البداية والنهايةصفحات 720-759

َ فَتْحُ الرَّيِّ

صفحات 720-759

الْمُسْتَضِيءِ، كَانَتْ مِنْ أَكْبَرِ حَظَايَاهُ، ثُمَّ صَارَتْ بَعْدَهُ مِنْ أَكْثَرِ النِّسَاءِ صَدَقَةً وَبِرًّا وَإِحْسَانًا إِلَى الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، لَهَا بِطَرِيقِ الْحِجَازِ مَعْرُوفٌ كَثِيرٌ مَعْرُوفٌ، وَوَقَفَتْ مَدْرَسَةً عَلَى الْحَنَابِلَةِ وَأَوْقَافًا دَارَّةً، وَدُفِنَتْ بِبَغْدَادَ عِنْدَ تُرْبَةِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ ابْنُ الْمُحْتَسِبِ الشَّاعِرُ أَبُو الشُّكْرِ مَحْمُودُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ سَعِيدَ الْمَوْصِلِيُّ ، يُعْرَفُ بِابْنِ الْمُحْتَسِبِ تَفَقَّهَ بِبَغْدَادَ ثُمَّ سَافَرَ إِلَى الْبِلَادِ وَصَحِبَ ابْنَ الشَّهْرُزُورِيِّ وِقَدِمَ مَعَهُ، فَلَمَّا وُلِّيَ قَضَاءَ بَغْدَادَ وَلَّاهُ نَظَرَ أَوْقَافِ النِّظَامِيَّةِ، وَكَانَ فَاضِلًا يَقُولُ الشِّعْرَ الرَّائِقَ، فَمِنْ ذَلِكَ: أَسْلَفَ لَنَا فِي سُلَافَةِ الْعِنَبِ ... جَمِيعَ مَا يُقْتَنَى مِنَ الذَّهَبِ وَانَشَبْ مَعَ النَّفْسِ فِي مُعَامَلَةٍ ... فِيهَا بِمَا عِنْدَنَا مِنَ النَّشَبِ جَمِيعُ مَا فِي الْهِمْيَانِ يَحْقِرُهُ الْ ... عَاقِلُ فِي لَثْمِ رِيقِهَا الشَّنِبِ لَا سِيَّمَا إِنْ أَتَتْكَ كَالذَّهَبِ ... قَدْ قَلَّدُوهَا عِقْدًا مِنَ الْحَبَبِ تُحْرَقُ كَفُّ الْمُدِيرِ إِنْ وَقَفَ الدَّ ... وْرُ بِهَا سَاعَةً مِنَ اللَّهَبِ إِذَا بَدَا هَمُّنَا لِيَسْتَرِقَ السَّمْ ... عَ بِرِفْقٍ لِلَّهْوِ وَاللَّعِبِ

تُتْبِعُهُ مِنْ سَمَاءِ رَاوُوقِهَا الرَّا ئِقِ رَجْمًا بِالْأَنْجُمِ الشُّهُبِ ... مَا قَطُّ تَبَّتْ يَدٌ لِشَارِبِهَا وَحَقِّ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبِ ... أَمُرُّ بِالْكَرْمِ خَلْفَ حَائِطِهِ تَأْخُذُنِي نَشْوَةٌ مِنَ الطَّرَبِ ... أَسْكَرُ بِالْأَمْسِ إِنْ عَزَمْتُ عَلَى الشُّرْ بِ غَدًا إِنَّ ذَا مِنَ الْعَجَبِ ... جَنَّبَهَا سُكْرَهَا وَصُحْبَتَهَا تَحْرِيمُ شَرْعٍ لِسَيِّدِ الْعَرَبِ ... تَرَكْتُهَا جَانِبًا وَلُذْتُ إِلَى ظِلِّ إِمَامٍ مُنْجٍ مِنَ النُّوَبِ ... الطَّاهِرِ الطُّهْرِ وَابْنِ خَيْرِ فَتًى وَطَاهِرِ الْخُلْقِ طَاهِرِ النَّسَبِ ... مَاذَا يَقُولُ الْمَدَّاحُ فِي رَجُلٍ خَلِيفَةُ اللَّهِ وَابْنُ عَمِّ نَبِي وَمِنْ شِعْرِهِ الرَّائِقِ لَهُ أَيْضًا: أَهَابُ وَصْفَ الْخَمْرِ فِي إِهَابِهَا ... يَا حَبَّذَا مَا كَانَ مِنْ مُهَابِهَا حَبَا بِهَا السَّاقِي وَقَدْ أَقْعَدَهُ ... سُكْرٌ فَزَادَ السُّكْرُ إِذْ حَبَا بِهَا خَطَا بِهَا وَثِيقَةً شَرْعِيَّةً ... عَلَى الَّذِي يُفْلِسُ مِنْ خُطَّابِهَا دَعَا بِهَا فِي صَدْرِ كُلِّ بَاخِلٍ ... وَخَلِّيَا مِنْ كُلِّ مَنْ دَعَا بِهَا فَتَا بِهَا قَلْبَ الْحَسُودِ وَاشْكُرَا ... كُلَّ فَتًى فِي النَّاسِ قَدْ فَتَا بِهَا اعْنَ بِهَا يَا أَيُّهَا الْمُغْرَى بِهَا ... وَأَسْلِفِ النُّضَارَ فِي أَعْنَابِهَا ثَوَى بِهَا كُلُّ السُّرُورِ عِنْدَنَا ... وَإِثْمُهَا أَكْبَرُ مِنْ ثَوَابِهَا

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

قَالَ سِبْطُ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمِرْآةِ ": فِي لَيْلَةِ السَّبْتِ سَلْخِ الْمُحْرَّمِ هَاجَتِ النُّجُومُ فِي السَّمَاءِ وَمَاجَتْ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَتَطَايَرَتْ كَالْجَرَادِ الْمُنْتَشِرِ يَمِينًا وَشِمَالًا، قَالَ: وَلَمْ يُرَ مِثْلُ هَذَا إِلَّا فِي عَامِ الْمَبْعَثِ وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ شُرِعَ فِي عِمَارَةِ سُورِ قَلْعَةِ دِمَشْقَ وَابْتُدِئَ بِبُرْجِ الزَّاوِيَةِ الْغَرْبِيَّةِ الْقِبْلِيَّةِ الْمُجَاوِرِ لِبَابِ النَّصْرِ.
وَفِيهَا أَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ النَّاصِرُ الْخِلَعَ وَسَرَاوِيلَاتِ الْفُتُوَّةِ لِلْمَلِكِ الْعَادِلِ وَبَنِيهِ.
وَفِيهَا بَعَثَ الْعَادِلُ وَلَدَهُ الْأَشْرَفَ مُوسَى لِمُحَاصَرَةِ مَارِدِينَ وَسَاعَدَهُ جَيْشُ سَنْجَارَ وَالْمَوْصِلِ، ثُمَّ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى يَدَيِ الظَّاهِرِ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ صَاحِبُ مَارِدِينَ لِلْعَادِلِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَنْ تَكُونَ السِّكَّةُ وَالْخُطْبَةُ لِلْعَادِلِ، وَأَنَّهُ مَتَى طَلَبَهُ بِجَيْشِهِ يَحْضُرُ إِلَيْهِ.
وَفِيهَا كَمَلَ بِنَاءُ رِبَاطِ الْمَرْزُبَانِيَّةِ، وَوَلِيَهُ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ السُّهْرَوَرْدِيُّ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ، وَرُتِّبَ لَهُمْ مِنَ الْمَعْلُومِ وَالْجِرَايَةِ مَا

يَنْبَغِي لِمَثْلِهِمْ مِنْ إِقَامَتِهِمْ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ.
وَفِيهَا احْتَجَرَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمَلِكِ الْعَزِيزِ وَإِخْوَتِهِ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الرُّهَا خَوْفًا مِنْ إِقَامَتِهِمْ بِمِصْرَ.
وَفِيهَا اسْتَحْوَذَتِ الْكُرْجُ عَلَى مَدِينَةِ دَوِينَ، فَقَتَلُوا أَهْلَهَا وَنَهَبُوهَا، وَهِيَ مِنْ بِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ، وَذَلِكَ لِاشْتِغَالِ مَلِكِهَا بِالْفِسْقِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - فَتَحَكَّمَتِ الْكَفَرَةُ مِنْ رِقَابِ الْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ غُلٌّ فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمَلِكُ غِيَاثُ الدِّينِ الْغُورِيُّ أَخُو شِهَابِ الدِّينِ فَقَامَ فِي الْمُلْكِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ مَحْمُودٌ، وَتَلَقَّبَ بِلَقَبِ أَبِيهِ، وَكَانَ غِيَاثُ الدِّينِ عَاقِلًا حَازِمًا شُجَاعًا، لَمْ تُكْسَرْ لَهُ رَايَةٌ قَطُّ مَعَ كَثْرَةِ حُرُوبِهِ، وَكَانَ شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ، قَدِ ابْتَنَى مَدْرَسَةً هَائِلَةً لِلشَّافِعِيَّةِ، وَكَانَتْ سِيرَتُهُ فِي غَايَةِ الْجَوْدَةِ، وَكَذَا سَرِيرَتُهُ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ فَلَكُ الدِّينِ، أَبُو مَنْصُورٍ سُلَيْمَانُ بْنُ شَرْوَةَ بْنِ خَلْدَكَ أَخُو الْمَلِكِ الْعَادِلِ لِأُمِّهِ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَدُفِنَ

بِدَارِهِ الَّتِي جَعَلَهَا مَدْرَسَةً دَاخِلَ بَابِ الْفَرَادِيسِ فِي مَحَلَّةِ الْأَفْتَرِيسِ، وَأَوْقَفَ عَلَيْهَا الْجُمَانَ بِكَمَالِهَا؛ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ.
الْقَاضِي الضِّيَاءُ الشَّهْرُزُورِيُّ أَبُو الْفَضَائِلِ، الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ الشَّهْرُزُورِيُّ الْمَوْصِلِيُّ، قَاضِي الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي قَاضِي الْقُضَاةِ بِدِمَشْقَ كَمَالِ الدَّيْنِ الشَّهْرُزُورِيِّ أَيَّامَ نُورِ الدِّينِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ فِي أَيَّامِ الدَّوْلَةِ الصَّلَاحِيَّةِ أَوْصَى لِوَلَدِ أَخِيهِ هَذَا بِالْقَضَاءِ فَوَلِيَهُ، ثُمَّ عُزِلَ عَنْهُ بِابْنِ أَبِي عَصْرُونَ، وَعُوِّضَ بِالسِّفَارَةِ إِلَى الْمُلُوكِ، ثُمَّ تَوَلَّى قَضَاءَ بَلْدَةِ الْمَوْصِلِ، ثُمَّ اسْتُدْعِيَ إِلَى بَغْدَادَ فَوَلِيَهَا سَنَتَيْنِ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ اسْتَقَالَهُ فَلَمْ يُقِلْهُ الْخَلِيفَةُ لِحُظْوَتِهِ عِنْدَهُ، فَاسْتَشْفَعَ بِزَوْجَتِهِ سِتِّ الْمُلُوكِ عَلَى أُمِّ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَتْ لَهَا مَكَانَةٌ عِنْدَهَا، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، فَصَارَ إِلَى قَضَاءِ حَمَاةَ لِمَحَبَّتِهِ إِيَّاهَا، وَكَانَ يُعَابُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَكَانَتْ لَدَيْهِ فَضَائِلُ، وَلَهُ أَشْعَارٌ رَائِقَةٌ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِحَمَاةَ فِي الْمُنْتَصَفِ مِنْ رَجَبٍ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ.
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ حَمْزَةَ أَبُو بَكْرٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمَرَسْتَانِيَّةِ، أَحَدُ الْفُضَلَاءِ الْمَشْهُورِينَ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَجَمَعَهُ، وَكَانَ طَبِيبًا مُنَجِّمًا يَعْرِفُ عُلُومَ الْأَوَائِلِ وَأَيَّامَ النَّاسِ، وَصَنَّفَ دِيوَانَ الْإِسْلَامِ فِي تَارِيخِ دَارِ السَّلَامِ،

