البداية والنهايةصفحات 74-113

َ فَتْحُ الرَّيِّ

صفحات 74-113

[ثُمَّ دَخَلَتْ سُنَّةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

فَفِيهَا رَدَّ عَبْدُ اللَّهِ أَخَاهُ مُصْعَبًا إِلَى إِمْرَةِ الْبَصْرَةِ، فَأَتَاهَا فَأَقَامَ بِهَا.
وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ ; قُبَاعًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ جَابِرَ بْنَ الْأَسْوَدِ الزُّهْرِيَّ، وَعَزَلَ عَنْهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَشْعَثِ ; لِكَوْنِهِ ضَرَبَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سِتِّينَ سَوْطًا، فَإِنَّهُ أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يُبَايِعَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فَضَرَبَهُ فَعَزَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَفِيهَا هَلَكَ مَلِكُ الرُّومِ قُسْطَنْطِينُ بْنُ قُسْطَنْطِينَ بِبَلَدِهِ، لَعَنَهُ اللَّهُ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الْأَزَارِقَةِ.
وَذَلِكَ أَنَّ مُصْعَبًا كَانَ قَدْ عَزَلَ عَنْ نَاحِيَةِ فَارِسَ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ، وَكَانَ قَاهِرًا لَهُمْ، وَوَلَّاهُ الْجَزِيرَةَ، وَوَلَّى عَلَى فَارِسَ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ فَثَارُوا عَلَيْهِ فَقَاتَلَهُمْ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَقَهَرَهُمْ وَكَسَرَهُمْ، وَكَانُوا مَعَ أَمِيرِهِمِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْمَاحُوزِ، فَفَرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى إِصْطَخْرَ، فَاتَّبَعَهُمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَقَتَلُوا ابْنَهُ، ثُمَّ ظَفِرَ بِهِمْ مَرَّةً أُخْرَى ثُمَّ هَرَبُوا إِلَى بِلَادِ أَصْبَهَانَ، وَنَوَاحِيهَا فَتَقَوَّوْا هُنَالِكَ، وَكَثُرَ عَدَدُهُمْ وَعُدَدُهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلُوا يُرِيدُونَ الْبَصْرَةَ، فَمَرُّوا بِبَعْضِ بِلَادِ فَارِسَ، وَتَرَكُوا عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ مُصْعَبٌ بِقُدُومِهِمْ رَكِبَ فِي النَّاسِ، وَجَعَلَ يَلُومُ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بِتَرْكِهِ هَؤُلَاءِ يَجْتَازُونَ بِبِلَادِهِ إِلَى الْبَصْرَةِ وَقَدْ رَكِبَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ

بْنِ مَعْمَرٍ فِي آثَارِهِمْ، فَبَلَغَ الْخَوَارِجَ أَنَّ مُصْعَبًا أَمَامَهُمْ وَعُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَرَاءَهُمْ، فَعَدَلُوا إِلَى الْمَدَائِنِ فَجَعَلُوا يَقْتُلُونَ النِّسَاءَ وَالْوِلْدَانَ، وَيَبْقُرُونَ بُطُونَ الْحَبَالَى، وَيَفْعَلُونَ أَفْعَالًا لَمْ يَفْعَلْهَا غَيْرُهُمْ ; فَقَصَدَهُمْ نَائِبُ الْكُوفَةِ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَمَعَهُ أَهْلُهَا وَجَمَاعَاتٌ مِنْ أَشْرَافِهَا، مِنْهُمُ ابْنُ الْأَشْتَرِ، وَشَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِمْ عِنْدَ جِسْرِ الصَّرَاةِ، قَطَعَهُ الْخَوَارِجُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَأَمَرَ الْأَمِيرُ بِإِعَادَتِهِ، فَأُعِيدَ، فَفَرَّتِ الْخَوَارِجُ هَارِبِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاتَّبَعَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مِخْنَفٍ فِي سِتَّةِ آلَافٍ فَمَرُّوا عَلَى الْكُوفَةِ، ثُمَّ صَارُوا إِلَى أَرْضِ أَصْبَهَانَ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلُوا فَحَاصَرُوا عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ شَهْرًا، بِمَدِينَةِ جُبَّا حَتَّى ضَيَّقُوا عَلَى النَّاسِ، فَنَزَلُوا إِلَيْهِمْ فَقَاتَلُوهُمْ فَكَشَفُوهُمْ وَقَتَلُوا أَمِيرَهُمِ الزُّبَيْرَ بْنَ الْمَاحُوزِ، وَغَنِمُوا مَا فِي مُعَسْكَرِهِمْ، وَأَمَّرَتِ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِمْ قَطَرِيَّ بْنَ الْفُجَاءَةِ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى بِلَادِ الْأَهْوَازِ، فَكَتَبَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ - وَهُوَ عَلَى الْمَوْصِلِ - أَنَّ يَسِيرَ إِلَى قِتَالِ الْخَوَارِجِ، وَكَانَ أَبْصَرَ النَّاسَ بِقِتَالِهِمْ، وَبَعَثَ مَكَانَهُ إِلَى الْمَوْصِلِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ فَانْصَرَفَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْأَهْوَازِ فَقَاتَلَ فِيهَا الْخَوَارِجَ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ قِتَالًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ الْقَحْطُ الشَّدِيدُ بِبِلَادِ الشَّامِ ; بِحَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مَعَهُ مِنَ الْغَزْوِ لِضَعْفِهِمْ وَقِلَّةِ طَعَامِهِمْ وَمِيرَتِهِمْ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِيهَا قُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُرِّ وَكَانَ مَنْ خَبَرِهِ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا شُجَاعًا تَتَقَلَّبُ بِهِ الْأَحْوَالُ وَالْأَيَّامُ وَالْآرَاءُ، حَتَّى صَارَ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ لَا يَنْطَاعُ لِأَحَدٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَلَا لِآلِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ يَمُرُّ عَلَى عَامِلِ الْكُورَةِ مِنَ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ جَمِيعَ مَا فِي بَيْتِ مَالِهِ مِنَ الْحَوَاصِلِ قَهْرًا، وَيَكْتُبُ لَهُ بَرَاءَةً، وَيَذْهَبُ فَيُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَكَانَ الْخُلَفَاءُ وَالْأُمَرَاءُ يَبْعَثُونَ إِلَيْهِ الْجُيُوشَ فَيَطْرُدُهَا وَيَكْسِرُهَا، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ حَتَّى كَاعَ فِيهِ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعُمَّالُهُ بِبِلَادِ الْعِرَاقِ، ثُمَّ إِنَّهُ وَفَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَبَعْثَهُ فِي عَشَرَةِ نَفَرٍ، وَقَالَ: ادْخُلِ الْكُوفَةَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الْجُنُودَ سَتَصِلُ إِلَيْهِمْ سَرِيعًا.
فَبَعَثَ فِي السِّرِّ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنْ إِخْوَانِهِ فَظَهَرَ عَلَى أَمْرِهِ، فَأَعْلَمَ أَمِيرَ الْكُوفَةِ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ جَيْشًا، فَقَتَلُوهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى الْكُوفَةِ، ثُمَّ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَاسْتَرَاحَ النَّاسُ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِيهَا شَهِدَ مَوْقِفَ عَرَفَةَ أَرْبَعُ رَايَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا لَا تَأْتَمُّ بِالْأُخْرَى ; الْوَاحِدَةُ لِمُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فِي أَصْحَابِهِ، وَالثَّانِيَةُ لِنَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَالثَّالِثَةُ لِبَنِي أُمَيَّةَ، وَالرَّابِعَةُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَفَعَ رَايَةَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، ثُمَّ نَجْدَةُ، ثُمَّ بَنُو أُمَيَّةَ، ثُمَّ دَفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَدُفَعَ النَّاسَ مَعَهُ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِيمَنِ انْتَظَرَ دَفْعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَكِنَّهُ تَأَخَّرَ دَفْعُهُ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَشْبَهَ بِتَأْخِيرِهِ دَفْعَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَدَفَعَ ابْنُ عُمَرَ فَدَفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَتَحَاجَزَ النَّاسُ فِي هَذَا الْعَامِ فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَكَانَ عَلَى نِيَابَةِ الْمَدِينَةِ

