَنَا شَاكِرٌ لِمُهَارِشٍ بِمَا كَانَ مِنْهُ مِنْ خِدْمَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَا

إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَمْضِي وَرَاءَ هَذَا الْكَلْبِ - الْبَسَاسِيرِيِّ - وَأَقْتَنِصُهُ، وَأَعُودُ إِلَى الشَّامِ وَأَفْعَلُ بِصَاحِبِ مِصْرَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَازَى بِهِ مِنْ سُوءِ الْمُقَابَلَةِ بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ الْبَسَاسِيرِيِّ هَاهُنَا.
فَدَعَا لَهُ الْخَلِيفَةُ، وَشَكَرَهُ عَلَى ذَلِكَ كُلُّ ذَلِكَ يُتَرْجِمُهُ عَمِيدُ الْمُلْكِ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَالْمَلِكِ طُغْرُلْبَكَ.
وَأَعْطَى الْخَلِيفَةُ لِلْمَلِكِ سَيْفًا كَانَ مَعَهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مِنْ أُمُورِ الْخِلَافَةِ سِوَاهُ، وَاسْتَأْذَنَ الْمَلِكُ لِبَقِيَّةِ الْجَيْشِ أَنْ يَخْدِمُوا الْخَلِيفَةَ فَرُفِعَتِ الْأَسْتَارُ عَنْ جَوَانِبِ الْخَرْكَاهْ، فَلَمَّا شَاهَدَ الْأَتْرَاكُ الْخَلِيفَةَ، قَبَّلُوا الْأَرْضَ.
ثُمَّ دَخَلَ بَغْدَادَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمًا مَشْهُودًا، الْجَيْشُ كُلُّهُ مَعَهُ، وَالْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى بَابِ الْحُجْرَةِ، وَلَمَّا وَصَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى دَارِ مَمْلَكَتِهِ وَمَقَرِّ خِلَافَتِهِ، اسْتَأْذَنَهُ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَكُ فِي الْخُرُوجِ وَرَاءَ الْبَسَاسِيرِيِّ، فَأَذِنَ لَهُ، وَكَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَمْضِيَ مَعَهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَا أَكْفِيكَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَأَطْلَقَ الْمَلِكُ لِمُهَارِشٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، فَلَمْ يَرْضَ.
وَشَرَعَ السُّلْطَانُ فِي تَرْتِيبِ الْجُيُوشِ لِلْمَسِيرِ وَرَاءَ الْبَسَاسِيرِيِّ، فَأَرْسَلَ جَيْشًا مِنْ نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ لِيَمْنَعُوهُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى الشَّامِ وَخَرَجَ هُوَ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ فِي بَقِيَّةِ الْجَيْشِ، وَأَمَّا الْبَسَاسِيرِيُّ، فَإِنَّهُ مُقِيمٌ بِوَاسِطٍ فِي جَمْعِ غَلَّاتٍ وَتُمُورٍ يُهَيِّئُهَا لِقِتَالِ أَهْلِ بَغْدَادَ وَمَنْ فِيهَا مِنَ الْغُزِّ، وَعِنْدَهُ أَنَّ الْمَلِكَ طُغْرُلْبَكَ وَمَنْ مَعَهُ لَيْسُوا بِشَيْءٍ يُخَافُ مِنْهُ، وَذَلِكَ لِمَا يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إِهْلَاكِهِ عَلَى يَدَيِ الْمَلِكِ طُغْرُلْبَكَ جَزَاهُ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا، آمِينَ.

صِفَةُ أَخْذِ الْبَسَاسِيرِيِّ قَبَّحَهُ اللَّهُ لَمَّا سَارَ السُّلْطَانُ نَحْوَهُ وَصَلَتْ إِلَيْهِ السَّرِيَّةُ الْأَوْلَى فَلَقُوهُ بِأَرْضِ وَاسِطٍ وَمَعَهُ ابْنُ مَزْيَدٍ، فَاقْتَتَلُوا هُنَالِكَ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَنَجَا الْبَسَاسِيرِيُّ بِنَفْسِهِ عَلَى فَرَسٍ، فَتَبِعَهُ بَعْضُ الْغِلْمَانِ، فَرَمَى فَرَسَهُ بِنُشَّابَةٍ، فَأَلْقَتْهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَجَاءَ الْغُلَامُ، فَضَرَبَهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ، وَأَسَرَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ كُمُشْتِكْتِينُ، وَحَزَّ رَأْسَهُ، وَحَمَلَهُ إِلَى السُّلْطَانِ، وَأَخَذَتِ الْأَتْرَاكُ مِنْ جَيْشِ الْبَسَاسِيرِيِّ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا عَجَزُوا عَنْ حَمْلِهِ.
وَلَمَّا وَصَلَ الرَّأْسُ إِلَى السُّلْطَانِ أَمَرَ أَنْ يُذْهَبَ بِهِ إِلَى بَغْدَادَ وَأَنْ يُرْفَعَ عَلَى قَنَاةٍ، وَأَنْ يُطَافَ بِهِ فِي الْمَحَالِّ وَالدَّبَادِبُ وَالْبُوقَاتُ وَالنَّفَّاطُونَ مَعَهُ، وَأَنْ يَخْرُجَ النَّاسُ وَالنِّسَاءُ لِلْفُرْجَةِ عَلَيْهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ نُصِبَ عَلَى الطَّيَّارِ تُجَاهَ دَارِ الْخِلَافَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَدْ كَانَ مَعَ الْبَسَاسِيرِيِّ خَلْقٌ مِنَ الْبَغَادِدَةٍ، خَرَجُوا مَعَهُ ظَانِّينَ أَنَّهُ سَيَعُودُ إِلَيْهَا مَحَبَّةً فِيهِ، فَهَلَكُوا، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُمْ كُلُّهَا، وَلَمْ يَنْجُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَفَرَّ ابْنُ مَزْيَدٍ فِي نَاسٍ قَلِيلٍ إِلَى الْبَطِيحَةِ، وَفِيمَنْ مَعَهُ أَوْلَادُ الْبَسَاسِيرِيِّ وَأُمُّهُمْ، وَقَدْ سَلَبَتْهُمُ الْأَعْرَابُ، فَلَمْ يَتْرُكُوا لَهُمْ شَيْئًا، فَوَرَدُوا الْبَطِيحَةَ مَسْلُوبِينَ مَحْرُوبِينَ، ثُمَّ اسْتُؤْمِنَ لِابْنِ مَزْيَدٍ مِنَ السُّلْطَانِ، وَدَخَلَ مَعَهُ بَغْدَادَ، وَقَدْ نَهَبَتِ الْعَسَاكِرُ السُّلْطَانِيَّةُ مَا بَيْنَ وَاسِطٍ وَالْبَصْرَةِ وَالْأَهْوَازِ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْجَيْشِ وَانْتِشَارِهِ وَكَثَافَتِهِ.
وَأُمَّا الْخَلِيفَةُ فَإِنَّهُ لَمَّا عَادَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ جَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنَامَ

عَلَى وِطَاءٍ، وَلَا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ بِطَعَامِهِ إِذَا كَانَ صَائِمًا، وَلَا يَخْدِمُهُ فِي وُضُوئِهِ وَغُسْلِهِ، بَلْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ،، وَعَاهَدَ اللَّهَ أَنْ لَا يُؤْذِيَ أَحَدًا مِمَّنْ آذَاهُ، وَأَنْ يَصْفَحَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَكَانَ يَقُولُ: مَا عَاقَبْتُ مَنْ عَصَى اللَّهَ فِيكَ بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ تُطِيعَ اللَّهَ فِيهِ.
وَفِيهَا تَوَلَّى الْمَلِكُ أَلْبُ أَرْسَلَانَ بْنُ دَاوُدَ جَغْرِيبَكَ بْنِ مِيكَائِيلَ بْنِ سَلْجُوقَ بِلَادَ خُرَاسَانَ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ بِتَقْرِيرِ عَمِّهِ طُغْرُلْبَكَ وَكَانَ لَهُ مِنَ الْإِخْوَةِ ثَلَاثَةٌ: سُلَيْمَانُ وَقَارُوتُبَكُ وَيَاقُوتِيٌّ، فَتَزَوَّجَ طُغْرُلْبَكَ بِأُمِّ سُلَيْمَانَ هَذَا، وَأَوْصَى لَهُ بِالْمُلْكِ مِنْ بَعْدِهِ.
وَكَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِمَكَّةَ رُخْصٌ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، بِيعَ الْبُرُّ وَالتَّمْرُ كُلُّ مِائَتَيْ رِطْلٍ بِدِينَارٍ.
وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَرْسَلَانُ أَبُو الْحَارِسِ الْبَسَاسِيرِيُّ التُّرْكِيُّ كَانَ مِنْ مَمَالِيكِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ أَوَّلًا مَمْلُوكًا لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَدِينَةِ بَسَا، فَنُسِبَ إِلَيْهِ، فَقِيلَ

لَهُ: الْبَسَاسِيرِيُّ، وَتَلَقَّبَ بِالْمُظَفَّرِ، ثُمَّ كَانَ مُقَدَّمًا كَبِيرًا عِنْدَ الْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَقْطَعُ أَمْرًا دُونَهُ، وَخُطِبَ لَهُ عَلَى مَنَابِرِ الْعِرَاقِ كُلِّهَا، ثُمَّ طَغَى وَبَغَى، وَتَمَرَّدَ وَعَتَا، وَخَرَجَ عَلَى الْخَلِيفَةِ، بَلْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَدَعَا إِلَى خِلَافَةِ الْفَاطِمِيِّينَ، فَتَمَّ لَهُ مَا رَامَهُ مِنَ الْأَمَلِ الْفَاسِدِ، وَاسْتُدْرِجَ، ثُمَّ كَانَ أَخْذُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَكَانَ دُخُولُهُ بِأَهْلِهِ إِلَى بَغْدَادَ فِي سَادِسِ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ سَنَةِ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ خُرُوجُهُمْ فِي سَادِسِ ذِي الْقَعْدَةِ أَيْضًا مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ بَعْدَ سَنَةٍ هِلَالِيَّةٍ كَامِلَةٍ، ثُمَّ كَانَ خُرُوجُ الْخَلِيفَةِ مِنْ بَغْدَادَ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ كَانُونَ الْأَوَّلِ، وَاتَّفَقَ قَتْلُ الْبَسَاسِيرِيِّ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ كَانُونَ الْأَوَّلِ بَعْدَ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ، وَذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْفَضْلِ، أَبُو عَلِيٍّ الشَّرْمَقَانِيُّ الْمُؤَدِّبُ الْمُقْرِئُ الْحَافِظُ لِلْقِرَاءَاتِ وَاخْتِلَافِهَا، كَانَ ضَيِّقَ الْحَالِ، فَرَآهُ شَيْخُهُ ابْنُ الْعَلَّافِ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ يَأْخُذُ أَوْرَاقَ الْخَسِّ مِنْ دِجْلَةَ فَيَأْكُلُهُ، فَأَعْلَمَ ابْنَ الْمُسْلِمَةِ فَأَمَرَ غُلَامَهُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْخِزَانَةِ الَّتِي بِمَسْجِدِهِ، فَيَتَّخِذَ لَهَا مِفْتَاحًا غَيْرَ مِفْتَاحِهِ، ثُمَّ كَانَ يَضَعُ فِيهَا كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَةَ أَرْطَالٍ مِنْ خُبْزِ السَّمِيدِ وَدَجَاجَةً وَحَلَاوَةَ سُكَّرٍ، فَظَنَّ أَبُو عَلِيٍّ الشَّرْمَقَانِيُّ