وَرَتَّبَهُ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ كِتَابًا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُشْتَهَرْ، وَجَمَعَ سِيرَةَ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَقَدْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ الصِّدِّيقِ، فَتَكَلَّمُوا فِيهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
وَأَنْشْدَ بَعْضُهُمْ: دَعِ الْأَنْسَابَ لَا تَعْرِضْ لِتَيْمٍ ... فَإِنَّ الْهُجْنَ مِنْ وَلَدِ الصَّمِيمِ لَقَدْ أَصْبَحْتَ مِنْ تَيْمٍ دَعِيًّا ... كَدَعْوَى حَيْصَ بَيْصَ إِلَى تَمِيمِ ابْنُ النَّجَا الْوَاعِظُ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَجَا، زَيْنُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ الدِّمَشْقِيُّ، الْوَاعِظُ الْحَنْبَلِيُّ، وَسِبْطُ الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ الشِّيرَازِيِّ الْحَنْبَلِيِّ.
قَدِمَ بَغْدَادَ فَتَفَقَّهَ بِهَا، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا رَسُولًا مِنْ جِهَةِ نُورِ الدِّينِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَحَدَّثَ بِهَا، ثُمَّ كَانَتْ لَهُ حُظْوَةٌ عِنْدَ الْمَلِكِ النَّاصِرِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَهُوَ الَّذِي نَمَّ عَلَى عُمَارَةَ الْيَمَنِيِّ وَذَوِيهِ فَصُلِبُوا، وَكَانَتْ لَهُ مَكَانَةٌ بِمِصْرَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الَّتِي خَطَبَ فِيهَا بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَ وَقْتًا مَشْهُودًا، وَكَانَ يَعِيشُ عَيْشًا أَطْيَبَ مِنْ عَيْشِ الْمُلُوكِ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالْمَلَابِسِ، وَكَانَ عِنْدَهُ عِشْرُونَ سُرِّيَّةً، كُلُّ وَاحِدَةٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ مَاتَ فَقِيرًا لَمْ يَخْلُفْ كَفَنًا، وَقَدْ أَنْشَدَ وَهُوَ عَلَى مِنْبَرِهِ لِلْوَزِيرِ طَلَائِعَ بْنِ رُزِّيكَ شِعْرًا فَقَالَ: مَشِيبُكَ قَدْ قَضَى صَبْغَ الشَّبَابِ ... وَحَلَّ الْبَازُ فِي وَكْرِ الْغُرَابِ

تَنَامُ وَمُقْلَةُ الْحَدَثَانِ يَقْظَى وَمَا نَابُ النَّوَائِبِ عَنْكَ نَابِ ... وَكَيْفَ بَقَاءُ عُمْرِكَ وَهُوَ كَنْزٌ وَقَدْ أَنْفَقْتَ مِنْهُ بِلَا حِسَابِ الشَّيْخُ أَبُو الْبَرَكَاتِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ التَّكْرِيتِيُّ يُعْرَفُ بِالْمُؤَيَّدِ، كَانَ أَدِيبًا شَاعِرًا، وَمِمَّا نَظَمَهُ فِي الْوَجِيهِ النَّحْوِيِّ - حِينَ كَانَ حَنْبَلِيًّا، فَانْتَقَلَ حَنَفِيًّا، ثُمَّ صَارَ شَافِعِيًّا - فِي حَلْقَةِ النَّحْوِ بِالنِّظَامِيَّةِ: أَلَا مُبْلِغٌ عَنِّي الْوَجِيهَ رِسَالَةً ... وَإِنْ كَانَ لَا تُجْدِي لَدَيْهِ الرَّسَائِلُ تَمَذْهَبْتَ لِلنُّعْمَانِ بَعْدَ ابْنِ حَنْبَلٍ ... وَذَلَكَ لَمَّا أَعْوَزَتْكَ الْمَآكِلُ وَمَا اخْتَرْتَ رَأْيَ الشَّافِعِيِّ تَدَيُّنًا ... وَلَكِنَّمَا تَهْوَى الَّذِي هُوَ حَاصِلٌ وَعَمَّا قَلِيلٍ أَنْتَ لَا شَكَّ صَائِرٌ ... إِلَى مَالِكٍ فَافْطِنْ لِمَا أَنْتَ قَائِلُ ؟ السِّتُّ الْجَلِيلِيةُ الْمَصُونَةُ زُمُرُّدُ خَاتُّونَ أُمُّ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ بْنِ الْمُسْتَضِيءِ، كَانَتْ صَالِحَةً عَابِدَةً كَثِيرَةَ الْبِرِّ وَالصِّلَاتِ وَالْأَوْقَافِ

وَالصَّدَقَاتِ، عَمَّرَتِ الْمَصَانِعَ بِطَرِيقِ الْحِجَازِ الشَّرِيفِ، وَأَصْلَحَتِ الطُّرُقَاتِ، وَبَنَتْ لَهَا تُرْبَةً إِلَى جَانِبِ قَبْرِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ، وَكَانَتْ جِنَازَتُهَا مَشْهُودَةً جِدًّا، وَاسْتَمَرَّ الْعَزَاءُ بِسَبَبِهَا شَهْرًا، عَاشَتْ فِي خِلَافَةِ وَلَدِهَا أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً نَافِذَةَ الْكَلِمَةِ مُطَاعَةَ الْأَوَامِرِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ مَوْلِدُ الشَّيْخِ شِهَابِ - الدِّينِ أَبِي شَامَةَ، وَقَدْ تَرْجَمَ نَفْسَهُ عِنْدَ ذِكْرِ مَوْلِدِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي " الذَّيْلِ " تَرْجَمَةً مُطَوَّلَةً، فَيُنْقَلُ إِلَى سَنَةِ وَفَاتِهِ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَذَكَرَ بَدْءَ أَمْرِهِ وَاشْتِغَالِهِ، وَمُصَنَّفَاتِهِ وَشَيْئًا كَثِيرًا مِنْ أَشْعَارِهِ، وَمَا رُئِيَ لَهُ مِنَ الْمَنَامَاتِ الْمُبَشِّرَةِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ ابْتِدَاءُ مَلِكِ جِنْكِزْخَانَ مَلِكِ التَّتَارِ - لَعَنَهُ اللَّهُ - وَجِنْكِزْخَانُ هُوَ صَاحِبُ الْيَاسِقِ، وَضَعَهَا لِيَتَحَاكَمَ إِلَيْهَا التَّتَارُ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنْ أُمَرَاءِ التُّرْكِ - مِمَّنْ يَبْتَغِي حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ - وَهُوَ وَالِدُ تُولِي، وَجَدُّ هُولَاكُو بْنِ تُولِي - الَّذِي قَتَلَ الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَعْصِمَ وَأَهْلَ بَغْدَادَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

[سَنَةُ سِتِّمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتِ الْفِرِنْجُ قَدْ جَمَعُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنْهُمْ لِيَسْتَعِيدُوا بَيْتَ الْمَقْدِسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - فِيمَا كَانُوا زَاعِمِينَ - فَأَشْغَلَهُمُ اللَّهُ بِقِتَالِ الرُّومِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُمُ اجْتَازُوا فِي طَرِيقِهِمْ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَوَجَدُوا مُلُوكَهَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَحَاصَرُوهَا حَتَّى فَتَحُوهَا قَسْرًا، وَأَبَاحُوهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَتْلًا وَأَسْرًا، وَاحْتَرَقَ أَكْثَرُ مِنْ رُبْعِهَا، وَمَا أَصْبَحَ أَحَدٌ مِنَ الرُّومِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ إِلَّا قَتِيلًا أَوْ فَقِيرًا أَوْ مَكْبُولًا أَوْ أَسِيرًا، وَلَجَأَ عَامَّةُ مَنْ بَقِيَ مِنْهَا إِلَى كَنِيسَتِهَا الْعُظْمَى الْمُسَمَّاةِ بِصُوفِيَا، فَقَصَدَهَا الْفِرِنْجُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْقِسِّيسُونَ بِالْأَنَاجِيلِ ; لِيَتَوَسَّلُوا إِلَيْهِمْ وَيَتْلُوا عَلَيْهِمْ، فَمَا الْتَفَتُوا إِلَى شَيْءٍ مِمَّا وَاجَهُوهُمْ بِهِ، بَلْ قَتَلُوهُمْ أَجْمَعِينَ أَكْتَعِينَ أَبْصَعِينَ، وَأَخَذُوا مَا كَانَ فِي الْكَنِيسَةِ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْأَذْهَابِ وَالْأَمْوَالِ الَّتِي لَا تُحْصَى وَلَا تُعَدُّ، وَأَخَذُوا مَا كَانَ عَلَى الصُّلْبَانِ وَالْحِيطَانِ؛ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ، الَّذِي مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
ثُمَّ اقْتَرَعَ مُلُوكُ الْفِرِنْجِ وَكَانُوا ثَلَاثَةً ; وَهُمْ دُوقَسُ الْبَنَادِقَةِ، وَكَانَ شَيْخًا أَعْمَى تُقَادُ فَرَسُهُ، وَمَرْكِيسُ الْإِفْرَنْسِيسُ، وَكَنَدُ أَفْلِنَدُ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ عَدَدًا وَعُدَدًا، فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَوَلَّوْهُ مُلْكَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ

وَأَخَذَ الْمَلِكَانِ الْآخَرَانِ بَعْضَ الْبِلَادِ، وَتَحَوَّلَ الْمُلْكُ مِنَ الرُّومِ إِلَى الْفِرِنْجِ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26] وَلَمْ يَبْقَ بِأَيْدِي الرُّومِ هُنَاكَ إِلَّا مَا وَرَاءَ الْخَلِيجِ، اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الرُّومِ يُقَالُ لَهُ: لَشْكُرِي.
لَمْ يَزَلْ مَالِكًا لِتِلْكَ النَّاحِيَةِ حَتَّى تُوُفِّيَ؛ لَعَنَهُ اللَّهُ.
ثُمَّ إِنَّ الْفِرِنْجَ قَصَدُوا بِلَادَ الشَّامِ وَقَدْ تَقَوَّوْا بِمُلْكِهِمُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ فَنَزَلُوا عَكَّا وَأَغَارُوا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ مِنْ نَاحِيَةِ الْغُورِ وَتِلْكَ الْأَرَاضِي فَقَتَلُوا وَسَبَوْا، فَنَهَضَ إِلَيْهِمُ الْمَلِكُ الْعَادِلُ وَكَانَ بِدِمَشْقَ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - وَاسْتَدْعَى بِالْجُيُوشِ الْمِصْرِيَّةِ وَالْمَشْرِقِيَّةِ، وَنَازَلَهُمْ بِالْقُرْبِ مِنْ عَكَّا فَكَانَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ شَدِيدٌ وَمُصَابِرَةٌ عَظِيمَةٌ، ثُمَّ وَقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَهُمْ وَالْهُدْنَةُ، وَأَطْلَقَ لَهُمْ شَيْئًا مِنَ الْبُلْدَانِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ جَرَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ الْخُوَارِزْمِيَّةِ وَالْغُورِيَّةِ بِالْمَشْرِقِ يَطُولُ ذِكْرُهَا.
وَفِيهَا تَحَارَبَ نُورُ الدِّينِ - صَاحِبُ الْمَوْصِلِ - وَقُطْبُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِيٍّ - صَاحِبُ سَنْجَارَ - وَسَاعَدَ الْأَشْرَفُ بْنُ الْعَادِلِ الْقُطْبَ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَتَزَوَّجَ الْأَشْرَفُ أُخْتَ نُورِ الدِّينِ، وَهِيَ الْأَتَابِكِيَّةُ بِنْتُ عِزِّ الدِّينِ مَسْعُودِ بْنِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِيٍّ، وَاقِفَةُ الْمَدْرَسَةِ الَّتِي بِالسَّفْحِ، وَبِهَا تُرْبَتُهَا.
وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بِمِصْرَ وَالشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَقُبْرُسَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ ;

قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " كَامِلِهِ ". وَفِيهَا تَغَلَّبَ رَجُلٌ مِنَ التُّجَّارِ يُقَالُ لَهُ: مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدِ الْحِمْيَرِيُّ عَلَى بَعْضِ بِلَادِ حَضْرَمَوْتَ ; ظِفَارَ وَغَيْرِهَا، وَاسْتَمَرَّتْ أَيَّامُهُ إِلَى سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ وَمَا بَعْدَهَا.
وَفِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْهَا عُقِدَ مَجْلِسٌ لِقَاضِي الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ، وَهُوَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَلَبِيُّ بِدَارِ الْوَزِيرِ، وَثَبَتَ عَلَيْهِ مَحْضَرٌ بِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الرُّشَا، فَعُزِلَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَفُسِّقَ، وَنُزِعَتِ الطَّرْحَةُ عَنْ رَأْسِهِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وِلَايَتِهِ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ الْمَلِكِ رُكْنِ الدِّينِ بْنِ قِلْجِ أَرَسْلَانَ، صَاحِبِ بِلَادِ الرُّومِ مَا بَيْنَ مَلَطْيَةَ وَقُونِيَةَ، وَكَانَتْ فِيهِ شَهَامَةٌ وَصَرَامَةٌ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى اعْتِقَادِ الْفَلَاسِفَةِ، وَكَانَ كَهْفًا لِمَنْ يُنْسَبُ إِلَى ذَلِكَ، وَمَلْجَأً لَهُمْ، وَظَهَرَ مِنْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ تَجَهُّمٌ عَظِيمٌ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ حَاصَرَ أَخَاهُ شَقِيقَهُ - وَكَانَ صَاحِبَ أَنْكُورِيَةَ، وَتُسَمَّى أَيْضًا: أَنْقِرَةَ - مُدَّةَ سَنَتَيْنِ حَتَّى ضَيَّقَ عَلَيْهِ الْأَقْوَاتَ بِهَا، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ قَسْرًا، عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ بَعْضَ الْبِلَادِ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْهُ وَمِنْ أَوْلَادِهِ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مَنْ قَتَلَهُمْ غَدْرًا وَخَدِيعَةً وَمَكْرًا، فَلَمْ يُنْظَرْ إِلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ حَتَّى ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقُولَنْجِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَمَاتَ ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: 29] وَأُقِيمَ بَعْدَهُ فِي الْمُلْكِ وَلَدُهُ قِلْجُ أَرْسَلَانَ، وَكَانَ صَغِيرًا فَبَقِيَ سَنَةً

وَاحِدَةً، ثُمَّ نُزِعَ مِنْهُ الْمُلْكُ أَيْضًا، وَصَارَ إِلَى عَمِّهِ كَيْخَسْرُو.
وَفِيهَا قُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْبَاطِنِيَّةِ بِوَاسِطٍ؛ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَفِي رَجَبٍ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ بِرِبَاطٍ بِبَغْدَادَ فِي سَمَاعٍ، فَأَنْشَدَهُمُ الْحَادِي، وَهُوَ الْجَمَّالُ الْحِلِّيُّ: عُوَيْذِلَتِي أَقْصِرِي ... كَفَى بِمَشِيبِي عَذَلْ شَبَابٌ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ ... وَشِيبٌ كَأَنْ لَمْ يَزَلْ وَحَقِّ لَيَالِي الْوِصَالِ ... أَوَاخِرُهَا وَالْأُوَلْ وَصُفْرَةُ لَوَنِ الْمُحِبِّ ... عِنْدَ اسْتِمَاعِ الْعَذَلْ لَئِنْ عَادَ عَيْشِي بِكُمْ ... حَلَا الْعَيْشُ لِي وَاتَّصَلْ قَالَ: فَتَحَرَّكَ الصُّوفِيَّةُ عَلَى الْعَادَةِ فَتَوَاجَدَ مِنْ بَيْنِهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الرَّازِيُّ، فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَحَرَّكُوهُ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ.
قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَقَالَ ابْنُ السَّاعِي: كَانَ شَيْخًا صَالِحًا صَحِبَ الصَّدْرَ عَبْدَ الرَّحِيمِ شَيْخَ الشُّيُوخِ.
فَشَهِدَ النَّاسُ جِنَازَتَهُ، وَدُفِنَ بِبَابِ أَبْرَزَ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بَهَاءُ الدِّينٍ الْحَافِظُ ابْنُ الْحَافِظِ أَبِي الْقَاسِمِ

عَلِيُّ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَسَاكِرَ، كَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، أَسْمَعَهُ أَبُوهُ الْكَثِيرَ، وَشَارَكْ أَبَاهُ فِي أَكْثَرِ مَشَايِخِهِ، وَكَتَبَ تَارِيخَ أَبِيهِ مَرَّتَيْنِ بِخَطِّهِ، وَكَتَبَ الْكَثِيرَ، وَأَسْمَعَ، وَصَنَّفَ كُتُبًا عِدَّةً، وَخَلَفَ أَبَاهُ فِي إِسْمَاعِ الْحَدِيثِ بِالْجَامِعِ، وَدَارِ الْحَدِيثِ النُّورِيَّةِ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ ثَامِنِ صَفَرٍ، وَدُفِنَ بَعْدَ الْعَصْرِ عَلَى أَبِيهِ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ شَرْقِيَّ قُبُورِ الصَّحَابَةِ خَارِجَ الْحَظِيرَةِ؛ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيُّ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سُرُورٍ، الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْمَشْهُورَةِ، مِنْ ذَلِكَ: " الْكَمَالُ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ " وَ " الْأَحْكَامُ الْكُبْرَى " وَ " الصُّغْرَى " وَغَيْرُ ذَلِكَ، وُلِدَ بِجَمَّاعِيلَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَهُوَ أَسُنُّ مِنَ ابْنِ خَالَتِهِ الْإِمَامِ مُوَفَّقِ الدِّينِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيِّ، بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ قُدُومُهُمَا مَعَ أَهْلِهِمَا مِنْ بَيْتِ الْمَقَدْسِ إِلَى مَسْجِدِ أَبِي صَالِحٍ أَوَّلًا، ثُمَّ انْتَقَلُوا إِلَى السَّفْحِ فَعُرِفَتِ الْمَحَلَّةُ بِهِمْ، فَقِيلَ لَهَا: الصَّالِحِيَّةُ.
فَسَكَنُوا الدَّيْرَ، وَقَرَأَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْقُرْآنَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَارْتَحَلَ هُوَ وَالْمُوَفَّقُ إِلَى بَغْدَادَ سَنَةَ سِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَأَنْزَلَهُمَا الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ عِنْدَهُ فِي الْمَدْرَسَةِ، وَكَانَ لَا يَتْرُكُ أَحَدًا يَنْزِلُ عِنْدَهُ، وَلَكِنَّهُ تَوَسَّمَ فِيهِمَا النَّجَابَةَ وَالْخَيْرَ

وَالصَّلَاحَ، فَأَكْرَمَهُمَا وَأَسْمَعَهُمَا، ثُمَّ تُوفِّيَ بَعْدَ مَقْدَمِهِمَا بِخَمْسِينَ لَيْلَةً.
وَكَانَ مَيْلُ عَبْدِ الْغَنِيِّ إِلَى الْحَدِيثِ وَأَسْمَاءِ الرِّجَالِ، وَمَيْلُ الْمُوَفَّقِ إِلَى الْفِقْهِ، وَاشْتَغَلَا عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ ابْنِ الْمَنِّيِّ، ثُمَّ قَدِمَا دِمَشْقَ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ، فَدَخَلَ عَبْدُ الْغَنِيِّ إِلَى مِصْرَ وَإِسْكَنْدَرِيَّةَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى دِمَشْقَ ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى الْجَزِيرَةِ وَبَغْدَادَ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى أَصْبَهَانَ فَسَمِعَ بِهَا الْكَثِيرَ، وَوَقَفَ عَلَى مُصَنَّفٍ لِلْحَافِظِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ - قُلْتُ: وَهُوَ عِنْدِي بِخَطِّ أَبِي نُعَيْمٍ - فَأَخَذَ فِي مُنَاقَشَتِهِ فِي أَمَاكِنَ مِنَ الْكِتَابِ فِي مِائَةٍ وَتِسْعِينَ مَوْضِعًا، فَغَضِبَ بَنُو الْخُجَنْدِيِّ مِنْ ذَلِكَ، وَتَعَصَّبُوا عَلَيْهِ وَأَخْرَجُوهُ مِنْهَا مُخْتَفِيًّا فِي إِزَارٍ.
وَلَمَّا دَخَلَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الْمَوْصِلِ سَمِعَ كِتَابَ الْعُقَيْلِيِّ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، فَثَارَ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ بِسَبَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَخَرَجَ مِنْهَا أَيْضًا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، فَلَمَّا وَرَدَ دِمَشْقَ كَانَ يَقْرَأُ الْحَدِيثَ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِرِوَاقِ الْحَنَابِلَةِ مِنْ جَامِعِ دِمَشْقَ فَيَجْتَمِعُ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَكَانَ رَقِيقَ الْقَلْبِ، سَرِيعَ الدَّمْعَةِ، فَحَصَلَ لَهُ قَبُولٌ، فَحَسَدَهُ الدَّمَاشِقَةُ، وَجَهَّزُوا النَّاصِحَ ابْنَ الْحَنْبَلِيِّ، فَتَكَلَّمَ تَحْتَ النَّسْرِ، حَتَّى يُشَوِّشَ عَلَيْهِ، فَحَوَّلَ عَبْدُ الْغَنِيِّ مِيعَادَهُ إِلَى بَعْدَ الْعَصْرِ، فَذَكَرَ يَوْمًا عَقِيدَتَهُ عَلَى الْكُرْسِيِّ، فَثَارَ عَلَيْهِ الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ ابْنُ الزَّكِيِّ، وَالْخَطِيبُ ضِيَاءُ الدِّينِ الدَّوْلَعِيُّ، وَعُقِدَ لَهُ مَجْلِسٌ فِي الْقَلْعَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ.
وَتَكَلَّمُوا مَعَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعُلُوِّ وَمَسْأَلَةِ النُّزُولِ، وَمَسْأَلَةِ الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ،

وَطَالَ الْكَلَامُ، حَتَّى قَالَ لَهُ الصَّارِمُ بُزْغُشُ وَالِي الْقَلْعَةِ: كُلُّ هَؤُلَاءِ عَلَى الضَّلَالَةِ، وَأَنْتَ عَلَى الْحَقِّ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَغَضِبَ بُزْغُشُ مِنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْبَلَدِ.
فَارْتَحَلَ بَعْدَ ثَلَاثٍ إِلَى بَعْلَبَكَّ ثُمَّ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَآوَاهُ الطَّحَّانُونَ، فَكَانَ يَقْرَأُ الْحَدِيثَ بِهَا، فَثَارَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ بِمِصْرَ أَيْضًا، وَكَتَبُوا إِلَى الْوَزِيرِ صَفِيِّ الدِّينِ بْنِ شُكْرٍ، فَأَقَرَّ بِنَفْيِهِ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَمَاتَ قَبْلَ وُصُولِ الْكِتَابِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ سَبْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ؛ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
قَالَ السِّبْطُ: وَكَانَ وَرِعًا زَاهِدًا عَابِدًا، يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَمِائَةِ رَكْعَةٍ، كَوِرْدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ، وَيَصُومُ عَامَّةَ السَّنَةِ، وَكَانَ كَرِيمًا جَوَادًا لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى الْأَرَامِلِ وَالْأَيْتَامِ حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ وَكَانَ يُرَقِّعُ ثَوْبَهُ، وَيُؤْثِرُ بِثَمَنِ الْجَدِيدِ، وَكَانَ قَدْ ضَعُفَ بَصَرُهُ مِنْ كَثْرَةِ الْمُطَالَعَةِ وَالْبُكَاءِ، وَكَانَ أَوْحَدَ زَمَانِهِ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ وَالْحِفْظِ.
قُلْتُ: وَقَدْ هَذَّبَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ - تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ - كِتَابَهُ " الْكَمَالَ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ " - رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ - بِتَهْذِيبِهِ الَّذِي اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ فِيهِ أَمَاكِنَ كَثِيرَةً، نَحْوًا مِنْ أَلْفِ مَوْضِعٍ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ الْإِمَامُ الْمِزِّيُّ الَّذِي لَا يُبَارَى وَلَا يُجَارَى وَلَا يُمَارَى، وَكِتَابُهُ " التَّهْذِيبُ " لَمْ يُسْبَقْ إِلَى مِثْلِهِ، وَلَا يُلْحَقْ فِي مِثْلِ شَكْلِهِ، فَرَحِمَ اللَّهُ صَاحِبَيِ " التَّهْذِيبِ " وَ " الْكَمَالِ " فَلَقَدْ

