[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ مُسْتَهَلِّ شَعْبَانَ طَلَعَ نَجْمٌ يُشْبِهُ الزُّهَرَةَ فِي كِبَرِهِ وَضَوْئِهِ عَنْ يُسْرَةِ الْقِبْلَةِ يَتَمَوَّجُ، وَلَهُ شُعَاعٌ عَلَى الْأَرْضِ كَشُعَاعِ الْقَمَرِ، وَثَبَتَ إِلَى النِّصْفِ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، ثُمَّ غَابَ.
وَفِيهَا وَلِيَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَكْفَانِيِّ قَضَاءَ جَمِيعِ بَغْدَادَ وَفِيهَا جَلَسَ الْقَادِرُ لِلْأَمِيرِ قِرْوَاشِ بْنِ أَبِي حَسَّانَ وَأَفْرَدَهُ فِي إِمَارَةِ الْكُوفَةِ، وَلَقَّبَهُ مُعْتَمِدَ الدَّوْلَةِ.
وَفِيهَا قُلِّدَ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ نِقَابَةَ الطَّالِبِيِّينَ، وَلُقِّبَ بِالرَّضِيِّ ذِي الْحَسَبَيْنِ، وَلُقِّبَ أَخُوهُ الْمُرْتَضَى ذَا الْمَجْدَيْنِ.
وَفِيهَا غَزَا يَمِينُ الدَّوْلَةِ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ بِلَادَ الْهِنْدِ، فَافْتَتَحَ مُدُنًا كِبَارًا مِنْهَا، وَأَخَذَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَأَسَرَ بَعْضَ مُلُوكِهِمْ، وَهُوَ مَلِكُ كَوَاشَى حِينَ هَرَبَ مِنْهُ لَمَّا افْتَتَحَهَا، وَكَسَّرَ أَصْنَامَهَا، فَأَلْبَسَهُ مِنْطَقَةً، وَشَدَّهَا عَلَى وَسَطِهِ بَعْدَ تَمَنُّعٍ شَدِيدٍ، وَقَطَعَ خِنْصَرَهُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ ; إِهَانَةً لَهُ وَإِظْهَارًا لِعَظَمَةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ.
وَفِيهَا كَانَتِ الْخُطْبَةُ بِالْحَرَمَيْنِ لِلْحَاكِمِ الْعُبَيْدِيِّ، وَتَجَدَّدُ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ أَنَّهُ
إِذَا ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْحَاكِمَ يَقُومُ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَكَذَلِكَ فَعَلُوا بِدِيَارِ مِصْرَ مَعَ زِيَادَةِ السُّجُودِ، وَكَانُوا يَسْجُدُونَ عِنْدَ ذِكْرِهِ ; يَسْجُدُ مَنْ هُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَمَنْ هُوَ فِي الْأَسْوَاقِ أَيْضًا يَسْجُدُونَ لِسُجُودِهِمْ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَبُو سَعْدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَبُو سَعْدٍ الْجُرْجَانِيُّ
الْمَعْرُوفُ بِالْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَرَدَ بَغْدَادَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ حَيٌّ، وَحَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَالْأَصَمِّ وَابْنِ عَدِيٍّ، وَحَدَّثَ عَنْهُ الْخَلَّالُ وَالتَّنُوخِيُّ، وَكَانَ ثِقَةً فَاضِلًا، فَقِيهًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، عَارِفًا بِالْعَرَبِيَّةِ، سَخِيًّا جَوَّادًا عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَهُ وَرَعٌ، وَالرِّيَاسَةُ إِلَى الْيَوْمِ فِي بَلَدِهِ إِلَى وَلَدِهِ.
قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا الطِّيبِ الطَّبَرِيَّ يَقُولُ: وَرَدَ أَبُو سَعْدٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بَغْدَادَ فَعَقَدَ لَهُ الْفُقَهَاءُ مَجْلِسَيْنِ ; تَوَلَّى أَحَدَهُمَا أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ وَتَوَلَّى الثَّانِيَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَافِيُّ، فَبَعَثَ الْبَافِيُّ إِلَى الْقَاضِي الْمُعَافَى بْنِ زَكَرِيَّا الْجَرِيرِيِّ يَسْتَدْعِيهِ إِلَى حُضُورِ الْمَجْلِسِ ; لِيَتَجَمَّلَ بِحُضُورِهِ، وَكَانَتِ الرِّسَالَةُ مَعَ وَلَدِهِ أَبِي الْفَضْلِ، وَكَتَبَ عَلَى يَدِهِ هَذَيْنَ الْبَيْتَيْنِ:
إِذَا أَكْرَمَ الْقَاضِي الْجَلِيلُ وَلِيَّهُ ... وَصَاحَبَهُ أَلْفَاهُ لِلشُّكْرِ مَوْضِعَا
وَلِي حَاجَةٌ يَأْتِي بُنَيَّ بِذَكْرِهَا ... وَيَسْأَلُهُ فِيهَا التَّطَوُّلَ أَجْمَعَا
فَأَجَابَهُ الْجَرِيرِيُّ مَعَ وَلَدِ الشَّيْخِ:
دَعَا الشُّيْخُ مِطْوَاعًا سَمِيعًا لِأَمْرِهِ ... يُوَاتِيهِ بَاعًا حَيْثُ يَرْسُمُ أَصْبُعَا
وَهَا أَنَا غَادٍ فِي غَدٍ نَحْوَ دَارِهِ ... أُبَادِرُ مَا قَدْ حَدَّهُ لِي مُسْرِعَا
وَكَانَتْ وَفَاةُ أَبِي سَعْدٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَجْأَةً بِجُرْجَانَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ، فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، فَلَمَّا قَرَأَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] فَاضَتْ نَفْسُهُ فَمَاتَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَحِيرٍ، أَبُو عَمْرٍو الْمُزَكِّي
الْحَافِظُ النَّيْسَابُورِيُّ، وَيُعْرَفُ بِالْبَحِيرِيِّ، رَحَلَ إِلَى الْآفَاقِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَكَانَ حَافِظًا جَيِّدَ الْمُذَاكَرَةِ، ثِقَةً، ثَبْتًا، حَدَّثَ بِبَغْدَادَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَتُوَفِّيَ فِي شَعْبَانِ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ الْحَافِظُ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْفَهَانِيُّ الْحَافِظُ
مِنْ بَيْتِ الْحَدِيثِ وَالْحِفْظِ، رَحَلَ
إِلَى الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ، وَصَنَّفَ " التَّارِيخَ " وَ " الشُّيُوخَ ". قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ: مَا رَأَيْتُ أَحْفَظَ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ.
تُوُفِّيَ بِأَصْفَهَانَ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّانَا بِرَحْمَتِهِ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا كَانَ خُرُوجُ أَبِي رَكْوَةَ عَلَى الْحَاكِمِ الْعُبَيْدِيِّ صَاحِبِ مِصْرَ.
وَمُلَخَّصُ أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ: أَنَّهُ كَانَ مِنْ سُلَالَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ الْأُمَوِيِّ، وَاسْمُهُ الْوَلِيدُ، وَإِنَّمَا لُقِّبَ بِأَبِي رَكْوَةَ ; لِرَكْوَةٍ كَانَ يَسْتَصْحِبُهَا فِي أَسْفَارِهِ عَلَى طَرِيقِ الصُّوفِيَّةِ، وَقَدْ كَانَ سَمِعَ الْحَدِيثَ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ بِالْيَمَنِ، ثُمَّ دَخَلَ الشَّامَ وَهُوَ فِي غُبُونِ هَذَا كُلِّهِ يُبَايِعُ مَنِ انْقَادَ لَهُ، مِمَّنْ يَرَى عِنْدَهُ هِمَّةً وَنَهْضَةً لِلْقَائِمِ مِنْ وَلَدِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيِّ، ثُمَّ إِنَّهُ أَقَامَ بِبَعْضِ بِلَادِ مِصْرَ فِي حَلَّةٍ مِنْ حِلَالِ الْعَرَبِ، يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ، وَيُظْهِرُ النُّسُكَ وَالتَّقَشُّفَ وَالْعِبَادَةَ وَالْوَرَعَ، وَيُخْبِرُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُغَيَّبَاتِ، حَتَّى خَضَعُوا لَهُ وَعَظَّمُوهُ جِدًّا، ثُمَّ دَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّهُ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الْأُمَوِيِّينَ، فَاسْتَجَابُوا لَهُ وَخَضَعُوا، وَخَاطَبُوهُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلُقِّبَ بِالثَّائِرِ بِأَمْرِ اللَّهِ الْمُنْتَصِرِ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ.
وَدَخَلَ بَرْقَةَ فِي جَحْفَلٍ، فَجَمَعَ لَهُ أَهْلُهَا نَحْوًا مِنْ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَخَذَ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ اتُّهِمَ بِشَيْءِ مِنَ الْوَدَائِعِ فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ أَيْضًا، وَنَقَشُوا الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ بِأَلْقَابِهِ، وَخَطَبَ بِالنَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَعَنَ الْحَاكِمَ فِي خُطْبَتِهِ - وَنِعِمَّا فَعَلَ - فَالْتَفَّ عَلَى أَبِي رَكْوَةَ مِنَ الْجُنُودِ نَحْوٌ مَنْ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا،
فَلَمَّا بَلَغَ الْحَاكِمَ أَمْرُهُ وَمَا آلَ إِلَيْهِ حَالُهُ، بَعَثَ بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَخَمْسَةِ آلَافِ ثَوْبٍ مِنَ الْحَرِيرِ إِلَى مُقَدَّمِ جُيُوشِ أَبِي رَكْوَةَ - وَهُوَ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - يَسْتَمِيلُهُ إِلَيْهِ وَيَثْنِيهِ عَنْ أَبِي رَكْوَةَ، فَحِينَ وَصَلَتْهُ الْأَمْوَالُ مِنَ الْحَاكِمِ، رَجَعَ عَنْ أَبِي رَكْوَةَ، وَقَالَ: إِنَّا لَا طَاقَةَ لَنَا بِالْحَاكِمِ، وَمَا دُمْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَنَحْنُ مَطْلُوبُونَ بِسَبَبِكَ، فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ بَلَدًا تَكُونُ فِيهَا.