لِابْنِ الزُّبَيْرِ جَابِرُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، وَعَلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ أَخُوهُ مُصْعَبٌ، وَعَلَى مُلْكِ الشَّامِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ]

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَوْسِيُّ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ.
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ.
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ ابْنِ أَخِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ عَنْ نَحْوِ سَبْعِينَ سَنَةً.
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ.
عَدِيُّ بْنُ حَاتِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ سَكَنَ الْكُوفَةَ ثُمَّ سَكَنَ قَرْقِيسْيَاءَ.
زَيْدُ بْنُ أَرَقَمَ بْنِ زَيْدٍ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ.

[ذِكْرُ وَفَاةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ تُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ]

وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ، وَابْنُ عَمِّ رَسُولِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ أَبُو الْعَبَّاسِ الْهَاشِمِيُّ بْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمُفَسِّرُ كِتَابِ اللَّهِ وَتُرْجُمَانُهُ، كَانَ يُقَالُ لَهُ: الْحَبْرُ وَالْبَحْرُ، رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَأَخَذَ عَنْهُ خَلْقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَأُمَمٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ، وَلَهُ مُفْرَدَاتٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ; لِاتِّسَاعِ عِلْمِهِ وَكَثْرَةِ فَهْمِهِ وَكَمَالِ عَقْلِهِ وَسِعَةِ فَضْلِهِ وَنُبْلِ أَصْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.
وَأُمُّهُ أُمُّ الْفَضْلِ لُبَابَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ أُخْتُ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ وَالِدُ الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيِّينَ وَهُوَ أَحَدُ إِخْوَةٍ عَشَرَةٍ ذُكُورٍ لِلْعَبَّاسِ مِنْ أُمِّ الْفَضْلِ، وَهُوَ آخِرُهُمْ مَوْلِدًا، وَقَدْ مَاتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ مِنَ الْآخَرِ جِدًّا، كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ.
قَالَ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ الْمَكِّيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْبِ جَاءَ أَبِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَرَى أُمَّ الْفَضْلِ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى حَمْلٍ، فَقَالَ: " «لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُقِرَّ أَعْيُنَكُمْ» " قَالَ: فَأَتَى بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا فِي خِرْقَةٍ فَحَنَّكَنِي بِرِيقِهِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا حَنَّكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِيقِهِ غَيْرَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَيِّضَ وُجُوهَنَا بِغُلَامٍ» فَوَلَدَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: وُلِدَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَامَ الْهِجْرَةِ.
وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ، مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: وُلِدْتُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ وَنَحْنُ فِي الشِّعْبِ، وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاحْتَجَّ الْوَاقِدِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ قَدْ نَاهَزَ الْحُلُمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَخْتُونٌ، وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الْغُلَامَ حَتَّى يَحْتَلِمَ.
وَقَالَ شُعْبَةُ، وَهُشَيْمٌ

وَأَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، مَخْتُونٌ.
زَادَ هُشَيْمٌ: وَقَدْ جَمَعْتُ الْمُحْكَمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قُلْتُ: وَمَا الْمُحْكَمُ؟ قَالَ: الْمُفَصَّلُ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مَخْتُونٌ.
وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَيُؤَيِّدُهُ صِحَّةُ مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَرَوَاهُ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ.
وَثَبَتَ عَنْهُ فِي " الصَّحِيحِ " أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ ;

كَانَتْ أُمِّي مِنَ النِّسَاءِ وَكُنْتُ أَنَا مِنَ الْوِلْدَانِ.
وَهَاجَرَ مَعَ أَبِيهِ قَبْلَ الْفَتْحِ، فَاتَّفَقَ لُقْيَاهُمَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجُحْفَةِ وَهُوَ ذَاهِبٌ لِفَتْحِ مَكَّةَ، فَشَهِدَ الْفَتْحَ وَحُنَيْنًا وَالطَّائِفَ عَامَ ثَمَانٍ، وَقِيلَ: كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَحَجَّةُ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ.
وَصَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حِينَئِذٍ وَلَزِمَهُ وَأَخَذَ عَنْهُ وَحَفِظَ، وَضَبَطَ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ وَالْأَحْوَالَ، وَأَخَذَ عَنِ الصَّحَابَةِ عِلْمًا عَظِيمًا مَعَ الْفَهْمِ الثَّاقِبِ وَالْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ وَالْجَمَالِ وَالْمَلَاحَةِ وَالْأَصَالَةِ وَالْبَيَانِ، وَدَعَا لَهُ رَسُولُ الرَّحْمَنِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ كَمَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ الْأَرْكَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لَهُ بِأَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ التَّأْوِيلَ، وَأَنْ يُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ.
وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنِي سَاعِدَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ كَانَ يَدْعُو عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَيُقَرِّبُهُ وَيَقُولُ: «إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاكَ يَوْمًا فَمَسَحَ رَأْسَكَ، وَتَفَلَ فِي فِيكَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» ، وَبِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَانْشُرْ مِنْهُ» ، وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَوَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا فَقَالَ: مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ قَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ.
فَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ، وَفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ بِنَحْوِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ، ثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ أَبُو يُونُسَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنْ كُرَيْبًا أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آخَرِ اللَّيْلِ فَصَلَّيْتُ خَلْفَهُ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَجَرَّنِي حَتَّى جَعَلَنِي حِذَاءَهُ، فَلَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صِلَاتِهِ خَنَسْتُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِي: مَا شَأْنِي أَجْعَلُكَ فِي حِذَائِي فَتَخْنِسُ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَيَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ حِذَاءَكَ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: فَأَعْجَبْتُهُ، فَدَعَا اللَّهَ لِي أَنْ يَزِيدَنِي عِلْمًا وَفَهْمًا، قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُهُ يَنْفُخُ، ثُمَّ أَتَاهُ بِلَالٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الصَّلَاةُ.
فَقَامَ فَصَلَّى مَا أَعَادَ وُضُوءًا» . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، ثَنَا وَرْقَاءُ، سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وُضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: مَنْ وَضَعَ ذَا؟ فَقِيلَ: ابْنُ عَبَّاسٍ.
فَقَالَ: اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ أَبِي جَهْضَمٍ مُوسَى بْنِ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لَهُ بِالْحِكْمَةِ - وَفِي رِوَايَةٍ بِالْعِلْمِ - مَرَّتَيْنِ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ الْقَاسِمِ الْهَاشِمِيُّ وَآخَرُونَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُ جِبْرِيلَ مَرَّتَيْنِ وَدَعَا لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحِكْمَةِ مَرَّتَيْنِ.
ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ.
تَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ أَبُو مَالِكٍ النَّخَعِيُّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حُسَيْنٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ» . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ، قَالَ: «ضَمَّنِي إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ» . وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ خَالِدٍ - وَهُوَ ابْنُ مِهْرَانَ

