البداية والنهايةصفحات 632-671

َ فَتْحُ الرَّيِّ

صفحات 632-671

صَاحِبُ كَرَامَاتٍ وَمُعَامَلَاتٍ، كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ فَسَكَنَ دِمَشْقَ وَكَانَ يَعِظُ النَّاسَ بِالزِّيَادَةِ الْقِبَلِيَّةِ حَيْثُ كَانَ يَجْلِسُ الْقُصَّاصُ.
قَالَ ذَاكَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
قَالَ: وَصَنَّفَ كُتُبًا فِي الْوَعْظِ، وَحَكَى حِكَايَاتٍ كَثِيرَةً، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ السَّمَرْقَنْدِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا طَاهِرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي صَقْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الرَّانِ الْوَاعِظَ يُنْشِدُ أَبْيَاتًا: أَنَا مَا أَصْنَعُ بِاللَّذَّ ... اتِ شُغْلِي بِالذُّنُوبِ إِنَّمَا الْعِيدُ لِمَنْ فَا ... زَ بِوَصْلٍ مِنْ حَبِيبِ أَصْبَحَ النَّاسُ عَلَى رَوْ ... حٍ وَرَيْحَانٍ وَطِيبِ ثُمَّ أَصْبَحْتُ عَلَى نَوْ ... حٍ وَحُزْنٍ وَنَحِيبَ فَرِحُوا حِينَ أَهَلُّوا ... شَهْرَهُمْ بَعْدَ الْمَغِيبِ وَهِلَالِي مُتَوَارٍ ... مِنْ وَرَا حُجْبِ الْغُيُوبِ فَلِهَذَا يَا خَلِيلِي ... قُلْتُ لِلذَّاتِ غِيبِي وَجَعَلْتُ الْهَمَّ وَالْحُزْ ... نَ مِنَ الدُّنْيَا نَصِيبِي يَا حَيَاتِي وَمَمَاتِي ... وَشَقَائِي وَطَبِيبِي جُدْ لِصَبٍّ يَتَلَظَّى ... مِنْكَ بِالرَّحْبِ الرَّحِيبِ ثُمَّ أَرَّخَ وَفَاتَهُ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِمَسْجِدِ الْقِدَمِ.

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَالِعُ الشَّاعِرُ، لَهُ دِيوَانُ شِعْرٍ حَسَنٌ مَلِيحٌ، عَمَّرَ طَوِيلًا، وَوَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِنٍّ عَالِيَةٍ.
الْمَلِكُ الْكَبِيرُ الْعَادِلُ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ، أَبُو الْقَاسِمِ، الْمُلَقَّبُ بِيَمِينِ الدَّوْلَةِ وَأَمِينِ الْمِلَّةِ صَاحِبُ بِلَادِ غَزْنَةَ وَمَا وَالَاهَا، وَجَيْشُهُ يُقَالُ لَهُمْ: السَّامَانِيَّةُ.
وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ تَمَلَّكَ عَلَيْهِمْ، وَتُوَفِّي سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَتَمَلَّكَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ هَذَا، فَسَارَ فِيهِمْ وَفِي سَائِرِ الرَّعَايَا سِيرَةً عَادِلَةً، وَقَامَ بِأَعْبَاءِ الْإِسْلَامِ قِيَامًا تَامًّا، وَفَتَحَ فُتُوحَاتٍ كَثِيرَةً فِي بِلَادِ الْهِنْدِ وَغَيْرِهَا وَعَظُمَ شَأْنُهُ فِي الْعَالَمِينَ، وَاتَّسَعَتْ مَمْلَكَتُهُ وَامْتَدَّتْ رَعَايَاهُ وَطَالَتْ أَيَّامُهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَكَانَ يَخْطُبُ فِي سَائِرِ مَمَالِكِهِ لِلْخَلِيفَةِ الْعَبَّاسِيِّ الْقَادِرِ بِاللَّهِ وَكَانَتْ رُسُلُ الْفَاطِمِيِّينَ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ تَفِدُ إِلَيْهِ بِالْكُتُبِ وَالْهَدَايَا وَالتُّحَفِ، فَيُحْرِقُ بِهِمْ، وَيُقَطِّعُ كُتُبَهُمْ، وَيُخَرِّقُ حِلَلَهُمْ.
وَقَدِ اتَّفَقَ لَهُ فِي بِلَادِ الْهِنْدِ فُتُوحَاتٌ لَمْ تَتَّفِقْ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُلُوكِ، لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، وَغَنِمَ مَغَانِمَ كَثِيرَةً لَا تَنْحَصِرُ وَلَا تَنْضَبِطُ كَثْرَةً، مِنَ الذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ وَالسَّبْيِ، وَكَسَّرَ مِنْ أَصْنَامِهِمْ وَأَبْدَادِهِمْ

وَأَوْثَانِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا، بَيَّضَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِيمَا سَلَفَ مُفَرَّقًا فِي السِّنِينَ، كَانَ فِي جُمْلَةِ مَا كَسَرَ مِنْ أَصْنَامِهِمْ بُدٌّ عَظِيمٌ لِلْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ: سُومَنَاتُ.
بَلَغَ مَا تَحَصَّلَ مِنْهُ مِنَ الذَّهَبِ عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَسَرَ مَلِكَ الْهِنْدِ الْكَبِيرَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: جِيبَالُ.
وَقَهَرَ مَلِكَ التُّرْكِ الْأَعْظَمَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: إِيلَكُ خَانَ.
وَأَبَادَ مُلْكَ السَّامَانِيَّةِ، وَقَدْ مَلَكُوا بِخُرَاسَانَ مِائَةَ سَنَةٍ بِلَادَ سَمَرْقَنْدَ وَمَا حَوْلَهَا، ثُمَّ هَلَكُوا، وَبَنَى عَلَى جَيْحُونَ جِسْرًا غَرِمَ عَلَيْهِ أَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَتَّفِقْ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُلُوكِ، وَكَانَ مَعَهُ فِي جَيْشِهِ أَرْبَعُمِائَةِ فِيلٍ تُقَاتِلُ، وَهَذِهِ عَظِيمَةٌ هَائِلَةٌ وَمَرْتَبَةٌ طَائِلَةٌ، وَجَرَتْ لَهُ فُصُولٌ ذِكْرُ تَفْصِيلِهَا يَطُولُ.
وَكَانَ فِي غَايَةِ الدِّيَانَةِ وَالصِّيَانَةِ يُحِبُّ الْعُلَمَاءَ وَالْمُحَدِّثِينَ، وَيُكْرِمُهُمْ، وَيُجَالِسُهُمْ، وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ حَنَفِيَّ الْمَذْهَبِ، ثُمَّ صَارَ شَافِعِيًّا عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ الصَّغِيرِ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ كَرَّامِيًّا عَلَى اعْتِقَادِهِمْ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يُجَالِسُهُ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْضَمِ، وَتَنَاظَرَ هُوَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَرْشِ مُنَاظَرَةً طَوِيلَةً، ذَكَرَهَا ابْنُ الْهَيْضَمِ فِي مُصَنَّفٍ لَهُ، فَمَالَ السُّلْطَانُ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ إِلَى قَوْلِ ابْنِ الْهَيْضَمِ، وَنَقَمَ عَلَى ابْنِ فُورَكَ كَلَامَهُ، وَأَمَرَ بِطَرْدِهِ وَإِخْرَاجِهِ ; لِمُوَافَقَتِهِ لِرَأْيِ الْجَهْمِيَّةِ.
وَكَانَتْ مَعْدِلَتُهُ جَيِّدَةً ; اشْتَكَى إِلَيْهِ رَجُلٌ أَنَّ ابْنَ أُخْتِ الْمَلِكِ يَهْجِمُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَيُخْرِجُهُ مِنَ الْبَيْتِ وَيَخْتَلِي بِامْرَأَتِهِ، وَقَدْ حَارَ فِي أَمْرِهِ، وَكُلَّمَا اشْتَكَاهُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ لَا يَتَجَاسَرُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ; يَهَابُونَ الْمَلِكَ.
فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: وَيْحَكَ! مَتَى جَاءَكَ فَائْتِنِي فَأَعْلِمْنِي، وَلَا تَسْمَعْنَ مِنْ أَحَدٍ مَنَعَكَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيَّ، وَلَوْ كَانَ فِي اللَّيْلِ.
وَتَقَدَّمَ إِلَى الْحَجَبَةِ

أَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُهُ أَحَدٌ مَتَى جَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ.
فَذَهَبَ الرَّجُلُ مَسْرُورًا، فَمَا كَانَ إِلَّا لَيْلَةٌ أَوْ لَيْلَتَانِ حَتَّى هَجَمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّابُّ فَأَخْرَجَهُ وَاخْتَلَى بِأَهْلِهِ، فَذَهَبَ بَاكِيًا إِلَى دَارِ الْمَلِكِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْمَلِكَ نَائِمٌ.
فَقَالَ: قَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِمَا سَمِعْتُمْ، فَأَنْبَهُوا الْمَلِكَ، فَخَرَجَ مَعَهُ بِنَفْسِهِ وَحْدَهُ، وَجَاءَ مَنْزِلَ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَنَظَرَ إِلَى الْغُلَامِ وَهُوَ نَائِمٌ مَعَ الْمَرْأَةِ فِي فِرَاشِ الرَّجُلِ، وَعِنْدَهُمَا شَمْعَةٌ تَقِدُ، فَتَقَدَّمَ الْمَلِكُ فَأَطْفَأَ الضَّوْءَ، ثُمَّ جَاءَ فَاحْتَزَّ رَأْسَ الْغُلَامِ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ: وَيْحَكَ! أَلْحَقَنِي بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَسَقَاهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ لِيَذْهَبَ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ لِمَ أَطْفَأْتَ الشَّمْعَةَ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ! إِنَّهُ ابْنُ أُخْتِي، وَكَرِهْتُ أَنْ أُشَاهِدَهُ حَالَ الذَّبْحِ.
قَالَ: وَلِمَ طَلَبْتَ الْمَاءَ سَرِيعًا؟ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ آلَيْتُ مُنْذُ أَخْبَرْتَنِي أَنْ لَا أَطْعَمَ طَعَامًا وَلَا أَشْرَبَ شَرَابًا حَتَّى أَقُومَ بِحَقِّكَ، فَكُنْتُ عَطْشَانَ هَذِهِ الْأَيَّامَ، حَتَّى كَانَ مَا رَأَيْتُ.
فَدَعَا لَهُ، وَانْصَرَفَ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَكَانَ مَرَضُهُ سُوءَ مِزَاجٍ اعْتَرَاهُ وَانْطِلَاقَ الْبَطْنِ سَنَتَيْنِ، فَكَانَ فِيهِمَا لَا يَضْطَجِعُ عَلَى فِرَاشٍ، وَلَا يَتَّكِئُ عَلَى شَيْءٍ لِقُوَّةِ بَأْسِهِ، بَلْ كَانَ يَسْتَنِدُ إِلَى مَخَادَّ تُوضَعُ لَهُ، وَيَحْضُرُ مَجْلِسَ مُلْكِهِ، وَيَفْصِلُ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى عَادَتِهِ، حَتَّى مَاتَ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، مَلَكَ مِنْهَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَخَلَّفَ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْئًا كَثِيرًا، مِنْ ذَلِكَ سَبْعُونَ رَطْلًا مِنْ جَوْهَرٍ، سَامَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ صَارَ الْمُلْكُ إِلَى ابْنِهِ الْآخَرِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودٍ، فَأَشْبَهَ أَبَاهُ، وَقَدْ صَنَّفَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مُجَلَّدًا فِي سِيرَتِهِ وَأَيَّامِهِ وَفُتُوحَاتِهِ وَمَمَالِكِهِ، فَأَفَادَ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ الْقَادِرِ بِاللَّهِ وَخِلَافَةُ ابْنِهِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ وَبَيَانُهُ.
وَفِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالرَّوَافِضِ، وَقَوِيَتْ عَلَيْهِمُ السُّنَّةُ، وَقَتَلُوا خَلْقًا مِنْهُمْ، وَنَهَبُوا الْكَرْخَ وَدَارَ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى وَنَهَبَتِ الْعَامَّةُ دُورَ الْيَهُودِ ; لِأَنَّهُمْ نُسِبُوا إِلَى مُعَاوَنَةِ أَهْلِ الْكَرْخِ مِنَ الرَّوَافِضِ، وَتَعَدَّى النَّهْبُ إِلَى دُورٍ كَثِيرَةٍ وَانْتَشَرَتِ الْفِتْنَةُ جِدًّا، ثُمَّ سَكَنَتْ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا كَثُرَتِ الْعَمَلَاتُ وَانْتَشَرَتِ الْمِحْنَةُ بِأَمْرِ الْعَيَّارِينَ فِي أَرْجَاءِ الْبَلَدِ، وَتَجَاسَرُوا عَلَى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَنَهَبُوا دُورًا وَأَمَاكِنَ سِرًّا وَجَهْرًا، لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

خِلَافَةُ الْقَائِمِ بِاللَّهِ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ، بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ لَمَّا تُوَفِّيَ أَبُوهُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ

أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ بْنِ الْمُعْتَضِدِ بْنِ الْأَمِيرِ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ بْنِ الرَّشِيدِ بْنِ الْمَهْدِيِّ بْنِ الْمَنْصُورِ، فِي لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً وَعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَأَحَدٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَلَمْ يُعَمَّرْ أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ قَبْلَهُ هَذَا الْعُمُرَ وَلَا بَعْدَهُ، مِنْ ذَلِكَ فِي الْخِلَافَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَهَذَا أَيْضًا شَيْءٌ لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إِلَيْهِ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ اسْمُهَا تَمَنِّي، مَوْلَاةُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْمُقْتَدِرِ، وَقَدْ كَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ مُحِبًّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالصَّلَاحِ، يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَكَانَ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ فِي الِاعْتِقَادِ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٌ كَانَتْ تُقْرَأُ عَلَى النَّاسِ، وَكَانَ أَبْيَضَ، حَسَنَ الْجِسْمِ، طَوِيلَ اللِّحْيَةِ عَرِيضَهَا يَخْضِبُهَا، وَكَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، كَثِيرَ الصَّدَقَةِ، مُحِبًّا لِلسُّنَّةِ وَأَهْلِهَا، يَبْغَضُ الْبِدْعَةَ وَالْقَائِمَيْنِ بِهَا، وَكَانَ يُكْثِرُ الصَّوْمَ، وَيَبَرُّ الْفُقَرَاءَ مِنْ أَقْطَاعِهِ، يَبْعَثُ مِنْهُ إِلَى الْمُجَاوِرِينَ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ وَجَامِعِ الرُّصَافَةِ، وَكَانَ يَخْرُجُ مِنْ دَارِهِ فِي زِيِّ الْعَامَّةِ، فَيَزُورُ قُبُورَ الصَّالِحِينَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا طَرَفًا صَالِحًا مَنْ سِيرَتِهِ عِنْدَ ذِكْرِ وِلَايَتِهِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَجَلَسُوا فِي عَزَائِهِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لِعِظَمِ الْمُصِيبَةِ بِهِ، وَلِتَوْطِيدِ الْبَيْعَةِ لِوَلَدِهِ الْقَائِمِ بِاللَّهِ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَادِرِ، وَأُمُّهُ قَطْرُ النَّدَى أَرْمَنِيَّةٌ، أَدْرَكَتْ خِلَافَتَهُ.
وَكَانَ مَوْلِدُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَتْ بَيْعَتُهُ بِحَضْرَةِ الْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْكُبَرَاءِ وَالْأَعْيَانِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى وَأَنْشَدَهُ أَبْيَاتًا:

فَإِمَّا مَضَى جَبَلٌ وَانْقَضَى ... فَمِنْكَ لَنَا جَبَلٌ قَدْ رَسَا وَإِمَّا فُجِعْنَا بِبَدْرِ التَّمَامِ ... فَقَدْ بَقِيَتْ مِنْهُ شَمْسُ الضُّحَى لَنَا حَزَنٌ فِي مَحَلِّ السُّرُورِ ... فَكَمْ ضَحِكٌ فِي خِلَالِ الْبُكَا فَيَا صَارِمًا أَغْمَدَتْهُ يَدٌ ... لَنَا بَعْدَكَ الصَّارِمُ الْمُنْتَضَى وَلَمَّا حَضَرْنَاكَ عَقْدَ الْبِيَاعِ ... عَرَفْنَا بِهَدْيِكَ طُرْقَ الْهُدَى فَقَابَلْتَنَا بِوَقَارِ الْمَشِيبِ ... كَمَالًا وَسِنُّكَ سِنُّ الْفَتَى طَالَبَتْهُ الْأَتْرَاكُ بِرَسْمِ الْبَيْعَةِ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَ الْخَلِيفَةِ شَيْءٌ ; لِأَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا، فَكَادَتِ الْفِتْنَةُ تَقَعُ بَيْنَ النَّاسِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، حَتَّى دَفَعَ عَنْهُ الْمَلِكُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ مَالًا جَزِيلًا، نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَاسْتَوْزَرَ الْخَلِيفَةُ أَبَا طَالِبٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَيُّوبَ، وَاسْتَقْضَى ابْنَ مَاكُولَا.
وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ سِوَى شِرْذِمَةٍ خَرَجُوا مِنَ الْكُوفَةِ مَعَ الْعَرَبِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْكُبَرَاءِ غَيْرِ الْخَلِيفَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، أَبُو عَلِيِّ بْنُ مَاكُولَا الْوَزِيرُ لِجَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَى الْبَطِيحَةِ فَفَتَحَهَا، وَرَامَ أَخْذَ الْبَصْرَةِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، وَقَاتَلُوهُ دُونَهَا فَأَسَرُوهُ، فَسَأَلَ أَنْ يُذْهَبَ بِهِ إِلَى الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، فَعَفَا عَنْهُ وَأَطْلَقَهُ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ تَعَامَلَ عَلَيْهِ غُلَامٌ لَهُ وَجَارِيَةٌ، فَقَتَلَاهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتٍّ وَخَمْسِينَ سَنَةً.

عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ هَارُونَ بْنِ مَالِكِ بْنِ طَوْقٍ صَاحِبُ الرَّحْبَةِ، التَّغْلِبِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ وَمُصَنِّفِيهِمْ، لَهُ كِتَابُ " التَّلْقِينِ " يَحْفَظُهُ الطَّلَبَةُ، وَلَهُ غَيْرُهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ، وَقَدْ أَقَامَ بِبَغْدَادَ دَهْرًا، وَوَلِيَ قَضَاءَ بَادَرَايَا وَبَاكُسَايَا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ لِضِيقِ حَالِهِ، فَدَخَلَ مِصْرَ، فَأَكْرَمَهُ الْمَغَارِبَةُ، وَأَعْطَوْهُ ذَهَبًا كَثِيرًا، فَتَمَوَّلَ جَدًّا، فَأَنْشَأَ يَقُولُ مُتَشَوِّقًا إِلَى بَغْدَادَ: سَلَامٌ عَلَى بَغْدَادَ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ ... وَحُقَّ لَهَا مِنِّي السَّلَامُ مُضَاعَفُ فَوَاللَّهِ مَا فَارَقْتُهَا عَنْ قِلًى لَهَا ... وَإِنِّي بِشَطَّيْ جَانِبَيْهَا لَعَارِفُ وَلَكِنَّهَا ضَاقَتْ عَلَيَّ بِأَسْرِهَا ... وَلَمْ تَكُنِ الْأَرْزَاقُ فِيهَا تُسَاعِفُ فَكَانَتْ كَخِلٍّ كُنْتُ أَهْوَى دُنُوَّهُ ... وَأَخْلَاقُهُ تَنْأَى بِهِ وَتُخَالِفُ قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: سَمِعَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنِ ابْنِ السَّمَّاكِ وَكَتَبْتُ عَنْهُ، وَكَانَ ثِقَةً، وَلَمْ تَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَحَدًا أَفْقَهَ مِنْهُ.
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ فِي " الْوَفِيَاتِ " عَنْهُ: وَعِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى الدِّيَارِ

الْمِصْرِيَّةِ، وَحَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَالِ، وَحَسُنَ حَالُهُ، مَرِضَ مِنْ أَكْلَةٍ اشْتَهَاهَا، فَذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَقَلَّبُ وَيَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عِنْدَمَا عِشْنَا مِتْنَا.
قَالَ: وَلَهُ أَشْعَارٌ رَائِقَةٌ طَرِيفَةٌ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَنَائِمَةٍ قَبَّلْتُهَا.
فَتَنَبَّهَتْ ... فَقَالَتْ تَعَالَوْا وَاطْلُبُوا اللِّصَّ بِالْحَدِّ فَقُلْتُ لَهَا إِنِّي فَدَيْتُكِ غَاصِبٌ ... وَمَا حَكَمُوا فِي غَاصِبٍ بِسِوَى الرَّدِّ خُذِيهَا وَكُفِّي عَنْ أَثِيمٍ ظُلَامَةً ... وَإِنْ أَنْتِ لَمْ تَرْضِي فَأَلْفًا عَلَى الْعَدِّ فَقَالَتْ قِصَاصٌ يَشْهَدُ الْعَقْلُ أَنَّهُ ... عَلَى كَبِدِ الْجَانِي أَلَذُّ مِنَ الشَّهْدِ فَبَاتَتْ يَمِينِي وَهْيَ هِمْيَانُ خِصْرِهَا ... وَبَاتَتْ يَسَارِي وَهْيَ وَاسِطَةُ الْعِقْدِ فَقَالَتْ أَلَمْ أُخْبَرْ بِأَنَّكَ زَاهِدٌ ... فَقُلْتُ بَلَى مَا زِلْتُ أَزْهَدُ فِي الزُّهْدِ وَمِمَّا أَنْشَدَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ: بَغْدَادُ دَارٌ لِأَهْلِ الْمَالِ طَيِّبَةٌ ... وَلِلْمَفَالِيسِ دَارُ الضَّنْكِ وَالضِّيقِ ظَلَلْتُ حَيْرَانَ أَمْشِي فِي أَزِقَّتِهَا ... كَأَنَّنِي مُصْحَفٌ فِي بَيْتِ زِنْدِيقِ

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِي سَادِسِ الْمُحَرَّمِ اسْتَسْقَى أَهْلُ بَغْدَادَ لِتَأَخُّرِ الْمَطَرِ عَنْ أَوَانِهِ، فَلَمْ يُسْقَوْا، وَكَثُرَ الْمَوْتُ فِي النَّاسِ.
وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ عَمِلَتِ الرَّوَافِضُ الْبِدْعَةَ الشَّنْعَاءَ، وَكَثُرَ النَّوْحُ وَالْبُكَاءُ، وَامْتَلَأَتْ بِذَلِكَ الطُّرُقَاتُ وَالْأَسْوَاقُ وَالْأَرْجَاءُ.
وَفِي صَفَرٍ أُمِرَ النَّاسُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ لِقُحُوطِ الْأَمْطَارِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ بِاتِّسَاعِهَا مِائَةُ إِنْسَانٍ فِي الْجَوَامِعِ كُلِّهَا.
وَفِيهَا وَقَعَ بَيْنَ الْجَيْشِ وَبَيْنَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، فَاتَّفَقَ الْحَالُ عَلَى خُرُوجِهِ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَرَدَّ كَثِيرًا مِنْ جَوَارِيهِ إِلَى أُسْتَاذِهِنَّ قَبْلَهُ، وَاسْتَبْقَى بَعْضَهُنَّ مَعَهُ، وَخَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ سَادِسِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا، وَكَتَبَ الْغِلْمَانُ الْأَسْفَهْسِلَارِيَّةُ إِلَى الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ ; لِيُقْدِمَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ تَمَهَّدَتِ الْبِلَادُ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِنَادِ وَالْإِلْحَادِ، وَنَهَبُوا دَارَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَغَيْرَهَا، وَتَأَخَّرَ مَجِيءُ أَبِي كَالِيجَارَ، وَذَلِكَ أَنَّ وَزِيرَهُ الْعَادِلَ بْنَ مَافَنَّةَ أَشَارَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الْقُدُومِ إِلَى بَغْدَادَ

فَكَثُرَ الْعَيَّارُونَ بِبَغْدَادَ، وَتَفَاقَمَ الْحَالُ بِهِمْ، وَفَسَدَ الْبَلَدُ، وَافْتَقَرَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ بِحَيْثُ إِنَّهُ احْتَاجَ إِلَى أَنْ بَاعَ بَعْضَ ثِيَابِهِ فِي الْأَسْوَاقِ، وَجَعَلَ أَبُو كَالِيجَارَ يَتَوَهَّمُ مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَيَطْلُبُ مِنْهُمْ رَهَائِنَ، فَلَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ، وَطَالَ الْفَصْلُ، فَرَجَعُوا إِلَى مُكَاتَبَةِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَلَدِهِ، وَشَرَعُوا فِي الِاعْتِذَارِ إِلَيْهِ، وَخَطَبُوا لَهُ فِي الْبَلَدِ عَلَى عَادَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِلَى بَغْدَادَ، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الرُّسُلَ إِلَى الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَمِمَّنْ بَعَثَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ، يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَيَسْتَوْحِشُ مِنْهُ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَقَدْ تَحَمَّلَ أَمْرًا عَظِيمًا، فَسَأَلَ أَنْ يُلَقَّبَ بِالسُّلْطَانِ الْمُعَظَّمِ مَالِكِ الْأُمَمِ، فَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا لَا يُمْكِنُ ; لِأَنَّ السُّلْطَانَ الْمُعَظَّمَ الْخَلِيفَةُ، وَكَذَلِكَ مَالِكُ الْأُمَمِ.
ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى تَلْقِيبِهِ بِمَلِكِ الدَّوْلَةِ، فَأَرْسَلَ مَعَ الْمَاوَرْدِيِّ تُحَفًا عَظِيمَةً ; مِنْهَا أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ سَابُورِيَّةٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الدَّرَاهِمِ آلَافٌ، وَتُحَفٌ وَأَلْطَافٌ.
وَاجْتَمَعَ الْجُنْدُ عَلَى طَلَبِ أَرْزَاقِهِمْ مِنَ الْخَلِيفَةِ، فَتَعَذَّرَ ذَلِكَ، فَرَامُوا أَنْ يَقْطَعُوا خُطْبَتَهُ، فَلَمْ تُصَلَّ الْجُمُعَةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ، ثُمَّ خُطِبَ لَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ الْقَابِلَةِ، وَتَخَبَّطَ الْبَلَدُ جِدًّا وَكَثُرَ الْعَيَّارُونَ.
ثُمَّ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ حَلَفَ الْخَلِيفَةُ لِجَلَالِ الدَّوْلَةِ بِخُلُوصِ النِّيَّةِ وَصَفَائِهَا، وَأَنَّهُ عَلَى مَا يُحِبُّ مِنَ الصِّدْقِ وَصَلَاحِ النِّيَّةِ وَالسَّرِيرَةِ، ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَهُمَا بِسَبَبِ لَعِبِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَشُرْبِهِ النَّبِيذَ وَتَهَتُّكِهِ بِهِ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَى الْخَلِيفَةِ وَاصْطَلَحَا عَلَى فَسَادٍ.
وَفِي رَجَبٍ غَلَتِ الْأَسْعَارُ جِدًّا بِبَغْدَادَ وَغَيْرِهَا مِنْ أَرَاضِي الْعِرَاقِ، وَلَمْ يَحُجَّ

أَحَدٌ مِنْهَا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ مُوتَانٌ عَظِيمٌ بِبِلَادِ الْهِنْدِ وَغَزْنَةَ وَخُرَاسَانَ وَجُرْجَانَ وَالرَّيِّ وَأَصْبَهَانَ، خَرَجَ مِنْهَا فِي أَدْنَى مُدَّةٍ أَرْبَعُونَ أَلْفَ جِنَازَةٍ، وَفِي نَوَاحِي الْجَبَلِ وَالْمَوْصِلِ وَبَغْدَادَ طَرَفٌ قَوِيٌّ مِنْ ذَلِكَ بِالْجُدَرِيِّ، بِحَيْثُ لَمَّ تَخْلُ دَارٌ مِنْ مُصَابٍ بِهِ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ فِي حَزِيرَانَ وَتَمُّوزَ وَآبَ وَأَيْلُولَ وَتِشْرِينَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَكَانَ فِي الصَّيْفِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْخَرِيفِ.
قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظَمِ ". وَقَدْ رَأَى رَجُلٌ فِي مَنَامِهِ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُنَادِيًا يُنَادِي بِصَوْتٍ جَهْوَرِيٍّ: يَا أَهْلَ أَصْبَهَانَ سَكَتَ، نَطَقَ، سَكَتَ، نَطَقَ.
فَانْتَبَهَ الرَّجُلُ مَذْعُورًا، فَلَمْ يَدْرِ أَحَدٌ تَأْوِيلَهَا، حَتَّى قِيلَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ لَبِيبٍ، فَقَالَ: احْذَرُوا يَا أَهْلَ أَصْبَهَانَ فَإِنِّي قَرَأْتُ فِي شِعْرِ أَبِي الْعَتَاهِيَةِ قَوْلَهُ: سَكَتَ الدَّهْرُ زَمَانًا عَنْهُمُ ... ثُمَّ أَبْكَاهُمُ دَمًا حِينَ نَطَقْ فَمَا كَانَ غَيْرَ قَلِيلٍ حَتَّى جَاءَ الْمَلِكُ مَسْعُودُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، حَتَّى قَتَلَ النَّاسَ فِي الْجَوَامِعِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَفَرَ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ بِالْخَادِمِ صَنْدَلٍ، فَقَتَلَهُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى مَمْلَكَتِهِ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوَى الِاسْمِ، فَاسْتَرَاحَ مِنْهُ.
وَفِيهَا مَاتَ مَلِكُ التُّرْكِ الْكَبِيرُ صَاحِبُ بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَاسْمُهُ قَدْرَخَانُ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

رَوْحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِّيُّ قَالَ الْخَطِيبُ: سَمِعَ جَمَاعَةً، وَقِدَمَ عَلَيْنَا حَاجًّا فَكَتَبْتُ عَنْهُ، وَكَانَ صَدُوقًا فَهِمَا أَدِيبًا، يَتَفَقَّهُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَوَلِيِ قَضَاءَ أَصْبَهَانَ.
قَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّهُ مَاتَ بِالْكَرْخِ سَنَةَ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالنُّعَيْمِيِّ، الْحَافِظُ الشَّاعِرُ الْمُّتَكَلِّمُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ.
قَالَ الْبَرْقَانِيُّ: هُوَ كَامِلٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ لَوْلَا بَأْوٌ فِيهِ، وَقَدْ سَمِعَ عَلَى جَمَاعَةٍ.
وَمِنْ شَعْرِهِ قَوْلُهُ: إِذَا أَظْمَأَتْكَ أَكُفُّ اللِّئَامِ ... كَفَتْكَ الْقَنَاعَةُ شِبْعًا وَرِيَّا فَكُنْ رَجُلًا رِجْلُهُ فِي الثَّرَى ... وَهَامَةُ هِمَّتِهِ فِي الثُّرَيَّا أَبِيًّا لِنَائِلِ ذِي ثَرْوَةٍ ... تَرَاهُ بِمَا فِي يَدَيْهِ أَبِيَّا فَإِنَّ إِرَاقَةَ مَاءِ الْحَيَا ... ةِ دُونَ إِرَاقَةِ مَاءِ الْمُحَيَّا

مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مُوسَى، أَبُو بَكْرٍ الصَّبَّاغُ حَدَّثَ عَنِ النَّجَّادِ وَأَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَ صَدُوقًا، وَقَدْ حَكَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّهُ تَزَوَّجَ تِسْعَمِائَةِ امْرَأَةٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ عَنْ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
عَلِيُّ بْنُ هِلَالٍ الْكَاتِبُ الْمَشْهُورُ، ذَكَرَ ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ.
كَمَا قَدَّمْنَا.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا تَفَاقَمَ الْحَالُ بِأَمْرِ الْعَيَّارِينَ، وَتَزَايَدَ أَمْرُهُمْ وَأَخْذُهُمُ الْعَمَلَاتِ، وَقَوِيَ أَمْرُ مُقَدِّمِهِمِ الْبُرْجُمِيِّ، وَقَتَلَ صَاحِبَ الشُّرْطَةِ غِيلَةً، وَتَوَاتَرَتِ النُّهُبَاتُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَاحْتَفَظَ النَّاسُ بِدُورِهِمْ وَحَرَسُوهَا حَتَّى دَارَ الْخَلِيفَةِ وَسُورَ الْبَلَدِ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ بِهِمْ جِدًّا، وَكَانَ مِنْ شَأْنِ هَذَا الْبُرْجُمِيِّ أَنَّهُ لَا يُؤْذِي امْرَأَةً، وَلَا يَأْخُذُ مِمَّا عَلَيْهَا شَيْئًا، وَهَذِهِ مُرُوءَةٌ فِي الظُّلْمِ، فَيُقَالُ لَهُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: حَنَانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ وَفِيهَا أَخَذَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ الْبَصْرَةَ وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَلَدَهُ الْعَزِيزَ، فَأَقَامَ بِهَا الْخُطْبَةَ لِأَبِيهِ، وَقُطِعَتْ مِنْهَا خُطْبَةُ أَبِي كَالِيجَارَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَالَّتِي بَعْدَهَا، ثُمَّ اسْتُرْجِعَتْ مِنْ يَدِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا وَلَدَهُ، وَرَجَعَتِ الْخُطْبَةُ لِأَبِي كَالِيجَارَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَارَتِ الْأَتْرَاكُ بِالْمَلِكِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ ; لِتَأَخُّرِ أَرْزَاقِهِمْ، وَأَخْرَجُوهُ مِنْ دَارِهِ، وَرَسَمُوا عَلَيْهِ فِي مَسْجِدِهِ، وَأُخْرِجَتْ حَرِيمُهُ، فَذَهَبَ

فِي اللَّيْلِ إِلَى دَارِ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى فَنَزَلَ بِهَا، ثُمَّ اصْطَلَحَتِ الْأَتْرَاكُ عَلَيْهِ، وَحَلَفُوا لَهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَرَجَعَ إِلَى دَارِهِ، وَكَثُرَتِ الْعَيَّارُونَ بِبَغْدَادَ، وَاسْتَطَالُوا عَلَى النَّاسِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَسِرًّا وَجِهَارًا، وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ هَذِهِ السَّنَةَ ; لِفَسَادِ الْبِلَادِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْوَاعِظُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ السَّمَّاكِ، وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَسَمِعَ جَعْفَرًا الْخُلْدِيَّ وَغَيْرَهُ، وَكَانَ يَعِظُ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ وَجَامِعِ الْمَهْدِيِّ، وَيَتَكَلَّمُ عَلَى طَرِيقَةِ التَّصَوُّفِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ فِيهِ وَنَسَبَ إِلَيْهِ الْكَذِبَ.
تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا غَزَا السُّلْطَانُ مَسْعُودُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ بِلَادَ الْهِنْدِ، وَفَتَحَ حُصُونًا كَثِيرَةً، فَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُ حَاصَرَ قَلْعَةً حَصِينَةً، فَخَرَجَتْ مِنَ السُّورِ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ سَاحِرَةٌ، وَأَخَذَتْ مِكْنَسَةً فَبَلَّتْهَا وَرَشَّتْهَا عَلَى نَاحِيَةِ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَرِضَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَضًا شَدِيدًا، فَارْتَحَلَ عَنْ تِلْكَ الْقَلْعَةِ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّ ذَاهِبًا عَنْهَا عُوفِيَ عَافِيَةً كَامِلَةً، وَرَجَعَ إِلَى غَزْنَةَ سَالِمًا.
وَفِيهَا تَوَلَّى الْبَسَاسِيرِيُّ حِمَايَةَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَادَ لَمَّا تَفَاقَمَ أَمْرُ الْعَيَّارِينَ، وَكَثُرَ سِرُّهُمْ وَفَسَادُهُمْ.
وَفِيهَا وَلِيَ سِنَانُ بْنُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ غَرِيبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَقْنٍ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ، فَقَصَدَ عَمَّهُ قِرْوَاشًا، فَأَقَرَّهُ وَسَاعَدَهُ عَلَى اسْتِقَامَةِ أُمُورِهِ.
وَفِيهَا هَلَكَ مَلِكُ الرُّومِ أَرْمَانُوسُ، فَمَلَكَهُمْ مِنْ بَعْدِهِ رَجُلٌ لَيْسَ مِنْ بَيْتِ مُلْكِهِمْ، قَدْ كَانَ صَيْرَفِيًّا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، إِلَّا أَنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ الْمَلِكِ قُسْطَنْطِينَ

بَانِي الْمَدِينَةِ الَّتِي لَهُمْ.
وَفِيهَا كَثُرَتِ الزَّلَازِلُ بِمِصْرَ وَالشَّامِ، فَهَدَمَتْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَمَاتَ تَحْتَ الرَّدْمِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَانْهَدَمَ مِنَ الرَّمْلَةِ ثُلُثُهَا، وَتَقَطَّعَ جَامِعُهَا تَقْطِيعًا، وَخَرَجَ أَهْلُهَا مِنْهَا، فَأَقَامُوا ظَاهِرَهَا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ سَكَنَ الْحَالُ فَعَادُوا إِلَيْهَا، وَسَقَطَ بَعْضُ حَائِطِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَوَقَعَ مِنْ مِحْرَابِ دَاوُدَ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ، وَمِنْ مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ قِطْعَةٌ، وَسَلَّمَتِ الْحُجْرَةُ، وَسَقَطَتْ مَنَارَةُ عَسْقَلَانَ وَرَأْسُ مَنَارَةِ غَزَّةَ وَسَقَطَ نِصْفُ بُنْيَانِ نَابُلُسَ وَخُسِفَ بِقَرْيَةٍ بِإِزَائِهَا وَبِأَهْلِهَا وَبَقَرِهَا وَغَنَمِهَا، وَسَاخَتْ فِي الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ قُرًى كَثِيرَةٌ هُنَالِكَ.
ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ.
وَكَانَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ بِبِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَعَصَفَتْ رِيحٌ سَوْدَاءُ بِنَصِيبِينَ، فَأَلْقَتْ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْأَشْجَارِ كَالتُّوتِ وَالْجَوْزِ وَالْعُنَّابِ، وَاقْتَلَعَتْ قَصْرًا مُشَيَّدًا بِحِجَارَةٍ وَآجُرٍّ وَكِلْسٍ، ثُمَّ سَقَطَ مَطَرٌ مَعَهُ بَرَدٌ أَمْثَالُ الْأَكُفِّ وَالزُّنُودِ وَالْأَصَابِعِ، وَجَزَرَ الْبَحْرُ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ، فَذَهَبَ النَّاسُ خَلْفَ السَّمَكِ، فَرَجَعَ الْمَاءُ عَلَيْهِمْ، فَهَلَكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
وَفِيهَا كَثُرَ الْمَوْتُ بِالْخَوَانِيقِ، حَتَّى كَانَ يُغْلَقُ الْبَابُ عَلَى مَنْ فِي الدَّارِ، كُلُّهُمْ قَدْ مَاتَ، وَكَانَ أَكْثَرُ ذَلِكَ بِبَغْدَادَ، فَمَاتَ مِنْ أَهْلِهَا فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ

سَبْعُونَ أَلْفًا.
وَفِيهَا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالرَّوَافِضِ، حَتَّى بَيْنَ الْعَيَّارِينَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَمَنَعَ ابْنَا الْأَصْبِهَانِيِّ - وَهُمَا مُقَدَّمَا عَيَّارِي أَهْلِ السُّنَّةِ - أَهْلَ الْكَرْخِ مِنْ وُرُودِ مَاءِ دِجْلَةَ، فَضَاقَ عَلَيْهِمُ النِّطَاقُ.
وَقُتِلَ ابْنُ الْبُرْجُمِيِّ وَأَخُوهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ غَالِبٍ الْحَافِظُ، أَبُو بَكْرٍ الْمَعْرُوفُ بِالْبَرْقَانِيِّ، وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَرَحَلَ إِلَى الْبِلَادِ، وَجَمَعَ كُتُبًا كَثِيرَةً جِدًّا، وَكَانَ عَالِمًا بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالنَّحْوِ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِي الْحَدِيثِ حَسَنَةٌ نَافِعَةٌ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: إِذَا مَاتَ الْبَرْقَانِيُّ ذَهَبَ هَذَا الشَّأْنُ، وَمَا رَأَيْتُ أَتْقَنَ مِنْهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا رَأَيْتُ أَعْبَدَ مِنْهُ فِي أَهْلِ الْحَدِيثِ.
تُوُفِّيَ يَوْمَ الْخَمِيسِ مُسْتَهَلِّ رَجَبٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيُّ، وَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ الْجَامِعِ بِبَغْدَادَ، وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ شَعْرِهِ قَوْلَهُ: أُعَلِّلُ نَفْسِي بِكَتْبِ الْحَدِيثِ ... وَأَحْمِلُ فِيهِ لَهَا الْمَوْعِدَا

وَأَشْغَلُ نَفْسِي بِتَصْنِيفِهِ ... وَتَخْرِيجِهِ دَائِمًا سَرْمَدَا فَطَوْرًا أُصَنِّفُهُ فِي الشُّيُو ... خِ وَطَوْرًا أُصَنِّفُهُ مُسْنَدَا وَأَقْفُو الْبُخَارِيَّ فِيمَا نَحَا ... هُ وَصَنَّفَهُ جَاهِدًا مُجْهَدَا وَمُسْلِمَ إِذْ كَانَ زَيْنَ الْأَنَامِ ... بِتَصْنِيفِهِ مُسْلِمًا مُرْشِدَا وَمَا لِيَ فِيهِ سِوَى أَنَّنِي ... أَرَاهُ هَوًى صَادَفَ الْمَقْصِدَا وَأَرْجُو الثَّوَابَ بِكَتْبِ الصَّلَا ... ةِ عَلَى السَّيِّدِ الْمُصْطَفَى أَحَمَدَا وَأَسْأَلُ رَبِّي إِلَهَ الْعِبَا ... دِ جَرْيًا عَلَى مَا بِهِ عَوَّدَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ، أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَبِيوَرْدِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، مِنْ تَلَامِيذِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، كَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ لَلْفُتْيَا، وَكَانَ يُدَرِّسُ فِي قَطِيعَةِ الرَّبِيعِ، وَوَلِيَ الْحُكْمَ بِبَغْدَادَ نِيَابَةً عَنِ ابْنِ الْأَكْفَانِيِّ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ حَسَنَ الِاعْتِقَادِ، جَمِيلَ الطَّرِيقَةِ، فَصِيحَ اللِّسَانِ، صَبُورًا عَلَى الْفَقْرِ، كَاتِمًا لَهُ، وَكَانَ يَقُولُ الشِّعْرَ الْجَيِّدَ، وَكَانَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273] . تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ بَابِ حَرْبٍ.
أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ، الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى، الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، وَتِلْمِيذُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ أَيْضًا، وَلَمْ

يَكُنْ فِي أَصْحَابِهِ مِثْلُهُ، دَرَّسَ وَأَفْتَى وَحَكَمَ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ دَيِّنًا وَرِعًا.
تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا.
عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ، أَبُو الْفَرَجِ التَّمِيمِيُّ الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ الْوَاعِظُ، سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ أَثَرًا مُسَلْسَلًا عَنْ عَلِيٍّ: الْحَنَّانُ الَّذِي يُقْبِلُ عَلَى مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَالْمَنَّانُ الَّذِي يَبْدَأُ بِالنَّوَالِ قَبْلَ السُّؤَالِ.
تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
غَرِيبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَقْنٍ سَيْفُ الدَّوْلَةِ، أَبُو سِنَانٍ كَانَ قَدْ ضَرَبَ السِّكَّةَ بِاسْمِهِ، وَكَانَ مَلِكًا مُتَمَكِّنًا فِي الدَّوْلَةِ، وَخَلَّفَ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَقَامَ ابْنُهُ سِنَانٌ بَعْدَهُ، وَتَقَوَّى بِعَمِّهِ قِرْوَاشٍ، وَاسْتَقَامَتْ أُمُورُهُ بِهِ، تُوُفِّيَ بِكَرْخِ سَابُورَ عَنْ سَبْعِينَ سَنَةً.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِي الْمُحَرَّمِ كَثُرَ تَرَدُّدُ الْأَعْرَابِ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ إِلَى حَوَاشِي بَغْدَادَ وَمَا حَوْلَهَا، بِحَيْثُ كَانُوا يَسْتَلِبُونَ مَا عَلَى النِّسَاءِ، وَمَنْ أَسَرُوهُ أَخَذُوا مَا مَعَهُ وَطَالَبُوهُ بِفِدَاءِ نَفْسِهِ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُ الْعَيَّارِينَ بِبَغْدَادَ، وَكَثُرَتْ شُرُورُهُمْ وَإِفْسَادُهُمْ.
وَفِي مُسْتَهَلِّ صَفَرٍ زَادَتْ دِجْلَةُ بِحَيْثُ ارْتَفَعَ الْمَاءُ عَلَى الضَّيَاعِ ذِرَاعَيْنِ، وَسَقَطَ مِنَ الْبَصْرَةِ فِي مُدَّةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ نَحْوٌ مَنْ أَلْفَيْ دَارٍ.
وَفِي شَعْبَانَ مِنْهَا وَرَدَ كِتَابٌ مِنْ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ بِأَنَّهُ قَدْ فَتَحَ فَتْحًا عَظِيمًا فِي الْهِنْدِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَأَسَرَ تِسْعِينَ أَلْفًا، وَغَنِمَ شَيْئًا كَثِيرًا.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَوَقَعَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ أَهْلِ بَغْدَادَ وَالْعَيَّارِينَ، وَوَقَعَ حَرِيقٌ كَثِيرٌ فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْهَا، وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ.
وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَلَا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ فِي هَذَا الْعَامِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

أَحْمَدُ بْنُ كُلَيْبٍ الشَّاعِرُ أَحَدُ مَنْ هَلَكَ بِالْعِشْقِ، رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظَمِ " بِسَنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيِّ بِسَنَدِهِ: أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ كُلَيْبٍ هَذَا الْمِسْكِينَ الْعَثَرِيَّ تَعَشَّقَ شَابًّا يُقَالُ لَهُ: أَسْلَمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، مِنْ بَنِي خَالِدٍ، وَكَانَ فِيهِمْ وِزَارَةٌ وَحِجَابَةٌ، فَأَنْشَدَ فِيهِ أَشْعَارًا تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَا، وَكَانَ أَسْلَمُ هَذَا يَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي مَجَالِسِ الْمَشَايِخِ، فَاسْتَحْيَا مِنَ النَّاسِ وَانْقَطَعَ فِي دَارِهِ، فَلَا يَجْتَمِعُ بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَازْدَادَ غَرَامُ ابْنِ كُلَيْبٍ بِهِ حَتَّى مَرِضَ مِنْ ذَلِكَ مَرَضًا شَدِيدًا، عَادَهُ النَّاسُ مِنْهُ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ عَادَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ، فَسَأَلَهُ عَنْ مَرَضِهِ فَقَالَ: أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ دَائِي وَدَوَائِي، لَوْ زَارَنِي أَسْلَمُ، وَنَظَرَ إِلَيَّ نَظْرَةً، وَنَظَرْتُهُ نَظْرَةً وَاحِدَةً بَرِئْتُ، وَإِلَّا فَأَنَا هَالِكٌ.
فَرَأَى ذَلِكَ الشَّيْخُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ أَنْ لَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَزُورَهُ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً مُخْتَفِيًا، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى انْطَلَقَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَا دَرْبَهُ تَغَيَّرَ الْغُلَامُ وَاسْتَحْيَا مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ جِدًّا،