كَانَا نَادِرَيْنِ فِي زَمَانَيْهِمَا فِي الرِّجَالِ حِفْظًا وَإِتْقَانًا وَسَمَاعًا وَإِسْمَاعًا وَسَرْدًا لِلْمُتُونِ وَأَسْمَاءِ الرِّجَالِ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْفُتُوحِ أَسْعَدُ بْنُ مَحْمُودٍ الْعِجْلِيُّ صَاحِبُ " تَتِمَّةِ التَّتِمَّةِ " أَسْعَدُ بْنُ أَبِي الْفَضْلِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ خَلَفٍ الْعِجْلِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الْأَصْبِهَانِيُّ، الْوَاعِظُ مُنْتَخَبُ الدِّينِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ وَبَرَعَ وَصَنَّفَ " تَتِمَّةَ التَّتِمَّةِ " لِأَبِي سَعْدٍ الْهَرَوِيِّ، وَكَانَ زَاهِدًا عَابِدًا وَلَهُ " شَرْحُ مُشْكِلَاتِ الْوَسِيطِ وَالْوَجِيزِ " قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سِتِّمِائَةٍ.
الْبُنَانِيُّ الشَّاعِرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَنَّا، الشَّاعِرُ الْمَعْرُوفُ بِالْبُنَانِيِّ، مَدَحَ الْخُلَفَاءَ وَالْوُزَرَاءَ وَالْأُمَرَاءَ وَغَيْرَهُمْ، وَكَبُرَ وَعَلَتْ سِنُّهُ، وَكَانَ رَقِيقَ الشِّعْرِ لِطَيْفَهُ، فَمِنْ قَوْلِهِ: ظُلْمًا تَرَى مُغْرَمًا فِي الْحُبِّ تَزْجُرُهُ ... وَغِرَّةً بِالْهَوَى أَمْسَيْتَ تُنْكِرُهُ يَا عَاذِلَ الصَّبِّ لَوْ عَاتَبْتَ قَاتِلَهُ ... بِوَجَنْةٍ وَعِذَارٍ كُنْتَ تَعْذُرُهُ أَفْدِي الَّذِي سِحْرُ عَيْنَيْهِ يُعَلِّمُنِي ... إِذَا تَصَدَّى لِقَتْلِي كَيْفَ أَسْحَرُهُ

يَسْتَمْتِعُ اللَّيْلَ فِي نَوْمٍ وَأَسْهَرُهُ إِلَى الصَّبَاحِ وَيَنْسَانِي وَأَذْكُرُهُ وَلَهُ أَيْضًا: بَكَرَتْ تُدِيرُ عَلَى الْعَوَازِلْ ... وَتَجُرُّ ذَيْلًا فِي الْخَمَائِلْ وَتَهُزُّ فِي ثَنْيِ الْغَلَا ... ئِلِ رَدْفَهَا هَزَّ الذَّوَابِلْ وَتَقُولُ لِلْغُصْنِ الرَّطِي ... بِ إِذَا تَمَاثَلَ أَوْ تَمَايَلَ بَيْضَاءُ صَبْغَةُ خَدِّهَا ... تَنْمَى وَصَبْغُ الْوَرْدِ حَائِلْ شَهْدُ الْحَيَاةِ وُصَالُهَا ... وَصُدُورُهَا سُمُّ الْقَوَاتِلْ أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْمُبَارَكِ بْنِ مَحْضَرٍ النَّصْرَانِيُّ الْمَارَدِينِيُّ، الْمُلَقَّبُ بِالْوَحِيدِ.
اشْتَغَلَ فِي حَدَاثَتِهِ بِعِلْمِ الْأَوَائِلِ فَأَتْقَنَهُ وَبَرَزَ فِيهِ، وَكَانَتْ لَهُ يَدٌ طُولَى فِي الشِّعْرِ الرَّائِقِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ؛ قَاتَلَهُ اللَّهُ: أَتَانِي كِتَابٌ أَنْشَأَتْهُ أَنَامِلٌ ... حَوَتْ أَبْحُرًا مِنْ فَيْضِهَا يَغْرَقُ الْبَحْرُ فَوَا عَجَبًا أَنَّى الْتَوَتْ فَوْقَ طِرْسِهِ ... وَمَا عُوِّدَتْ بِالْقَبْضِ أُنَمُلُهُ الْعَشْرُ وَلَهُ أَيْضًا؛ لَعَنَهُ اللَّهُ: لَقَدْ أَثَّرَتْ صُدْغَاهُ فِي لَوْنِ خَدِّهِ ... وَلَاحَ كَفَيْءٍ مِنْ وَرَاءِ زُجَاجِ تَرَى عَسْكَرًا لِلرُّومِ فِي الزِّنْجِ قَدْ بَدَتْ ... طَلَائِعُهُ تَسْعَى لِيَوْمِ هِيَاجِ أَمِ الصُّبْحُ بِاللَّيْلِ الْبَهِيمِ مُوَشَّحٌ ... حَكَى آبِنُوسًا فِي صَفِيحَةِ عَاجِ

لَقَدْ غَارَ صُدْغَاهُ عَلَى وَرْدِ خَدِّهِ ... فَسَيَّجَهُ مِنْ شِعْرِهِ بِسِيَاجِ الطَّاوُسِيُّ صَاحِبُ الطَّرِيقَةِ.
الْعِرَاقِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعِرَاقِيِّ رُكْنُ الدِّينِ أَبُو الْفَضْلِ الْقَزْوِينِيُّ، ثُمَّ الْهَمَذَانِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالطَّاوُسِيِّ، كَانَ بَارِعًا فِي عِلْمِ الْخِلَافِ وَالْجَدَلِ وَالْمُنَاظَرَةِ، أَخَذَ هَذَا الشَّأْنَ عَنِ الشَّيْخِ رَضِيِّ الدِّينِ النَّيْسَابُورِيِّ الْحَنَفِيِّ، وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَ تَعَالِيقَ، قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ أَحْسَنَهُنَّ الْوُسْطَى.
وَكَانَتْ إِلَيْهِ الرِّحْلَةُ بِهَمَذَانَ، وَقَدْ بَنَى لَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ الْحَجَبَةِ بِهَا مَدْرَسَةً تُعْرَفُ بِالْحَاجِبِيَّةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى طَاوُسِ بْنِ كَيْسَانَ التَّابِعِيِّ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا عَزَلَ الْخَلِيفَةُ وَلَدَهُ مُحَمَّدًا الْمُلَقَّبَ بِالظَّاهِرِ عَنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ بَعْدَمَا خَطَبَ لَهُ بِذَلِكَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَوَلَّى الْعَهْدَ وَلَدَهُ الْآخَرَ عَلِيًّا، فَمَاتَ عَلِيٌّ عَنْ قَرِيبٍ، فَعَادَ الْأَمْرُ إِلَى الظَّاهِرِ، فَبُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ أَبِيهِ النَّاصِرِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ.
وَفِيهَا وَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ بِدَارِ الْخِلَافَةِ فِي خَزَائِنِ السِّلَاحِ، فَاحْتَرَقَ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنَ السِّلَاحِ وَالْمُتْعَةِ وَالْمَسَاكِنِ مَا يُقَارِبُ قِيمَتُهُ أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَشَاعَ خَبَرُ هَذَا الْحَرِيقِ فِي النَّاسِ، فَأَرْسَلَتِ الْمُلُوكُ مِنْ سَائِرِ الْأَقْطَارِ هَدَايَا ; أَسْلِحَةً إِلَى الْخَلِيفَةِ عِوَضًا مِمَّا فَاتَ شَيْئًا كَثِيرًا؛ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَفِيهَا عَاثَتِ الْكُرْجُ بِبِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوا خَلْقًا، وَأَسَرُوا أُمَمًا.
وَفِيهَا وَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ أَمِيرِ مَكَّةَ قَتَادَةَ الْحَسَنِيِّ، وَبَيْنَ أَمِيرِ الْمَدِينَةِ سَالِمِ بْنِ قَاسِمٍ الْحُسَيْنِيِّ، وَكَانَ قَتَادَةُ قَدْ قَصَدَ الْمَدِينَةَ فَحَصَرَ سَالِمًا فِيهَا، فَرَكِبَ إِلَيْهِ سَالِمٌ بَعْدَمَا صَلَّى عِنْدَ الْحُجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَاسْتَنْصَرَ اللَّهَ عَلَيْهِ عَلَى قَتَادَةَ، ثُمَّ بَرَزَ إِلَيْهِ فَكَسَرَهُ، وَسَاقَ وَرَاءَهُ إِلَى مَكَّةَ فَحَصَرَهُ بِهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ قَتَادَةُ إِلَى أُمَرَاءِ سَالِمٍ فَأَفْسَدَهُمْ عَلَيْهِ، وَكْرَّ سَالِمٌ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُوَ سَالِمٌ.

وَفِيهَا مَلَكَ غِيَاثُ الدِّينِ كَيْخَسْرُو بْنُ قِلْجَ أَرْسَلَانَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ قِلْجَ أَرْسَلَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ قُتُلْمِشَ بِلَادَ الرُّومِ وَاسْتَلَبَهَا مِنَ ابْنِ أَخِيهِ، وَاسْتَقَرَّ هُوَ بِهَا، وَعَظُمَ شَأْنُهُ وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَكَثُرَتْ عَسَاكِرُهُ وَأَطَاعَهُ الْأُمَرَاءُ وَأَصْحَابُ الْأَطْرَافِ، وَخَطَبَ لَهُ الْأَفْضَلُ بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ بِسُمَيْسَاطَ، وَسَارَ إِلَى خِدْمَتِهِ.
وَاتَّفَقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَنَّ رَجُلًا بِبَغْدَادَ نَزَلَ إِلَى دِجْلَةَ يَسْبَحُ فِيهَا، وَأَعْطَى ثِيَابَهُ لِغُلَامِهِ فَغَرِقَ فِي الْمَاءِ، فَوُجِدَ فِي وَرَقَةٍ بِعِمَامَتِهِ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كَانَ لِي أَمَلُ ... قَصَّرَ بِي عَنْ بُلُوغِهِ الْأَجَلُ فَلَيْتِّقِ اللَّهَ رَبَّهُ رَجُلٌ ... أَمْكَنَهُ فِي زَمَانِهِ الْعَمَلُ مَا أَنَا وَحْدِي نُقِلْتُ حَيْثُ تَرَى ... كُلٌّ إِلَى مِثْلِهِ سَيَنْتَقِلُ

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْمَشَاهِيرِ وَالْأَعْيَانِ: أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَنْتَرَ بْنِ ثَابِتٍ الْحِلِّيُّ الْمَعْرُوفُ بِشُمَيْمٍ، كَانَ شَيْخًا أَدِيبًا فَاضِلًا لُغَوِيًّا شَاعِرًا، جَمَعَ مِنْ شِعْرِهِ حَمَاسَةً كَانَ يُفَضِّلُهَا عَلَى حَمَاسَةِ أَبِي تَمَّامٍ، وَلَهُ خَمْرِيَّاتٌ يَزْعُمُ أَنَّهَا أَفَحَلُ مِنَ الَّتِي لِأَبِي نُوَاسٍ.
قَالَ أَبُو شَامَةَ فِي " الذَّيْلِ ": كَانَ قَلِيلَ الدِّينِ ذَا حَمَاقَةٍ وَرَقَاعَةٍ وَخَلَاعَةٍ، وَلَهُ حَمَاسَةٌ وَرَسَائِلُ.
قَالَ ابْنُ السَّاعِي: قَدِمَ بَغْدَادَ فَأَخَذَ النَّحْوَ عَنِ ابْنِ الْخَشَّابِ، وَحَصَّلَ