فَسَأَلَ أَنْ يَبْعَثُوا مَعَهُ فَارِسَيْنِ يُوصِّلَانِهِ إِلَى النَّوْبَةِ فَإِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَلِكِهَا مَوَدَّةً وَصُحْبَةً، فَأَرْسَلَهُ، ثُمَّ بَعَثَ وَرَاءَهُ مَنْ رَدَّهُ إِلَى الْحَاكِمِ بِمِصْرَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ أَرْكَبَهُ جَمَلًا وَأَشْهُرَهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، ثُمَّ أَكْرَمَ الْحَاكِمُ الْفَضْلَ، وَأَقْطَعَهُ إِقْطَاعَاتٍ كَثِيرَةً.
وَاتَّفَقَ مَرَضُ الْفَضْلِ، فَعَادَهُ الْحَاكِمُ مَرَّتَيْنِ، فَلَمَّا عُوفِيَ قَتَلَهُ، وَأَلْحَقَهُ بِصَاحِبِهِ أَيْضًا، وَكَافَأَهُ مُكَافَأَةَ التِّمْسَاحِ.
وَفِي رَمَضَانَ مِنْهَا عُزِلَ قِرْوَاشٌ عَمَّا كَانَ بِيَدِهِ وَوَلِيَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مَزْيَدٍ، وَلُقِّبَ بِسَنَدِ الدَّوْلَةِ.
وَفِيهَا هَزَمَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ أَتْلَكَ مَلِكَ التُّرْكِ عَنْ بِلَادِ خُرَاسَانَ وَقَتَلَ مِنَ الْأَتْرَاكِ خَلْقًا كَثِيرًا.
وَفِيهَا قُتِلَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ وَاصِلٍ صَاحِبُ الْبَصْرَةِ وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، فَطِيفَ بِهِ بِخُرَاسَانَ وَفَارِسٍ.
وَفِيهَا ثَارَتْ عَلَى الْحَجِيجِ وَهُمْ بِالطَّرِيقِ رِيحٌ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ جِدًّا، وَاعْتَرَضَهُمُ
ابْنُ الْجَرَّاحِ أَمِيرُ الْأَعْرَابِ فَاعْتَاقَهُمْ عَنِ الذَّهَابِ، فَفَاتَهُمُ الْحَجُّ فَرَجَعُوا إِلَى بَغْدَادَ فَدَخَلُوهَا فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ بِالْحَرَمَيْنِ لِلْمِصْرِيِّينَ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أَبُو الْقَاسِمِ الدِّينَوَرِيُّ
الْوَاعِظُ الزَّاهِدُ، قَرَأَ الْقُرْآنَ، وَدَرَسَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ سَلْمَانَ النَّجَّادِ، وَرَوَى عَنْهُ الْأَزَجِيُّ وَالصَّيْمَرِيُّ، وَكَانَ ثِقَةً صَالِحًا، يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ، وَاسْتِعْمَالِ الصِّدْقِ الْمَحْضِ، وَالتَّعَفُّفِ وَالتَّقَشُّفِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَحُسْنِ وَعْظِهِ وَنَفْعِهِ فِي الْقُلُوبِ.
جَاءَهُ يَوْمًا رَجُلٌ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَقَالَ: أَنَا غَنِيٌّ عَنْهَا.
قَالَ: خُذْهَا فَفَرِّقْهَا عَلَى أَصْحَابِكَ هَؤُلَاءِ، فَقَالَ: ضَعْهَا عَلَى الْأَرْضِ، فَوَضَعَهَا، ثُمَّ قَالَ لِلْجَمَاعَةِ: لِيَأْخُذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ حَاجَتَهُ مِنْهَا، فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ بِقَدْرِ حَاجَاتِهِمْ حَتَّى أَنْفَذُوهَا، وَجَاءَ وَلَدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَشَكَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُمْ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى الْبَقَّالِ، فَخُذْ عَلَيَّ رُبُعَ رِطْلِ تَمْرٍ.
وَرَآهُ رَجُلٌ، وَقَدِ اشْتَرَى دَجَاجَةً وَحَلْوَاءَ، فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ، فَاتَّبَعَهُ فَانْتَهَى
إِلَى دَارٍ فِيهَا أَرَامِلُ وَأَيْتَامٌ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِمْ.
وَقَدْ كَانَ يَدُقُّ السُّعْدَ لِلْعَطَّارِينَ بِالْأُجْرَةِ وَيَقْتَاتُ مِنْهُ.
وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَعَلَ يَقُولُ: سَيِّدِي، لِهَذِهِ السَّاعَةِ خَبَّأْتُكَ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ وَاصِلٍ
صَاحِبُ سِيرَافَ وَالْبَصْرَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْبِلَادِ، كَانَ أَوَّلًا يَخْدِمُ بِالْكَرْخِ، وَكَانَ مُتَصَوَّرًا لَهُ أَنَّهُ سَيَمْلِكُ، فَكَانَ أَصْحَابُهُ يَهْزَءُونَ بِهِ وَيَمْجُنُونَ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: إِذَا مَلَكْتَ فَاسْتَخْدِمْنِي، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اخْلَعْ عَلَيَّ، وَيَقُولُ الْآخَرُ: عَاقِبْنِي.
فَقُدِّرَ لَهُ أَنْ تَتَقَلَّبَ بِهِ الْأَحْوَالُ إِلَى أَنْ مَلَكَ سِيرَافَ ثُمَّ الْبَصْرَةَ وَأَخَذَ بِلَادَ الْبَطِيحَةِ مِنْ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا طَرِيدًا، بِحَيْثُ إِنَّهُ احْتَاجَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ إِلَى أَنْ رَكِبَ بَقَرَةً، وَاسْتَحْوَذَ ابْنُ وَاصِلٍ عَلَى مَا هُنَاكَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْحَوَاصِلِ، وَقَصَدَ الْأَهْوَازَ، وَهَزَمَ بِهَاءَ الدَّوْلَةِ، ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ، فَقَتَلَهُ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَطِيفَ بِرَأْسِهِ فِي الْبِلَادِ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا غَزَا يَمِينُ الدَّوْلَةِ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ بِلَادَ الْهِنْدِ، فَفَتَحَ حُصُونًا كَثِيرَةً، وَأَخَذَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً وَجَوَاهِرَ نَفِيسَةً، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَا وَجَدَ بَيْتٌ طُولُهُ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا، وَعَرْضُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا مَمْلُوءًا فِضَّةً، وَلَمَّا رَجَعَ إِلَى غَزْنَةَ بَسَطَ هَذِهِ الْحَوَاصِلَ كُلَّهَا فِي صَحْنِ دَارِهِ، وَأَذِنَ لِرُسُلِ الْمَلِكِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَرَأَوْا مَا بَهَرَهُمْ وَهَالَهُمْ.
وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَقَعَ بِبَغْدَادَ ثَلْجٌ عَظِيمٌ، بِحَيْثُ بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ذِرَاعًا وَنِصْفًا، وَمَكَثَ أُسْبُوعًا لَمْ يَذُبْ، وَبَلَغَ سُقُوطُهُ إِلَى تِكْرِيتَ وَالْكُوفَةِ وَعَبَّادَانَ وَالنَّهْرَوَانَاتِ.
وَفِي هَذَا الشَّهْرِ كَثُرَتِ الْعَمَلَاتُ خَفِيَّةً وَجَهْرَةً، حَتَّى مِنَ الْمَسَاجِدِ وَالْمَشَاهِدِ، ثُمَّ ظَفِرَ أَصْحَابُ الشُّرْطَةِ بِكَثِيرٍ مِنْهُمْ فَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَكَحَلُوهُمْ وَشَهَرُوهُمْ، فَخَمَدَتِ الْفِتْنَةُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
قِصَّةُ مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَتَحْرِيقِهِ عَنْ فُتْيَا الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظَمِ " وَفِي عَاشِرِ رَجَبٍ جَرَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ الرَّافِضَةِ وَالسُّنَّةِ، سَبَبُهَا أَنَّ بَعْضَ الْهَاشِمِيِّينَ قَصَدَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ النُّعْمَانِ، الْمَعْرُوفَ بِابْنِ الْمُعَلِّمِ - وَكَانَ فَقِيهَ الشِّيعَةِ - فِي مَسْجِدِهِ بِدَرْبِ رِيَاحٍ، فَعَرَضَ لَهُ بِالسَّبِّ، فَثَارَ أَصْحَابُهُ لَهُ، وَاسْتَنْفَرَ أَصْحَابَ الْكَرْخِ، وَصَارُوا إِلَى دَارِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ الْأَكْفَانِيِّ وَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَجَرَتْ فِتْنَةٌ طَوِيلَةٌ، وَأَحْضَرَتِ الشِّيعَةُ مُصْحَفًا ذَكَرُوا أَنَّهُ مُصْحَفُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ يُخَالِفُ الْمَصَاحِفَ كُلَّهَا، فَجُمِعَ الْأَشْرَافُ وَالْقُضَاةُ وَالْفُقَهَاءُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِلَّيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ رَجَبٍ، وَعُرِضَ الْمُصْحَفُ عَلَيْهِمْ، فَأَشَارَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ وَالْفُقَهَاءُ بِتَحْرِيقِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْهُمْ، فَغَضِبَ الشِّيعَةُ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَجَعَلُوا يَدْعُونَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَيَسُبُّونَهُ، وَقَصَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَحْدَاثِهِمْ دَارَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ لِيُؤْذُوهُ، فَانْتَقَلَ مِنْهَا إِلَى دَارِ الْقُطْنِ، وَصَاحُوا: يَا حَاكِمُ يَا مَنْصُورُ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الْخَلِيفَةَ، فَغَضِبَ وَبَعَثَ أَعْوَانَهُ لِنُصْرَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَحُرِّقَتْ
دُورٌ كَثِيرَةٌ مِنْ دُورِ الشِّيعَةِ، وَجَرَتْ خُطُوبٌ شَدِيدَةٌ، وَبَعَثَ عَمِيدَ الْجُيُوشِ إِلَى بَغْدَادَ لِيَنْفِيَ عَنْهَا ابْنَ الْمُعَلِّمِ فَأُخْرِجَ مِنْهَا، ثُمَّ شُفِعَ فِيهِ، وَمُنِعَتِ الْقُصَّاصُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْفِتَنِ وَالسُّؤَالِ بَاسِمِ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَادَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ إِلَى دَارِهِ عَلَى عَادَتِهِ.