الْحَذَّاءُ - عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ بِهِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، ثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَعْطِ ابْنَ عَبَّاسٍ الْحِكْمَةَ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ بِنَحْوِ هَذَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالْمُتَّصِلُ هُوَ الصَّحِيحُ، فَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ وَفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، وَعَفَّانُ، الْمَعْنَى، قَالَا: ثَنَا حَمَّادٌ، ثَنَا عَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ أَبِي عِنْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ يُنَاجِيهِ، قَالَ عَفَّانُ: وَهُوَ كَالْمُعْرِضِ عَنِ الْعَبَّاسِ، فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى ابْنِ عَمِّكَ كَالْمُعْرِضِ عَنِّي؟ فَقُلْتُ: إِنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ

يُنَاجِيهِ.
قَالَ عَفَّانُ: قَالَ: أَوَكَانَ عِنْدَهُ أَحَدٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ كَانَ عِنْدَكَ أَحَدٌ ; فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَكَ رَجُلٌ تُنَاجِيهِ؟ قَالَ: هَلْ رَأَيْتَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ» . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الْمَهْدِيِّ عَنْ آبَائِهِ، وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: «أَمَا إِنَّكَ سَتُصَابُ فِي بَصَرِكَ» فَكَانَ كَذَلِكَ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ صِفَةٍ أُخْرَى لِرُؤْيَتِهِ جِبْرِيلَ ، رَوَاهَا قُتَيْبَةُ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ «أَنَّ الْعَبَّاسَ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ فِي حَاجَةٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَجُلًا، فَرَجَعَ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ مِنْ أَجْلِ مَكَانِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَلَقِيَ الْعَبَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ ابْنِي فَوَجَدَ عِنْدَكَ رَجُلًا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُكَلِّمَكَ فَرَجَعَ وَرَاءَهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَمِّ، تَدْرِي مَنْ ذَاكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ

وَلَنْ يَمُوتَ ابْنُكَ حَتَّى يَذْهَبَ بَصَرُهُ وَيُؤْتَى عِلْمًا» وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ كَذَلِكَ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى.
وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضَائِلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا هُوَ مُنْكَرٌ جِدًّا أَضْرَبْنَا عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا صَفْحًا، وَذَكَرْنَا مَا فِيهِ مَقْنَعٌ وَكِفَايَةٌ عَمَّا سِوَاهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي بِمَرْوَ، ثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُمُ الْيَوْمَ كَثِيرٌ.
فَقَالَ: يَا عَجَبًا لَكَ يَابْنَ عَبَّاسٍ! أَتَرَى النَّاسَ يَفْتَقِرُونَ إِلَيْكَ وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ فِيهِمْ؟ قَالَ: فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَأَقْبَلْتُ أَنَا أَسْأَلُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ كَانَ لَيَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنِ الرَّجُلِ فَآتِي بَابَهُ وَهُوَ قَائِلٌ، فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ يَسْفِي الرِّيحُ عَلَيَّ مِنَ التُّرَابِ، فَيَخْرُجُ فَيَرَانِي فَيَقُولُ: يَابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، مَا جَاءَ بِكَ؟ هَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيكَ؟ فَأَقُولُ: لَا، أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ.
قَالَ: فَأَسْأَلُهُ عَنِ الْحَدِيثِ.
قَالَ:

فَعَاشَ هَذَا الرَّجُلُ الْأَنْصَارِيُّ حَتَّى رَآنِي وَقَدِ اجْتَمَعَ حَوْلِي النَّاسُ يَسْأَلُونِي، فَيَقُولُ: هَذَا الْفَتَى كَانَ أَعْقَلَ مِنِّي.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، ثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَجَدْتُ عَامَّةَ عِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ، إِنْ كُنْتُ لَأَقِيلُ بِبَابِ أَحَدِهِمْ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي عَلَيْهِ لَأَذِنَ، وَلَكِنْ أَبْتَغِي بِذَلِكَ طِيبَ نَفْسِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي قُدَامَةُ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ أَلْزَمُ الْأَكَابِرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَأَسْأَلُهُمْ عَنْ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ، وَكُنْتُ لَا آتِي أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا سُرَّ بِإِتْيَانِي ; لِقُرْبِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلْتُ أَسْأَلُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَوْمًا - وَكَانَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ - عَمَّا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ بِالْمَدِينَةِ.
فَقَالَ: نَزَلَ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سُورَةً وَسَائِرُهَا بِمَكَّةَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ،، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: عَامَّةُ عِلْمِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ

ثَلَاثَةٍ مِنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وَقَالَ طَاوُسٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كُنْتُ لَأَسْأَلُ عَنِ الْأَمْرِ الْوَاحِدِ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ مُغِيرَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّى أَصَبْتَ هَذَا الْعِلْمَ؟ قَالَ: بِلِسَانٍ سَئُولٍ، وَقَلْبٍ عَقُولٍ.
وَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يُجْلِسُ ابْنَ عَبَّاسٍ مَعَ مَشَايِخِ الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُ: نِعْمَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَكَانَ إِذَا أَقْبَلَ يَقُولُ عُمَرُ: جَاءَ فَتَى الْكُهُولِ، وَذُو اللِّسَانِ السَّئُولِ وَالْقَلْبِ الْعُقُولِ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ الصَّحَابَةَ عَنْ تَفْسِيرِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1] فَسَكَتَ بَعْضٌ وَأَجَابَ بَعْضٌ بِجَوَابٍ لَمْ يَرْتَضِهِ عُمَرُ، ثُمَّ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهَا فَقَالَ: أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُعِيَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ.
وَأَرَادَ عُمَرُ بِذَلِكَ أَنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهُمْ جَلَالَةَ قَدْرِهِ، وَكَبِيرَ مَنْزِلَتِهِ فِي الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ.
وَسَأَلَهُ مَرَّةً عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَاسْتَنْبَطَ أَنَّهَا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ، فَاسْتَحْسَنَهُ عُمَرُ وَاسْتَجَادَهُ، كَمَا ذَكَرْنَا

فِي التَّفْسِيرِ.
وَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَقَدْ عَلِمْتَ عِلْمًا مَا عَلِمْنَاهُ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: قَالَ عُمَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّكَ لَأَصْبَحُ فِتْيَانِنَا وَجْهًا، وَأَحْسَنُهُمْ عَقْلًا وَأَفْقَهُهُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يُدْنِيكَ وَيُجْلِسُكَ مَعَ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، فَاحْفَظْ عَنِّي ثَلَاثًا ; لَا تُفْشِيَنَّ لَهُ سِرًّا، وَلَا تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أَحَدًا، وَلَا يُجَرِّبَنَّ عَلَيْكَ كَذِبًا.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ وَاحِدَةٍ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ كُلُّ وَاحِدَةٍ خَيْرٌ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ كَانَا يَدْعُوَانِ ابْنَ عَبَّاسٍ

