البداية والنهايةصفحات 480-519

َ فَتْحُ الرَّيِّ

صفحات 480-519

فَصْلٌ فِي وَفَاةِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ زَنْكِيِّ بْنِ آقْ سُنْقُرَ التُّرْكِيِّ السَّلْجُوقِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ مَسِيرَتِهِ الْعَادِلَةِ وَأَيَّامِهِ الْكَامِلَةِ هُوَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ نُورُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ مَحْمُودُ بْنُ الْمَلِكِ الْأَتَابِكِ قَسِيمِ الدَّوْلَةِ عِمَادِ الدِّينِ أَبِي سَعِيدٍ زَنْكِيٍّ، الْمُلَقَّبِ بِالشَّهِيدِ بْنِ الْمَلِكِ آقْ سُنْقُرَ الْأَتَابِكِ الْمُلَقَّبِ بِقَسِيمِ الدَّوْلَةِ أَيْضًا التُّرْكِيُّ السَّلْجُوقِيُّ مَوْلَاهُمْ، وُلِدَ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْأَحَدِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ بِحَلَبَ، وَنَشَأَ فِي كَفَالَةِ وَالِدِهِ صَاحِبِ حَلَبَ وَالْمَوْصِلِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْبُلْدَانِ الْكَثِيرَةِ وَتَعَلَّمَ الْفُرُوسِيَّةَ وَالرَّمْيَ، وَكَانَ شَهْمًا شُجَاعًا ذَا هِمَّةٍ عَالِيَةٍ وَقَصْدٍ صَالِحٍ وَحُرْمَةٍ وَافِرَةٍ وَدِيَانَةٍ مَتِينَةٍ، فَلَمَّا قُتِلَ أَبُوهُ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَهُوَ مُحَاصِرٌ جَعْبَرَ كَمَا ذَكَرْنَا صَارَ الْمُلْكُ بِحَلَبَ إِلَى ابْنِهِ هَذَا وَأَعْطَاهُ أَخُوهُ سَيْفُ الدِّينِ غَازِيٌّ الْمَوْصِلَ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ افْتَتَحَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ دِمَشْقَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ فَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا وَبَنَى لَهُمُ الْمَدَارِسَ وَالْمَسَاجِدَ وَالرُّبُطَ وَوَسَّعَ الطُّرُقَ وَالْأَسْوَاقَ، وَوَضَعَ الْمُكُوسَ بِدَارِ الْبِطِّيخِ وَالْغَنَمِ وَالْعَرْصَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَانَ حَنَفِيَّ الْمَذْهَبِ يُحِبُّ الْعُلَمَاءَ وَالْفُقَرَاءَ وَيُكْرِمُهُمْ وَيَحْتَرِمُهُمْ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، وَيَقُومُ فِي أَحْكَامِهِ