أَنَّ ذَلِكَ كَرَامَةٌ، وَأَنَّ هَذَا الطَّعَامَ مِنَ الْجَنَّةِ، فَكَتَمَهُ زَمَانًا، وَجَعَلَ يُنْشِدُ: مَنْ أَطْلَعُوهُ عَلَى سِرٍّ فَبَاحَ بِهِ ... لَمْ يَأْمَنُوهُ عَلَى الْأَسْرَارِ مَا عَاشَا فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ ذَاكَرَهُ ابْنُ الْعَلَّافِ فِي أَمْرِهِ، وَقَالَ: أَرَاكَ قَدْ سَمِنْتَ، فَمَا هَذَا الْأَمْرُ وَأَنْتَ رَجُلٌ فَقِيرٌ؟ فَجَعَلَ يُلَوِّحُ وَلَا يُصَرِّحُ، وَيُكَنِّي وَلَا يُفْصِحُ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَجِدُ كُلَّ يَوْمٍ فِي خِزَانَتِهِ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ مَا يَكْفِيهِ.
فَقَالَ لَهُ: ادْعُ لِابْنِ الْمُسْلِمَةِ، فَإِنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُ مَعَكَ ذَلِكَ، وَشَرَحَ لَهُ صُورَةَ الْحَالِ، فَانْكَسَرَ وَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ.
عَلِيُّ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَاخُرَّةَ، أَبُو الْحَسَنِ الزَّوْزَنِيُّ شَيْخُ الصُّوفِيَّةِ وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ رِبَاطُ الزَّوْزَنِيِّ، وَقَدْ كَانَ بُنِيَ لِأَبِي الْحَسَنِ الْحُصَرِيِّ شَيْخِهِ، وَقَدْ صَحِبَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ، وَقَالَ: صَحِبْتُ أَلْفَ شَيْخٍ، وَأَحْفَظُ عَنْ كُلِّ شَيْخٍ حِكَايَةً.
تُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ عَنْ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو طَالِبٍ الْحَرْبِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْعُشَارِيِّ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ ; لِطُولِ جَسَدِهِ، وَقَدْ سَمِعَ الدَّارَقُطْنِيَّ وَغَيْرَهُ،

وَكَانَ ثِقَةً دَيِّنًا صَالِحًا.
تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى الثَّمَانِينَ.
الْوَنِّيُّ الْفَرَضِيُّ، الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَنِّيُّ نِسْبَةٌ إِلَى وَنَّ قَرْيَةٍ مِنْ أَعْمَالِ قُهُسْتَانَ، الْفَرَضِيُّ شَيْخُ الْخَبْرِيِّ، وَهُوَ أَبُو حَكِيمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كَانَ الْوَنِّيُّ إِمَامًا فِي الْحِسَابِ وَالْفَرَائِضِ، وَانْتَفَعَ النَّاسُ بِهِ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِبَغْدَادَ شَهِيدًا فِي فِتْنَةِ الْبَسَاسِيرِيِّ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ صَفَرٍ دَخَلَ السُّلْطَانُ بَغْدَادَ مَرْجِعَهُ مِنْ وَاسِطٍ بَعْدَ قَتْلِ الْبَسَاسِيرِيِّ، وَفِي يَوْمِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ جَلَسَ الْخَلِيفَةُ بِدَارِ الْخِلَافَةِ، وَحَضَرَ الْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ وَمَدَّ سِمَاطًا عَظِيمًا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَكَلَ الْأُمَرَاءُ مِنْهُ وَالْعَامَّةُ، ثُمَّ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ ثَانِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ عَمِلَ الْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ فِي دَارِهِ سِمَاطًا عَظِيمًا أَيْضًا.
وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ تَاسِعِ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَرَدَ الْأَمِيرُ عُدَّةُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَخِيرَةِ الدِّينِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْقَائِمِ، وَجَدَّتُهُ وَعَمَّتُهُ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُ سِنِينَ صُحْبَةَ أَبِي الْغَنَائِمِ بْنِ الْمَحْلَبَانِ، فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ إِجْلَالًا لِجَدِّهِ، وَقَدْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ وَفِي رَجَبٍ وَقَّفَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَتَّابِيُّ دَارَ كُتُبٍ بِشَارِعِ ابْنِ أَبِي عَوْفٍ مِنْ غَرْبِيِّ مَدِينَةِ السَّلَامِ، وَنَقَلَ إِلَيْهَا أَلْفَ كِتَابٍ عِوَضًا عَنْ دَارِ

أَرْدَشِيرَ الَّتِي أُحْرِقَتْ بِالْكَرْخِ.
وَفِي شَعْبَانَ مَلَكَ مَحْمُودُ بْنُ نَصْرٍ حَلَبَ وَقَلْعَتَهَا، فَامْتَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ.
وَمَلَكَ عَطِيَّةُ بْنُ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ الرَّحْبَةَ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يُنْزَعُ مِنْ أَيْدِي الْفَاطِمِيِّينَ.
وَفِيهَا عَادَ الْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ إِلَى الْجَبَلِ، وَعَقَدَ بَغْدَادَ عَلَى الْعَمِيدِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ فِي السَّنَةِ، وَلِسَنَتَيْنِ بَعْدَهَا بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَشَرَعَ الْعَمِيدُ فِي عِمَارَةِ الْكَرْخِ وَأَسْوَاقِهِ.
وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، غَيْرَ أَنَّ جَمَاعَةً اجْتَمَعُوا إِلَى الْكُوفَةِ وَرَكِبُوا مَعَ طَائِفَةٍ مِنَ الْخَفَرِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: بَايُّ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ بَايٍّ أَبُو مَنْصُورٍ الْجِيلِيُّ مِنْ تَلَامِذَةِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَلِيَ الْقَضَاءَ بِبَابِ الطَّاقِ وَبِحَرِيمِ دَارِ الْخِلَافَةِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ جَمَاعَةٍ، قَالَ الْخَطِيبُ: وَكَتَبْنَا عَنْهُ، وَكَانَ ثِقَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ، أَبُو مُحَمَّدٍ النَّسَوِيُّ الْوَالِي سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ ذَكِيًّا فِي صَنْعَةِ الْوِلَايَةِ، وَمَعْرِفَةِ الْمُتَّهَمِ مِنْ بَيْنِ الْغُرَمَاءِ بِلَطِيفٍ مِنَ الصُّنْعِ، كَمَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ جَمَاعَةٍ اتُّهِمُوا بِسَرِقَةٍ، فَأَتَى بِكُوزِ لِيَشْرَبَ مِنْهُ، فَرَمَى بِهِ فَانْزَعَجَ الْوَاقِفُونَ إِلَّا وَاحِدًا، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُقَرَّرَ، وَقَالَ: السَّارِقُ يَكُونُ جَرِيئًا قَوِيًّا.
فَوَجَدَ الْأَمْرَ كَذَلِكَ.
وَقَدْ قَتَلَ مَرَّةً وَاحِدًا ضُرِبَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَادُّعِيَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ، ثُمَّ فَادَى عَنْ نَفْسِهِ بِمَالٍ جَزِيلٍ حَتَّى خَلَصَ مِنَ الْقَتْلِ.
مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرُوسٍ أَبُو الْفَضْلِ الْبَزَّارُ، انْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيِّينَ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ مِنَ الْقُرَّاءِ الْمُجَوِّدِينَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ الْمُسْنِدِينَ، مَعَ ابْنِ حَبَابَةَ وَالْمُخَلِّصِ وَابْنِ شَاهِينَ، وَقَدْ قَبِلَ شَهَادَتَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيُّ، فَكَانَ أَحَدَ الْمُعَدَّلِينَ.
قَطْرُ النَّدَى وَيُقَالُ: بَدْرُ الدُّجَى، وَيُقَالُ: عَلَمُ.
أُمُّ الْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ،