طَرَفًا صَالِحًا مِنَ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَأَشْعَارِ الْعَرَبِ، ثُمَّ أَقَامَ بِالْمَوْصِلِ حَتَّى تُوفِّيَ بِهَا.
وَمِنْ شِعْرِهِ فِي حَمَاسَتِهِ: لَا تَسْرَحَنَّ الطَّرْفَ فِي بَقَرِ الْمَهَا ... فَمَصَارِعُ الْآجَالِ فِي الْآجَالِ كَمْ نَظْرَةٍ أَرْدَتْ وَمَا أَخَذَتْ يَ ... دُ الْمُصْمِي لِمَنْ قَتَلَتْ أَدَاةَ قِتَالِ سَنَحَتْ وَمَا سَمَحَتْ بِتَسْلِيمٍ وَ ... إِقْلَالُ التَّحِيَّةِ فِعْلَةُ الْمُغْتَالِ وَمِنْ خَمْرِيَّاتِهِ قَوْلُهُ: امْزُجْ بِمَسْبُوكِ اللُّجَيْنِ دَمًا ... حَكَتْهُ دُمُوعُ عَيْنِي لَمَّا نَعَى نَاعِي الْفِرَا ... قِ بِبَيْنِ مَنْ أَهْوَى وَبَيْنِي خَفَقَتْ لَنَا شَمْسَانِ مِنْ لَأْلَائِهَا ... فِي الْخَافِقَيْنِ وَبَدَتْ لَنَا فِي كَأْسِهَا ... مِنْ لَوْنِهَا فِي حُلَّتَيْنِ وَلَهُ فِي التَّجْنِيسِ: لَيْتَ مَنْ طَوَّلَ بِالشَّأْ ... مِ نَوَاهُ وَثَوَى بِهْ

جَعَلَ الْعَوْدَ إِلَى الزَّوْ رَاءِ مِنْ بَعْضِ ثَوَابِهْ ... أَتُرَى يُوطِئُنِي الدَّهْ رُ ثَرَى مِسْكِ تُرَابِهْ ... وَأَرَى أَيْ نُورَ عَيْنِي مَوْطِئًا لِي وَتُرَى بِهْ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَعِيدٍ الدَّجَاجِيُّ، كَانَ وَاعِظًا حَنْبَلِيًّا فَاضِلًا شَاعِرًا مُجِيدًا، وَلَهُ: نَفْسُ الْفَتَى إِنْ أَصْلَحْتَ أَحْوَالَهَا ... كَانَ إِلَى نَيْلِ الْمُنَى أَحْوَى لَهَا وَإِنْ تَرَاهَا سَدَّدَتْ أَقْوَالَهَا ... كَانَ عَلَى حَمْلِ الْعُلَا أَقْوَى لَهَا فَإِنْ تَبَدَّتْ حَالُ مَنْ لَهَا لَهَا ... فِي قَبْرِهِ عِنْدَ الْبِلَى لَهَا لَهَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مُحَمَّدِ الْقُرْطُبِيُّ الْخَزْرَجِيُّ كَانَ إِمَامًا فِي التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَالْحِسَابِ وَالْفَرَائِضِ وَالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالْعَرُوضِ وَالطِّبِّ، وَلَهُ تَصَانِيفُ حِسَانٌ وَشِعْرٌ رَائِقٌ، مِنْهُ قَوْلُهُ: وَفِي الْوَجَنَاتِ مَا فِي الرَّوْضِ لَكِنْ ... لِرَوْنَقِ زَهْرِهَا مَعْنًى عَجِيبُ وَأَعْجَبُ مَا التَّعَجُّبُ عَنْهُ أَنِّي ... أَرَى الْبُسْتَانَ يَحْمِلُهُ قَضِيبُ أَبُو الْفِدَاءِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَرَنْقُشَ السِّنْجَارِيُّ مَوْلَى صَاحِبِهَا عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِيِّ بْنِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِيٍّ، وَكَانَ جُنْدِيًّا حَسَنَ الصُّورَةِ، مَلِيحَ النَّظْمِ، كَثِيرَ

الْأَدَبِ، وَمِنْ شِعْرِهِ مَا كُتِبَ بِهِ إِلَى الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ مُوسَى بْنِ الْعَادِلِ يُعَزِّيهِ فِي أَخٍ لَهُ اسْمُهُ يُوسُفُ: دُمُوعُ الْمَعَالِي وَالْمَكَارِمِ ذُرَّفُ ... وَرُبْعُ الْعُلَا قَاعٌ لِفَقْدِكَ صَفْصَفُ غَدَا الْجُودُ وَالْمَعْرُوفُ فِي اللَّحْدِ ثَاوِيًا ... غَدَاةَ ثَوَى فِي ذَلِكَ اللَّحْدِ يُوسُفُ فَتًى خَطَفَتْ كَفُّ الْمَنِيَّةِ رُوحَهُ ... وَقَدْ كَانَ لِلْأَرْوَاحِ بِالْبِيضِ يُخْطَفُ سَقَتْهُ لَيَالِي الدَّهْرِ كَأْسَ حِمَامِهَا ... وَكَانَ بِسَقْيِ الْمَوْتِ فِي الْحَرْبِ يُعْرَفُ فَوَا حَسْرَتَا لَوْ يَنْفَعُ الْمَوْتَ حَسْرَةٌ ... وَوَا أَسَفَا لَوْ كَانَ يُجْدِي التَّأَسُّفُ وَكَانَ عَلَى الْأَرْزَاءِ نَفْسِي قَوِيَّةً ... وَلَكِنَّهَا عَنْ حَمْلِ ذَا الرُّزْءِ تَضْعُفُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِلْيَاسَ بْنِ جَامِعِ بْنِ عَلِيٍّ الْإِرْبِلِيُّ تَفَقَّهَ بِالنِّظَامِيَّةِ وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَصَنَّفَ " التَّارِيخَ " وَغَيْرَهُ، وَتَفَرَّدَ بِحُسْنِ كِتَابَةِ الشُّرُوطِ، وَلَهُ فَضْلٌ وَنَظْمٌ حَسَنٌ، مِنْهُ قَوْلُهُ: أَمُمْرِضَ قَلْبِي، مَا لِهَجْرِكَ آخِرُ ... وَمُسْهِرَ طَرْفِي، هَلْ خَيَالُكُ زَائِرُ وَمُسْتَعْذِبَ التَّعْذِيبِ جَوْرًا بِصَدِّهِ ... أَمَا لَكَ فِي شَرْعِ الْمَحْبَةِ زَاجِرُ هَنِيئًا لَكَ الْقَلْبُ الَّذِي قَدْ وَقَفْتُهُ ... عَلَى ذِكْرِ أَيْامِي وَأَنْتَ مُسَافِرُ فَلَا فَارَقَ الْحُزْنُ الْمُبَرِّحُ خَاطِرِي ... لِبُعْدِكَ حَتَّى يَجْمَعَ الشَّمْلَ قَادِرُ فَإِنْ مِتُّ فَالتَّسْلِيمُ مِنِّي عَلَيْكُمْ ... يُعَاوِدُكُمْ مَا كَبَّرَ اللَّهَ ذَاكِرُ أَبُو السَّعَادَاتِ الْحِلِّيُّ التَّاجِرُ الْبَغْدَادِيُّ الرَّافِضِيُّ كَانَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ

يَلْبَسُ لِأْمَةَ الْحَرْبِ، وَيَقِفُ خَلْفَ بَابِ دَارِهِ، وَهُوَ مُجَافٍ عَلَيْهِ، وَالنَّاسِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ يَنْتَظِرُ أَنْ يُخْرِجَ صَاحِبُ الزَّمَانِ مِنْ سِرْدَابِ سَامَرَّا - يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيَّ - لِيَمِيلَ بِسَيْفِهِ فِي النَّاسِ نُصْرَةً لِلْمَهْدِيِّ.
أَبُو غَالِبِ بْنُ كَمُونَةَ الْيَهُودِيُّ الْكَاتِبُ كَانَ يَزُورُ عَلَى خَطِّ ابْنِ مُقْلَةَ مِنْ قُوَّةِ خَطِّهِ، تُوفِّيَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - بِمَطْمُورَةِ وَاسِطٍ ; ذَكَرَهُ ابْنُ السَّاعِي فِي " تَارِيخِهِ ". وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَهُودِيٌّ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: أَبُو غَالِبِ بْنُ أَبِي طَاهِرِ بْنِ شِبْرٍ كَانَ عَامِلًا عَلَى دَارِ الضَّرْبِ بِبَغْدَادَ، ذَكَرَهُ ابْنُ السَّاعِي الْخَازِنُ فِي " تَارِيخِهِ ".

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا وَقَعَتْ حَرْبٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْمَلِكِ شِهَابِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ سَامٍ الْغُورِيِّ، صَاحِبِ غَزْنَةَ وَبَيْنَ بَنِي كَوْكَرَ أَصْحَابِ الْجَبَلِ الْجُودِيِّ، وَكَانُوا قَدِ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَاتَلَهُمْ وَكَسَرَهُمْ، وَغَنِمَ مِنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ، فَاتَّبَعَهُ بَعْضُهُمْ حَتَّى قَتَلَهُ غِيلَةً فِي لَيْلَةِ مُسْتَهَلِّ شَعْبَانَ مِنْهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَانَ مِنْ أَجْوَدِ الْمُلُوكِ سِيرَةً وَأَعْقَلِهِمْ وَأَثْبَتِهِمْ فِي الْحَرْبِ، تَغَمَدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وَلَمَّا قُتِلَ كَانَ فِي صُحْبَتِهِ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ وَكَانَ يَجْلِسُ لِلْوَعْظِ فَيَحْضُرُ الْمَلِكُ وَعْظَهُ، وَيَبْكِي حِينَ يَقُولُ لَهُ فِي آخِرِ مَجْلِسِهِ: يَا سُلْطَانُ، سُلْطَانُكَ لَا يَبْقَى، وَلَا تَلْبِيسُ الرَّازِيِّ أَيْضًا، وَإِنَّ مَرَدَّنَا جَمِيعًا إِلَى اللَّهِ، وَحِينَ قُتِلَ السُّلْطَانُ اتَّهَمَهُ الْخَاصِّكِيَّةُ بِقَتْلِهِ، فَخَافَ مِنْ ذَلِكَ وَالْتَجَأَ إِلَى الْوَزِيرِ مُؤَيِّدِ الْمُلْكِ بْنِ خَوَاجَا، فَسَيَّرَهُ إِلَى حَيْثُ يَأْمَنُ، وَتَمَلَّكَ غَزْنَةَ بَعْدَهُ أَحَدُ مَمَالِيكِهِ تَاجُ الدِّينِ الدُّزُّ، وَجَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ خُطُوبٌ يَطُولُ بَسْطُهَا، قَدِ اسْتَقْصَاهَا ابْنُ الْأَثِيرِ وَابْنُ السَّاعِي.
وَفِيهَا أَغَارَتِ الْكُرْجُ عَلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَوَصَلُوا إِلَى خِلَاطَ فَقَتَلُوا وَسَبَوْا،

وَقَاتَلَهُمُ الْمُقَاتِلَةُ وَالْعَامَّةُ، وَفِيهَا سَارَ صَاحِبُ إِرْبِلَ مُظَفَّرُ الدِّينِ كُوكُبُورِي وَصَحِبَهُ صَاحِبُ مَرَاغَةَ لِقِتَالِ مَلِكَ أَذْرَبِيجَانَ وَهُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَهْلَوَانِ ; وَذَلِكَ لِنُكُولِهِ عَنْ قِتَالِ الْكُرْجِ، وَإِقْبَالِهِ عَلَى السُّكْرِ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَزَوَّجَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِنْتَ مَلِكِ الْكُرْجِ، فَانْكَفَّ شَرُّهُمْ عَنْهُ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَكَانَ كَمَا يُقَالُ: أَغْمَدَ سَيْفَهُ وَسَلَّ أَيْرَهُ.
وَفِيهَا اسْتَوْزَرَ الْخَلِيفَةُ نَصِيرَ الدِّينِ نَاصِرَ بْنَ مَهْدِيٍّ الْعَلَوِيَّ الْحَسَنِيَّ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ بِالْوِزَارَةِ وَضُرِبَتِ الطُّبُولُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَلَى بَابِهِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ.
وَفِيهَا أَغَارَ صَاحِبُ بِلَادِ الْأَرْمَنِ وَهُوَ ابْنُ لَاوُنَ عَلَى بِلَادِ حَلَبَ فَقَتَلَ وَسَبَى وَنَهَبَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ غَازِيُّ بْنُ النَّاصِرِ، فَهَرَبَ ابْنُ لَاوُنَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهَدَمَ الظَّاهِرُ قَلْعَةً كَانَ قَدْ بَنَاهَا، وَدَكَّهَا إِلَى الْأَرْضِ.
وَفِي شَعْبَانَ مِنْهَا هُدِمَتِ الْقَنْطَرَةُ الرُّومَانِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ وَنُشِرَتْ حِجَارَتُهَا لِيُبَلَّطَ بِهَا الْجَامِعُ الْأُمَوِيُّ بِسِفَارَةِ الْوَزِيرِ صَفِيِّ الدِّينِ بْنِ شُكْرٍ، وَزِيرِ الْعَادِلِ، وَكَمَلَ تَبْلِيطُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّمِائَةٍ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: شَرَفُ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، جَمَالُ الْإِسْلَامِ