بِالْمَعْدِلَةِ الْحَسَنَةِ وَاتِّبَاعِ الشَّرْعِ الْمُطَهَّرِ وَيَعْقِدُ مَجَالِسَ الْعَدْلِ وَيَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ وَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ الْقَاضِي وَالْفُقَهَاءُ وَالْمُفْتُونَ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ، وَيَجْلِسُ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ بِالْمَسْجِدِ الْمُعَلَّقِ الَّذِي بِالْكُشْكِ ; لِيَصِلَ إِلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَحَاطَ السُّورَ عَلَى حَارَةِ الْيَهُودِ، وَكَانَ خَرَابًا وَأَغْلَقَ بَابَ كَيْسَانَ وَفَتَحَ بَابَ الْفَرَجِ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ هُنَاكَ بَابٌ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَظْهَرَ بِبِلَادِهِ السُّنَّةَ وَأَمَاتَ الْبِدْعَةَ، وَأَمَرَ بِالتَّأْذِينِ بِحَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ، وَلَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ بِهِمَا فِي دَوْلَتِي أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُؤَذَّنُ بِحَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ ; لِأَنَّ شِعَارَ الرَّفْضِ كَانَ ظَاهِرًا بِهَا.
وَأَقَامَ الْحُدُودَ وَفَتَحَ الْحُصُونَ وَكَسَرَ الْفِرِنْجَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَاسْتَنْقَذَ مِنْ أَيْدِيهِمْ مَعَاقِلَ كَثِيرَةً مِنَ الْحُصُونِ الْمَنِيعَةِ الَّتِي كَانُوا قَدِ اسْتَحْوَذُوا عَلَيْهَا مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي السِّنِينَ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي أَيَّامِهِ.
وَأَقْطَعَ أُمَرَاءَ الْعَرَبِ إِقْطَاعَاتٍ ; لِئَلَّا يَتَعَرَّضُوا لِلْحَجِيجِ، وَبَنَى بِدِمَشْقَ مَارَسْتَانًا حَسَنًا لَمْ يُبْنَ فِي الشَّامِ قَبْلَهُ مِثْلُهُ وَلَا بَعْدَهُ أَيْضًا، وَوَقَفَ وَقْفًا عَلَى مَنْ يُعَلِّمُ الْأَيْتَامَ الْخَطَّ وَالْقُرْآنَ، وَجَعَلَ لَهُمْ نَفَقَةً وَكُسْوَةً وَعَلَى مَنْ يُقْرِئُ الْأَيْتَامَ وَعَلَى الْمُجَاوِرِينَ بِالْحَرَمَيْنِ.
وَكَانَ الْجَامِعُ دَاثِرًا فَوَلَّى نَظَرَهُ الْقَاضِيَ كَمَالَ الدَّيْنِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الشَّهْرُزُورِيَّ الْمَوْصِلِيَّ الَّذِي قُدِمَ بِهِ فَوَلَّاهُ قَضَاءَ الْقُضَاةِ بِدِمَشْقَ فَأَصْلَحَ أُمُورَهُ وَفَتَحَ الْمَشَاهِدَ الْأَرْبَعَةَ، وَقَدْ كَانَتْ حَوَاصِلُ الْجَامِعِ بِهَا مِنْ حِينِ احْتَرَقَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَأَضَافَ إِلَى أَوْقَافِ الْجَامِعِ الْمَعْلُومَةِ الْأَوْقَافَ الَّتِي لَا يُعْرَفُ وَاقِفُوهَا، وَلَا يُعْرَفُ شُرُوطُهُمْ فِيهَا وَجَعَلَهَا قَلَمًا وَاحِدًا، وَسَمَّاهُ مَالَ

الْمَصَالِحِ فَرَتَّبَ عَلَيْهِ لِذَوِي الْحَاجَاتِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَرَامِلِ وَالْأَيْتَامِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَشَاكَلَهُ.
وَقَدْ كَانَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ حَسَنَ الْخَطِّ كَثِيرَ الْمُطَالَعَةِ لِلْكُتُبِ الدِّينِيَّةِ، مُتَّبِعًا لِلْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ، مُحَافِظًا عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي الْجَمَاعَاتِ، كَثِيرَ التِّلَاوَةِ مُحِبًّا لِفِعْلِ الْخَيْرَاتِ، عَفِيفَ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، مُقْتَصِدًا فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَعِيَالِهِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ، وَلَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ كَلِمَةُ فُحْشٍ قَطُّ فِي غَضَبٍ وَلَا رِضًا.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: لَمْ يَكُنْ فِي مُلُوكِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلُ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ وَلَا أَكْثَرُ تَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ مِنْهُ، كَانَ قَدِ اسْتَفْتَى الْعُلَمَاءَ فِي مِقْدَارٍ يَحِلُّ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَكَانَ يَتَنَاوَلُهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ.
وَكَانَتْ لَهُ دَكَاكِينُ بِحِمْصَ قَدِ اشْتَرَاهَا مِمَّا يَخُصُّهُ مِنَ الْمَغَانِمِ، فَزَادَ كِرَاءَهَا لِامْرَأَتِهِ عَلَى نَفَقَتِهَا حِينَ اسْتَقَلَّتْهَا عَلَيْهَا.
وَكَانَ يُكْثِرُ اللَّعِبَ بِالْكُرَةِ، فَعَاتَبَهُ بَعْضُ الصَّالِحِينَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا أُرِيدُ تَمْرِينَ الْخَيْلِ وَتَعْلِيمَهَا الْكَرَّ وَالْفَرَّ.
وَكَانَ لَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ، وَيَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَرَكِبَ يَوْمًا مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَالشَّمْسُ فِي ظُهُورِهِمَا، وَظِلُّهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمَا لَا يُدْرِكَانِهِ، ثُمَّ رَجَعَا فَصَارَ الظِّلُّ وَرَاءَهُمْ، فَسَاقَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ وَجَعَلَ يَلْتَفِتُ وَظَلُّهُ يَتْبَعُهُ، ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِهِ: قَدْ شَبَّهْتُ مَا نَحْنُ فِيهِ بِالدُّنْيَا، تَهْرُبُ مِمَّنْ