كَانَتْ عَجُوزًا كَبِيرَةً، قَدْ بَلَغَتِ التِّسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ أَرْمَنِيَّةً، وَهِيَ الَّتِي احْتَاجَتْ فِي زَمَانِ الْبَسَاسِيرِيِّ وَأَلْجَأَتْهَا الْحَاجَةُ حَتَّى كَتَبَتْ إِلَيْهِ رُقْعَةً تَشْكُو فَقْرَهَا وَحَاجَتَهَا، فَأَجْرَى عَلَيْهَا رِزْقًا وَأَخْدَمَهَا جَارِيَتَيْنِ، وَهَذَا كَانَ مِنْ أَحْسَنِ مَا صَنَعَ، ثُمَّ لَمْ تَمُتْ حَتَّى أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهَا بِوَلَدِهَا وَرُجُوعِهِ إِلَيْهَا، وَاسْتَمَرَّ أَمْرُهُمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَحَضَرَ وَلَدُهَا الْخَلِيفَةُ جِنَازَتَهَا، وَكَانَتْ حَافِلَةً جِدًّا، رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَكْرَمَ مَثْوَاهَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ، آمِينَ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا خَطَبَ الْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ ابْنَةَ الْخَلِيفَةِ، فَانْزَعَجَ الْخَلِيفَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ.
ثُمَّ طَلَبَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً كَهَيْئَةِ الْمُبْعِدِ لَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ لِزَوْجَتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَتْ مِنَ الْإِقْطَاعَاتِ بِأَرْضِ وَاسِطٍ وَصَدَاقٌ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَنْ يُقِيمَ الْمَلِكُ بِبَغْدَادَ لَا يَتَرَحَّلُ مِنْهَا، وَلَا يَحِيدُ عَنْهَا يَوْمًا أَبَدًا، فَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ مَعَ ابْنَةِ أَخِيهِ دَاوُدَ، زَوْجَةِ الْخَلِيفَةِ أَرْسَلَانَ خَاتُونَ، وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْ آلَاتِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنِّثَارِ وَالْجَوَارِي وَالْكُرَاعِ، وَمِنَ الْجَوَاهِرِ أَلْفَانِ وَمِائَتَا قِطْعَةٍ، مِنْ ذَلِكَ سَبْعُمِائَةٍ وَعِشْرُونَ قِطْعَةً مِنْ جَوْهَرٍ، وَزْنُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ مَثَاقِيلَ إِلَى الْمِثْقَالِ، وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ.
فَتَمَنَّعَ الْخَلِيفَةُ لِفَوَاتِ بَعْضِ الشُّرُوطِ، فَغَضِبَ عَمِيدُ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيُّ الْوَزِيرُ لِمَخْدُومِهِ السُّلْطَانِ، وَجَرَتْ شُرُورٌ طَوِيلَةٌ اقْتَضَتْ أَنْ أَرْسَلَ السُّلْطَانُ كِتَابًا يَأْمُرُ فِيهِ بِانْتِزَاعِ ابْنَةِ أَخِيهِ السَّيِّدَةِ أَرْسَلَانَ خَاتُونَ، وَنَقْلِهَا مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ إِلَى دَارِ الْمُلْكِ، حَتَّى تَنْفَصِلَ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ، وَعَزَمَ الْمَلِكُ عَلَى النُّقْلَةِ مِنْ بَغْدَادَ وَأَصْلَحَ الطَّيَّارَ فَانْزَعَجَ النَّاسُ لِذَلِكَ، وَجَاءَ كِتَابُ السُّلْطَانِ إِلَى رَئِيسِ شِحْنَةِ بَغْدَادَ بِرْشَقَ يَأْمُرُهُ بِعَدَمِ الْمُرَاقَبَةِ، وَكَثْرَةِ الْعَسْفِ فِي مُقَابَلَةِ رَدِّ أَصْحَابِنَا بِالْحِرْمَانِ، وَيَعْزِمُ عَلَى نُقْلَةِ الْخَاتُونِ إِلَى دَارِ