وَرَجَعَ، فَحَرَصَ بِهِ الرَّجُلُ كُلَّ الْحِرْصِ لِيُدْخِلَهُ عَلَيْهِ، فَأَبَى وَانْصَرَفَ، فَدَخَلَ الرَّجُلُ عَلَى ابْنِ كُلَيْبٍ، فَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، وَقَدْ كَانَ غُلَامُهُ دَخَلَ إِلَيْهِ فَبَشَّرَهُ بِقُدُومِ أَسْلَمَ عَلَيْهِ، فَفَرِحَ جِدًّا، فَلَمَّا تَحَقَّقَ رُجُوعَهُ اخْتَلَطَ كَلَامُهُ وَاضْطَرَبَ فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: اسْمَعْ يَا أَبَا عَبْدَ اللَّهِ مِنِّي وَاحْفَظْ عَنِّي.
ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: أَسْلَمُ يَا رَاحَةَ الْعَلِيلِ ... رَفْقًا عَلَى الْهَائِمِ النَّحِيلِ وَصْلُكَ أَشْهَى إِلَى فُؤَادِي ... مِنْ رَحْمَةِ الْخَالِقِ الْجَلِيلِ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: اتَّقِ اللَّهَ، مَا هَذِهِ الْعَظِيمَةُ؟! فَقَالَ: قَدْ كَانَ.
فَخَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ عِنْدِهِ، فَمَا تَوَسَّطَ الدَّرْبَ حَتَّى سَمِعَ الصُّرَاخَ عَلَيْهِ، وَقَدْ فَارَقَ الدُّنْيَا.
وَهَذِهِ زَلَّةٌ شَنْعَاءُ، وَعَظِيمَةٌ صَلْعَاءُ، وَدَاهِيَةٌ دَهْيَاءُ، وَلَوْلَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ ذَكَرُوهَا مَا ذَكَرْتُهَا، وَلَكِنَّ فِيهَا عِبْرَةً لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَتَنْبِيهٌ لِذَوِي الْعُقُولِ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ رَحْمَتَهُ وَلُطْفَهُ بِهِمْ أَنْ يُثَبِّتَهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَالْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ عِنْدَ الْمَمَاتِ، إِنَّهُ كَرِيمٌ جَوَّادٌ.
قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّحْوِيُّ لِأَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ، وَقَدْ أَهْدَى إِلَى أَسْلَمَ كِتَابَ

" الْفَصِيحِ " لِثَعْلَبَ: هَذَا كِتَابُ الُفَصِيحِ ... بَكُلِّ لَفْظٍ مَلِيحِ وَهَبْتُهُ لَكَ طَوْعًا ... كَمَا وَهَبْتُكَ رُوحِي الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ مِهْرَانَ، أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ الْبَزَّازُ أَحَدُ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا، جَاءَهُ يَوْمًا شَابٌّ غَرِيبٌ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لِي: اذْهَبْ إِلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ فَسَلْ عَلَيْهِ، وَأُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ.
ثُمَّ انْصَرَفَ الشَّابُّ، فَبَكَى الشَّيْخُ، وَقَالَ: مَا أَعْلَمُ لِي عَمَلًا أَسْتَحِقُّ بِهِ هَذَا غَيْرَ صَبْرِي عَلَى إِسْمَاعِ الْحَدِيثِ، وَصَلَاتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّمَا ذُكِرَ.
ثُمَّ تُوُفِّيَ بَعْدَ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنْ هَذِهِ الرُّؤْيَا، فِي مُحَرَّمِ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِبَابِ الدَّيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَوْرَةَ، أَبُو عُمَرَ الْوَاعِظُ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْفَلْوِ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ جَمَاعَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَكَانَ يَعِظُ، وَلَهُ بَلَاغَةٌ، وَفِيهِ كَرَمٌ، وَكَانَ ثِقَةً يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ،

وَمِنْ شَعْرِهِ: دَخَلْتُ عَلَى السُّلْطَانِ فِي دَارِ عِزِّهِ ... بِفَقْرٍ وَلَمْ أُجْلِبْ بَخِيلٍ وَلَا رَجْلِ وَقُلْتُ انْظُرُوا مَا بَيْنَ فَقْرِي وَمُلْكِكُمْ ... بِمِقْدَارِ مَا بَيْنَ الْوِلَايَةِ وَالْعَزْلِ تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ، وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ بَابِ حَرْبٍ إِلَى جَانِبِ ابْنِ السَّمَّاكِ

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِي الْمُحَرَّمِ تَكَامَلَتْ عِمَارَةُ قَنْطَرَةِ عِيسَى الَّتِي كَانَتْ قَدْ سَقَطَتْ، وَكَانَ الَّذِي يَلِي مُشَارَفَةَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْقُدُورِيُّ الْحَنَفِيُّ.
وَفِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ تَفَاقَمَ أَمْرُ الْعَيَّارِينَ، وَكَبَسُوا الدُّورَ، وَتَزَايَدَ شَرُّهُمْ وَعَمَلَاتُهُمْ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ صَاحِبُ مِصْرَ الظَّاهِرُ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَاكِمِ بْنِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً وَأَشْهَرٌ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وِلَايَتِهِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَتْ سِيرَتُهُ جَيِّدَةً، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ الْمُسْتَنْصِرُ، وَعُمُرُهُ سَبْعُ سِنِينَ، وَاسْمُهُ مَعَدٌّ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو تَمِيمٍ، وَتَكَفَّلَ

بِأَعْبَاءِ الْمَمْلَكَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ الْأَفْضَلُ أَمِيرُ الْجُيُوشِ، وَاسْمُهُ بَدْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجَمَالِيُّ، وَكَانَ الظَّاهِرُ الْمَذْكُورُ قَدِ اسْتَوْزَرَ الصَّاحِبَ أَبَا الْقَاسِمِ عَلِيَّ بْنَ أَحْمَدَ الْجَرْجَرَائِيَّ - وَكَانَ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ مِنَ الْمِرْفِقَيْنِ - فِي سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، فَاسْتَمَرَّ فِي الْوِزَارَةِ مُدَّةَ وِلَايَةِ الظَّاهِرِ، ثُمَّ لِوَلَدِهِ الْمُسْتَنْصِرِ، حَتَّى تُوُفِّيَ الْوَزِيرُ الْجَرْجَرَائِيُّ الْمَذْكُورُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَكَانَ قَدْ سَلَكَ فِي وِزَارَتِهِ الْعِفَّةَ الْعَظِيمَةَ، وَكَانَ الَّذِي يُعَلِّمُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُضَاعِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ " الشِّهَابِ "، وَكَانَتْ عَلَامَتَهُ عَنْهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ شُكْرًا لِنِعْمَتِهِ.
وَكَانَ الَّذِي قَطَعَ يَدَيْهِ مِنَ الْمِرْفِقَيْنِ الْحَاكِمُ ; لِخِيَانَةٍ ظَهَرَتْ مِنْهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ سَنَةَ تِسْعٍ، فَلَمَّا فُقِدَ الْحَاكِمُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - فِي السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، ثُمَّ تَمَلَّكَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ الظَّاهِرُ الْمَذْكُورُ، تَنَقَّلَتْ بِالْجَرْجَرَائِيِّ الْمَذْكُورِ الْأَحْوَالُ حَتَّى اسْتَوْزَرَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَقَدْ هَجَاهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَقَالَ: يَا أَحْمَقًا اسْمَعْ وَقُلْ ... وَدَعِ الرَّقَاعَةَ وَالتَّحَامُقْ أَأَقَمْتَ نَفْسَكَ فِي الثِّقَا ... تِ وَهَبْكَ فِيمَا قُلْتَ صَادِقْ فَمِنَ الْأَمَانَةِ وَالتُّقَى ... قُطِعَتْ يَدَاكَ مِنَ الْمَرَافِقْ

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعَالِبِيُّ وَيُقَالُ: الثَّعْلَبِيُّ - وَهُوَ لَقَبٌ

أَيْضًا وَلَيْسَ بِنِسْبَةٍ - النَّيْسَابُورِيُّ الْمُفَسِّرُ الْمَشْهُورُ، لَهُ " التَّفْسِيرُ الْكَبِيرُ "، وَلَهُ كِتَابُ " الْعَرَائِسِ " فِي قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ، وَاسِعَ السَّمَاعِ ; وَلِهَذَا يُوجَدُ فِي كُتُبِهِ مِنَ الْغَرَائِبِ شَيْءٌ كَثِيرٌ.
ذَكَرَهُ عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِيُّ فِي " تَارِيخِ نَيْسَابُورَ " وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: هُوَ صَحِيحُ النَّقْلِ مَوْثُوقٌ بِهِ.
تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: تُوُفِّيَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا، وَرُئِيَتْ لَهُ مَنَامَاتٌ صَالِحَةٌ، وَقَالَ السَّمْعَانِيُّ: وَنَيْسَابُورُ كَانَتْ مَقْصَبَةً، فَأَمَرَ سَابُورُ الثَّانِي بِبِنَائِهَا مَدِينَةً، وَ " نَيْ " هُوَ الْقَصَبُ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا خَلَعَ الْخَلِيفَةُ عَلَى أَبِي تَمَامٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّيْنَبِيِّ، وَقَلَّدَهُ مَا كَانَ إِلَى أَبِيهِ مِنْ نِقَابَةِ الْعَبَّاسِيِّينَ وَالصَّلَاةِ.
وَفِيهَا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الْجُنْدِ وَبَيْنَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَقَطَعُوا خُطْبَتَةُ وَخُطْبَةَ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، ثُمَّ أَعَادُوا الْخُطْبَةَ لَهُمَا وَصَلَحَتْ حَالُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَحَلَفَ الْخَلِيفَةُ لَهُ وَعَزَلَ وَزِيرَهُ ابْنَ مَاكُولَا وَاسْتَوْزَرَ أَبَا الْمَعَالِي بْنَ عَبْدِ الرَّحِيمِ.
وَكَانَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ قَدْ جَمَعَ خَلْقًا كَثِيرًا مَعَهُ، مِنْهُمُ الْبَسَاسِيرِيُّ، وَدُبَيْسُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ، وَقِرْوَاشُ بْنُ مُقَلَّدٍ الْعُقَيْلِيُّ، وَنَازَلَ بَغْدَادَ مِنْ جَانِبِهَا الْغَرْبِيِّ حَتَّى أَخَذَهَا قَهْرَا، وَاصْطَلَحَ هُوَ وَأَبُو كَالِيجَارَ عَلَى يَدَيْ أَقَضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيِّ، وَتَزَوَّجَ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ أَبِي كَالِيجَارَ بِابْنَةِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ عَلَى صَدَاقِ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَاتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمَا، وَحَسُنَ حَالُ الدَّوْلَةِ.
وَفِيهَا نَزَلَ مَطَرٌ بِبِلَادِ فَمِ الصُّلْحِ وَمَعَهُ سَمَكٌ، وَزْنُ السَّمَكَةِ رَطْلٌ وَرَطْلَانِ.