يَطْلُبُهَا وَتَطْلُبُ مَنْ يَهْرُبُ مِنْهَا.
وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى: مَثَلُ الرِّزْقِ الَّذِي تَطْلُبُهُ ... مَثَلُ الظِّلِّ الَّذِي يَمْشِي مَعَكْ أَنْتَ لَا تُدْرِكُهُ مُتَّبِعًا ... فَإِذَا وَلَّيْتَ عَنْهُ تَبِعَكْ وَكَانَ فَقِيهًا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَأَسْمَعَهُ وَكَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ مِنْ وَقْتِ السَّحَرِ إِلَى أَنْ يَرْكَبَ: جَمَعَ الشَّجَاعَةَ وَالْخُشُوعَ لَدَيْهِ ... مَا أَحْسَنَ الْمِحْرَابَ فِي الْمِحْرَابِ وَكَذَلِكَ كَانَتْ زَوْجَتُهُ عِصْمَتُ الدِّينِ خَاتُونُ بِنْتُ الْأَتَابِكِ مُعِينِ الدِّينِ أَنُرَ، تُكْثِرُ قِيَامَ اللَّيْلِ فَنَامَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ عَنْ وِرْدِهَا فَأَصْبَحَتْ وَهِيَ غَضْبَى، فَسَأَلَهَا عَنْ أَمْرِهَا فَذَكَرَتْ مَا حَصَلَ لَهَا مِنَ النَّوْمِ الَّذِي قَطَعَهَا عَنْ وِرْدِهَا، فَأَمَرَ بِضَرْبِ طَبْلَخَانَةٍ فِي الْقَلْعَةِ وَقْتَ السَّحَرِ ; لِيُوقِظَهَا وَأَمْثَالَهَا مِنَ النَّوْمِ لِقِيَامِ اللَّيْلِ: وَأَلْبَسَ اللَّهُ هَاتِيكَ الْعِظَامَ وَإِنْ ... بَلِينَ تَحْتَ الثَّرَى عَفْوًا وَغُفْرَانَا سَقَى ثَرًى أُودِعُوهُ رَحْمَةً مَلَأَتْ ... مَثْوَى قُبُورِهِمُ رَوْحًا وَرَيْحَانَا وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّ الْمَلِكَ نُورَ الدِّينِ بَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا يَلْعَبُ بِالْكُرَةِ إِذْ رَأَى رَجُلًا يُحَدِّثُ آخَرَ وَيُومِئُ إِلَيْهِ فَبَعَثَ الْحَاجِبَ ; لِيَسْأَلَهُ مَا شَأْنُهُ فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ مَعَهُ رَسُولٌ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ، وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ عَلَى الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ حَقًّا يُرِيدُ