وَفِي شَعْبَانَ زُلْزِلَتِ الدِّينَوَرُ زِلْزَالًا شَدِيدًا، سَقَطَتْ مِنْهَا دُورٌ كَثِيرَةٌ، وَهَلَكَ تَحْتَ الْهَدْمِ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا غَيْرَ مَنْ سَاخَتْ بِهِ الْأَرْضُ، وَهَلَكَ لِلنَّاسِ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَثَاثِ وَالْأَمْتِعَةِ.
وَهَبَّتْ رِيحٌ سَوْدَاءُ بِدَقُوقَاءَ وَتِكْرِيتَ وَشِيرَازَ، فَقَلَعَتْ كَثِيرًا مِنَ الْمَنَازِلِ وَالنَّخِيلِ وَالزَّيْتُونِ، وَقَتَلَتْ خَلْقًا كَثِيرًا.
وَسَقَطَ بَعْضُ شِيرَازَ وَوَقَعَتْ رَجْفَةٌ بِشِيرَازَ، غَرِقَ بِسَبَبِهَا مَرَاكِبُ كَثِيرَةٌ فِي الْبَحْرِ، وَوَقَعَ بِوَاسِطٍ بَرَدٌ زِنَةُ الْوَاحِدَةِ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَسِتَّةُ دَرَاهِمَ.
وَوَقَعَ بِبَغْدَادَ فِي رَمَضَانَ - وَذَلِكَ فِي أَيَّارَ - مَطَرٌ عَظِيمٌ سَالَتْ مِنْهُ الْمَزَارِيبُ.
ذِكْرُ تَخْرِيبِ قُمَامَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ
وَفِيهَا أَمَرَ الْحَاكِمُ الْعُبَيْدِيُّ بِتَخْرِيبِ كَنِيسَةِ الْقُمَامَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَبَاحَ لِلْعَامَّةِ مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْتِعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ مَا أُنْهِيَ مِنَ الْبُهْتَانِ الَّذِي يَتَعَاطَاهُ النَّصَارَى فِي يَوْمِ الْفُصْحِ مِنَ النَّارِ الَّتِي يَحْتَالُونَ لَهَا، بِحَيْثُ يَتَوَهَّمُ الْأَغْمَارُ مِنْ جَهَلَتِهِمْ أَنَّهَا نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ، وَإِنَّمَا هِيَ مَصْنُوعَةٌ بِدُهْنِ الْبَلَسَانِ فِي خُيُوطِ الْإِبْرَيْسَمِ الرِّفَاعِ الْمَدْهُونَةِ بِالْكِبْرِيتِ وَغَيْرِهِ، بِالصَّنْعَةِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي تَرُوجُ عَلَى الطَّغَامِ مِنْهُمْ وَالْعَوَامِّ، وَهُمْ إِلَى الْآنِ يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ بِعَيْنِهِ.
وَكَذَلِكَ أَمَرَ بِهَدْمِ عِدَّةِ كَنَائِسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِبِلَادِ مِصْرَ، وَنُودِيَ فِي النَّصَارَى بِمِصْرَ: مَنْ أَحَبَّ الدُّخُولَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ دَخَلَ، وَمَنْ لَا يَدْخُلْ فَلْيَرْجِعْ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ آمِنًا، وَمَنْ أَقَامَ مِنْهُمْ عَلَى دِينِهِ فَلْيَلْتَزِمْ بِمَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي زَادَ فِيهَا عَلَى الْعُمَرِيَّةِ، مِنْ تَعْلِيقِ الصُّلْبَانِ عَلَى صُدُورِهِمْ مِنْ خَشَبٍ زِنَةُ الصَّلِيبِ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ أَرْطَالٍ، وَعَلَى الْيَهُودِ تَعْلِيقُ رَأْسِ الْعِجْلِ زِنَتُهُ سِتَّةُ أَرْطَالٍ، وَفِي الْحَمَّامِ يَكُونُ فِي عُنُقِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ قِرْبَةٌ زِنَةُ خَمْسَةِ أَرْطَالٍ، وَأَجْرَاسٌ، وَأَنْ لَا يَرْكَبُوا خَيْلًا.
ثُمَّ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ أَمَرَ بِإِعَادَةِ بِنَاءِ الْكَنَائِسِ الَّتِي هَدَمَهَا، وَأَذِنَ لِمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فِي الِارْتِدَادِ إِلَى دِينِهِ، وَقَالَ: نُنَزِّهُ مَسَاجِدَنَا أَنْ يَدْخُلَهَا مَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ.
قَبَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَافِيُّ
الْبُخَارِيُّ الْخُوَارِزْمِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ فِي وَقْتِهِ، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ الدَّارَكِيِّ، وَدَرَّسَ مَكَانَهُ، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ جَيِّدَةٌ بِالْأَدَبِ وَالْفَصَاحَةِ وَالشِّعْرِ.
جَاءَ مَرَّةً لِيَزُورَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَلَمْ يَجِدْهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ:
قَدْ حَضَرْنَا وَلَيْسَ يَقْضِي التَّلَاقِي ... نَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرَ هَذَا الْفِرَاقِ
إِنْ تَغِبْ لَمْ أَغِبْ وَإِنْ لَمْ تَغِبْ غِبْ ... تُ كَأَنَّ افْتِرَاقَنَا بِاتِّفَاقِ
وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي مُحَرَّمِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرْجَمَتَهُ فِي " طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ ".
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَبُو الْقَاسِمِ الْمُقْرِئُ الْمَعْرُوفُ بِالصَّيْدَلَانِيِّ
وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنِ ابْنِ صَاعِدٍ مِنَ الثِّقَاتِ، وَرَوَى عَنْهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا صَالِحًا.
تُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَاوَزَ
التِّسْعِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
الْبَبَّغَاءُ، عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ نَصْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَبُو الْفَرَجِ الْمَخْزُومِيُّ
الشَّاعِرُ الْمُلَقَّبُ بِالْبَبَّغَاءِ، تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ أَدِيبًا فَاضِلًا مُتَرَسِّلًا شَاعِرًا مُجِيدًا، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
يَا مَنْ تَشَابَهَ مِنْهُ الْخَلْقُ وَالْخَلْقُ ... فَمَا تُسَافِرُ إِلَّا نَحْوَهُ الْحَدَقُ
تَوْرِيدُ دَمْعِي مَنْ خَدَّيْكَ مُخْتَلَسٌ ... وَسُقْمُ جِسْمِي مِنْ جَفْنَيْكَ مُسْتَرَقُ
لَمْ يَبْقَ لِي رَمَقٌ أَشْكُو هَوَاكَ بِهِ ... وَإِنَّمَا يَتَشَكَّى مَنْ بِهِ رَمَقُ
مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ
أَحَدُ الْعُلَمَاءِ الزُّهَّادِ الْعُبَّادِ، الْمُنَاظِرِينَ لِأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ، وَكَانَ يُدَرِّسُ فِي قَطِيعَةِ الرَّبِيعِ، وَقَدْ فُلِجَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَحِينَ مَاتَ دُفِنَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ.
أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَبُو الْفَضْلِ الْهَمَذَانِيُّ
الْحَافِظُ الْمَعْرُوفُ بِبَدِيعِ الزَّمَانِ، صَاحِبُ الرَّسَائِلِ الرَّائِقَةِ، وَالْمَقَامَاتِ الْفَائِقَةِ، وَعَلَى مِنْوَالِهِ نَسَجَ الْحَرِيرِيُّ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ، وَشَكَرَ تَقَدُّمَهُ، وَاعْتَرَفَ بِفَضْلِهِ، وَكَانَ قَدْ أَخَذَ اللُّغَةَ عَنِ ابْنِ فَارِسٍ، ثُمَّ بَرَزَ، وَكَانَ أَحَدَ الْفُضَلَاءِ الْفُصَحَاءِ، وَيُذْكَرُ أَنَّهُ سُمَّ،
وَأَخَذَتْهُ سَكْتَةٌ، فَدُفِنَ سَرِيعًا، ثُمَّ عَاشَ فِي قَبْرِهِ، وَسَمِعُوا صُرَاخَهُ، فَنَبَشُوا عَنْهُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ، وَهُوَ آخِذٌ عَلَى لِحْيَتِهِ مِنْ هَوْلِ الْقَبْرِ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَفَا عَنْهُ وَسَامَحَهُ وَإِيَّانَا بِمَنِّهِ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِيهَا قُتِلَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ ثُمَالٍ نَائِبُ الرَّحْبَةِ مِنْ طَرَفِ الْحَاكِمِ الْعُبَيْدِيِّ، قَتَلَهُ عِيسَى بْنُ خَلَّاطٍ الْعُقَيْلِيُّ، وَمَلَكَهَا، فَأَخْرَجَهُ مِنْهَا عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ صَاحِبُ حَلَبَ وَمَلَكَهَا.
وَفِيهَا صُرِفَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنْ قَضَاءِ الْبَصْرَةِ وَوَلِيَهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُهَنُّونَ هَذَا وَيُعَزُّونَ هَذَا، فَقَالَ فِي ذَلِكَ الْعُصْفُرِيُّ:
عِنْدِي حَدِيثٌ طَرِيفٌ ... بِمِثْلِهِ يَتَغَنَّى
مِنْ قَاضِيَيْنِ يُعَزَّى ... هَذَا وَهَذَا يُهَنَّا
فَذَا يَقُولُ أَكْرَهُونَا ... وَذَا يَقُولُ اسْتَرَحْنَا
وَيَكْذِبَانِ وَنَهْذِي ... فَمَنْ يُصَدَّقُ مِنَّا
وَفِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَصَفَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَأَلْقَتْ رَمْلًا أَحْمَرَ فِي طُرُقَاتِ بَغْدَادَ.
وَفِيهَا هَبَّتْ عَلَى الْحُجَّاجِ رِيحٌ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ، وَاعْتَرَضَهُمُ الْأَعْرَابُ، فَصَدُّوهُمْ عَنِ السَّبِيلِ، وَاعْتَاقُوهُمْ حَتَّى فَاتَهُمُ الْحَجُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا، فَرَجَعُوا
وَأَخَذَتْ بَنُو هِلَالٍ طَائِفَةً مِنْ حُجَّاجِ الْبَصْرَةِ نَحْوًا مِنْ سِتِّمِائَةِ وَاحِدٍ، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ.