وَفِيهَا بَعَثَ صَاحِبُ مِصْرَ بِمَالٍ لِيُنْفَقَ عَلَى نَهْرٍ بِالْكُوفَةِ إِنْ أَذِنَ الْخَلِيفَةُ الْعَبَّاسِيُّ فِي ذَلِكَ، فَجَمَعَ الْقَائِمُ بِاللَّهِ الْفُقَهَاءَ، وَسَأَلَهُمُ عَنْ هَذَا الْمَالِ، فَأَفْتَوْا بِأَنَّ هَذَا الْمَالَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِمْ، فَأَذِنَ فِي صَرْفِهِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
وَفِيهَا ثَارَ الْعَيَّارُونَ بِبَغْدَادَ، وَفَتَحُوا السِّجْنَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَأَخَذُوا مِنْهُ رِجَالًا، وَقَتَلُوا مِنْ رِجَالَةِ الشُّرَطِ سَبْعَةَ عَشْرَ رَجُلًا، وَانْتَشَرَتِ الْفِتَنُ وَالشُّرُورُ فِي الْبَلَدِ جِدًّا.
وَفِيهَا وَلِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ سَلَامَةَ إِمَارَةَ تِهَامَةَ بَعْدَ أَبِيهِ، وَفِيهَا وَلِيَ عُمَانَ الْقَاسِمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُكْرَمٍ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ أَيْضًا.
وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ; لِفَسَادِ الْبِلَادِ وَاخْتِلَافِ الْكَلِمَةِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْقُدُورِيُّ الْحَنَفِيُّ، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أَبُو الْحُسَيْنِ الْقُدُورِيُّ قَالَ الْخَطِيبُ: سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَوْشَبِيِّ، وَلَمْ

يُحَدِّثْ إِلَّا بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، كَتَبْتُ عَنْهُ، وَكَانَ صَدُوقًا، وَكَانَ مِمَّنْ أَنْجَبَ فِي الْفِقْهِ ; لِذَكَائِهِ، وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ فِي الْعِرَاقِ رِيَاسَةُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَارْتَفَعَ جَاهُهُ.
وَكَانَ بَرَّزَ فِي الْقِرَاءَاتِ.
تُوُفِّيَ يَوْمَ الْأَحَدِ الْخَامِسِ مِنْ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِدَارِهِ فِي دَرْبِ خَلَفٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَسَنُ بْنُ شِهَابِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، أَبُو عَلِيٍّ الْعُكْبَرِيُّ، الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ الشَّاعِرُ وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، سَمِعَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ ثِقَةً أَمِينًا، كَمَا قَالَ الْبَرْقَانِيُّ، وَكَانَ يَسْتَرْزِقُ مِنَ الْوِرَاقَةِ - وَهُوَ النَّسْخُ - يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ دِيوَانَ الْمُتَنَبِّي فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَيَبِيعُهُ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ أَخَذَ السُّلْطَانُ مِنْ تَرِكَتِهِ أَلْفَ دِينَارٍ سِوَى الْأَمْلَاكِ، وَكَانَ قَدْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فِي نَفَقَةِ الْحَنَابِلَةِ، فَلَمْ يُصْرَفْ ذَلِكَ.
لُطْفُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى، أَبُو الْفَضْلِ الْهَاشِمِيُّ وَلِيَ الْقَضَاءَ

وَالْخَطَابَةَ بِدَرْزِيجَانَ، وَكَانَ ذَا لِسَانٍ، وَقَدْ أَضَرَّ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَكَانَ يَرْوِي حِكَايَاتٍ وَأَنَاشِيدَ مِنْ حَفْظِهِ، وَتُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ مِنْهَا.
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عِيسَى بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمَطْلَبِ، أَبُو عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ الْقَاضِي، أَحَدُ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ.
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، أَبُو الْحَسَنِ الْأَهْوَازِيُّ وَيُعْرَفُ بِابْنِ أَبِي عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيِّ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَدِمَ بَغْدَادَ وَخَرَّجَ لَهُ أَبُو الْحَسَنِ النُّعَيْمِيُّ أَجْزَاءَ مِنْ حَدِيثِهِ، فَسَمِعَ مِنْهُ الْبَرْقَانِيُّ، إِلَّا أَنَّهُ بَانَ كَذِبُهُ، حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ جِرَابَ الْكَذِبِ.
أَقَامَ بِبَغْدَادَ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَمَاتَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ.

مِهْيَارُ الدَّيْلَمِيُّ الشَّاعِرُ، مِهْيَارُ بْنُ مَرْزَوَيْهِ، أَبُو الْحَسَنِ الْكَاتِبُ الْفَارِسِيُّ، وَيُقَالُ لَهُ: الدَّيْلَمِيُّ.
كَانَ مَجُوسِيًّا فَأَسْلَمَ، إِلَّا أَنَّهُ سَلَكَ سَبِيلَ الرَّافِضَةِ، فَكَانَ يُنَظِّمُ الشِّعْرَ الْقَوِيَّ الْفَحْلَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ مِنْ سَبِّ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ لَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ بُرْهَانَ: يَا مِهْيَارُ، انْتَقَلْتَ مِنْ زَاوِيَةٍ فِي النَّارِ إِلَى زَاوِيَةٍ أُخْرَى ; كُنْتَ مَجُوسِيًّا، فَأَسْلَمْتَ، فَصِرْتَ تَسُبُّ الصَّحَابَةَ.
وَقَدْ كَانَ مَنْزِلُهُ بِدَرْبِ رَبَاحٍ مِنَ الْكَرْخٍ، وَلَهُ دِيوَانُ شِعْرٍ كَبِيرٌ مَشْهُورٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ: أَسْتَنْجِدُ الصَّبْرَ فِيكُمْ وَهْوَ مَغْلُوبُ ... وَأَسْأَلُ النَّوْمَ عَنْكُمْ وَهْوَ مَسْلُوبُ وَأَبْتَغِي عِنْدَكُمْ قَلْبًا سَمَحْتُ بِهِ ... وَكَيْفَ يُرْجِعُ شَيْءٌ وَهْوَ مَوْهُوبُ مَا كُنْتُ أَعْرِفُ مَا مِقْدَارُ وَصْلِكُمُ ... حَتَّى هَجَرْتُمْ وَبَعْضُ الْهَجْرِ تَأْدِيبُ وَلِمِهْيَارَ أَيْضًا قَوْلُهُ: أَجَارَتَنَا بِالْغَوْرِ وَالرَّكْبُ مُتَّهَمُ ... أَيَعْلَمُ خَالٍ كَيْفَ بَاتَ الْمُتَيَّمُ رَحَلْتُمْ وَعُمْرُ اللَّيْلِ فِينَا وَفِيكُمُ ... سَوَاءٌ وَلَكِنْ سَاهِرُونَ وَنُوَّمُ بِنَا أَنْتُمْ مِنْ ظَاعِنِينَ وَخَلَّفُوا ... قُلُوبًا أَبَتْ أَنْ تَعْرِفَ الصَّبْرَ عَنْهُمُ وَلَمَّا جَلَا التَّوْدِيعُ عَمَّا حَذِرْتُهُ ... وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا نَظْرَةٌ تَتَغَنَّمُ بَكَيْتُ عَلَى الْوَادِي فَحَرَّمْتُ مَاءَهُ ... وَكَيْفَ يَحِلُّ الْمَاءُ أَكْثَرُهُ دَمُ

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَلَمَّا كَانَ شِعْرُهُ كُلُّهُ جَيِّدًا اقْتَصَرْتُ مِنْهُ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ.
هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، أَبُو الْحُسَيْنِ الْمَعْرُوفُ بِالْحَاجِبِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْأَدَبِ وَالتَّدَيُّنِ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ: يَا لَيْلَةً سَلَكَ الْزَمَا ... نُ بِطِيبِهَا فِي كُلِّ مَسْلَكْ إِذْ أَرْتَعِي رَوْضَ الْمَسَرَّ ... ةِ مُدْرِكًا مَا لَيْسَ يُدْرَكْ وَالْبَدْرُ قَدْ فَضَحَ الظَّلَا ... مَ فَسِتْرُهُ فِيهِ مُهَتَّكْ وَكَأَنَّمَا زُهْرُ النُّجُو ... مِ بِلَمْعِهَا شُعَلٌ تُحَرَّكْ وَالْغَيْمُ أَحْيَانًا يَلُو ... حُ كَأَنَّهُ ثَوْبٌ مُمَسَّكْ وَكَأَنَّ تَجْعِيدَ الرِّيَا ... حِ لِدِجْلَةٍ ثَوْبٌ مُفَرَّكْ وَكَأَنَّ نَشْرَ الْمِسْكِ يَنْ ... فَحُ فِي النَّسِيمِ إِذَا تَحَرَّكْ وَكَأَنَّمَا الْمَنْثُورُ مُصْ ... فَرَّ الذُّرَا ذَهَبٌ مُشَبَّكْ وَالنُّورُ يَبْسِمُ فِي الرِّيَا ... ضِ فَإِنْ نَظَرْتَ إِلَيْهِ سَرَّكْ شَارَطْتُ نَفْسِي أَنْ أَقُو ... مَ بِحَقِّهَا وَالشَّرْطُ أَمْلَكْ حَتَّى تَوَلَّى اللَّيْلُ مُنْ ... هَزِمًا وَجَاءَ الصُّبْحُ يَضْحَكْ