خَلْوَتَهُ وَإِيَّاهُ إِلَى الْقَاضِي، فَلَمَّا أَعْلَمَهُ الْحَاجِبُ بِذَلِكَ أَلْقَى الْجُوكَانَ مِنْ يَدِهِ، وَأَقْبَلَ مَعَ خَصْمِهِ إِلَى الْقَاضِي كَمَالِ الدِّينِ الشَّهْرُزُورِيِّ، وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مِنْ أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ أَنْ لَا تُعَامِلَنِي إِلَّا مُعَامَلَةَ الْخُصُومِ، فَحِينَ وَصَلَا وَقَفَ نُورُ الدِّينِ مَعَ خَصْمِهِ حَتَّى انْفَصَلَتِ الْحُكُومَةُ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِلرَّجُلِ حَقٌّ بَلْ ثَبَتَ الْحَقُّ لِلسُّلْطَانِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ ذَلِكَ قَالَ السُّلْطَانُ: إِنَّمَا جِئْتُ مَعَهُ ; لِئَلَّا يَتَخَلَّفَ أَحَدٌ عَنِ الْحُضُورِ إِلَى الشَّرْعِ، فَإِنَّمَا نَحْنُ شِحْنَكِيَّةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدِي، وَمَعَ هَذَا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ مَلَّكْتُهُ ذَلِكَ وَوَهَبْتُهُ لَهُ.
وَأَرْسَلَ الْقَاضِي تَاجُ الدِّينِ رَسُولًا مِنْ جِهَتِهِ يُقَالُ لَهُ: سُوِيدٌ.
لِيُحْضِرَ الْمَلِكَ نُورَ الدِّينِ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ ; لِسَمَاعِ دَعْوَى مِنْ رَجُلٍ عَلَيْهِ، فَبَلَّغَ سُوِيدٌ الرِّسَالَةَ إِلَى الْحَاجِبِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ وَيَقُولُ: لِيَقُمِ الْمَوْلَى إِلَى الْقَاضِي لِسَمَاعِ دَعْوًى.
وَكَأَنَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: وَمَا لَكَ تَسْتَهْزِئُ بِذَلِكَ! ثُمَّ قَالَ: ائْتُونِي بِفَرَسِي.
فَنَهَضَ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: 51] وَذَهَبَ إِلَى الْحَاكِمِ وَكَانَ يَوْمًا مَطِرًا كَثِيرَ الْوَحْلِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ ابْتَنَى دَارًا لِلْعَدْلِ، فَكَانَ يَجْلِسُ فِيهَا فِي الْأُسْبُوعِ يَوْمَيْنِ، وَقِيلَ: أَرْبَعَةٌ.
وَقِيلَ: خَمْسَةٌ.
وَيَحْضُرُ الْقَاضِي وَالْفُقَهَاءُ مِنَ الْمَذَاهِبِ، وَلَا يَحْجُبُهُ يَوْمئِذٍ حَاجِبٌ بَلْ يَصِلُ إِلَيْهِ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ فَيُكَلِّمُ النَّاسَ وَيَسْتَفْهِمُهُمْ وَيُخَاطِبُهُمْ بِنَفْسِهِ فَيَكْشِفُ الظَّالِمَ وَيُنْصِفُ الْمَظْلُومَ مِنَ