الْمَمْلَكَةِ، وَيُرْسِلُ مَنْ يَحْمِلُهَا إِلَى الْبَلْدَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ غَضَبًا عَلَى الْخَلِيفَةِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي رَمَضَانَ رَأَى إِنْسَانٌ مِنَ الزَّمْنَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ وَهُوَ قَائِمٌ، وَمَعَهُ ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ فَجَاءَهُ إِلَيْهِ أَحَدُهُمْ فَقَالَ لَهُ: أَلَا تَقُومُ؟ فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ أَنَا رَجُلٌ مُقْعَدٌ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: قُمْ، فَقَامَ وَانْتَبَهَ، فَإِذَا هُوَ قَدْ بَرِأَ وَأَصْبَحَ يَمْشِي فِي حَوَائِجِهِ.
وَفِي رَبِيعٍ الْآخَرِ اسْتَوْزَرَ الْخَلِيفَةُ أَبَا الْفَتْحِ مَنْصُورَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ دَارَسَتِ الْأَهْوَازِيَّ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَجَلَسَ فِي مَجْلِسِ الْوِزَارَةِ.
وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْهُ كُسِفَتِ الشَّمْسُ كُسُوفًا عَظِيمًا ; جَمِيعُ الْقُرْصِ، فَمَكَثَ أَرْبَعَ سَاعَاتٍ، حَتَّى بَدَتِ النُّجُومُ وَآوَتِ الطُّيُورُ إِلَى أَوْكَارِهَا وَتَرَكَتِ الطَّيَرَانَ، وَكُلُّ ذَلِكَ لِشِدَّةِ الظُّلْمَةِ.
وَفِيهَا وَلِيَ أَبُو تَمِيمِ بْنُ مُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ بِلَادَ إِفْرِيقِيَّةَ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ صَاحِبِهَا.
وَفِيهَا وَلِيَ نَصْرُ بْنُ نَصْرِ الدَّوْلَةِ أَحْمَدَ بْنِ مَرْوَانَ الْكُرْدِيُّ دِيَارَ بَكْرٍ بَعْدَ أَبِيهِ أَيْضًا.
وَفِيهَا وَلِيَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ بَدْرَانَ بِلَادَ الْمَوْصِلِ وَنَصِيبِينَ بَعْدَ أَبِيهِ.
وَفِيهَا خُلِعَ عَلَى طَرَّادِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيِّ الْمُلَقَّبِ بِالْكَامِلِ وَوَلِيَ نِقَابَةَ الْعَبَّاسِيِّينَ.
وَخُلِعَ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ وَقُلِّدَ نِقَابَةَ الطَّالِبِيِّينَ وَلُقِّبَ الْمُرْتَضَى.
وَفِيهَا ضَمِنَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلَّانَ الْيَهُودِيُّ ضَيَاعَ الْخَلِيفَةِ مِنْ صَرْصَرَ إِلَى

أَوَانَا، كُلُّ سَنَةٍ بِسِتَّةٍ وَثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ كُرٍّ مِنْ غَلَّةٍ.
وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ، أَبُو نَصْرٍ الْكُرْدِيُّ صَاحِبُ بِلَادِ بَكْرٍ وَمَيَّافَارِقِينَ، لَقَّبَهُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ نَصْرَ الدَّوْلَةِ، مَلَكَ هَذِهِ الْبِلَادَ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَتَنَعَّمَ تَنَعُّمًا لَمْ يَقَعْ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَلَا أَدْرَكَهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَانَ عِنْدَهُ خَمْسُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ سِوَى مَنْ يَخْدِمُهُنَّ، وَعِنْدَهُ خَمْسُمِائَةِ خَادِمٍ، وَعِنْدَهُ مِنَ الْمُغَنِّيَاتِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مُشْتَرَاهَا خَمْسَةُ آلَافِ دِينَارٍ وَأَكْثَرُ، وَكَانَ يَحْضُرُ فِي مَجْلِسِهِ مِنَ الْآلَاتِ وَالْأَوَانِي مَا يُسَاوِي مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَتَزَوَّجَ بِعِدَّةٍ مِنْ بَنَاتِ الْمُلُوكِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمُهَادَنَةِ لِلْمُلُوكِ، إِذَا قَصَدَهُ عَدُوٌّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِمِقْدَارِ مَا يَغْرَمُهُ عَلَى حَرْبِهِ وَيُصَالِحُهُ بِذَلِكَ، فَيَرْجِعُ عَنْهُ.
وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ طُغْرُلْبَكَ بِهَدِيَّةٍ عَظِيمَةٍ حِينَ مَلَكَ الْعِرَاقَ، مِنْ ذَلِكَ جَبَلٌ مِنْ يَاقُوتٍ كَانَ لِبَنِي بُوَيْهِ، اشْتَرَاهُ بِمِقْدَارٍ عَظِيمٍ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ عَيْنًا، وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَوَزَرَ لَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْمَغْرِبِيُّ مَرَّتَيْنِ، وَوَزَرَ لَهُ أَيْضًا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُهَيْرٍ، فَخْرُ الْمُلْكِ، وَكَانَتْ بِلَادُهُ مِنْ آمَنِ الْبِلَادِ، وَأَطْيَبِهَا وَأَكْثَرِهَا عَدْلًا.
وَقَدْ بَلَغَهُ أَنَّ الطُّيُورَ تَنْجِعُ فِي الشِّتَاءِ فِي الْجِبَالِ إِلَى