وَاهِ الْفَتَى لَوْ أَنَّهُ ... فِي ظِلِّ طِيبِ الْعَيْشِ يُتْرَكْ وَالدَّهْرُ يَحْسُبُ عُمْرَهُ ... فَإِذَا أَتَاهُ الشَّيْبُ فَذْلَكْ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينَا، الطَّبِيبُ الْفَيْلَسُوفُ، الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِينَا الشَّيْخُ الرَّئِيسُ، الَّذِي كَانَ نَادِرَةً فِي زَمَانِهِ، كَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَلْخَ وَانْتَقَلَ إِلَى بُخَارَى، وَاشْتَغَلَ بِهَا ابْنُ سِينَا فَقَرَأَ الْقُرْآنَ، وَأَتْقَنَ عُلُومَهُ وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ، وَأَتْقَنَ الْحِسَابَ وَالْجَبْرَ وَالْمُقَابَلَةَ وَ " إِقْلِيدِسَ " وَ " الْمَجَسْطِيَّ "، ثُمَّ اشْتَغَلَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ النَّاتِلِيِّ الْحَكِيمِ، فَبَرَعَ فِيهِ، وَفَاقَ أَهْلَ زَمَانِهِ، وَتَرَدَّدَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَاشْتَغَلُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ عَالَجَ بَعْضَ الْمُلُوكِ السَّامَانِيَّةِ، وَهُوَ الْأَمِيرُ نُوحُ بْنُ نَصْرٍ، فَأَعْطَاهُ جَائِزَةً سَنِيَّةً، وَحَكَّمَهُ فِي خِزَانَةِ كُتُبِهِ، فَرَأَى فِيهَا مِنَ الْعَجَائِبِ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ عَزَا بَعْضَ تِلْكَ الْكُتُبِ إِلَى نَفْسِهِ.
وَلَهُ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالطَّبِيعِيَّاتِ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ.

قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: لَهُ نَحْوٌ مِنْ مِائَةِ مُصَنَّفٍ ; صِغَارٍ وَكِبَارٍ، مِنْهَا " الْقَانُونُ " وَ " الشِّفَاءُ " وَ " النَّجَاةُ " وَ " الْإِشَارَاتُ " وَ " سلَامَانُ وَإِبْسَالُ " وَ " حَيُّ بْنُ يَقْظَانَ " وَغَيْرُ ذَلِكَ.
قَالَ: وَكَانَ مِنْ فَلَاسِفَةِ الْإِسْلَامِ.
ثُمَّ أَوْرَدَ لَهُ مِنَ الْأَشْعَارِ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ الْمَحَلِّ الْأَرْفَعِ ... وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمَنُّعِ مَحْجُوبَةٌ عَنْ كُلِّ مُقْلَةِ عَارِفٍ ... وَهْيَ الَّتِي سَفَرَتْ فَلَمْ تَتَبَرْقَعِ وَصَلَتْ عَلَى كُرْهٍ إِلَيْكَ وَرْبَّمَا ... كَرِهَتْ فِرَاقَكَ وَهْيَ ذَاتُ تَفُجُّعِ وَهِيَ طَوِيلَةٌ.
وَقَوْلُهُ أَيْضًا: اجْعَلْ غِذَاءَكَ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً ... وَاحْذَرْ طَعَامًا قَبْلَ هَضْمِ طَعَامِ وَاحْفَظْ مَنِيَّكَ مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّهُ ... مَاءُ الْحَيَاةِ يُرَاقُ فِي الْأَرْحَامِ وَذَكَرَ أَنَّهُ مَاتَ بِالْقُولَنْجِ فِي هَمَذَانَ، وَقِيلَ: بِأَصْبَهَانَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، عَنْ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
قُلْتُ: وَقَدْ لَخَّصَ الْغَزَّالِيُّ كَلَامَهُ فِي " مَقَاصِدِ الْفَلَاسِفَةِ "، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ فِي " تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةِ " فِي عِشْرِينَ مَسْأَلَةً، كَفَّرَهُ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ مِنْهُنَّ ; وَهِيَ قَوْلُهُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، وَعَدَمِ الْمَعَادِ الْجُسْمَانِيِّ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ، وَبَدَّعَهُ فِي الْبَوَاقِي، وَيُقَالُ: إِنَّهُ تَابَ عِنْدَ الْمَوْتِ.
فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا بُدُوُّ مُلْكِ السَّلَاجِقَةِ.
وَفِيهَا اسْتَوْلَى رُكْنُ الدَّوْلَةِ أَبُو طَالِبٍ طُغْرُلْبَكُ مُحَمَّدُ بْنُ مِيكَائِيلَ بْنِ سَلْجُوقَ عَلَى نَيْسَابُورَ وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهَا، وَبَعَثَ أَخَاهُ دَاوُدَ إِلَى سَائِرِ بِلَادِ خُرَاسَانَ، فَمَلَكَهَا وَانْتَزَعَهَا مِنْ نُوَّابِ الْمَلِكِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ.
وَفِيهَا قَتْلُ جَيْشِ الْمِصْرِيِّينَ لِصَاحِبِ حَلَبَ وَهُوَ شِبْلُ الدَّوْلَةِ نَصْرُ بْنُ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى حَلَبَ وَأَعْمَالِهَا.
وَفِيهَا سَأَلَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ الْخَلِيفَةَ أَنْ يُلَقَّبَ بِمُلْكِ الدَّوْلَةِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ بَعْدَ تَمَنُّعٍ.
وَفِيهَا اسْتَدْعَى الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ الْقُضَاةَ وَالْفُقَهَاءَ، وَأَحْضَرَ جَاثَلِيقَ النَّصَارَى وَرَأَسَ جَالُوتِ الْيَهُودِ، وَأُلْزِمُوا بِالْغِيَارِ.
وَفِي رَمَضَانَ لُقِّبَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ شَاهِنْشَاهِ الْأَعْظَمَ مَلِكَ الْمُلُوكِ بِأَمْرِ الْخَلِيفَةِ، وَخُطِبَ بِذَلِكَ عَلَى الْمَنَابِرِ، فَنَفَرَتِ الْعَامَّةُ مِنْ ذَلِكَ، وَرَمَوُا الْخُطَبَاءَ بِالْآجُرِّ، وَوَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَاسْتُفْتِيَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَأَفْتَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ

الصَّيْمَرِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْقَصْدُ وَالنِّيَّةُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: 247] وَقَالَ: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: 79] وَإِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ مُلُوكٌ جَازَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ ; لِتَفَاضُلِهِمْ فِي الْقُوَّةِ وَالْإِمْكَانِ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ أَعْظَمَ مِنْ بَعْضٍ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ التَّكَبُّرَ وَلَا الْمُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِينَ.
وَكَتَبَ الْقَاضِي أَبُو الطِّيبِ الطَّبَرِيُّ: إِنَّ إِطْلَاقَ مَلِكِ الْمُلُوكِ جَائِزٌ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ مَلِكَ مُلُوكِ الْأَرْضِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يُقَالَ: كَافِي الْكُفَاةِ وَقَاضِي الْقُضَاةِ، جَازَ مَلِكُ الْمُلُوكِ.
وَإِذَا كَانَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مُلُوكُ الْأَرْضِ زَالَتِ الشُّبْهَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: اللَّهُمَّ أَصْلِحِ الْمَلِكَ، فَيُصْرَفُ الْكَلَامُ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ، وَكَتَبَ التَّمِيمِيُّ الْحَنْبَلِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ صَاحِبُ " الْحَاوِي الْكَبِيرِ " فَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ فِي " أَدَبِ الْمُفْتِي " أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَصَرَّ عَلَى الْمَنْعِ، مَعَ صُحْبَتِهِ لِلْمَلِكِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَكَثْرَةِ تَرْدَادِهِ إِلَيْهِ، وَوَجَاهَتِهِ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى اسْتَدْعَاهُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ، دَخَلَ وَهُوَ وَجِلٌ خَائِفٌ أَنْ يُوقِعَ بِهِ مَكْرُوهًا، فَلَمَّا وَاجَهَهُ قَالَ لَهُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ إِنَّمَا مَنَعَكَ مِنْ مُوَافَقَةِ الَّذِينَ جَوَّزُوا ذَلِكَ، مَعَ صُحْبَتِكَ إِيَّايَ وَوَجَاهَتِكَ عِنْدِي، دِينُكَ وَاتِّبَاعُكَ الْحَقَّ، وَلَوْ حَابَيْتَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ لَحَابَيْتَنِي، وَقَدْ زَادَكَ ذَلِكَ

عِنْدِي مَحَبَّةً وَمَكَانَةً.
قُلْتُ: وَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ مِنَ الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ الَّتِي وَرَدَتْ بِهَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ; قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي " مَسْنَدِهِ ": حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ» . قَالَ أَحْمَدُ: سَأَلْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ عَنْ " أَخْنَعِ اسْمٍ " قَالَ: أَوْضَعُ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ نَبِيُّهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الثَّعَالِبِيُّ صَاحِبُ " يَتِيمَةِ الدَّهْرِ " أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ

جارٍ التحميل