وَالْخُطْبَةُ بِالْحَرَمَيْنِ لِلْمِصْرِيِّينَ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَبُو أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ
سَمِعَ بِبَغْدَادَ وَمَكَّةَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْبِلَادِ، وَكَانَ مُكْثِرًا، سَمِعَ مِنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَعَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ، ثُمَّ أَقَامَ بِالشَّامِ بِالْقُرْبِ مِنْ جَبَلٍ عِنْدَ بَانْيَاسَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى إِلَى أَنْ مَاتَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَبُو مُسْلِمٍ
كَاتِبُ الْوَزِيرِ ابْنُ حِنْزَابَةَ، رَوَى عَنِ الْبَغَوِيِّ وَابْنِ صَاعِدٍ وَابْنِ دُرَيْدٍ وَابْنِ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَكَانَ آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ الْبَغَوِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْفَهْمِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْبَغَوِيِّ ; لِأَنَّ أُصُولَهُ كَانَ غَالِبُهَا مَفْسُودًا.
وَذَكَرَ الصُّورِيُّ أَنَّهُ خَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ
الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ الْمِصْرِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ " الزِّيجِ الْحَاكِمِيِّ " فِي أَرْبَعِ مُجَلَّدَاتٍ، كَانَ أَبُوهُ مِنْ أَكَابِرِ الْمُحَدِّثِينَ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَقَدْ أَرَّخَ لِمِصْرَ تَارِيخًا نَافِعًا يَرْجِعُ إِلَيْهِ الْعُلَمَاءُ، وَأَمَّا هَذَا فَاشْتَغَلَ بِعِلْمِ النُّجُومِ، فَنَالَ مِنْ شَأْنِهِ مَنَالًا جَيِّدًا، وَكَانَ شَدِيدَ الِاعْتِنَاءِ بِعِلْمِ الرَّصْدِ، وَكَانَ مَعَ هَذَا مُغَفَّلًا، سَيِّئَ الْحَالِ، رَثَّ الثِّيَابِ، طَوِيلًا يَتَعَمَّمُ عَلَى طُرْطُورٍ طَوِيلٍ وَيَتَطَيْلَسُ فَوْقَهُ، وَيَرْكَبُ حِمَارًا، فَمَنْ رَآهُ ضَحِكَ مِنْهُ، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْحَاكِمِ فَيُكْرِمُهُ، وَيَذْكُرُ مِنْ تَغَفُّلِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اعْتِنَائِهِ بِأَمْرِ نَفْسِهِ، وَكَانَ شَاهِدًا مُعَدَّلًا، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ، فَمِنْهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ: أُحَمِّلُ نَشْرَ الرِّيحِ عِنْدَ هُبُوبِهِ ... رِسَالَةَ مُشْتَاقٍ لِوَجْهِ حَبِيبِهِ بِنَفْسِيَ مَنْ تَحْيَا النُّفُوسُ بِقُرْبِهِ ... وَمَنْ طَابَتِ الدُّنْيَا بِهِ وَبِطِيبِهِ وَجَدَّدَ وَجْدِي طَائِفٌ مِنْهُ فِي الْكَرَى ... سَرَى مَوْهِنًا فِي خُفْيَةٍ مِنْ رَقِيبِهِ لَعَمْرِي لَقَدْ عَطَّلْتُ كَأْسِي بَعْدَهُ ... وَغَيَّبْتُهَا عَنِّي لَطُولِ مَغِيبِهِ تَمَنِّي أُمُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْقَادِرِ بِاللَّهِ مَوْلَاةُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْمُقْتَدِرِ، كَانَتْ مِنَ الْعَابِدَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَمِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ، تُوُفِّيَتْ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ الثَّانِيَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهَا ابْنُهَا الْقَادِرُ، وَحُمِلَتْ بَعْدَ الْعِشَاءِ إِلَى الرُّصَافَةِ.
سَنَةُ أَرْبَعِمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ
فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْهَا نَقَصَتْ دِجْلَةُ نَقْصًا كَثِيرًا، حَتَّى ظَهَرَتْ جَزَائِرُ لَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ، وَامْتَنَعَ سَيْرُ السُّفُنِ فِي أَمَاكِنِهَا مِنْ أَوَانَا وَالرَّاشِدِيَّةِ فَأُمِرَ بِكَرْيِ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ وَلَمْ تُكْرَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا كَمُلَ السُّورُ عَلَى الْمَشْهَدِ بِالْحَائِرِ، وَكَانَ الَّذِي بَنَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلَانَ عَلَى نَذْرٍ نَذَرَهُ حِينَ زَارَهُ.
وَفِي رَمَضَانَ أَرْجَفَ النَّاسُ بِالْخَلِيفَةِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ فَجَلَسَ لِلنَّاسِ يَوْمَ جُمُعَةٍ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ الْبُرْدَةُ، وَبِيَدِهِ الْقَضِيبُ، وَجَاءَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ فَقَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَرَأَ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: 60]
[الْأَحْزَابِ: 60، 61] فَتَبَاكَى النَّاسُ، وَدَعَوْا، وَانْصَرَفُوا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَرَدَ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْحَاكِمَ أَنْفَذَ إِلَى دَارِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ بِالْمَدِينَةِ، فَأَخَذَ مِنْهَا مُصْحَفًا وَآلَاتٍ كَانَتْ بِهَا، وَهَذِهِ الدَّارُ لَمْ تُفْتَحْ بَعْدَ مَوْتِ صَاحِبِهَا إِلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَكَانَ مَعَ الْمُصْحَفِ قَعْبٌ خَشَبٌ مُطَوَّقٌ بِحَدِيدٍ وَدَرَقَةٌ خَيْزُرَانٌ وَحَرْبَةٌ وَسَرِيرٌ، حَمَلَ ذَلِكَ كُلَّهَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَأَطْلَقَ لَهُمْ أَنْعَامًا كَثِيرَةً وَنَفَقَاتٍ زَائِدَةً، وَرَّدَ السَّرِيرَ، وَأَخَذَ الْبَاقِيَ، وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِهِ، فَرَدُّوا وَهُمْ ذَامُّونَ لَهُ دَاعُونَ عَلَيْهِ.
وَبَنَى الْحَاكِمُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَارَ الْعِلْمِ، وَأَجْلَسَ فِيهَا الْفُقَهَاءَ، ثُمَّ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ هَدَمَهَا، وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِمَّنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَأَهْلِ الْخَيْرِ وَالدِّيَانَةِ.
وَعَمَّرَ الْجَامِعَ الْمَنْسُوبَ إِلَيْهِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَهُوَ جَامِعُ الْحَاكِمِ، وَتَأَنَّقَ فِي بِنَائِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا أُعِيدَ الْمُؤَيَّدُ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ إِلَى مُلْكِهِ بَعْدَ خَلْعِهِ وَحَبْسِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً.
وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ بِالْحَرَمَيْنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لِلْحَاكِمِ الْعُبَيْدِيِّ صَاحِبِ مِصْرَ وَالشَّامِ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، أَبُو أَحْمَدَ الْمُوسَوِيُّ النَّقِيبُ وَالِدُ الرَّضِيِّ وَالْمُرْتَضَى، وَلِيَ نِقَابَةَ الطَّالِبِيِّينَ مَرَّاتٍ بِبَغْدَادَ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ مَرَّاتٍ، يُعْزَلُ وَيُعَادُ ثُمَّ أَضَرَّ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَتُوُفِّيَ عَنْ
سَبْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْمُرْتَضَى، وَدُفِنَ فِي مَشْهَدِ الْحُسَيْنِ.
وَقَدْ رَثَاهُ ابْنُهُ الْمُرْتَضَى هَذَا بِقَصِيدَةٍ حَسَنَةٍ قَوِيَّةِ الْمَنْزَعِ وَالْمَطْلَعِ مِنْهَا قَوْلُهُ:
سَلَامُ اللَّهِ تَنْقُلُهُ اللَّيَالِي ... وَيَهْدِيهِ الْغُدُوُّ إِلَى الرَّوَاحِ
عَلَى جَدَثٍ تَشَبَّثَ مِنْ لُؤَيٍّ ... بِيَنْبُوعِ الْعِبَادَةِ وَالصَّلَاحِ
فَتًى لَمْ يَرْوِ إِلَّا مِنْ حَلَالٍ ... وَلَمْ يَكُ زَادُهُ غَيْرَ الْمُبَاحِ
وَلَا دَنِسَتْ لَهُ إِزْرٌ بِوِزْرٍ ... وَلَا عَلِقَتْ لَهُ رَاحٌ بِرَاحِ
خَفِيفُ الظَّهْرِ مِنْ ثِقْلِ الْخَطَايَا ... وَعُرْيَانُ الْجَوَانِحِ مِنْ جَنَاحِ
مَشُوقٌ فِي الْأُمُورِ إِلَى عُلَاهَا ... وَمَدْلُولٌ عَلَى بَابِ النَّجَاحِ
مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ لَهُمْ قُلُوبٌ ... بِذِكْرِ اللَّهِ عَامِرَةُ النَّوَاحِ
بِأَجْسَامٍ مِنَ التَّقْوَى مِرَاضٍ ... لِمُبْصِرِهَا وَأَدْيَانٍ صِحَاحِ
رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَضِيَ عَنْهُ وَتَجَاوَزَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
الْحَجَّاجُ بْنُ هُرْمُزَ، أَبُو جَعْفَرٍ
نَائِبُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ عَلَى الْعِرَاقِ، وَكَانَ يَنْتَدِبُهُ لِقِتَالِ الْأَعْرَابِ وَالْأَكْرَادِ، وَكَانَ مِنَ الْمُقَدَّمِينَ عَلَى عَهْدِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَتْ لَهُ خِبْرَةٌ تَامَّةٌ بِالْحَرْبِ، وَحُرْمَةٌ شَدِيدَةٌ، وَشُجَاعَةٌ وَافِرَةٌ، وَهِمَّةٌ عَالِيَةٌ، وَآرَاءٌ سَدِيدَةٌ.
وَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ كَثُرَتْ بِهَا الْفِتَنُ وَالشُّرُورُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْأَهْوَازِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسِ سِنِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُمِّيُّ الْمِصْرِيُّ التَّاجِرُ
كَانَ ذَا مَالٍ جَزِيلٍ جِدًّا، اشْتَمَلَتْ تَرِكَتُهُ عَلَى أَزْيَدِ مِنْ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ، مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْأَمْوَالِ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، وَدُفِنَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ عِنْدَ قَبْرِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ.
أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الرَّفَّاءِ الْمُقْرِئُ
الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ، كَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ وَأَحْلَاهُمْ أَدَاءً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الرَّابِعِ مِنَ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا خُطِبَ بِالْمَوْصِلِ لِلْحَاكِمِ الْعُبَيْدِيِّ عَنْ أَمْرِ صَاحِبِهَا قِرْوَاشِ بْنِ مُقَلَّدٍ أَبِي مَنِيعٍ، وَقَهْرِ رَعِيَّتَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ سَرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ صِفَةَ الْخُطْبَةِ يَوْمَئِذٍ بِحُرُوفِهَا، وَفِي آخِرِ الْخُطْبَةِ صَلَّوْا عَلَى آبَائِهِ مِنَ الْخُلَفَاءِ ; الْمَهْدِيِّ، ثُمَّ ابْنِهِ الْقَائِمِ، ثُمَّ ابْنِهِ الْمَنْصُورِ، ثُمَّ ابْنِهِ الْمُعِزِّ، ثُمَّ ابْنِهِ الْعَزِيزِ، ثُمَّ ابْنِهِ الْحَاكِمِ صَاحِبِ الْوَقْتِ، وَبَالَغُوا فِي الدُّعَاءِ لَهُمْ، وَلَا سِيَّمَا لِلْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ، وَكَذَلِكَ بِبَقِيَّةِ أَعْمَالِهِ مَنَ الْأَنْبَارِ وَالْمَدَائِنِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الْحَاكِمَ تَرَدَّدَتْ مُكَاتَبَاتُهُ وَرُسُلُهُ وَهَدَايَاهُ إِلَى قِرْوَاشٍ يَسْتَمِيلُهُ إِلَيْهِ، وَلِيُقْبِلَ بِوَجْهِهِ عَلَيْهِ، حَتَّى فَعَلَ مَا فَعَلَ مِمَّا ذَكَّرْنَا، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ الْقَادِرَ بِاللَّهِ الْعَبَّاسِيَّ كَتَبَ يُعَاتِبُ قِرْوَاشَ بْنَ مُقَلَّدٍ عَلَى مَا صَنَعَ، وَنَفَذَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى عَمِيدِ الْجُيُوشِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ لِمُحَارَبَةِ قِرْوَاشٍ، فَلَمَّا بَلَغَ قِرْوَاشًا رَجَعَ عَنْ رَأْيِهِ، وَنَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، وَأَمَرَ بِقَطْعِ الْخُطْبَةِ الْحَاكِمِيَّةِ مِنْ بِلَادِهِ، وَأَعَادَهَا إِلَى الْقَادِرِ الْعَبَّاسِيِّ عَلَى عَادَتِهِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَلِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ زَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَاسْتَمَرَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى رَمَضَانَ، وَبَلَغَتْ أَحَدًا وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا وَثُلُثًا،
وَدَخَلَ الْمَاءُ إِلَى أَكْثَرِ دُورِ بَغْدَادَ.
وَفِيهَا رَجَعَ الْوَزِيرُ أَبُو غَالِبِ بْنُ خَلَفٍ إِلَى بَغْدَادَ وَلُقِّبَ فَخْرَ الْمُلْكِ بَعْدَ عَمِيدِ الْجُيُوشِ.
وَفِيهَا عَصَى أَبُو الْفَتْحِ الْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيُّ، وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَتَلَقَّبَ بِالرَّاشِدِ بِاللَّهِ.
وَلَمْ يَحُجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَيْضًا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْأَشْرَافِ:
أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ، إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ
الْحَافِظُ الْكَبِيرُ، مُصَنِّفُ كِتَابِ " الْأَطْرَافِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ "، رَحَلَ إِلَى بِلَادٍ شَتَّى كَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَوَاسِطٍ وَالْأَهْوَازِ وَأَصْبَهَانَ وَخُرَاسَانَ، وَكَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ الصَّادِقِينَ الْأُمَنَاءِ الضَّابِطِينَ، وَلَمْ يَرْوِ إِلَّا الْيَسِيرَ، رَوَى عَنْهُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو ذَرٍ الْهَرَوِيُّ وَحَمْزَةُ السَّهْمِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِبَغْدَادَ فِي رَجَبٍ، وَأَوْصَى إِلَى أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ جَامِعِ الْمَنْصُورِ قَرِيبًا مِنَ السِّكَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ تَرْجَمَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
عَمِيدُ الْجُيُوشِ، الْحَسَنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ أُسْتَاذُ هُرْمُزَ، أَبُو عَلِيٍّ، الْمُلَقَّبُ
بِعَمِيدِ الْجُيُوشِ، وَزِيرُ بِهَاءِ الدَّوْلَةِ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ حُجَّابِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَوَلَّاهُ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ النَّظَرَ فِي وِزَارَتِ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ، وَالشُّرُورُ عَامَّةٌ كَثِيرَةٌ، فَمَهَّدَ الْبِلَادَ وَأَخَافَ الْعَيَّارِينَ وَاسْتَقَامَتْ بِهِ الْأُمُورُ، وَأَمَرَ بَعْضَ غِلْمَانِهِ أَنْ يَحْمِلَ صِينِيَّةً فِيهَا دَرَاهِمُ مَكْشُوفَةٌ، مِنْ أَوَّلِ بَغْدَادَ إِلَى آخِرِهَا فِي أَزِقَّتِهَا، فَإِنِ اعْتَرَضَهُ أَحَدٌ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَلْيَعْرِفَ ذَلِكَ الْمَكَانَ، فَذَهَبَ الْغُلَامُ، فَلَمْ يَعْتَرِضْهُ أَحَدٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَمَنَعَ الرَّوَافِضَ مِمَّا كَانُوا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ فِي عَاشُورَاءَ، وَإِقَامَةِ الْعِيدِ الْمُبْتَدَعِ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: غَدِيرُ خُمٍّ.
وَكَانَ عَادِلًا مُنْصِفًا، رَحِمَهُ اللَّهُ.
خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَمْدُونَ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ
رَحَلَ إِلَى الْبِلَادِ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ ثُمَّ رَحَلَ إِلَى الشَّامِ وَمِصْرَ، وَكَتَبَ النَّاسُ بِانْتِخَابِهِ، وَصَنَّفَ أَطْرَافًا عَلَى " الصَّحِيحَيْنِ " وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ، وَحِفْظٌ جَيِّدٌ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ وَاشْتَغَلَ بِالتِّجَارَةِ، وَتَرَكَ النَّظَرَ فِي الْعِلْمِ حَتَّى تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَسَامَحَهُ.
وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُ الْأَزْهَرِيُّ.
أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ، صَاحِبُ " الْغَرِيبَيْنِ "، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ الْعَبْدِيُّ
اللُّغَوِيُّ الْبَارِعُ، كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ النَّاسِ فِي الْأَدَبِ وَاللُّغَةِ،
وَكِتَابُهُ " الْغَرِيبَيْنِ " فِي مَعْرِفَةِ غَرِيبِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، يَدُلُّ عَلَى اطِّلَاعِهِ وَتَبَحُّرِهِ فِي هَذَا الشَّأْنِ، وَكَانَ مِنْ تَلَامِذَةِ أَبِي مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيِّ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْبِذْلَةَ، وَيَتَنَاوَلُ فِي الْخَلْوَةِ، وَيُعَاشِرُ أَهْلَ الْأَدَبِ فِي مَجَالِسِ اللَّذَّةِ وَالطَّرَبِ.
سَامَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ خَلِّكَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوِ الَّتِي قَبْلَهَا وَفَاةُ أَبِي الْفَتْحِ الْبُسْتِيِّ الشَّاعِرِ وَهُوَ:
عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
الْكَاتِبُ صَاحِبُ الطَّرِيقَةِ الْأَنِيقَةِ فِي التَّجْنِيسِ الْأَنِيسِ، الْبَدِيعِ التَّأْسِيسِ، وَالْحَذَاقَةِ وَالنَّظْمِ وَالنَّثْرِ، وَقَدْ أَسْلَفْنَا ذِكْرَهُ.
وَمِمَّا أَوْرَدَ لَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ قَوْلُهُ: مَنْ أَصْلَحَ فَاسِدَهُ أَرْغَمَ حَاسِدَهُ.
مَنْ أَطَاعَ غَضَبَهُ أَضَاعَ أَدَبَهُ.
مِنْ سَعَادَةِ جَدِّكَ وُقُوفُكَ عِنْدَ حَدِّكَ.
الْمَنِيَّةُ تَضْحَكُ مِنَ الْأُمْنِيَةِ.
الرَّشْوَةُ رِشَاءُ الْحَاجَاتِ.
حَدُّ الْعَفَافِ الرِّضَا بِالْكَفَافِ.
وَمِنْ شَعْرِهِ:
إِنْ هَزَّ أَقْلَامَهُ يَوْمًا لِيُعْمِلَهَا ... أَنْسَاكَ كُلَّ كَمِيٍّ هَزَّ عَامِلَهُ
وَإِنْ أَقَرَّ عَلَى رِقٍّ أَنَاَمِلَهُ ... أَقَرَّ بَالرِّقِّ كُتَّابُ الْأَنَامِ لَهُ
وَلَهُ: إِذَا تَحَدَّثْتَ فِي قَوْمٍ لِتُؤْنِسَهُمْ ... بِمَا تُحَدِّثُ مِنْ مَاضٍ وَمِنْ آتِ فَلَا تَعُدْ لِحَدِيثٍ إِنَّ طَبْعَهُمُ ... مُوَكَّلٌ بَمُعَادَاةِ الْمُعَادَاتِ
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِي الْمُحَرَّمِ أَذِنَ فَخْرُ الْمُلْكِ لِلرَّوَافِضِ أَنْ يَعْمَلُوا الْبِدْعَةَ الشَّنْعَاءَ، وَالْفَضِيحَةَ الصَّلْعَاءَ، مِنَ الِانْتِحَابِ وَالنَّوْحِ وَالْبُكَاءِ، وَتَعْلِيقِ الْمُسُوحِ، وَتَغْلِيقِ الْأَسْوَاقِ مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الْمَسَاءِ، وَدَوَرَانِ النِّسَاءِ حَاسِرَاتٍ عَنْ وُجُوهِهِنَّ وَرُءُوسِهِنَّ، يَلْطِمْنَ خُدُودَهُنَّ، كَفِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ الْجَهْلَاءِ، فَلَا جَزَاهُ اللَّهُ عَنِ السُّنَّةِ خَيْرًا، وَسَوَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ يَوْمَ الْجَزَاءِ، إِنَّهُ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ.