الشَّهْرَزُورِيُّ بِمَدِينَةِ حِمْصَ وَقَدْ كَانَ أُخْرِجَ إِلَيْهَا مِنْ دِمَشْقَ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُدَرِّسًا بِالْأَمِينِيَّةِ وَالْحَلْقَةِ بِالْجَامِعِ تُجَاهَ الْبَرَّادَةِ، وَكَانَ لَدَيْهِ عِلْمٌ جَيِّدٌ بِالْمَذْهَبِ وَالْخِلَافِ.
التَّقِيُّ عِيسَى بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَحْمَدَ الْعِرَاقِيُّ الْغَرَّافِيُّ الضَّرِيرُ.
مُدَرِّسُ الْأَمِينِيَّةِ أَيْضًا، كَانَ يَسْكُنُ الْمَنَارَةَ الْغَرْبِيَّةِ، وَكَانَ عِنْدَهُ شَابٌّ يَخْدُمُهُ وَيَقُودُ بِهِ، فَعُدِمَ لِلشَّيْخِ دَرَاهِمُ فَاتَّهَمَ هَذَا الشَّابَّ بِهَا، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ، وَاتُّهِمَ بِهِ الشَّيْخُ، وَلَمْ يَكُنْ يَظُنُّ النَّاسُ أَنَّ عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ شَيْءٌ فَضَاعَ الْمَالُ، وَاتُّهِمَ عِرْضُهُ فَأَصْبَحَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ السَّابِعِ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ مَشْنُوقًا بِبَيْتِهِ بِالْمِئْذَنَةِ الْغَرْبِيَّةِ، فَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ; لِكَوْنِهِ قَتَلَ نَفْسَهُ، فَتَقَدَّمَ الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَسَاكِرَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَائْتَمَّ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ.
قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى مَا فَعَلَهُ ذَهَابُ مَالِهِ وَالْوُقُوعُ فِي عِرْضِهِ.
قَالَ: وَقَدْ جَرَى لِي أُخْتُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فَعَصَمَنِي اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِفَضْلِهِ.
قَالَ: وَقَدْ دَرَّسَ بَعْدَهُ فِي الْأَمِينِيَّةِ الْجَمَالُ الْمِصْرِيُّ وَكِيلُ بَيْتُ الْمَالِ.
أَبُو الْغَنَائِمِ الرَّكْبَسَلَّارُ الْبَغْدَادِيُّ كَانَ يَخْدُمُ مَعَ عِزِّ الدِّينِ نَجَاحٍ

الشَّرَابِيِّ، وَحَصَّلَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، كَانَ كُلَّمَا تَهَيَّأَ لَهُ مَالٌ اشْتَرَى بِهِ مِلْكًا، وَكَتَبَهُ بِاسْمِ صَاحِبٍ لَهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى ذَلِكَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَلَّى أَوْلَادَهُ، وَيُنْفِقَ عَلَيْهِمْ مِنْ مِيرَاثِهِ مِمَّا تَرَكَهُ لَهُمْ، فَمَرِضَ الْمُوصَى إِلَيْهِ بَعْدَ قَلِيلٍ، فَاسْتَدْعَى الشُّهُودَ ; لِيُشْهِدَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ لِوَرَثَةِ أَبِي الْغَنَائِمِ فَتَمَادَى وَرَثَتُهُ فِي إِحْضَارِ الشُّهُودِ، وَطَوَّلُوا عَلَيْهِ، وَأَخَذَتْهُ سَكْتَةٌ، فَمَاتَ فَاسْتَوْلَى وَرَثَتُهُ عَلَى تِلْكَ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْلَاكِ، وَلَمْ يُعْطُوا أُولَئِكَ شَيْئًا مِمَّا تَرَكَهُ أَبُوهُمْ لَهُمْ.
أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعَادَةَ الْفَارِقِيُّ تَفَقَّهَ بِبَغْدَادَ، وَأَعَادَ بِالنِّظَامِيَّةِ وَنَابَ فِي تَدْرِيسِهَا، وَاسْتَقَلَّ بِتَدْرِيسِ الْمَدْرَسَةِ الَّتِي أَنْشَأَتْهَا أَمُّ الْخَلِيفَةِ وَأُرِيدَ عَلَى نِيَابَةِ الْقَضَاءِ عَنْ أَبِي طَالِبٍ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ الْبُخَارِيِّ، فَامْتَنَعَ، فَأُلْزِمَ بِهِ فَبَاشَرَهُ قَلِيلًا، ثُمَّ دَخَلَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدٍ فَلَبَسَ عَلَى رَأْسِهِ مِئْزَرَ صُوفٍ، وَأَمَرَ الْوُكَلَاءَ وَالْجَلَاوِذَةَ أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُ، وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِعَزْلِهَا عَنْ نِيَابَةِ الْقَضَاءِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى الْإِعَادَةِ وَالتَّدْرِيسِ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ تُوُفِّيَتْ: الْخَاتُونُ أُمُّ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ عِيسَى بْنِ الْعَادِلِ، فَدُفِنَتْ بِالْقُبَّةِ بِالْمَدْرَسَةِ الْمُعَظَّمِيَّةِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ.

الْأَمِيرُ مُجِيرُ الدِّينِ طَاشْتِكِينُ الْمُسْتَنْجِدِيُّ أَمِيرُ الْحَاجِّ وَزَعِيمُ بِلَادِ خُوزِسْتَانَ، كَانَ شَيْخًا خَيِّرًا حَسَنَ السِّيرَةِ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، غَالِيًا فِي التَّشَيُّعِ، تُوفِّيَ بِتُسْتَرَ ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّمِائَةٍ، وَحُمِلَ تَابُوتُهُ إِلَى الْكُوفَةِ فَدُفِنَ بِمَشْهِدِ عَلِيٍّ، بِوَصِيَّةٍ مِنْهُ، هَكَذَا تَرْجَمَهُ ابْنُ السَّاعِي فِي " تَارِيخِهِ "، وَذَكَرَ أَبُو شَامَةَ فِي " الذَّيْلِ " أَنَّهُ طَاشْتِكِينُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْتَفَوِيُّ أَمِيرُ الْحَاجِّ حَجَّ بِالنَّاسِ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَكُونُ فِي الْحِجَازِ كَأَنَّهُ مَلِكٌ، وَقَدْ رَمَاهُ الْوَزِيرُ ابْنُ يُونُسَ بِأَنَّهُ يُكَاتِبُ صَلَاحَ الدِّينِ فَحَبَسَهُ الْخَلِيفَةُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بُطْلَانُ مَا ذُكِرَ عَنْهُ فَأَطْلَقَهُ، وَأَعْطَاهُ خُوزِسْتَانَ ثُمَّ أَعَادَهُ إِلَى إِمْرَةِ الْحَجِّ، وَكَانَتِ الْحِلَّةُ السَّيْفِيَّةُ إِقْطَاعَهُ، وَكَانَ شُجَاعًا جَوَّادًا سَمْحًا، قَلِيلَ الْكَلَامِ، يَمْضِي عَلَيْهِ الْأُسْبُوعُ لَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ بِكَلِمَةٍ، وَكَانَ فِيهِ حِلْمٌ وَاحْتِمَالٌ، اسْتَغَاثَ بِهِ رَجُلٌ عَلَى بَعْضِ نُوَّابِهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَغِيثُ: أَحِمَارٌ أَنْتَ؟ فَقَالَ: لَا.
وَفِيهِ يَقُولُ ابْنُ التَّعَاوِيذِيِّ: وَأَمِيرٌ عَلَى الْبِلَادِ مُوَلًّى ... لَا يُجِيبُ الشَّاكِي بِغَيْرِ السُّكُوتِ كُلَّمَا زَادَ رِفْعَةً حَطَّنَا اللَّ ... هُ بِتَغْفِيلِهِ إِلَى الْبَهَمُوتِ

وَقَدْ سَرَقَ فَرَّاشُهُ حِيَاصَةً لَهُ، فَأَرَادُوا أَنْ يَسْتَقِرُّوا الْفَرَّاشَ عَلَيْهَا، وَكَانَ قَدْ رَآهُ الْأَمِيرُ طَاشْتِكِينُ وَهُوَ يَأْخُذُهَا، فَقَالَ: لَا تُعَاقِبُوا أَحَدًا، فَإِنَّهُ أَخَذَهَا مَنْ لَا يَرُدُّهَا، وَرَآهُ مَنْ لَا يَنُمُّ عَلَيْهِ.
وَقَدْ كَانَ بَلَغَ مِنَ الْعُمْرِ تِسْعِينَ سَنَةً، وَاتَّفَقَ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا مُدَّةَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ لِلْوَقْفِ، فَقَالَ فِيهِ بَعْضُ الْمُضْحِكِينَ: هَذَا لَا يُوقِنُ بِالْمَوْتِ ; عُمْرُهُ تِسْعُونَ سَنَةً وَاسْتَأْجَرَ أَرْضًا ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
فَاسْتَضْحَكَ الْقَوْمَ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا جَرَتْ أُمُورٌ طَوِيلَةٌ بِالْمَشْرِقِ بَيْنَ الْغُورِيَّةِ وَالْخُوَارِزْمِيَّةِ، وَمَلَكَ خُوَارِزْمُ شَاهْ بْنُ تِكِشَ بِلَادَ الطَّالْقَانِ.
وَفِيهَا وَلَّى الْخَلِيفَةُ قَضَاءَ الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ لِعِمَادِ الدِّينِ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّامَغَانِيِّ.
وَفِيهَا قَبَضَ الْخَلِيفَةُ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيِّ، بِسَبَبِ فِسْقِهِ وَفُجُورِهِ، وَقَدْ أُحْرِقَتْ كُتُبُهُ وَأَمْوَالُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ; لِمَا فِيهَا مِنْ كُتُبِ الْفَلَاسِفَةِ، وَعُلُومِ الْأَوَائِلِ، وَأَصْبَحَ يَسْتَعْطِي مِنَ النَّاسِ، وَهَذَا بِخَطِيئَةِ قِيَامِهِ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ ; فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ وَشَى بِهِ إِلَى الْوَزِيرِ ابْنِ الْقَصَّابِ حَتَّى أُحْرِقَتْ بَعْضُ كُتُبِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَخَتَمَ عَلَى بَقِيَّتِهَا، وَنُفِيَ إِلَى وَاسِطٍ خَمْسَ سِنِينَ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ، وَالنَّاسُ يَقُولُونَ: فِي اللَّهِ كِفَايَةٌ.
وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] وَالصُّوفِيَّةُ يَقُولُونَ: الطَّرِيقُ تَأْخُذُ حَقَّهَا.
وَالْأَطِبَّاءُ يَقُولُونَ: الطَّبِيعَةُ مُكَافِئَةٌ.
وَفِيهَا نَازَلَتِ الْفِرِنْجُ حِمْصَ فَقَاتَلَهُمْ مَلِكُهَا أَسَدُ الدِّينِ شِيرَكُوهْ بْنُ نَاصِرِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْدِ الدَّيْنِ شِيرَكُوهْ الْكَبِيرِ، وَأَعَانَهُ بِالْمَدَدِ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ صَاحِبُ حَلَبَ