فَيُشِيرُ مَعَ أَهْلِ بَدْرٍ، وَكَانَ يُفْتِي فِي عَهْدِ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ إِلَى يَوْمِ مَاتَ.
قُلْتُ: وَشَهِدَ فَتْحَ إِفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مَعَ ابْنِ أَبِي سَرْحٍ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَظَرَ أَبِي إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَوْمَ الْجَمَلِ يَمْشِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَقَالَ: أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَ مَنْ لَهُ ابْنُ عَمٍّ مِثْلُ هَذَا.
وَقَدْ شَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ الْجَمَلَ وَصِفِّينَ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَيْسَرَةِ، وَشَهِدَ مَعَهُ قِتَالَ الْخَوَارِجِ، وَكَانَ مِمَّنْ أَشَارَ عَلَى عَلِيٍّ أَنْ يَسْتَنِيبَ مُعَاوِيَةَ عَلَى الشَّامِ وَأَنْ لَا يَعْزِلَهُ عَنْهَا فِي بَادِئِ الْأَمْرِ، حَتَّى قَالَ لَهُ فِيمَا قَالَ: إِنْ أَحْبَبْتَ عَزْلَهُ فَوَلِّهِ شَهْرًا وَاعْزِلْهُ دَهْرًا.
فَأَبَى عَلِيٌّ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَهُ، فَكَانَ مَا كَانَ مِمَّا قَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ.
وَلَمَّا تَرَاوَضَ الْفَرِيقَانِ عَلَى تَحْكِيمِ الْحَكَمَيْنِ، طَلَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ عَلِيٍّ ; لِيُكَافِئَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فَامْتَنَعَتْ مَذْحِجُ وَأَهْلُ الْيَمَنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ عَلِيٍّ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَكَمَيْنِ مَا سَلَفَ أَيْضًا.
وَقَدِ اسْتَنَابَهُ عَلِيٌّ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ فِي بَعْضِ السِّنِينَ، فَخَطَبَ بِهِمْ فِي عَرَفَاتٍ خُطْبَةً، وَفَسَّرَ فِيهَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: سُورَةَ النُّورِ.
قَالَ مَنْ سَمِعَهُ: فَسَّرَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لَوْ سَمِعَتْهُ الرُّومُ وَالتُّرْكُ وَالدَّيْلَمُ لَأَسْلَمُوا.
وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَرَّفَ بِالنَّاسِ فِي الْبَصْرَةِ، فَكَانَ يَصْعَدُ الْمِنْبَرَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ، وَيَجْتَمِعُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ حَوْلَهُ فَيُفَسِّرُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ مِنْ بَعْدِ الْعَصْرِ إِلَى

الْغُرُوبِ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّي بِهِمُ الْمَغْرِبَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَهُ فِي ذَلِكَ ; فَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ وَقَالَ: هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يَعْمَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ لِأَجْلِ ذِكْرِ اللَّهِ وَمُوَافَقَةِ الْحُجَّاجِ.
وَقَدْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَنْتَقِدُ عَلَى عَلِيٍّ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ عَلِيٌّ فِي ذَلِكَ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عَلِيًّا حَرَّقَ نَاسًا ارْتَدَوْا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُحَرِّقُهُمْ بِالنَّارِ ; إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» . وَكُنْتُ قَاتِلَهُمْ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» . فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: وَيْحَ ابْنِ عَبَّاسٍ! وَفِي رِوَايَةٍ: وَيْحَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّهُ لَغَوَّاصٌ عَلَى الْهَنَاتِ.
وَقَدْ كَافَأَهُ عَلِيٌّ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَرَى إِبَاحَةَ الْمُتْعَةِ، وَتَحْلِيلَ الْحُمْرِ الْإِنْسِيَّةِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّكَ امْرُؤٌ تَائِهٌ ; «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخْرَّجٌ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَغَيْرِهِمَا، وَلَهُ أَلْفَاظٌ هَذَا مِنْ أَحْسَنِهَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْمُؤَمِّلِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا نَصْرِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ يَقُولُ: وَرَدَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَسَأَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَكَانَ عَلَى خِلَافَتِهِ بِهَا - فَقَالَ صَعْصَعَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ آخِذٌ بِثَلَاثٍ، وَتَارِكٌ لِثَلَاثٍ ; آخِذٌ بِقُلُوبِ الرِّجَالِ إِذَا حَدَّثَ، وَبِحُسْنِ الِاسْتِمَاعِ إِذَا حُدِّثَ، وَبِأَيْسَرِ الْأَمْرَيْنِ إِذَا خُولِفَ، وَتَرْكِ الْمِرَاءِ، وَمُقَارَنَةِ اللَّئِيمِ، وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْضَرَ فَهْمًا وَلَا أَلَبَّ لُبًّا، وَلَا أَكْثَرَ عِلْمًا، وَلَا أَوْسَعَ حِلْمًا مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عُمَرَ يَدْعُوهُ لِلْمُعْضِلَاتِ، ثُمَّ يَقُولُ: عِنْدَكَ، قَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ.
ثُمَّ لَا يُجَاوِزُ قَوْلَهُ، وَإِنَّ حَوْلَهُ لَأَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ لَوْ أَدْرَكَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَسْنَانَنَا مَا عَشَّرَهُ مِنَّا أَحَدٌ.
وَكَانَ يَقُولُ: نِعْمَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ أَعْلَمُ

النَّاسِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ حِينَ بَلَغَهُ مَوْتُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَصَفَّقَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى: مَاتَ الْيَوْمَ أَعْلَمُ النَّاسِ وَأَحْلَمُ النَّاسِ، وَقَدْ أُصِيبَتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ لَا تُرْتَقُ.
وَبِهِ إِلَى يَحْيَى بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: مَاتَ الْيَوْمَ مَنْ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِي الْعِلْمِ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: مَوْلَاكَ وَاللَّهِ أَفْقَهُ مَنْ مَاتَ وَمَنْ عَاشَ.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ حِينَ كَانَ الصُّلْحُ وَأَوَّلُ مَا الْتَقَيْتُ أَنَا وَهُوَ فَإِذَا عِنْدَهُ أُنَاسٌ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِابْنِ عَبَّاسٍ، مَا تَحَاكَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ كَانَ أَعَزَّ عَلَيَّ بُعْدًا وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ قُرْبًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ عَلِيًّا، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُذَمُّ فِي قَضَائِهِ، وَغَيْرُ هَذَا

الْحَدِيثِ أَحْسَنُ مِنْهُ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُعْفِيَنِي مِنِ ابْنِ عَمِّي وَأُعْفِيَكَ مِنِ ابْنِ عَمِّكَ.
قَالَ: ذَلِكَ لَكَ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ حِينَ حَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالنَّاسِ: هُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْمَنَاسِكِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: رَكِبَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَأَخْذَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرِكَابِهِ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ يَابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا.
فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: أَرِنِي يَدَيْكَ.
فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ، فَقَبَّلَهُمَا، وَقَالَ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ جُبَيْرٍ، سَمِعْتُ ابْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: ابْنُ عَبَّاسٍ أَعْلَمُ النَّاسِ.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ فَاتَ النَّاسَ بِخِصَالٍ ; بِعِلْمِ مَا سَبَقَهُ، وَفِقْهٍ فِيمَا احْتِيجَ إِلَيْهِ مِنْ رَأْيِهِ، وَحِلْمٍ وَنَسَبٍ وَنَائِلٍ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَعْلَمَ بِمَا سَبَقَهُ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ، وَلَا بِقَضَاءِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ

مِنْهُ وَلَا أَفْقَهَ فِي رَأْيٍ مِنْهُ، وَلَا أَعْلَمَ بِشِعْرٍ وَلَا عَرَبِيَّةٍ، وَلَا بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَلَا بِحِسَابٍ، وَلَا بِفَرِيضَةٍ مِنْهُ، وَلَا أَعْلَمَ بِمَا مَضَى، وَلَا أَثْبَتَ رَأْيًا فِيمَا احْتِيجَ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَلَقَدْ كَانَ يَجْلِسُ يَوْمًا مَا يَذْكُرُ فِيهِ إِلَّا الْفِقْهَ، وَيَوْمًا التَّأْوِيلَ، وَيَوْمًا الْمَغَازِيَ، وَيَوْمًا الشِّعْرَ، وَيَوْمًا أَيَّامَ الْعَرَبِ، وَمَا رَأَيْتُ عَالِمًا قَطُّ جَلَسَ إِلَيْهِ إِلَّا خَضَعَ لَهُ، وَمَا رَأَيْتُ سَائِلًا قَطُّ سَأَلَهُ إِلَّا وَجَدَ عِنْدَهُ عِلْمًا.
قَالَ: وَرُبَّمَا حَفِظْتُ الْقَصِيدَةَ مِنْ فِيهِ يَنْشِدُهَا ثَلَاثِينَ بَيْتًا.
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ قُطُّ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: مَا رَأَيْتُ مَجْلِسًا أَكْرَمَ مِنْ مَجْلِسِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَكْثَرَ فِقْهًا، وَلَا أَعْظَمَ هَيْبَةً ; أَصْحَابُ الْقُرْآنِ يَسْأَلُونَهُ، وَأَصْحَابُ الْعَرَبِيَّةِ يَسْأَلُونَهُ، وَأَصْحَابُ الشِّعْرِ عَنْهُ يَسْأَلُونَهُ، فَكُلُّهُمْ يَصْدُرُ فِي وَادٍ وَاسِعٍ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ بَسَقَ عَلَى النَّاسِ فِي الْعِلْمِ كَمَا تَبْسُقُ النَّخْلَةُ

السَّحُوقُ عَلَى الْوَدِيِّ الصِّغَارِ، وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ: قُلْتُ لِطَاوُسٍ: لِمَ لَزِمْتَ هَذَا الْغُلَامَ - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ - وَتَرَكْتَ الْأَكَابِرَ مِنَ الصَّحَابَةِ؟ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ إِذَا تَدَّارَءُوا فِي شَيْءٍ صَارُوا إِلَى قَوْلِهِ.
وَقَالَ طَاوُسٌ أَيْضًا: مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنْهُ.
قَالَ: وَمَا خَالَفَهُ أَحَدٌ قَطُّ فَتَرَكَهُ حَتَّى يُقَرِّرَهُ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَغَيْرُهُمْ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَلَقَدْ مَاتَ يَوْمَ مَاتَ وَإِنَّهُ لَحَبْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ.
قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُسَمَّى الْبَحْرَ ; لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ.

وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ، وَالزَّبِيرُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَدَّهُمْ قَامَةً، وَأَعْظَمَهُمْ جَفْنَةً، وَأَوْسَعَهُمْ عِلْمًا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَعْرَبَ لِسَانًا مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ ; وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ مَجْلِسًا قَطُّ أَجْمَعَ لِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ مَجْلِسِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَتَفْسِيرُ الْقُرْآنِ، وَالْعَرَبِيَّةُ وَالشِّعْرُ، وَالطَّعَامُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: أَنْبَأَنِي مَنْ أَرْسَلَهُ الْحَكَمُ بْنُ أَيُّوبَ إِلَى الْحَسَنِ يَسْأَلُهُ: مَنْ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِالنَّاسِ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ جَمَّعَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَانَ رَجُلًا مِثَجًّا - أَحْسَبُ فِي الْحَدِيثِ - كَثِيرَ الْعِلْمِ، وَكَانَ يَصْعَدُ الْمِنْبَرَ فَيَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَيُفَسِّرُهَا آيَةً آيَةً.
وَقَدْ

رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوُهُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ: رَوَى سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ الْهُذَلِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوَّلَ مَنْ عَرَّفَ بِالْبَصْرَةِ ; صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ، وَآلَ عِمْرَانَ فَفَسَّرَهُمَا حَرْفًا حَرْفًا، وَكَانَ مِثَجًّا.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِثَجًّا مِنَ الثَّجِّ وَهُوَ السَّيَلَانُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: 14] وَقِيلَ: كَثِيرًا بِسُرْعَةٍ.
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَجْلِسًا لَوْ أَنَّ جَمِيعَ قُرَيْشٍ فَخَرَتْ بِهِ لَكَانَ لَهَا فَخْرًا، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ اجْتَمَعُوا حَتَّى ضَاقَ بِهِمُ الطَّرِيقُ، فَمَا كَانَ أَحَدٌ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَجِيءَ وَلَا يَذْهَبَ.
قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَكَانِهِمْ عَلَى بَابِهِ.
فَقَالَ لِي: ضَعْ لِي وَضَوْءًا.
قَالَ: فَتَوَضَّأَ وَجَلَسَ، وَقَالَ: اخْرُجْ فَقُلْ لَهُمْ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْقُرْآنِ وَحُرُوفِهِ وَمَا أُرِيدَ مِنْهُ فَلْيَدْخُلْ.
قَالَ: فَخَرَجْتُ

فَآذَنْتُهُمْ فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَئُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ عَنْهُ وَزَادَهُمْ مِثْلَ مَا سَأَلُوا عَنْهُ أَوْ أَكْثَرَ.
ثُمَّ قَالَ: إِخْوَانَكُمْ.
فَخَرَجُوا.
ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ فَقُلْ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ أَوْ تَأْوِيلِهِ فَلْيَدْخُلْ.
قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَآذَنْتُهُمْ.
قَالَ: فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَئُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ، وَزَادَهُمْ مِثْلَ مَا سَأَلُوا أَوْ أَكْثَرَ.
ثُمَّ قَالَ: إِخْوَانَكُمْ، فَخَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ فَقُلْ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْفِقْهِ فَلْيَدْخُلْ.
فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ لَهُمْ، فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَئُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ إِخْوَانَكُمْ.
فَخَرَجُوا ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ فَقُلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْفَرَائِضِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَلْيَدْخُلْ.
قَالَ: فَخَرَجْتُ فَآذَنْتُهُمْ فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَئُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ.
فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِخْوَانَكُمْ.
فَخَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ فَقُلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْعَرَبِيَّةِ وَالشِّعْرِ وَالْغَرِيبِ مِنَ الْكَلَامِ فَلْيَدْخُلْ.
قَالَ: فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَئُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ.
قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَلَوْ أَنَّ قُرَيْشًا كُلَّهَا فَخَرَتْ بِذَلِكَ لَكَانَ فَخْرًا،

فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ.
وَقَالَ طَاوُسٌ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: مَا رَأَيْنَا أَوْرَعَ مِنَ ابْنِ عُمَرَ، وَلَا أَفْقَهَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ مَيْمُونٌ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَفْقَهَهُمَا.
وَقَالَ شُرَيْكٌ الْقَاضِي، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنْتُ إِذَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قُلْتُ: أَجْمَلُ النَّاسِ.
فَإِذَا نَطَقَ قُلْتُ: أَفْصَحُ النَّاسِ.
فَإِذَا تَحَدَّثَ قُلْتُ: أَعْلَمُ النَّاسِ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَعْلَمَهُمَا بِالْقُرْآنِ، وَكَانَ عَلِيٌّ أَعْلَمَهُمَا بِالْمُبْهَمَاتِ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: إِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ قَدْ أَخَذَ مَا عِنْدَ عَلِيٍّ مِنَ التَّفْسِيرِ، وَضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مَا أَخَذَهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، مَعَ

دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ.
وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: خَطَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ فَافْتَتَحَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَجَعَلَ يَقْرَؤُهَا وَيُفَسِّرُ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: مَا رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ كَلَامَ رَجُلٍ مِثْلَهِ، لَوْ سَمِعَتْهُ فَارِسُ وَالرُّومُ لَأَسْلَمَتْ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَجَّ بِالنَّاسِ عَامَ قَتْلِ عُثْمَانَ، فَقَرَأَ سُورَةَ النُّورِ فَفَسَّرَهَا.
وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ، فَلَعَلَّ الْأَوَّلَ كَانَ فِي زَمَانِ عَلِيٍّ، فَقَرَأَ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَفِي فِتْنَةِ عُثْمَانَ سُورَةَ النُّورِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَرَضْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَرَّتَيْنِ، مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، أَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ فَأَسْأَلُهُ عَنْهَا.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:

أَرْبَعٌ مِنَ الْقُرْآنِ لَا أَدْرِي مَا هِيَ ; الْأَوَّاهُ، وَالْحَنَّانُ، وَالرَّقِيمُ، وَالْغِسْلِينُ، وَكُلُّ الْقُرْآنِ أَعْلَمُهُ إِلَّا هَذِهِ الْأَرْبَعَ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ ; فَإِنْ كَانَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَهِيَ فِي السُّنَّةِ قَالَ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَقُلْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَجَدَهَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ قَالَ بِهَا، وَإِلَّا اجْتَهَدَ رَأْيَهُ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنَ بْنُ حَمَّادٍ الشَّعْبِيُّ، عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: شَتَمَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنَّكَ لَتَشْتُمُنِي وَفِيَّ ثَلَاثُ خِصَالٍ، إِنِّي لَآتِي عَلَى الْآيَةِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَوَدِدْتُ أَنَّ النَّاسَ عَلِمُوا مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي أَعْلَمُ، وَإِنِّي لَأَسْمَعُ بِالْحَاكِمِ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ يَقْضِي بِالْعَدْلِ، فَأَفْرَحُ بِهِ، وَلَعَلِّي لَا أُقَاضِي إِلَيْهِ، وَلَا أُحَاكِمُ أَبَدًا، وَإِنِّي لَأَسْمَعُ بِالْغَيْثِ يُصِيبُ الْأَرْضَ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ فَأَفْرَحُ بِهِ،

وَمَا لِي بِهَا مِنْ سَائِمَةٍ أَبَدًا.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَكْرَمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ كَهْمَسٍ بِهِ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: 30] فَقَالَ: كَانَتِ السَّمَاءُ رَتْقًا لَا تَمْطُرُ، وَالْأَرْضُ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ، فَفَتَقَ هَذِهِ بِالْمَطَرِ، وَهَذِهِ بِالنَّبَاتِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: صَحِبْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا نَزَلَ قَامَ شَطْرَ اللَّيْلِ، وَيُرَتِّلُ الْقُرْآنَ يَقْرَأُ حَرْفًا حَرْفًا، وَيُكْثِرُ فِي ذَلِكَ مِنَ النَّشِيجِ وَالنَّحِيبِ، وَيَقْرَأُ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19] وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ دِرْهَمٍ، قَالَ: كَانَ فِي هَذَا الْمَكَانِ - وَأَوْمَأَ إِلَى مَجْرَى الدُّمُوعِ مِنْ خَدَّيْهِ - مِنْ خَدَّيِ ابْنِ عَبَّاسٍ - مِثْلُ الشِّرَاكِ الْبَالِي مِنَ الْبُكَاءِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وَيَقُولُ: أُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ.
وَرَوَى هُشَيْمٌ

وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَلِكَ الرُّومُ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ أَكْرَمُ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ أَكْرَمُ الْإِمَاءِ عَلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَعَنْ أَرْبَعَةٍ فِيهِمُ الرُّوحُ لَمْ يَرْكُضُوا فِي رَحِمٍ، وَعَنْ قَبْرٍ سَارَ بِصَاحِبِهِ، وَعَنْ مَكَانٍ فِي الْأَرْضِ لَمْ تَطْلُعْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَعَنْ قَوْسِ قُزَحَ مَا هُوَ؟ وَعَنِ الْمَجَرَّةِ.
فَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ فَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُنَّ، فَكَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَيْهِ: أَمَّا أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ فَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَأَكْرَمُ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ آدَمُ، خَلَقَهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَكْرَمُ الْإِمَاءِ عَلَى اللَّهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الَّذِينَ لَمْ يَرْكُضُوا فِي رَحِمٍ، فَآدَمُ وَحَوَّاءُ، وَعَصَا مُوسَى، وَكَبْشُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي فَدَى بِهِ إِسْمَاعِيلَ - وَفِي رِوَايَةٍ: وَنَاقَةُ صَالِحٍ - وَأَمَّا الْقَبْرُ الَّذِي سَارَ بِصَاحِبِهِ فَهُوَ حُوتُ يُونُسَ، وَأَمَّا الْمَكَانُ الَّذِي لَمْ تُصِبْهُ الشَّمْسُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَهُوَ الْبَحْرُ الَّذِي انْفَلَقَ لِمُوسَى حَتَّى جَازَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِيهِ، وَأَمَّا قَوْسُ قُزَحَ فَأَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْغَرَقِ، وَالْمَجَرَّةُ بَابُ السَّمَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ: الَّذِي تَنْشَقُّ مِنْهُ، فَلَمَّا قَرَأَ مَلِكُ الرُّومِ ذَلِكَ أَعْجَبَهُ، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا هِيَ مِنْ عِنْدِ مُعَاوِيَةَ، وَلَا مِنْ قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذِهِ

الْأَسْئِلَةِ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَزِيَادَاتٌ كَثِيرَةٌ فِيهَا، وَفِي بَعْضِهَا نَظَرٌ ; أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ مَنْ لَا قَبْلَ لَهُ، وَعَنْ مَنْ لَا عَشِيرَةَ لَهُ، وَعَنْ مَنْ لَا أَبَ لَهُ، وَعَنْ شَيْءٍ، وَنِصْفِ شَيْءٍ، وَلَا شَيْءٍ، وَأَرْسَلَ قَارُورَةً ; فَقَالَ: ابْعَثْ إِلَيَّ فِي هَذِهِ بِبَزْرِ كُلِّ شَيْءٍ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ: أَمَّا الَّذِي لَا قَبْلَ لَهُ فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَّا مَنْ لَا عَشِيرَةَ لَهُ فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا مَنْ لَا أَبَ لَهُ فَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا عَنْ شَيْءٍ فَهُوَ الْعَاقِلُ يَعْمَلُ بِعَقْلِهِ، وَأَمَّا نِصْفُ شَيْءٍ، فَالَّذِي لَهُ عَقْلٌ وَيَعْمَلُ بِرَأْيِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا لَا شَيْءَ فَالَّذِي لَا عَقْلَ لَهُ وَلَا يَعْمَلُ بِعَقْلِ غَيْرِهِ.
وَمَلَأَ الْقَارُورَةَ مَاءً وَقَالَ: هَذَا بَزْرُ كُلِّ شَيْءٍ.
فَأَعْجَبَ ذَلِكَ مَلِكَ الرُّومِ جِدًّا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[تَوَلِّي ابْنِ عَبَّاسٍ إِمَامَةَ الْحَجِّ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، بِأَمْرِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ]

فَصَلٌ (تَوَلِّي ابْنِ عَبَّاسٍ إِمَامَةَ الْحَجِّ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ بِأَمْرِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) تَوَلَّى ابْنُ عَبَّاسٍ إِمَامَةَ الْحَجِّ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ بِأَمْرِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَهُ وَهُوَ مَحْصُورٌ، وَفِي غَيْبَتِهِ هَذِهِ قُتِلَ عُثْمَانُ.
وَحَضَرَ مَعَ عَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَكَانَ عَلَى الْمَيْسَرَةِ يَوْمَ صِفِّينَ، وَشَهِدَ قِتَالَ الْخَوَارِجِ، وَتَأَمَّرَ عَلَى الْبَصْرَةِ مِنْ جِهَةِ عَلِيٍّ، فَكَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْهَا يَسْتَخْلِفُ أَبَا الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَزِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى الْخَرَاجِ، وَكَانَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ مَغْبُوطِينَ بِهِ، يُفَقِّهُهُمْ وَيُعَلِّمُ جَاهِلَهُمْ، وَيَعِظُ مُجْرِمَهُمْ، وَيُعْطِي فَقِيرَهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ عَلِيٌّ، وَيُقَالُ: إِنَّ عَلِيًّا عَزَلَهُ عَنْهَا قَبْلَ مَوْتِهِ، ثُمَّ وَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَكْرَمَهُ وَقَرَّبَهُ وَاحْتَرَمَهُ