وَفِي رَبِيعٍ الْآخَرِ أَمَرَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ بِعِمَارَةِ مَسْجِدِ الْكَفِّ بِقَطِيعَةِ الدَّقِيقِ، وَأَنْ يُعَادَ إِلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ، فَفُعِلَ ذَلِكَ وَزُخْرِفَ زَخْرَفَةً عَظِيمَةً جِدًّا.
ذِكْرُ الطَّعْنِ فِي نَسَبِ الْفَاطِمِيِّينَ، مِنْ أَئِمَّةِ بَغْدَادَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ وَفِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْهَا كَتَبَ هَؤُلَاءِ بِبَغْدَادَ مَحَاضِرَ تَتَضَمَّنُ الطَّعْنَ وَالْقَدْحَ فِي نَسَبِ الْخُلَفَاءِ الْمِصْرِيِّينَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ فَاطِمِيُّونَ وَلَيْسُوا كَذَلِكَ، وَنِسْبَتُهُمْ إِلَى دَيْصَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْخُرَّمِيِّ، وَكَتَبَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْقُضَاةِ
وَالْفُقَهَاءِ وَالْأَشْرَافِ وَالْأَمَاثِلِ وَالْمُعَدِّلِينَ وَالصَّالِحِينَ، شَهِدُوا جَمِيعًا أَنَّ النَّاجِمَ بِمِصْرَ - وَهُوَ مَنْصُورُ بْنُ نِزَارٍ الْمُلَقَّبُ بِالْحَاكِمِ، حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْبَوَارِ، وَالْخِزْيِ وَالدَّمَارِ، وَالنَّكَالِ وَالِاسْتِئْصَالِ، ابْنِ مَعَدِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ، لَا أَسْعَدَهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ لَمَّا صَارَ إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ تَسَمَّى بِعُبَيْدِ اللَّهِ، وَتَلَقَّبُ بِالْمَهْدِيِّ - وَمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ سَلَفِهِ مِنَ الْأَنْجَاسِ وَالْأَرْجَاسِ - عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَلَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ - أَدْعِيَاءُ خَوَارِجُ لَا نَسَبَ لَهُمْ فِي وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالَبٍ وَلَا يَتَعَلَّقُونَ بِسَبَبٍ، وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ بَاطِلِهِمْ، وَأَنَّ الَّذِي ادَّعَوْهُ مِنَ الِانْتِسَابِ إِلَيْهِ بَاطِلٌ وَزُورٌ، وَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بُيُوتَاتِ الطَّالِبِيِّينَ تَوَقَّفَ عَنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ فِي هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجِ أَنَّهُمْ أَدْعِيَاءُ، وَقَدْ كَانَ هَذَا الْإِنْكَارُ لِبَاطِلِهِمْ شَائِعًا فِي الْحَرَمَيْنِ، وَفِي أَوَّلِ أَمْرِهِمْ بِالْمَغْرِبِ مُنْتَشِرًا انْتِشَارًا يَمْنَعُ أَنْ يُدَلِّسَ عَلَى أَحَدٍ كَذِبُهُمْ، أَوْ يَذْهَبَ وَهْمٌ إِلَى تَصْدِيقِهِمْ فِيمَا ادَّعَوْهُ، وَأَنَّ هَذَا النَّاجِمَ بِمِصْرَ هُوَ وَسَلَفُهُ كَفَّارٌ فُسَّاقٌ فُجَّارٌ، مُلْحِدُونَ زَنَادِقَةٌ مُعَطِّلُونَ، وَلِلْإِسْلَامِ جَاحِدُونَ، وَلِمَذْهَبِ الثَّنَوِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ مُعْتَقِدُونَ، قَدْ عَطَّلُوا الْحُدُودَ، وَأَبَاحُوا الْفُرُوجَ، وَأَحَلُّوا الْخُمُورَ، وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَسَبُّوا الْأَنْبِيَاءَ، وَلَعَنُوا السَّلَفَ، وَادَّعَوُا الرُّبُوبِيَّةَ، وَكَتَبَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
وَقَدْ كَتَبَ خَطَّهُ فِي الْمَحْضَرِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَمِنَ الْعَلَوِيِّينَ: الْمُرْتَضَى وَالرَّضِيُّ وَابْنُ الْأَزْرَقِ الْمُوسَوِيُّ، وَأَبُو طَاهِرِ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، وَابْنُ أَبِي يَعْلَى.
وَمِنَ الْقُضَاةِ: أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْأَكْفَانِيِّ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الْخَزَرِيُّ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ السُّورِيِّ.
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ: أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ
الْكَشْفُلِيِّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْقُدُورِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَيْضَاوِيُّ، وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ حَمَكَانَ.
وَمِنَ الشُّهُودِ: أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ، فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ، وَقُرِئَ بِالْبَصْرَةِ وَكَتَبَ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
هَذِهِ عِبَارَةُ أَبِي الْفَرَجِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ.
قُلْتُ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ أَدْعِيَاءُ، كَمَا ذَكَرَ هَؤُلَاءِ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ، وَالْأَئِمَّةُ الْفُضَلَاءُ، وَأَنَّهُمْ لَا نَسَبَ لَهُمْ إِلَى عَلِيٍّ وَلَا إِلَى فَاطِمَةَ كَمَا يَزْعُمُونَ، قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ أَرَادَ الدُّخُولَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَذَلِكَ عَنْ كُتُبِ عَوَامِّ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَيْهِ بِالْبَيْعَةِ لَهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: لَا تَذْهَبُ إِلَيْهِمْ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تُقْتَلَ، وَإِنَّ جَدَّكَ قَدْ خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَاخْتَارَ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا، وَأَنْتَ بُضْعَةٌ مِنْهُ، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَا تَنَالُهَا لَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ.
فَهَذَا الْكَلَامُ الْحَسَنُ الصَّحِيحُ الْمُتَوَجِّهُ الْمَعْقُولُ مِنْ هَذَا الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ، يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَلِي الْخِلَافَةَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمَهْدِيَّ، الَّذِي يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَقْتَ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي أَحَادِيثِ الْمَلَاحِمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ مَلَكُوا دِيَارَ مِصْرَ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَدَلَّ ذَلِكَ دَلَالَةً قَوِيَّةً ظَاهِرَةً أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ سَادَةُ الْقُضَاةِ وَالشُّهُودِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْكُبَرَاءِ، وَقَدْ صَنَّفَ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ كِتَابًا فِي الرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْفَاطِمِيِّينَ وَسَمَّاهُ " كَشْفَ الْأَسْرَارِ وَهَتْكَ الْأَسْتَارِ " نَثَرَ فِيهِ فَضَائِحَهُمْ وَقَبَائِحَهُمْ، وَوَضَّحَ أَمْرَهُمْ لِكُلِّ أَحَدٍ يَفْهَمُ شَيْئًا مِنْ مَطَاوِي أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ، وَقَدْ كَانَ يَقُولُ فِي عِبَارَتِهِ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ
يُظْهِرُونَ الرَّفْضَ وَيُبْطِنُونَ الْكُفْرَ الْمَحْضَ.
وَفِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ أَخْرَجَ الْوَزِيرُ فَخْرُ الْمُلْكِ صَدَقَاتٍ كَثِيرَةٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُقِيمِينَ بِالْمَشَاهِدِ وَالْمَقَابِرِ، وَزَارَ بِنَفْسِهِ الْمَسَاجِدَ وَالْمَشَاهِدَ، وَأَخْرَجَ خَلْقًا مِنَ الْمَسْجُونِينَ بِالْحُبُوسِ، وَأَظْهَرَ نُسُكًا كَثِيرًا، وَعَمَّرَ دَارًا عَظِيمَةً عِنْدَ سُوقِ الدَّقِيقِ هَائِلَةً.
وَفِي شَوَّالٍ عَصَفَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَصَفَتْ كَثِيرًا مِنَ النَّخْلِ، أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ.
وَوَرَدَ كِتَابٌ مِنْ يَمِينِ الدَّوْلَةِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ صَاحِبِ غَزْنَةَ أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى، بِأَنَّهُ رَكِبَ بِجَيْشِهِ إِلَى دَارِ الْعَدُوِّ، فَاجْتَازَ بِهِمْ فِي مَفَازَةٍ، فَأَعْوَزَهُمْ فِيهَا الْمَاءُ حَتَّى كَادُوا أَنْ يَهْلِكُوا عَطَشًا، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُمْ سَحَابَةً، فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ حَتَّى شَرِبُوا وَرَوُوا، ثُمَّ تَوَاقَفُوا هُمْ وَعَدُوُّهُمْ، وَمَعَ الْأَعْدَاءِ نَحْوٌ مِنْ سِتِّمِائَةِ فِيلٍ، فَهَزَمُوهُمْ، وَغَنِمُوا شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْأَمْوَالِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَعَمِلَتِ الشِّيعَةُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ - وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ - الْبِدْعَةَ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا لَا لِابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ، وَزُيِّنَتِ الْحَوَانِيتُ، وَتَمَكَّنُوا بِسَبَبِ الْوَزِيرِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ تَمَكُّنًا كَثِيرًا.
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي سَهْلِ بْنِ نُوبَخْتَ، أَبُو مُحَمَّدٍ النُوبَخْتِيُّ الْكَاتِبُ وُلِدَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَرَوَى عَنْ
الْمَحَامِلِيِّ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ الْبَرْقَانِيُّ، وَقَالَ: كَانَ شِيعِيًّا مُعْتَزِلِيًّا، إِلَّا أَنَّهُ تَبَيَّنَ لِي أَنَّهُ كَانَ صَدُوقًا.