فَكَفَّ اللَّهُ شَرَّهُمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِيهَا اجْتَمَعَ شَابَّانِ بِبَغْدَادَ عَلَى الشَّرَابِ، فَضَرَبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِسِكِّينٍ فَقَتَلَهُ وَهَرَبَ فَأُخِذَ فَقُتِلَ، فَوُجِدَ مَعَهُ رُقْعَةٌ فِيهَا بَيْتَانِ مِنْ نَظْمِهِ أَمَرَ أَنْ تُجْعَلَ بَيْنَ أَكْفَانِهِ، وَهُمَا قَوْلُهُ: قَدِمْتُ عَلَى الْكَرِيمِ بِغَيْرِ زَادٍ ... مِنَ الْأَعْمَالِ بِالْقَلْبِ السَّلِيمِ وَسُوءُ الظَّنِّ أَنْ تَعْتَدَّ زَادًا ... إِذَا كَانَ الْقُدُومُ عَلَى كَرِيمِ

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْفَقِيهُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النُّعْمَانِ النِّيلِيُّ، وَالْمُلَقَّبُ بِالْقَاضِي شُرَيْحٍ؛ لِذَكَائِهِ وَفَضْلِهِ وَبَرَاعَتِهِ وَعَقْلِهِ وَكَمَالِ أَخْلَاقِهِ، وَلِيَ قَضَاءَ بَلَدِهِ، ثُمَّ قَدِمَ بَغْدَادَ فَنُدِبَ إِلَى الْمَنَاصِبِ الْكِبَارِ فَأَبَاهَا، فَحَلَفَ عَلَيْهِ الْأَمِيرُ طَاشْتِكِينُ أَنْ يَعْمَلَ عِنْدَهُ فِي الْكِتَابَةِ، فَخَدَمَهُ عِشْرِينَ عَامًا، ثُمَّ وَشَى بِهِ الْوَزِيرُ ابْنُ مَهْدِيٍّ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَحَبَسَهُ فِي دَارِ طَاشْتِكِينَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ إِنَّ الْوَزِيرَ عَمَّا قَرِيبٍ حُبِسَ بِهَا أَيْضًا، وَهَذَا مِنَ الْعَجَبِ الْغَرِيبِ.
عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ كَانَ ثِقَةً عَابِدًا زَاهِدًا وَرِعًا، لَمْ يَكُنْ فِي إِخْوَتِهِ خَيْرٌ مِنْهُ، لَمْ يَدْخُلْ فِيمَا دَخَلُوا فِيهِ مِنَ الْمَنَاصِبِ وَالْوِلَايَاتِ، بَلْ كَانَ

مُتَقَلِّلًا مِنَ الدُّنْيَا، مُقْبِلًا عَلَى الْآخِرَةِ، وَقَدْ سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَسُمِعَ عَلَيْهِ أَيْضًا.
أَبُو الْحَرَمِ مَكِّيُّ بْنُ رَيَّانَ بْنِ شَبَّةَ بْنِ صَالِحِ الْمَاكِسِينِيُّ.
مِنْ أَعْمَالِ سِنْجَارَ، ثُمَّ الْمَوْصِلِيُّ النَّحْوِيُّ قَدِمَ بَغْدَادَ وَأَخَذَ عَنِ ابْنِ الْخَشَّابِ، وَابْنِ الْقَصَّارِ، وَالْكَمَالِ الْأَنْبَارِيِّ، وِقَدِمَ الشَّامَ فَانْتَفَعَ بِهِ خَلْقٌ عَظِيمٌ ; مِنْهُمُ الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ ضَرِيرًا يَتَعَصَّبُ لِأَبِي الْعَلَاءِ الْمَعَرِّيِّ ; لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فِي الْأَدَبِ وَالْعَمَى، وَمِنْ شِعْرِهِ: إِذَا احْتَاجَ النَّوَالُ إِلَى شَفِيعٍ ... فَلَا تَقْبَلْهُ تُضْحِ قَرِيرَ عَيْنِ إِذَا عِيفَ النَّوَالُ لَفَرْدِ مَنٍّ ... فَأَوْلَى أَنْ يُعَافَ لِمِنَّتَيْنِ وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا: نَفْسِي فِدَاءٌ لِأَغْيَدٍ غَنِجٍ ... قَالَ لَنَا الْحَقَّ يَوْمَ وَدَّعَنَا مَنْ وَدَّ شَيْئًا مِنْ حُبِّهِ طَمَعًا ... فِي قُبْلَةٍ لِلْوَدَاعِ وَدَّ عَنَا إِقْبَالٌ الْخَادِمُ جَمَالُ الدِّينِ أَحَدُ خُدَّامِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَاقِفُ

الْإِقْبَالِيَّتَيْنِ ; الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَكَانَتَا دَارَيْنِ فَجَعَلَهُمَا مَدْرَسَتَيْنِ، وَوَقَفَ عَلَيْهِمَا وَقْفًا ; الْكَبِيرَةَ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَعَلَيْهَا ثُلُثَا الْوَقْفِ، وَالصَّغِيرَةَ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَيْهَا ثُلُثُ الْوَقْفِ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْقُدْسِ، رَحِمَهُ اللَّهُ

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا رَجَعَ الْحُجَّاجُّ إِلَى الْعِرَاقِ وَهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ، وَيَشْتَكُونَ إِلَى النَّاسِ مَا لَقَوْا مِنْ صَدْرَجَهَانَ الْبُخَارِيِّ الْحَنَفِيِّ، الَّذِي كَانَ قَدِمَ بَغْدَادَ فِي رِسَالَةٍ، فَاحْتَفَلَ بِهِ الْخَلِيفَةُ، وَخَرَجَ إِلَى الْحَجِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ فِي الْمِيَاهِ وَالْمِيرَةِ، فَمَاتَ نَحْوٌ مِنْ سِتَّةِ آلَافٍ مِنَ الْحَجِيجِ الْعِرَاقِيِّ بِسَبَبِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ - فِيمَا ذُكِرَ - يَسْبِقُ غِلْمَانُهُ إِلَى الْمَنَاهِلِ فَيَتَحَجَّرُونَ عَلَى الْمَاءِ، وَيَأْخُذُونَهُ فَيَرُشُّونَ حَوْلَ خَيْمَةِ مَخْدُومِهِمْ فِي قَيْظِ الْحِجَازِ، وَيَسْقُونَ الْبُقُولَاتِ الَّتِي تُحْمَلُ مَعَهُ فِي تُرَابِهَا، وَيَمْنَعُونَ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ، الْآمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، فَلَمَّا رَجَعَ مَعَ النَّاسِ لَعَنَتْهُ الْعَامَّةُ، وَلَمْ تَحْتَفِلْ بِهِ الْخَاصَّةُ، وَلَا أَكْرَمَهُ الْخَلِيفَةُ، وَلَا أَرْسَلَ إِلَيْهِ أَحَدًا، وَخَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ وَالْعَامَّةُ مِنْ وَرَائِهِ يَرْجُمُونَهُ وَيَلْعَنُونَهُ، وَسَمَّاهُ النَّاسُ: صَدْرَ جَهَنَّمَ.
نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنِ الْخِذْلَانِ.
وَفِيهَا قَبِضَ الْخَلِيفَةُ عَلَى وَزِيرِهِ ابْنِ مَهْدِيٍّ الْعَلَوِيِّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نُسِبَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَرُومُ الْخِلَافَةَ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ حُبِسَ بِدَارِ طَاشْتِكِينَ حَتَّى مَاتَ بِهَا، وَكَانَ جَبَّارًا عَنِيدًا، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ: خَلِيلَيَّ قُولَا لِلْخَلِيفَةِ أَحْمَدٍ ... تَوَقَّ وُقِيتَ السُّوءَ مَا أَنْتَ صَانِعُ وَزِيرُكَ هَذَا بَيْنَ أَمْرَيْنِ فِيهِمَا ... صَنِيعُكَ يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ ضَائِعُ

فَإِنْ كَانَ حَقًّا مِنْ سُلَالَةِ حَيْدَرٍ ... فَهَذَا وَزِيرٌ فِي الْخِلَافَةِ طَامِعُ وَإِنْ كَانَ فِيمَا يَدَّعِي غَيْرَ صَادِقٍ ... فَأَضْيَعُ مَا كَانَتْ لَدَيْهِ الصَّنَائِعُ وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ عَفِيفًا عَنِ الْأَمْوَالِ حَسَنَ السِّيرَةِ، جَيِّدَ الْمُبَاشَرَةِ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِحَالِهِ.
وَفِي رَمَضَانَ رَتَّبَ الْخَلِيفَةُ عِشْرِينَ دَارًا لِلضِّيَافَةِ يُفْطِرُ فِيهَا الصَّائِمُونَ مِنَ الْفُقَرَاءِ، يُطْبَخُ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِيهَا طَعَامٌ كَثِيرٌ، وَيُحْمَلُ إِلَيْهَا أَيْضًا مِنَ الْخُبْزِ النَّقِيِّ وَالْحَلْوَاءِ شَيْءٌ كَثِيرٌ أَيْضًا - فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا - وَهَذَا الصَّنِيعُ يُشْبِهُ مَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ قُرَيْشٌ مِنَ الرِّفَادَةِ فِي زَمَنِ الْحَجِّ، وَكَانَ يَتَوَلَّى ذَلِكَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، كَمَا كَانَ الْعَبَّاسُ يَتَوَلَّى السِّقَايَةَ، وَقَدْ كَانَتْ فِيهِمُ السِّفَارَةُ وَاللِّوَاءُ وَالنَّدْوَةُ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ، وَقَدْ صَارَتْ هَذِهِ الْمَنَاصِبُ كُلُّهَا عَلَى أَتَمِّ الْأَحْوَالِ فِي الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيِّينَ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَفِيهَا أَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الشَّيْخَ شِهَابَ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيَّ وَفِي صُحْبَتِهِ سُنْقُرُ السِّلِحْدَارُ إِلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ بِالْخِلْعَةِ السَّنِيَّةِ، وَفِيهَا الطَّوْقُ وَالسِّوَارَانِ، وَإِلَى جَمِيعِ أَوْلَادِهِ بِالْخِلَعِ أَيْضًا.
وَفِيهَا مَلَكَ الْأَوْحَدُ بْنُ الْعَادِلِ صَاحِبُ مَيَّافَارِقِينَ مَدِينَةَ خِلَاطَ بَعْدَ قَتْلِ صَاحِبِهَا ابْنِ بَكْتَمُرَ، وَكَانَ شَابًّا جَمِيلَ الصُّورَةِ جِدًّا، قَتَلَهُ بَعْضُ مَمَالِيكِهِمْ، ثُمَّ قُتِلَ الْقَاتِلُ أَيْضًا، فَخَلَا الْبَلَدُ عَنْ مَلِكٍ، فَأَخَذَهَا الْأَوْحَدُ بْنُ الْعَادِلِ، كَمَا ذَكَرْنَا.
وَفِيهَا مَلَكَ خُوَارِزْمُ شَاهْ مُحَمَّدُ بْنُ تِكِشَ بِلَادَ مَا وَرَاءَ النَّهَرِ مِنَ الْخِطَا بَعْدَ حُرُوبٍ طَوِيلَةٍ.

اتَّفَقَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَمْرٌ عَجِيبٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ انْهَزَمُوا عَنِ السُّلْطَانِ خُوَارِزْمِ شَاهْ فِي بَعْضِ الْمَوَاقِفِ، وَبَقِيَ هُوَ وَمَعَهُ عِصَابَةٌ قَلِيلَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَتَلَ مِنْهُمُ الْكُفَّارُ مِنَ الْخِطَا مَنْ قَتَلُوا، وَأَسَرُوا خَلْقًا مِنْهُمْ، وَكَانَ السُّلْطَانُ خُوَارِزْمُ شَاهْ فِي جُمْلَةِ مَنْ أُسِرَ، أَسَرَهُ رَجُلٌ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ الْمَلِكُ، وَأَسَرَ مَعَهُ أَمِيرًا يُقَالُ لَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ.
فَلَمَّا وَقَعَ ذَلِكَ وَتَرَاجَعَتِ الْعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِيَّةُ إِلَى مَقَرِّهَا، فَقَدُوا مِنْ بَيْنِهِمُ السُّلْطَانَ، فَاخَتَبَطُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَاخْتَلَفُوا اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَانْزَعَجَتْ خُرَاسَانُ بِكَمَالِهَا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ السُّلْطَانَ قَدْ قُتِلَ.
وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ السُّلْطَانِ وَذَاكَ الْأَمِيرِ ; فَإِنَّ الْأَمِيرَ قَالَ لِلسُّلْطَانِ: إِنِّي أَرَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ أَنْ تَتْرُكَ الْمُلْكَ عَنْكَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَتُظْهِرَ أَنَّكَ غُلَامٌ لِي.
فَقَبِلَ مِنْهُ مَا أَشَارَ بِهِ، وَجَعَلَ يَخْدُمُهُ، وَيُلْبِسُهُ ثِيَابَهُ، وَيَسْقِيهِ وَيَضَعُ الطَّعَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا يَأْلُو جُهْدًا فِي خِدْمَتِهِ، فَقَالَ الَّذِي أَسَرَهُمَا: إِنِّي أَرَى هَذَا يَخْدُمُكَ، فَمَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ الْأَمِيرُ، وَهَذَا غُلَامِي، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْلَا عِلْمُ الْأُمَرَاءِ بِأَنِّي قَدْ أَسَرْتُ أَمِيرًا لَأَطْلَقْتُكَ.
فَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا أَخْشَى عَلَى أَهْلِي، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنِّي قَدْ قُتِلْتُ وَيُقِيمُونَ الْمَأْتَمَ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُفَادِيَنِي عَلَى مَالٍ، وَتُرْسِلَ مَنْ يَقْبِضُهُ مِنْهُمْ فَعَلْتَ خَيْرًا.
فَقَالَ: نَعَمْ.
فَعَيَّنَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ أَهْلِي لَا يَعْرِفُونَ هَذَا، وَلَكِنْ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ أُرْسِلَ مَعَهُ غُلَامِي ; لِيُبَشِّرَهُمْ بِحَيَاتِي، وَيَأْمُرَهُمْ بِتَحْصِيلِ الْمَالِ.
فَقَالَ: نَعَمْ.
فَجَهَّزَ مَعَهُمَا مَنْ يَحْفَظُهُمَا إِلَى مَدِينَةِ خُوَارِزْمَ.
فَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنْ مَدِينَةِ خُوَارِزْمَ سَبَقَهُ الْمَلِكُ إِلَيْهَا، فَلَمَّا رَآهُ النَّاسُ فَرِحُوا فَرَحًا شَدِيدًا، وَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ فِي سَائِرِ بِلَادِهِ، وَعَادَ الْمُلْكُ إِلَى نِصَابِهِ، وَاسْتَقَرَّ السُّرُورُ

بِإِيَابِهِ، وَأَصْلَحَ مَا كَانَ وَهَى مِنْ مَمْلَكَتِهِ بِسَبَبِ مَا كَانَ اشْتَهَرَ مِنْ عَدَمِهِ، وَحَاصَرَ هَرَاةَ وَأَخَذَهَا عَنْوَةً.
وَأَمَّا الَّذِي كَانَ قَدْ أَسَرَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ يَوْمًا لِابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ النَّاسَ يَنُوحُونَ أَنَّ خُوَارِزْمَ شَاهْ قَدْ عُدِمَ.
فَقَالَ: لَا؛ هُوَ الَّذِي كَانَ فِي أَسْرِكَ.
فَقَالَ لَهُ: فَهَلَّا أَعْلَمْتَنِي بِهِ حَتَّى كُنْتُ أَرُدُّهُ مُوَقَّرًا مُعَظَّمًا! فَقَالَ: خِفْتُكَ عَلَيْهِ.
فَقَالَ: سِرْ بِنَا إِلَيْهِ.
فَسَارَا إِلَيْهِ فَأَكْرَمَهُمَا إِكْرَامًا زَائِدًا، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا.
وَفِيهَا غَدَرَ صَاحِبُ سَمَرْقَنْدَ فَقَتَلَ كُلَّ مَنْ كَانَ بِبَلَدِهِ مِنَ الْخُوَارِزْمِيَّةِ، حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يُقْطَعُ قِطْعَتَيْنِ، وَيُعَلَّقُ فِي السُّوقِ كَمَا تُعَلَّقَ الْأَغْنَامُ، وَعَزَمَ عَلَى قَتْلِ زَوْجَتِهِ بِنْتِ خُوَارِزْمِ شَاهْ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ قَتْلِهَا، وَحَصَرَهَا وَحَبَسَهَا فِي قَلْعَةٍ وَضَيَّقَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمَلِكِ خُوَارِزْمَ شَاهْ سَارَ إِلَيْهِ فِي الْجُنُودِ فَنَازَلَهُ وَحَاصَرَ سَمَرْقَنْدَ فَأَخَذَهَا قَهْرًا، وَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهَا نَحْوًا مِنْ مِائَتَيْ أَلْفٍ، وَأَنْزَلَ الْمَلِكَ مِنَ الْقَلْعَةِ وَقُتِلَ صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ نَسْلًا وَلَا عَقِبًا، وَاسْتَحْوَذَ خُوَارِزْمُ شَاهْ عَلَى تِلْكَ الْمَمَالِكِ الَّتِي هُنَالِكَ.
وَفِيهَا تَحَارَبَ الْخِطَا وَمَلِكُ التَّتَارِ كَشْلَى خَانْ الْمُتَاخِمُ لِمَمْلَكَةِ الصِّينِ، فَكَتَبَ مَلِكُ الْخِطَا إِلَى خُوَارِزْمِ شَاهْ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى التَّتَارِ، وَيَقُولُ: مَتَى غَلَبُونَا خَلَصُوا إِلَى بِلَادِكَ.
وَكَذَا وَقَعَ.
وَكَتَبَ التَّتَارُ إِلَيْهِ أَيْضًا يَسْتَنْصِرُونَهُ عَلَى الْخِطَا وَيَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ أَعْدَاؤُنَا وَأَعْدَاؤُكَ، فَكُنْ مَعَنَا عَلَيْهِمْ.
فَكَتَبَ إِلَى كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ يُطَيِّبُ قَلْبَهُ، وَحَضَرَ الْوَقْعَةَ بَيْنَهُمْ وَهُوَ مُتَحَيِّزٌ عَنِ الْفَرِيقَيْنِ، فَكَانَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى الْخِطَا، فَهَلَكُوا إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ.
وَغَدَرَ التَّتَارُ مَا كَانُوا عَاهَدُوا عَلَيْهِ خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَوَقَعَتْ بَيْنَهُمَا الْوَحْشَةُ الْأَكِيدَةُ، وَتَوَاعَدُوا لِلْقِتَالِ، وَخَافَ مِنْهُمْ خُوَارِزْمُ شَاهْ،

وَخَرَّبَ بِلَادًا كَثِيرَةً مُتَاخِمَةً لِبِلَادِ كَشْلَى خَانْ ; خَوْفًا عَلَيْهَا أَنْ يَمْلِكَهَا، ثُمَّ إِنَّ جِنْكِزْخَانْ خَرَجَ عَلَى كَشْلَى خَانْ، فَاشْتَغَلَ بِمُحَارَبَتِهِ عَنْ مُحَارَبَةِ خُوَارِزْمِ شَاهْ، ثُمَّ وَقَعَ مِنَ الْأُمُورِ الْغَرِيبَةِ مَا سَنَذْكُرُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِيهَا كَثُرَتْ غَارَاتُ الْفِرِنْجِ مِنْ طَرَابُلُسَ عَلَى نَوَاحِي حِمْصَ فَضَعُفَ صَاحِبُهَا أَسَدُ الدِّينِ شِيرَكُوهْ عَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الظَّاهِرُ صَاحِبُ حَلَبَ عَسْكَرًا قَوَّاهُ بِهِمْ عَلَى الْفِرِنْجِ.
وَخَرَجَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي الْعَسَاكِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى جُيُوشِ الْجَزِيرَةِ الْعُمَرِيَّةِ فَوَافَوْهُ عَلَى عَكَّا فَحَاصَرَهَا ; لِأَنَّ الْقَبَارِسَةَ كَانُوا قَدْ أَخَذُوا مِنْ أُسْطُولِ الْمُسْلِمِينَ قِطَعًا فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَطَلَبَ صَاحِبُ عَكَّا الْأَمَانَ وَالصُّلْحَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ الْأُسَارَى، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَسَارَ الْعَادِلُ فَنَزَلَ عَلَى بُحَيْرَةِ قَدَسَ قَرِيبًا مِنْ حِمْصَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى بِلَادِ طَرَابُلُسَ فَأَقَامَ بِهَا اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا يَقْتُلُ وَيَأْسِرُ وَيَغْنَمُ، وَخَرَّبَ تِلْكَ الْبُلْدَانَ الْأَطْرَابُلُسِيَّةَ، حَتَّى جَنَحَ الْفِرِنْجُ إِلَى الْمُهَادَنَةِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى دِمَشْقَ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا مَسْرُورًا مَحْبُورًا.
وَفِيهَا مَلَكَ صَاحِبُ أَذْرَبِيجَانَ وَهُوَ الْأَمِيرُ نُصْرَةُ الدِّينِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَهْلَوَانِ مَدِينَةَ مَرَاغَةَ ; وَذَلِكَ لِخُلُوِّهَا عَنْ مَلِكٍ قَاهِرٍ، فَإِنَّ مَلِكَهَا مَاتَ، وَقَامَ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ وَلَدٌ لَهُ صَغِيرٌ، فَدَبَّرَ أَمْرَهُ خَادِمٌ لَهُ.
وَفِي غُرَّةِ ذِي الْقَعْدَةِ شَهِدَ مُحْيِي الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْجَوْزِيِّ عِنْدَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الدَّامَغَانِيِّ، فَقَبِلَهُ وَوَلَّاهُ حِسْبَةَ جَانِبَيْ بَغْدَادَ وَخَلَعَ عَلَيْهِ خِلْعَةً سَنِيَّةً سَوْدَاءَ بِطَرْحَةٍ كُحْلِيَّةٍ، وَبَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ

جَلَسَ لِلْوَعْظِ مَكَانَ أَبِيهِ أَبِي الْفَرَجِ بِبَابِ بَدْرٍ الشَّرِيفِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
وَبَعْدَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ مِنْ يَوْمِئِذٍ دَرَّسَ بِمَشْهَدِ أَبِي حَنِيفَةَ ضِيَاءُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ مَسْعُودٍ التُّرْكُسْتَانِيُّ الْحَنَفِيُّ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْأَعْيَانُ وَالْأَكَابِرُ.
وَفِي رَمَضَانَ مِنْهَا وَصَلَتِ الرُّسُلُ مِنَ الْخَلِيفَةِ إِلَى الْعَادِلِ بِالْخِلَعِ، فَلَبِسَ هُوَ وَوَلَدَاهُ الْمُعْظَّمُ وَالْأَشْرَفُ وَوَزِيرُهُ صَفِيُّ الدِّينِ بْنُ شُكْرٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْخِلَعَ السَّنِيَّةَ الْخَلِيفِيَّةِ، وَدَخَلُوا إِلَى الْقَلْعَةِ وَقْتَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ بَابِ الْحَدِيدِ، وَقَرَأَ التَّقْلِيدَ الْوَزِيرُ وَهُوَ قَائِمٌ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا.
وَفِيهَا رُكِّبَتِ السَّاعَاتُ بِمِئْذَنَةِ الْعَرُوسِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، وَشَرَعُوا فِي بِنَاءِ الدُّرَجِ الَّتِي تُجَاهَ الْمَدْرَسَةِ الْقَيْمَازِيَّةِ.
وَفِيهَا دَرَّسَ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْنِ الْقُضَاةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلْطَانَ بِالْمَدْرَسَةِ الرَّوَاحِيَّةِ بِدِمَشْقَ.
وَفِيهَا انْتَقَلَ الشَّيْخُ ابْنُ الْحُبَيْرِ الْبَغْدَادِيُّ مِنَ الْحَنْبَلِيَّةِ إِلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَدَرَّسَ بِمَدْرَسَةِ أَمِّ الْخَلِيفَةِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْأَكَابِرُ وَالْعُلَمَاءُ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْأَمِيرُ إِيتَامِشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَحَدُ أُمَرَاءِ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ، كَانَ مِنْ سَادَاتِ الْأُمَرَاءِ دِينًا وَعَقْلًا وَنَزَاهَةً وَعِفَّةً، سَقَاهُ بَعْضُ الْكُتَّابِ مِنَ النَّصَارَى سُمًّا، فَمَاتَ

جارٍ التحميل