وَعَظَّمَهُ، وَكَانَ يُلْقِي عَلَيْهِ الْمَسَائِلَ الْمُعْضِلَةَ فَيُجِيبُ فِيهَا سَرِيعًا، فَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحَضَرَ جَوَابًا مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَلَمَّا جَاءَ الْكِتَابُ بِمَوْتِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ اتَّفَقَ كَوْنُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَعَزَّاهُ فِيهِ بِأَحْسَنِ تَعْزِيَةٍ، وَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ رَدًّا حَسَنًا كَمَا قَدَّمْنَا، وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ ابْنَهُ يَزِيدَ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَعَزَّاهُ بِعِبَارَةٍ فَصِيحَةٍ بَلِيغَةٍ وَجِيزَةٍ، شَكَرَهُ عَلَيْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ - وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ أَيْضًا - وَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ وَرَامَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُرُوجَ إِلَى الْعِرَاقِ، نَهَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَشَدَّ النَّهْيِ، وَأَرَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِثِيَابِ الْحُسَيْنِ ; - لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ قَدْ أَضَرَّ فِي آخِرِ عُمْرِهِ - فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُهُ حَزِنَ عَلَيْهِ حُزْنًا شَدِيدًا وَلَزِمَ بَيْتَهُ، وَكَانَ يَقُولُ: يَا لِسَانُ قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ، وَاسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَفْعَلْ تَنْدَمْ، وَجَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: جُنْدَبٌ.
فَقَالَ لَهُ أَوْصِنِي: فَقَالَ: أُوصِيكَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وَالْعَمَلِ لَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فَإِنَّ كُلَّ خَيْرٍ أَنْتَ آتِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَقْبُولٌ، وَإِلَى اللَّهِ مَرْفُوعٌ، يَا جُنْدَبُ، إِنَّكَ لَنْ تَزْدَادَ مِنْ يَوْمِكَ إِلَّا قُرْبًا، فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَأَصْبِحْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ مُسَافِرٌ، فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ، وَابْكِ عَلَى ذَنْبِكَ، وَتُبْ مِنْ خَطِيئَتِكَ، وَلْتَكُنِ الدُّنْيَا عَلَيْكَ أَهْوَنَ مِنْ شِسْعِ

نَعْلِكَ، وَكَأَنْ قَدْ فَارَقْتَهَا وَصِرْتَ إِلَى عَدْلِ اللَّهِ، وَلَنْ تَنْتَفِعَ بِمَا خَلَّفْتَ، وَلَنْ يَنْفَعَكَ إِلَّا عَمَلُكَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْصَى ابْنُ عَبَّاسٍ بِكَلِمَاتٍ خَيْرٍ مِنَ الْخَيْلِ الدُّهْمِ قَالَ: لَا تَكَلَّمَنَّ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ حَتَّى تَرَى لَهُ مَوْضِعًا، وَلَا تُمَارِيَنَّ سَفِيهًا وَلَا حَلِيمًا ; فَإِنَّ الْحَلِيمَ يَغْلِبُكَ وَالسَّفِيهَ يَزْدَرِيكَ، وَلَا تَذْكُرَنَّ أَخَاكَ إِذَا تَوَارَى عَنْكَ إِلَّا بِمَثَلِ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيكَ إِذَا تَوَارَيْتَ عَنْهُ، وَاعْمَلْ عَمَلَ رَجُلٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَجْزِيٌّ بِالْإِحْسَانِ مَأْخُوذٌ بِالْإِجْرَامِ.
فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: يَابْنَ عَبَّاسٍ، هَذَا خَيْرٌ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَلِمَةٌ مِنْهُ خَيْرٌ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَمَامُ الْمَعْرُوفِ تَعْجِيلُهُ وَتَصْغِيرُهُ وَسَتْرُهُ.
يَعْنِي أَنْ تُعَجَّلَ الْعَطِيَّةَ لِلْمُعْطَى، وَأَنْ تَصْغُرَ فِي عَيْنِ الْمُعْطِي، وَأَنْ تَسَتُرَهَا عَنِ النَّاسِ فَلَا تُظْهِرَهَا ; فَإِنَّ فِي إِظْهَارِهَا فَتْحَ بَابِ الرِّيَاءِ وَكَسْرَ قَلْبِ الْمُعْطَى، وَاسْتِحْيَاءَهُ مِنَ النَّاسِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَعَزُّ النَّاسِ عَلَيَّ جَلِيسِي ; لَوِ اسْتَطَعْتُ أَنْ لَا يَقَعَ الذُّبَابُ عَلَى وَجْهِهِ لَفَعَلْتُ.
وَقَالَ أَيْضًا: لَا يُكَافِئُ مَنْ أَتَانِي يَطْلُبُ حَاجَةً فَرَآنِي لَهَا مَوْضِعًا إِلَّا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَكَذَا رَجُلٌ بَدَأَنِي بِالسَّلَامِ، أَوْ أَوْسَعَ لِي فِي مَجْلِسٍ، أَوْ قَامَ لِي عَنِ الْمَجْلِسِ أَوْ رَجُلٌ سَقَانِي شَرْبَةَ مَاءٍ عَلَى ظَمَأٍ،

أَوْ رَجُلٌ حَفِظَنِي بِظَهْرِ الْغَيْبِ.
وَالْمَأْثُورُ عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الْمَكَارِمِ كَثِيرٌ جِدًّا، وَفِيمَا ذَكَرْنَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا لَمْ نَذْكُرْهُ.
وَقَدْ عَدَّهُ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي الْعُمْيَانِ مِنَ الْأَشْرَافِ، وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ أُصِيبَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ فَنَحَلَ جِسْمُهُ، فَلَمَّا أُصِيبَتِ الْأُخْرَى عَادَ إِلَيْهِ لَحْمُهُ فَقِيلَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَصَابَنِي مَا رَأَيْتُمْ فِي الْأُولَى شَفَقَةً عَلَى الْأُخْرَى، فَلَمَّا ذَهَبَتَا اطْمَأَنَّ قَلْبِي.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ وَقَعَ فِي عَيْنِهِ الْمَاءُ فَقِيلَ لَهُ: نَنْزِعُ مَنْ عَيْنِكَ الْمَاءَ، عَلَى أَنَّكَ لَا تُصَلِّي سَبْعَةَ أَيَّامٍ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّهُ مَنْ تَرْكَ الصَّلَاةَ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: نُزِيلُ هَذَا الْمَاءَ مِنْ عَيْنِكَ عَلَى أَنْ تَبْقَى خَمْسَةَ أَيَّامٍ لَا تُصَلِّي إِلَّا عَلَى عُودٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا مُسْتَلْقِيًا، فَقَالَ: لَا، وَاللَّهِ وَلَا رَكْعَةً وَاحِدَةً، إِنَّهُ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً مُتَعَمِّدًا، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ.
وَقَدْ أَنْشَدَ الْمَدَائِنِيُّ لِابْنِ عَبَّاسٍ حِينَ عَمِيَ: إِنْ يَأْخُذِ اللَّهُ مِنْ عَيْنَيَّ نُورَهُمَا ... فَفِي لِسَانِي وَسَمْعِي مِنْهُمَا نُورُ قَلْبِي ذَكِيٌّ وَعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ ... وَفِي فَمِي صَارِمٌ كَالسَّيْفِ مَأْثُورُ