الْقُرَى، فَيَصْطَادُهَا النَّاسُ، فَأَمَرَ بِفَتْحِ الْأَهْرَاءِ وَإِلْقَاءِ مَا يَكْفِيهَا مِنَ الْغَلَّاتِ فِي مُدَّةِ الشِّتَاءِ، فَكَانَتْ تَكُونُ فِي ضِيَافَتِهِ طُولَ عُمُرِهِ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ أَوْ جَاوَزَهَا.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: قَالَ ابْنُ الْأَزْرَقِ فِي " تَارِيخِهِ ": إِنَّهُ لَمْ يُصَادِرْ أَحَدًا مِنْ رَعِيَّتِهِ سِوَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ تَفُتْهُ صَلَاةٌ مَعَ كَثْرَةِ مُبَاشَرَتِهِ لِلَّذَّاتِ، وَكَانَتْ لَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ حَظِيَّةً، يَبِيتُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ لَيْلَةً مِنَ السَّنَةِ، وَخَلَّفَ أَوْلَادًا كَثِيرَةً، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ إِلَى أَنْ تُوَفِّيَ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا وَرَدَتِ الْكُتُبُ الْكَثِيرَةُ مِنَ الْمَلِكِ طُغْرُلْبَكَ يَشْكُو قِلَّةَ إِنْصَافِ الْخَلِيفَةِ وَعَدَمِ مُوَافَاتِهِ لَهُ بِمَا أَسْدَاهُ إِلَيْهِ مِنَ الْخَدَمِ وَالنِّعَمِ إِلَى مُلُوكِ الْأَطْرَافِ، وَقَاضِي الْقُضَاةِ الدَّامَغَانِيِّ، فَلَمَّا رَأَى الْخَلِيفَةُ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْمَلِكَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى نُوَّابِهِ بِالِاحْتِيَاطِ عَلَى أَمْلَاكِ الْخَلِيفَةِ - وَقَدِ انْزَعَجَ لِذَلِكَ - كَتَبَ إِلَى الْمَلِكِ طُغْرُلْبَكَ يُجِيبُهُ إِلَى مَا سَأَلَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمَلِكِ فَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا، وَأَرْسَلَ إِلَى نُوَّابِهِ أَنْ يُطْلِقُوا الْأَمْلَاكَ الْخَلِيفِيَّةَ.
فَلَمَّا انْتَهَتِ الرِّكَابِيَّةُ بِذَلِكَ إِلَى بَغْدَادَ دَقَّتِ الْبَشَائِرُ بِدَارِ الْخِلَافَةِ، وَطِيفَ بِالرِّكَابِيَّةِ وَبَيْنَ أَيْدِيهِمُ الدَّبَادِبُ وَالْبُوقَاتُ، وَفَرِحَ النَّاسُ بِإِجَابَةِ الْخَلِيفَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَاتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ، فَوَكَلَ الْخَلِيفَةُ فِي الْعَقْدِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ وَكَالَةً، ثُمَّ وَقَعَ الْعَقْدُ بِمَدِينَةِ تِبْرِيزَ بِحَضْرَةِ الْمَلِكِ طُغْرُلْبَكَ وَعَمِلَ سِمَاطًا عَظِيمًا، فَلَمَّا جِيءَ بِالْوَكَالَةِ قَامَ لَهَا الْمَلِكُ، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا، ثُمَّ أَوْجَبَ الْعَقْدَ عَلَى صَدَاقِ أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَثُرَ دُعَاءُ النَّاسِ لِلْخَلِيفَةِ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ بَعَثَ ابْنَةَ أَخِيهِ الْخَاتُونَ أَرْسَلَانَ خَاتُونَ زَوْجَةَ الْخَلِيفَةِ فِي شَوَّالٍ بِتُحَفٍ عَظِيمَةٍ، وَذَهَبٍ كَثِيرٍ، وَجَوَاهِرَ عَدِيدَةٍ ثَمِينَةٍ، وَهَدَايَا عَظِيمَةٍ لِأُمِّ الْعَرُوسِ وَأَهْلِهَا كُلِّهِمْ، وَقَالَ الْمَلِكُ جَهْرَةً لِلنَّاسِ: أَنَا عَبْدٌ قِنٌّ لِلْخَلِيفَةِ مَا بَقِيتُ، لَا أَمْلِكُ شَيْئًا سِوَى مَا عَلَيَّ مِنَ الثِّيَابِ.

وَفِيهَا عَزَلَ الْخَلِيفَةُ وَزِيرَهُ، وَاسْتَوْزَرَ أَبَا نَصْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ جُهَيْرٍ، اسْتَقْدَمَهُ مِنْ مَيَّافَارِقِينَ.
وَفِيهَا عَمَّ الرُّخْصُ جَمِيعَ الْأَرْضِ حَتَّى أُبِيعَ بِالْبَصْرَةِ كُلُّ أَلْفِ رِطْلِ تَمْرٍ بِثَمَانِ قَرَارِيطَ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: ثُمَالُ بْنُ صَالِحٍ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ صَاحِبُ حَلَبَ كَانَ كَرِيمًا حَلِيمًا وَقُورًا ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الْفَرَّاشَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ لِيَغْسِلَ يَدَهُ فَصَدَمَتْ بَلْبَلَةُ الْإِبْرِيقِ ثَنِيَّتَهُ، فَسَقَطَتْ فِي الطَّسْتِ، فَعَفَا عَنْهُ.
الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ وُلِدَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ عَلَى جَمَاعَةٍ، وَتَفَرَّدَ بِمَشَايِخَ كَثِيرَةٍ.
مِنْهُمْ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ، تُوُفِّيَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، أَبُو عَلِيٍّ الدَّبَّاغُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي

الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَنِي عَلَى الْإِسْلَامِ.
فَقَالَ: وَعَلَى السُّنَّةِ، وَعَلَى السُّنَّةِ، وَعَلَى السُّنَّةِ.
سَعْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، أَبُو الْمَحَاسِنِ الْجُرْجَانِيُّ كَانَ رَئِيسًا قَدِيمًا، وُجِّهَ رَسُولًا إِلَى الْمَلِكِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ فِي حُدُودِ سَنَةِ عَشْرٍ، وَكَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْعُلَمَاءِ، تَخَرَّجَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ جَمَاعَةٍ، وَعُقِدَ لَهُ مَجْلِسُ الْمُنَاظَرَةِ بِبُلْدَانٍ كَثِيرَةٍ، وَقُتِلَ ظُلْمًا بِإِسْتَرَابَاذَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّانَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا دَخَلَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَكُ بَغْدَادَ وَعَزَمَ الْخَلِيفَةُ عَلَى تَلَقِّيهِ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ وَزِيرَهُ أَبَا نَصْرٍ عِوَضًا عَنْهُ، وَكَانَ مِنَ الْجَيْشِ أَذِيَّةٌ لِلنَّاسِ فِي الطَّرِيقِ، وَتَعَرُّضٌ لِلْحُرَمِ حَتَّى إِنَّهُمْ هَجَمُوا عَلَى النِّسَاءِ فِي الْحَمَّامَاتِ، فَخَلَّصَهُنَّ مِنْهُمُ الْعَامَّةُ بَعْدَ جَهْدٍ جَهِيدٍ.

دُخُولُ الْمَلِكِ طُغْرُلْبَكَ عَلَى بِنْتِ الْخَلِيفَةِ لَمَّا اسْتَقَرَّ الْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ بِبَغْدَادَ، أَرْسَلَ وَزِيرَهُ عَمِيدَ الْمُلْكِ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُطَالِبُهُ بِنَقْلِ السَّيِّدَةِ مِنَ الدَّارِ الْعَزِيزَةِ النَّبَوِيَّةِ إِلَى دَارِ الْمَمْلَكَةِ، فَتَمَنَّعَ الْخَلِيفَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّكُمْ إِنَّمَا سَأَلْتُمْ أَنْ يَعْقِدَ الْعَقْدَ فَقَطْ لِحُصُولِ التَّشْرِيفِ، وَالْتَزَمْتُمْ لَنَا بِعَدَمِ الْمُطَالَبَةِ بِهَا، فَتَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَالْمَلِكِ، وَأَرْسَلَ الْمَلِكُ زِيَادَةً عَلَى النَّقْدِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ وَمِائَةً وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَتُحَفًا أُخَرَ، وَأَشْيَاءَ لَطِيفَةً، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الِاثْنَيْنِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ صَفَرِ هَذِهِ السَّنَةِ زُفَّتِ السَّيِّدَةُ ابْنَةُ الْخَلِيفَةِ إِلَى دَارِ الْمَمْلَكَةِ، فَضُرِبَتْ لَهَا السُّرَادِقَاتُ مِنْ دِجْلَةَ إِلَى دَارِ الْمَمْلَكَةِ، وَضُرِبَتِ الدَّبَادِبُ وَالْبُوقَاتُ عِنْدَ دُخُولِهَا دَارَ الْمَمْلَكَةِ، وَكَانَتْ سَاعَةً عَظِيمَةً، فَأُجْلِسَتْ