وَالْأَزْهَرِيُّ، وَقَالَ: كَانَ رَافِضِيًّا رَدِيءَ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ الْعَتِيقِيُّ: كَانَ ثِقَةً فِي الْحَدِيثِ وَيَذْهَبُ إِلَى الِاعْتِزَالِ.
عُثْمَانُ بْنُ عِيسَى، أَبُو عَمْرٍو الْبَاقِلَّانِيُّ
أَحَدُ الزُّهَّادِ الْكِبَارِ الْمَشْهُورِينَ، كَانَتْ لَهُ نَخَلَاتٌ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، وَيَعْمَلُ بِيَدِهِ فِي الْبَوَارِيِّ، وَيَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ فِي غَايَةِ الزَّهَادَةِ وَالْعِبَادَةِ الْكَثِيرَةِ، وَكَانَ لَا يَخْرُجُ مِنْ مَسْجِدِهِ إِلَّا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ، يُصَلِّي فِي الْجَامِعِ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مَسْجِدِهِ، وَكَانَ مَسْجِدُهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ يُشْعِلُهُ فِيهِ، فَطَلَبَ مِنْهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَوْ زَيْتًا يُشْعِلُهُ فِي قَنَادِيلِهِ، فَأَبَى الشَّيْخُ ذَلِكَ.
وَلَمَّا مَاتَ رَأَى بَعْضُهُمْ بَعْضَ الْأَمْوَاتِ مِنْ جِيرَانِ قَبْرِهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ جِوَارِهِ، فَقَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟! لَمَّا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ سَمِعْنَا قَائِلًا يَقُولُ: الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى.
أَوْ كَمَا قَالَ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتَّةٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ بْنِ فَرْوَةَ بْنِ نَاجِيَةَ، أَبُو الْحَسَنِ النَّحْوِيُّ
الْمَعْرُوفُ بِابْنِ النَّجَّارِ التَّمِيمِيُّ الْكُوفِيُّ، قَدِمَ بَغْدَادَ وَرَوَى عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ وَالصُّولِيِّ وَنِفْطَوَيْهِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ
السَّنَةِ عَنْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً.
أَبُو الطِّيِّبِ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّعْلُوكِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ
قَالَ أَبُو يَعْلَى الْخَلِيلِيُّ: تُوُفِّيَ فِيهَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ]
[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]
فِي سَادِسَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ قُلِّدَ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ أَبُو الْحَسَنِ الْمُوسَوِيُّ نِقَابَةَ الطَّالِبِيِّينَ فِي سَائِرِ الْمَمَالِيكِ، وَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ فِي دَارِ الْوَزِيرِ فَخْرِ الْمُلْكِ، بِمَحْضَرِ الْقُضَاةِ وَالْأَعْيَانِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ السَّوَادُ، وَهُوَ أَوَّلُ طَالِبِيٍّ خُلِعَ عَلَيْهِ السَّوَادُ.
وَفِيهَا جِيءَ بِأَمِيرِ بَنِي خَفَاجَةَ أَبِي فُلَيْتَةَ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ رُءُوسِ قَوْمِهِ أُسَارَى، وَكَانُوا قَدِ اعْتَرَضُوا الْحَجِيجَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَهُمْ رَاجِعُونَ، وَغَوَّرُوا الْمَنَاهِلَ الَّتِي يَرِدُهَا الْحُجَّاجُ، وَوَضَعُوا فِيهَا الْحَنْظَلَ، بِحَيْثُ إِنَّهُ مَاتَ مِنَ الْعَطَشِ نَحْوٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَأَخَذُوا بَقِيَّتَهُمْ، فَجَعَلُوهُمْ رُعَاةً لِمَوَاشِيهِمْ فِي أَسْوَإِ حَالٍ، وَأَخَذُوا جَمِيعَ مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْأَحْمَالِ وَالْجِمَالِ، فَحِينَ أَحْضَرَهُمُ الْوَزِيرُ فَخْرُ الْمُلْكِ سَجَنَهُمْ وَمَنَعَهُمُ الْمَاءَ، ثُمَّ صَلَبَهُمْ تِلْقَاءَ دِجْلَةَ يَرَوْنَ صَفَاءَ الْمَاءِ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى مَاتُوا كَذَلِكَ جَزَاءً وِفَاقًا، وَلَقَدْ أَحْسَنَ فَخْرُ الْمُلْكِ فِي هَذَا الصَّنِيعِ وَاقْتَدَى بِحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الرِّعَاءِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْحَدِيثُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ". ثُمَّ بَعَثَ إِلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ اعْتُقِلُوا فِي بِلَادِ بَنِي خَفَاجَةَ مِنَ الْحُجَّاجِ فَجِيءَ بِهِمْ، وَقَدْ تَزَوَّجَتْ نِسَاؤُهُمْ، وَقُسِمَتْ
أَمْوَالُهُمْ، فَرُدُّوا إِلَى أَهَالِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي رَمَضَانَ انْقَضَّ كَوْكَبٌ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، غَلَبَ ضَوْءُهُ عَلَى ضَوْءِ الْقَمَرِ، وَتَقَطَّعَ قِطَعًا، وَبَقِيَ سَاعَةً طَوِيلَةً.
قَالَ: وَفِي شَوَّالٍ تُوُفِّيَتْ زَوْجَةُ بَعْضِ رُؤَسَاءِ النَّصَارَى، فَخَرَجَتِ النَّوَائِحُ وَالصُّلُبُ مَعَهَا جَهْرَةً، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الْهَاشِمِيِّينَ، فَضَرَبَهُ بَعْضُ غِلْمَانِ ذَلِكَ الرَّئِيسِ النَّصْرَانِيِّ بِدَبُّوسٍ فِي رَأْسِهِ فَشَجَّهُ، فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ، فَانْهَزَمُوا وَلَجَئُوا إِلَى كَنِيسَةٍ لَهُمْ هُنَاكَ، فَدَخَلَتِ الْعَامَّةُ إِلَيْهَا فَنَهَبُوا مَا فِيهَا وَمَا قَرُبَ مِنْهَا مِنْ دُورِ النَّصَارَى، وَتَتَبَّعُوا النَّصَارَى فِي الْبَلَدِ، وَقَصَدُوا دَارَ الْمُنَاصِحِ وَابْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، فَقَاتَلَهُمْ غِلْمَانُهُمْ، وَانْتَشَرَتِ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَادَ، وَرَفَعَ الْمُسْلِمُونَ الْمَصَاحِفَ فِي الْأَسْوَاقِ، وَعُطِّلَتِ الْجُمُعَةُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، وَاسْتَعَانُوا بِالْخَلِيفَةِ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ ابْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ فَامْتَنَعَ، فَعَزَمَ الْخَلِيفَةُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَغْدَادَ وَقَوِيَتِ الْفِتْنَةُ جِدًّا، وَنُهِبَتْ دُورٌ كَثِيرَةٌ مِنَ النَّصَارَى، ثُمَّ أُحْضِرَ ابْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، فَبَذَلَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، فَعُفِيَ عَنْهُ، وَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ.
وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ وَرَدَ كِتَابٌ مِنْ يَمِينِ الدَّوْلَةِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَذْكُرُ أَنَّهُ وَرَدَ إِلَيْهِ رَسُولٌ مِنَ الْحَاكِمِ صَاحِبِ مِصْرَ، يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِ، فَبَصَقَ فِيهِ وَأَمَرَ بِتَحْرِيقِهِ، وَأَسْمَعَ رَسُولَهُ غَلِيظَ مَا يُقَالُ.
وَفِيهَا قُلِّدَ أَبُو نَصْرِ بْنُ مَرْوَانَ الْكُرْدِيُّ إِمْرَةَ آمِدَ وَمَيَّافَارِقِينَ وَدِيَارِ بَكْرٍ، وَخُلِعَ
عَلَيْهِ بِطَوْقٍ وَسِوَارٍ، وَلُقِّبَ نَصِيرَ الدَّوْلَةِ.
وَلَمْ يَتَمَكَّنْ رَكْبُ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى الْحَجِّ لِفَسَادِ الطَّرِيقِ، وَغَيْبَةِ فَخْرِ الْمُلْكِ فِي إِصْلَاحِ الْأَرَاضِي.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَادَتْ مَمْلَكَةُ الْأُمَوِيِّينَ بِالْأَنْدَلُسِ، فَتَوَلَّى فِيهَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّاصِرِ الْأُمَوِيُّ، وَلُقِّبَ بِالْمُسْتَعِينِ بِاللَّهِ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ بِقُرْطُبَةَ.
وَفِيهَا مَاتَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ أَبُو نَصْرٍ فَيْرُوزُ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ، صَاحِبُ بَغْدَادَ وَالْعِرَاقِ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ أَبُو شُجَاعٍ.
وَفِيهَا مَاتَ مَلِكُ التُّرْكِ الْأَعْظَمُ إِيلَكُ خَانَ، فَوَلِيَ أَمْرَهُمْ مِنْ بَعْدِهِ أَخُوهُ طُغَانُ خَانَ.