وَلَمَّا وَقَعَ الْخُلْفُ بَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَبَيْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، اعْتَزَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ النَّاسَ، فَدَعَاهُمَا ابْنُ الزُّبَيْرِ ; لِيُبَايِعَاهُ فَأَبَيَا عَلَيْهِ، وَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: لَا نُبَايِعُكَ وَلَا نُخَالِفُكَ، فَهَمَّ بِهِمَا، فَبَعَثَا أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ فَاسْتَنْجَدَ لَهُمَا مِنَ الْعِرَاقِ مِنْ شِيعَتِهِمَا فَقَدِمَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ فَكَبَّرُوا بِمَكَّةَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً، وَهَمُّوا بِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَانْطَلَقَ ابْنُ الزُّبَيْرِ هَارِبًا وَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: أَنَا عَائِذٌ بِاللَّهِ.
فَكَفُّوهُمْ عَنْهُ، ثُمَّ مَالُوا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَقَدْ حَمَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ حَوْلَ دُورِهِمُ الْحَطَبَ لِيَحْرِقَهُمْ، فَخَرَجُوا بِهِمَا حَتَّى نَزَلُوا الطَّائِفَ، وَأَقَامَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَنَتَيْنِ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا، كَمَا تَقَدَّمَ.
فَلَمَّا كَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَالَ: مَاتَ الْيَوْمَ حَبْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
فَلَمَّا وَضَعُوهُ لِيُدْخِلُوهُ فِي قَبْرِهِ جَاءَ طَائِرٌ أَبْيَضُ لَمْ يُرَ مِثْلُ خِلْقَتِهِ، فَدَخَلَ فِي أَكْفَانِهِ وَالْتَفَّ فِيهَا حَتَّى دُفِنَ مَعَهُ.
قَالَ عَفَّانُ: فَكَانُوا يَرَوْنَهُ

عِلْمَهُ، فَلَمَّا وُضِعَ فِي اللَّحْدِ تَلَا تَالٍ لَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ - وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُمْ سَمِعُوا مِنْ قَبْرِهِ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 27] هَذَا الْقَوْلُ فِي وَفَاتِهِ هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْوَاقِدِيُّ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحُفَّاظِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ.
وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعِينَ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا شَاذَّةٌ غَرِيبَةٌ مَرْدُودَةٌ.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
وَقِيلَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ.
وَقِيلَ أَرْبَعًا وَسَبْعِينَ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[صِفَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

كَانَ جَسِيمًا إِذَا قَعَدَ يَأْخُذُ مَكَانَ رَجُلَيْنِ، جَمِيلًا لَهُ وَفْرَةٌ، قَدْ شَابَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ، وَشَابَتْ لِمَّتُهُ، وَكَانَ يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ، وَقِيلَ: بِالسَّوَادِ.
حَسَنَ الْوَجْهِ،

يَلْبَسُ حَسَنًا وَيُكْثِرُ مِنَ الطِّيبِ، بِحَيْثُ إِنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّ فِي الطَّرِيقِ تَقُولُ النِّسَاءُ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ.
أَوْ: رَجُلٌ مَعَهُ مِسْكٌ، وَكَانَ وَسِيمًا أَبْيَضَ، طَوِيلًا، صَبِيحًا، فَصِيحًا، وَلَمَّا عَمِيَ اعْتَرَى لَوْنَهُ صُفْرَةٌ يَسِيرَةٌ، وَقَدْ كَانَ بَنُو الْعَبَّاسِ عَشَرَةً، وَهُمُ الْفَضْلُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَمَعْبَدٌ، وَقُثَمُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَثِيرٌ، وَالْحَارِثُ، وَعَوْنٌ، وَتَمَّامٌ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ تَمَّامٌ ; وَلِهَذَا كَانَ الْعَبَّاسُ يَحْمِلُهُ وَيَقُولُ: تَمُّوا بِتَمَّامٍ فَصَارُوا عَشَرَهْ ... يَا رَبِّ فَاجْعَلْهُمْ كِرَامًا بَرَرَهْ وَاجْعَلْهُمْ ذِكْرًا وَأَنْمِ الثَّمَرَهْ فَأَمَّا الْفَضْلُ فَمَاتَ بِأَجْنَادِينَ شَهِيدًا، وَعَبْدُ اللَّهِ بِالطَّائِفِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بِالْيَمَنِ، وَمَعْبَدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بِإِفْرِيقِيَّةَ،، وَقُثَمُ، وَكَثِيرٌ بِيَنْبُعَ وَقِيلَ: إِنَّ قُثَمَ مَاتَ بِسَمَرْقَنْدَ.
وَقَدْ قَالَ مُسْلِمُ بْنُ قَمَّادِينَ الْمَكِّيُّ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ بَنِي أُمٍّ وَاحِدَةٍ أَشْرَافًا، وُلِدُوا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، أَبْعَدَ قُبُورًا مِنْ بَنِي أُمِّ الْفَضْلِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَوَاضِعَ قُبُورِهِمْ، كَمَا تَقَدَّمَ.
إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: الْفَضْلُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ،، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بِالشَّامِ.
وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَلْبَسُ الْحُلَّةَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ

الْعَبَّاسُ، وَعَلِيٌّ، وَيُدْعَى السَّجَّادَ ; لِكَثْرَةِ صِلَاتِهِ، وَكَانَ أَجْمَلَ قُرَشِيٍّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ.
وَقِيلَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَعَ الْجَمَالِ التَّامِّ.
وَعَلَى هَذَا فَهُوَ أَبُو الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيِّينَ، فَفِي وَلَدِهِ كَانْتِ الْخِلَافَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ، كَمَا سَيَأْتِي، وَكَانَ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا مُحَمَّدٌ، وَالْفَضْلُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَلُبَابَةُ، وَأُمُّهُمْ زُرْعَةُ بَنَتُ مُسَرَّحِ بْنِ مَعْدِيَكَرِبَ.
وَأَسْمَاءُ وَهِيَ لِأُمِّ وَلَدٍ.
وَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَوَالِي عِكْرِمَةُ، وَكُرَيْبٌ، وَأَبُو مَعْبَدٍ، وَشُعْبَةُ، وَدَقِيقٌ، وَأَبُو عَمْرَةَ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَمِقْسَمٌ.
وَقَدْ أَسْنَدَ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ وَسَبْعِينَ حَدِيثًا.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ الْعَدَوِيُّ الْكَعْبِيُّ، اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ عَلَى أَقْوَالٍ ; أَصَحُّهَا خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو، أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، وَكَانَ مَعَهُ أَحَدُ أَلْوِيَةِ بَنِي كَعْبٍ الثَّلَاثَةِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ أَحَادِيثُ.
وَأَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ مُخْتَلَفٌ فِي اسْمِهِ وَفِي شُهُودِهِ بَدْرًا.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: تُوُفِّيَ سُنَّةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، عَنْ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَذَا قَالَ غَيْرُ

وَاحِدٍ فِي تَارِيخِ وَفَاتِهِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ عَاشَ سَبْعِينَ سَنَةً.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَكَّةَ بَعْدَمَا جَاوَرَ بِهَا سَنَةً، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ الْمُهَاجِرِينَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ الْهِلَالِيُّ، الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، قَالَ الشِّعْرَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ، وَهُوَ مِنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ.

جارٍ التحميل