عَلَى سَرِيرٍ مُكَلَّلٍ بِالذَّهَبِ، وَعَلَى وَجْهِهَا بُرْقُعٌ، وَدَخَلَ الْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَقَبَّلَ الْأَرْضَ وَلَمْ تَقُمْ لَهُ وَلَمْ تَرَهُ، وَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى انْصَرَفَ إِلَى صَحْنِ الدَّارِ، وَالْحُجَّابُ وَالْأَتْرَاكُ يَرْقُصُونَ هُنَاكَ فَرَحًا وَسُرُورًا، وَبَعَثَ لَهَا مَعَ الْخَاتُونِ أَرْسَلَانَ ابْنَةِ أَخِيهِ زَوْجَةِ الْخَلِيفَةِ عِقْدَيْنِ فَاخِرَيْنِ وَقِطْعَةَ يَاقُوتٍ حَمْرَاءَ كَبِيرَةً هَائِلَةً، وَدَخَلَ مِنَ الْغَدِ فَقَبَّلَ الْأَرْضَ، وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرٍ مُكَلَّلٍ بِالْفِضَّةِ بِإِزَائِهَا سَاعَةً، ثُمَّ خَرَجَ وَأَرْسَلَ لَهَا جَوَاهِرَ نَفِيسَةً كَثِيرَةً مُثَمَّنَةً، وَفَرَجِيَّةَ نَسِيجٍ مُكَلَّلَةً بِاللُّؤْلُؤِ، وَمَا زَالَ كَذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ يَدْخُلُ، وَيُقَبِّلُ الْأَرْضَ، وَيَجْلِسُ عَلَى سَرِيرٍ بِإِزَائِهَا، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَبْعَثُ بِالتُّحَفِ وَالْهَدَايَا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِلَيْهَا شَيْءٌ مِقْدَارَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَيَمُدُّ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ سِمَاطًا عَظِيمًا، وَخَلَعَ يَوْمَ السَّابِعِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَرَاءِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ سَفَرٌ وَاعْتَرَاهُ مَرَضٌ، فَاسْتَأْذَنَ الْخَلِيفَةَ بِالِانْصِرَافِ بِالسَّيِّدَةِ مَعَهُ إِلَى تِلْكَ الْبِلَادِ مُدَّةً قَرِيبَةً، ثُمَّ يَعُودُ بِهَا، فَأَذِنَ لَهُ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ تَمَنُّعٍ شَدِيدٍ وَحُزْنٍ عَظِيمٍ، فَخَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَلَيْسَ مَعَهَا مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ سِوَى ثَلَاثِ نِسْوَةٍ، بِرَسْمِ خِدْمَتِهَا، وَتَأَلَّمَتْ وَالِدَتُهَا لِفَقْدِهَا أَلَمًا عَظِيمًا جِدًّا لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ، وَخَرَجَ السُّلْطَانُ وَهُوَ مَرِيضٌ مُدْنِفٌ مَأْيُوسٌ مِنْهُ مُثْقَلٌ لَا تُرْجَى مِنْهُ الْعَافِيَةُ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْأَحَدِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ جَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْمَلِكَ طُغْرُلْبَكَ تُوُفِّيَ فِي ثَامِنِ الشَّهْرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَثَارَتِ الْعَيَّارُونَ بِهَمَذَانَ، فَقَتَلُوا الْعَمِيدَ وَالشِّحْنَةَ وَسَبْعَمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَنَهَبُوا الْأَمْوَالَ، وَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ عَلَى الْقَتْلَى نَهَارًا حَتَّى انْسَلَخَ الشَّهْرُ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَقَبَّحَهُمْ، وَأُخِذَتِ الْبَيْعَةُ بَعْدَهُ لِوَلَدِ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، وَكَانَ طُغْرُلْبَكُ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ وَأَوْصَى إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ

قَدْ تَزَوَّجَ بِأُمِّهِ بَعْدَ أَبِيهِ، وَاتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ عَلَيْهِ وَأُنْفِقَتْ فِي الْأُمَرَاءِ وَالْأَتْرَاكِ الْأَمْوَالُ وَالْخِلَعُ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِمْ خَوْفٌ.
إِلَّا مِنْ جِهَةِ أَخِي سُلَيْمَانَ، وَهُوَ الْمَلِكُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ أَلْبُ أَرْسَلَانَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، فَإِنَّ الْجَيْشَ كَانُوا يَمِيلُونَ إِلَيْهِ وَيُقْبِلُونَ عَلَيْهِ، وَقَدْ خَطَبَ لَهُ أَهْلُ الْجَبَلِ، وَمَعَهُ نِظَامُ الْمُلْكِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ وَزِيرُهُ، وَلَمَّا رَأَى الْكُنْدُرِيُّ قُوَّةَ أَمْرِهِ خَطَبَ لَهُ بِالرَّيِّ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِأَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ.
وَقَدْ كَانَ الْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ عَاقِلًا حَلِيمًا، كَثِيرَ الِاحْتِمَالِ، شَدِيدَ الْكِتْمَانِ لِلسِّرِّ، مُحَافِظًا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَعَلَى صَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، مُوَاظِبًا عَلَى لُبْسِ الْبَيَاضِ، وَكَانَ عُمُرُهُ يَوْمَ مَاتَ سَبْعِينَ سَنَةً، وَلَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا، وَكَانَ مُدَّةُ مُلْكِهِ بِحَضْرَةِ الْقَائِمِ سَبْعَ سِنِينَ وَإِحْدَى عَشَرَ شَهْرًا، وَاثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَمَّا مَاتَ اضْطَرَبَتِ الْأَحْوَالُ وَانْتَقَضَتْ بَعْدَهُ جِدًّا، وَعَاثَتِ الْأَعْرَابُ فِي سَوَادِ بَغْدَادَ وَأَرْضِ الْعِرَاقِ يَنْهَبُونَ الْأَمْوَالَ وَيُشَلِّحُونَ الرِّجَالَ.
وَتَعَذَّرَتِ الزِّرَاعَةُ إِلَّا عَلَى الْمُخَاطَرَةِ، فَانْزَعَجَ لِذَلِكَ النَّاسُ.
وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بِوَاسِطٍ وَأَرْضِ الشَّامِ فَهُدِمَتْ قِطْعَةٌ مِنْ سُورِ طَرَابُلُسَ.
وَفِيهَا وَقَعَ مُوتَانٌ بِالْجُدَرِيِّ وَالْفَجْأَةِ، وَوَقَعَ بِمِصْرَ وَبَاءٌ شَدِيدٌ، كَانَ يَخْرُجُ مِنْهَا كُلَّ يَوْمٍ أَلْفُ جِنَازَةٍ.
وَفِيهَا مَلَكَ الصُّلَيْحِيُّ صَاحِبُ الْيَمَنِ مَكَّةَ وَجَلَبَ الْأَقْوَاتَ إِلَيْهَا، وَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا.

وَفِي أَوَائِلِ هَذِهِ طَلَبَتِ السِّتُّ أَرْسَلَانُ خَاتُونَ زَوْجَةُ الْخَلِيفَةِ النُّقْلَةَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى عِنْدِ عَمِّهَا، وَذَلِكَ لَمَّا هَجَرَهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَبَارَتْ عِنْدَهُ، فَبَعَثَهَا الْخَلِيفَةُ مَعَ الْوَزِيرِ الْكُنْدُرِيِّ، فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى عَمِّهَا كَانَ مَرِيضًا مُدْنِفًا مُثْقَلًا، فَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي تَهَاوُنِهِ بِهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ يَقُولُ ارْتِجَالًا: ذَهَبَتْ شِرَّتِي وَوَلَّى الْغَرَامُ ... وَارْتِجَاعُ الشَّبَابِ مَا لَا يُرَامُ أَذْهَبَتْ مِنِّي اللَّيَالِي جَدِيدًا ... وَاللَّيَالِي يُضْعِفْنَ وَالْأَيَّامُ فَعَلَى مَا عَهِدْتُهُ مِنْ شَبَابِي ... وَعَلَى الْغَانِيَاتِ مِنِّي السَّلَامُ

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْمَشَاهِيرِ: زُهَيْرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ خِدَامٍ، أَبُو نَصْرٍ الْخِدَامِيُّ وَرَدَ بَغْدَادَ وَتَفَقَّهَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَسَمِعَ بِالْبَصْرَةِ " سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ " عَلَى الْقَاضِي أَبِي عُمَرَ، وَحَدَّثَ بِالْكَثِيرِ، وَكَانَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي الْفَتَاوَى وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِسَرَخْسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
سَعِيدُ بْنُ مَرْوَانَ صَاحِبُ آمِدَ وَيُقَالُ: إِنَّهُ سُمَّ، فَانْتَقَمَ صَاحِبُ مَيَّافَارِقِينَ مِمَّنْ سَمَّهُ، فَقَطَّعَهُ قِطَعًا.

الْمَلِكُ الْكَبِيرُ أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ مِيكَائِيلَ بْنِ سَلْجُوقَ بْنِ دُقَاقٍ الْمُلَقَّبُ طُغْرُلْبَكَ كَانَ أَوَّلُ مُلُوكِ السَّلَاجِقَةِ، وَكَانَ خَيِّرًا مُصَلِّيًا، مُحَافِظًا عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا، يُدِيمُ صِيَامَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، حَلِيمًا عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ، كَتُومًا لِلْأَسْرَارِ، سَعِيدًا فِي حَرَكَاتِهِ وَتَقَلُّبَاتِهِ، مَلَكَ فِي أَيَّامِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ عَامَّةَ بِلَادِ خُرَاسَانَ وَاسْتَنَابَ أَخَاهُ دَاوُدَ وَأَخَاهُ لِأُمِّهِ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ وَأَوْلَادَ إِخْوَتِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ الْخَلِيفَةُ لِمُلْكِ الْعِرَاقِ حِينَ فَسَدَ الْحَالُ بِبَغْدَادَ مِنَ الْبَسَاسِيرِيِّ وَضَعُفَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ، فَقَدِمَهَا وَجَلَسَ لَهُ الْخَلِيفَةُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ سَبْعَ خِلَعٍ، وَلَقَّبَهُ بِمَلِكِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِقِتَالِ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِ الْبَسَاسِيرِيِّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي سَنَةِ خَمْسِينَ وَالَّتِي تَلِيهَا، ثُمَّ ظَفِرَ بِأَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ فَاسْتَعَادَهَا وَأَعَادَ الْخَلِيفَةَ مِنْ حَدِيثَةِ عَانَةَ إِلَى دَارِ خِلَافَتِهِ وَمَقَرِّ سَعَادَتِهِ، ثُمَّ سَعَى فِي التَّزْوِيجِ بِبِنْتِ الْخَلِيفَةِ فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ تَمَنُّعٍ مِنَ الْخَلِيفَةِ، وَدَخَلَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَفَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَمَتَّعْ بِهَا، فَإِنَّهُ عَرَضَ لَهُ مَرَضٌ مُتْلِفٌ وَاسْتَمَرَّ بِهِ حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ثَامِنِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ سَبْعُونَ سَنَةً، وَكَانَ لَهُ فِي الْمُلْكِ مُدَّةَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، مِنْهَا فِي مَمْلَكَةِ الْعِرَاقِ ثَمَانُ سِنِينَ إِلَّا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا.

جارٍ التحميل