وَفِيهَا هَلَكَ شَمْسُ الْمَعَالِي قَابُوسُ بْنُ وُشْمَكِيرَ ; أُدْخِلَ بَيْتًا بَارِدًا فِي الشِّتَاءِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ اللِّبَاسِ حَتَّى مَاتَ كَذَلِكَ، وَوَلِيَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ مِنُوجِهْرُ، وَلُقِّبَ فَلَكَ الْمَعَالِي، وَخُطِبَ لِمَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، وَقَدْ كَانَ شَمْسُ الْمَعَالِي قَابُوسُ عَالِمًا فَاضِلًا أَدِيبًا شَاعِرًا، فَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
قُلْ لِلَّذِي بِصُرُوفِ الدَّهْرِ عَيَّرَنَا ... هَلْ عَانَدَ الدَّهْرُ إِلَّا مَنْ لَهُ خَطَرُ
أَمَا تَرَى الْبَحْرَ يَطْفُو فَوْقَهُ جِيَفٌ ... وَيَسْتَقِرُّ بِأَقْصَى قَعْرِهِ الدُّرَرُ
فَإِنْ تَكُنْ نَشِبَتْ أَيْدِي الْخُطُوبِ بِنَا ... وَمَسَّنَا مِنْ تَوَالِي صَرْفِهَا ضَرَرُ
فَفِي السَّمَاءِ نُجُومٌ غَيْرُ ذِي عَدَدِ ... وَلَيْسَ يَكْسِفُ إِلَّا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
وَمِنْ شَعْرِهِ الْمُسْتَجَادِ قَوْلُهُ خَطِرَاتُ ذِكْرِكَ تَسْتَثِيرُ مَوَدَّتِي ... فَأُحِسُّ مِنْهَا فِي الْفُؤَادِ دَبِيبًا لَا عُضْوَ لِي إِلَّا وَفِيهِ صَبَابَةٌ ... فَكَأَنَّ أَعْضَائِي خُلِقْنَ قُلُوبًا
[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَبُو الْحَسَنِ الْبَتِّيُّ
كَانَ يَكْتُبُ لِلْقَادِرِ وَهُوَ بِالْبَطِيحَةِ، ثُمَّ كَتَبَ لَهُ عَلَى دِيوَانِ الْخَبَرِ وَالْبَرِيدِ، وَكَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ حِفْظًا حَسَنًا، مَلِيحَ الصَّوْتِ وَالتِّلَاوَةَ، حَسَنَ الْمُجَالَسَةِ، ظَرِيفَ النَّادِرَةِ وَالْمَجَانَةِ ; خَرَجَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ هُوَ وَالشَّرِيفَانِ الرَّضِيُّ وَالْمُرْتَضَى وَجَمَاعَةٌ مِنْ رُءُوسِ الْأَكَابِرِ لِتَلَقِّي بَعْضَ الْمُلُوكِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ اللُّصُوصِ، فَجَعَلُوا يَرْمُونَهُمْ بِالْحَذَّافَاتِ، وَيَقُولُونَ: يَا أَزْوَاجَ الْقِحَابِ.
فَقَالَ الْبَتِّيُّ: مَا خَرَجَ هَؤُلَاءِ عَلَيْنَا إِلَّا بِعَيْنٍ.
فَقَالُوا: وَمِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: وَإِلَّا مِنْ أَيْنَ عَلِمُوا أَنَّنَا أَزْوَاجُ قِحَابٍ.
الْحَسَنُ بْنُ حَامِدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَرْوَانَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَرَّاقُ الْحَنْبَلِيُّ
كَانَ مُدَرِّسَ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَفَقِيهَهُمْ فِي زَمَانِهِ، وَلَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْمَشْهُورَةُ، مِنْهَا كِتَابُ " الْجَامِعِ " فِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي أَرْبَعِمِائَةِ جُزْءٍ، وَلَهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْفِقْهِ،
وَعَلَيْهِ اشْتَغَلَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ، وَكَانَ مُعَظَّمًا فِي النُّفُوسِ، مُقَدَّمًا عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ كَسْبِ يَدِهِ مِنَ النَّسْجِ، وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَخَرَجَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَلَمَّا عَطِشَ النَّاسُ فِي الطَّرِيقِ اسْتَنَدَ هُوَ إِلَى حَجَرٍ هُنَاكَ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ بِقَلِيلٍ مِنْ مَاءٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ حَامِدٍ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ فَقَالَ: مَا هَذَا وَقْتُهُ، اشْرَبْ.
فَقَالَ: بَلَى، هَذَا وَقْتُهُ عِنْدَ لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَلَمْ يَشْرَبْ وَمَاتَ مِنْ فَوْرِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَلِيمٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيُّ
صَاحِبُ " الْمِنْهَاجِ " فِي أُصُولِ الدِّيَانَةِ، كَانَ أَحَدَ مَشَايِخِ الشَّافِعِيَّةِ، وُلِدَ بِجُرْجَانَ، وَحُمِلَ إِلَى بُخَارَى، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ الْمُحَدِّثِينَ فِي عَصْرِهِ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِبُخَارَى.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: انْتَهَتْ إِلَيْهِ الرِّيَاسَةُ فِيمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَلَهُ وُجُوهٌ حَسَنَةٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَرَوَى عَنْهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
فَيْرُوزُ، أَبُو نَصْرٍ الْمُلَقَّبُ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ بْنُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ الدَّيْلَمِيُّ
صَاحِبُ بَغْدَادَ وَالْعِرَاقِ، وَهُوَ الَّذِي قَبَضَ عَلَى الطَّائِعِ وَوَلَّى الْقَادِرَ، وَكَانَ يُحِبُّ الْمُصَادَرَاتِ، فَجَمَعَ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ مِنْ بَنِي بُوَيْهِ، وَكَانَ بَخِيلًا جِدًّا، تُوُفِّيَ بِأَرَّجَانَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَتِسْعَةِ أَشْهُرٍ
وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ مَرَضُهُ بِالصَّرْعِ، وَدُفِنَ بِمُشْهِدِ عَلَيٍّ إِلَى جَانِبِ أَبِيهِ.
قَابُوسُ بْنُ وُشْمَكِيرَ
كَانَ أَهْلُ دَوْلَتِهِ قَدْ تَغَيَّرُوا عَلَيْهِ، فَبَايَعُوا وَلَدَهُ مِنُوجِهْرَ، وَقَتَلُوا أَبَاهُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْحَوَادِثِ، وَكَانَ قَدْ نَظَرَ فِي النُّجُومِ فَرَأَى أَنَّ وَلَدَهُ يَقْتُلُهُ، وَكَانَ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ وَلَدَهُ دَارَا ; لِمَا يَرَى مِنْ مُخَالَفَتِهِ لَهُ، وَلَا يَخْطِرُ بِبَالِهِ مِنُوجِهْرُ ; لِمَا يَرَى مِنْ طَاعَتِهِ لَهُ، فَكَانَ هَلَاكُهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا شَيْئًا مِنْ شِعْرِهِ الْحَسَنِ الْجَيِّدِ، فِي الْحَوَادِثِ.
الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ
رَأْسُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيِّ، وَمِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ كَلَامًا وَتَصْنِيفًا فِي الْكَلَامِ، يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ لَا يَنَامُ كُلَّ لَيْلَةٍ حَتَّى يَكْتُبَ عِشْرِينَ وَرَقَةً، فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ مِنْ عُمُرِهِ.
فَانْتَشَرَتْ عَنْهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ، مِنْ جَيِّدِهَا كِتَابُ " التَّبْصِرَةِ "، وَ " دَقَائِقُ الْحَقَائِقِ " وَ " التَّمْهِيدُ " فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَ " شَرْحُ الْإِبَانَةِ "، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَجَامِيعِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ، وَمِنْ أَحْسَنِ تَصَانِيفِهِ كِتَابُهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْبَاطِنِيَّةِ، الَّذِي سَمَّاهُ " كَشْفَ الْأَسْرَارِ وَهَتْكَ الْأَسْتَارِ "، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَذْهَبِهِ فِي الْفُرُوعِ ; فَقِيلَ: شَافِعِيٌّ.
وَقِيلَ: مَالِكِيٌّ.
حَكَى ذَلِكَ عَنْهُ
أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ عَلَى الْفَتَاوَى: كَتَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ الْحَنْبَلِيُّ.
وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا.
وَقَدْ كَانَ فِي غَايَةِ الذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ، ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّ عَضُدَ الدَّوْلَةِ بَعْثَهُ فِي رِسَالَةٍ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ إِذَا هُوَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ بَابٍ قَصِيرٍ، فَفَهِمَ أَنَّ مُرَادَهُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْحَنِيَ كَهَيْئَةِ الرَّاكِعِ لِلْمَلِكِ، فَدَخَلَ الْبَابَ بِظَهْرِهِ وَجَعَلَ يَمْشِي الْقَهْقَرَى إِلَى نَحْوِ الْمَلِكِ، ثُمَّ انْفَتَلَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَعَرِفَ الْمَلِكُ مَكَانَهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ، فَعَظَّمَهُ.
وَيُذْكَرُ أَنَّ الْمَلِكَ أَحْضَرَ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ آلَةَ الطَّرَبِ الْمُسَمَّاةِ بِالْأُرْغُلِ، لِيَسْتَفِزَّ عَقْلَهُ بِهَا، فَلَمَّا سَمِعَهَا الْبَاقِلَّانِيُّ خَافَ أَنْ تَظْهَرَ مِنْهُ حَرَكَةٌ نَاقِصَةٌ بِحَضْرَةِ الْمَلِكِ، فَجَعَلَ لَا يَأْلُو جَهْدًا أَنْ جَرَحَ رِجْلَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ الْكَثِيرُ، فَاشْتَغَلَ بِالْأَلَمِ عَنِ الطَّرَبِ، وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ النَّقْصِ وَالْخِفَّةِ، فَعَجِبَ الْمَلِكُ مِنْ كَمَالِ عَقْلِهِ، ثُمَّ اسْتَكْشَفَ الْمَلِكُ عَنْ أَمْرِهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَرَحَ نَفْسَهُ بِمَا أَشْغَلَهُ عَنِ الطَّرَبِ، فَتَحَقَّقَ وُفُورَ عِلْمِهِ وَعُلُوَّ فَهْمِهِ.
وَقَدْ سَأَلَهُ بَعْضُ الْأَسَاقِفَةِ بِحَضْرَةِ مَلِكِهِمْ، فَقَالَ: مَا فَعَلَتْ زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ؟ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهَا فِيمَا رُمِيَتْ بِهِ مِنَ الْإِفْكِ؟ فَقَالَ مُجِيبًا لَهُ عَلَى الْبَدِيهَةِ: هُمَا امْرَأَتَانِ ذُكِرَتَا بِسُوءٍ ; مَرْيَمُ وَعَائِشَةُ، فَبَرَّأَهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ ذَاتَ زَوْجٍ وَلَمْ تَأْتِ بِوَلَدٍ، وَأَتَتْ مَرْيَمُ بِوَلَدٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ.
يَعْنِي أَنَّ عَائِشَةَ أَوْلَى بِالْبَرَاءَةِ مِنْ مَرْيَمَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - فَإِنْ تَطَرَّقَ فِي الذِّهْنِ الْفَاسِدِ احْتِمَالٌ إِلَى هَذِهِ فَهُوَ إِلَى تِلْكَ أَسْرَعُ، وَهُمَا بِحَمْدِ اللَّهِ مُبَرَّأَتَانِ مِنَ السَّمَاءِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.