الظَّالِمِ، قَالَ: كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَسَدَ الدِّينِ شِيرَكُوهْ بْنَ شَاذِيٍّ كَانَ قَدْ عَظُمَ شَأْنُهُ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ شَرِيكُهُ فِي الْمَمْلَكَةِ، وَاقْتَنَى الْأَمْلَاكَ وَالْأَمْوَالَ وَالْمَزَارِعَ وَالْقُرَى ; فَرُبَّمَا ظَلَمَ نُوَّابُهُ جِيرَانَهُمْ فِي الْأَرَاضِي، وَكَانَ الْقَاضِي كَمَالُ الدِّينِ يُنْصِفُ كُلَّ مَنِ اسْتَعْدَاهُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَرَاءِ إِلَّا أَسَدَ الدِّينِ هَذَا، فَلَمَّا ابْتَنَى الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ دَارَ الْعَدْلِ تَقَدَّمَ أَسَدُ الدِّينِ إِلَى نُوَّابِهِ أَنْ لَا يَدَعُوَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ ظُلَامَةً، وَإِنْ كَانَ عَظِيمًا، فَإِنَّ زَوَالَ مَالِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرَاهُ نُورُ الدِّينِ بِعَيْنِ ظَالِمٍ، أَوْ يُوقِفَهُ مَعَ خَصْمٍ مِنَ الْعَامَّةِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمَّا جَلَسَ نُورُ الدِّينِ بِدَارِ الْعَدْلِ مُدَّةً مُتَطَاوِلَةً لَمْ يَرَ أَحَدًا يَسْتَعْدِي عَلَى أَسَدِ الدِّينِ، فَسَأَلَ الْقَاضِي عَنْ ذَلِكَ فَأَعْلَمَهُ بِصُورَةِ الْحَالِ فَسَجَدَ نُورُ الدِّينِ شُكْرًا لِلَّهِ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ أَصْحَابَنَا يُنْصِفُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
وَأُمًّا شَجَاعَتُهُ فَكَانَ يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يُرَ عَلَى ظَهْرِ الْفَرَسِ أَحْسَنُ وَلَا أَثْبَتُ مِنْهُ.
وَكَانَ يُحْسِنُ اللَّعِبَ بِالْكُرَةِ، وَرُبَّمَا ضَرَبَهَا ثُمَّ يَسُوقُ وَرَاءَهَا وَيَأْخُذُهَا مِنَ الْهَوَى بِيَدِهِ، ثُمَّ يَرْمِيهَا إِلَى آخِرِ الْمَيْدَانِ وَلَمْ يُرَ جُوكَانُهُ يَعْلُو عَلَى رَأْسِهِ، وَلَا يُرَى الْجُوكَانُ فِي يَدِهِ ; لِأَنَّ الْكُمَّ سَاتِرٌ لَهَا، وَلَكِنَّهُ اسْتِهَانَةٌ بِلَعِبِ الْكُرَةِ.
وَكَانَ شُجَاعًا صَبُورًا فِي الْحَرْبِ، يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِهِ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ: قَدْ تَعَرَّضْتُ لِلشَّهَادَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ يَتَّفِقْ لِي ذَلِكَ.
وَقَالَ لَهُ يَوْمًا الْفَقِيهُ قُطْبُ الدِّينِ النَّيْسَابُورِيُّ: بِاللَّهِ يَا مَوْلَانَا السُّلْطَانُ لَا تُخَاطِرْ بِنَفْسِكَ ; فَإِنَّكَ لَوْ قُتِلْتَ قُتِلَ جَمِيعُ مَنْ مَعَكَ وَأُخِذَتِ الْبِلَادُ.
فَقَالَ: اسْكُتْ يَا قُطْبَ الدِّينِ، مَنْ هُوَ

مَحْمُودٌ؟ مَنْ كَانَ يَحْفَظُ الْبِلَادَ قَبَلِي؟ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
قَالَ: فَبَكَى مَنْ حَضَرَ.
وَقَدْ أَسَرَ بِنَفْسِهِ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ بَعْضَ مُلُوكِ الْفِرِنْجِ فَاسْتَشَارَ الْأُمَرَاءَ فِيهِ ; هَلْ يَقْتُلُهُ أَوْ يَأْخُذُ مَا يُبْذَلُ لَهُ مِنَ الْمَالِ فِي الْفِدَاءِ؟ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ ثُمَّ حَسُنَ فِي رَأْيِهِ إِطْلَاقُهُ وَأَخَذُ الْفِدَاءِ، فَحِينَ جَهَّزَ بَعْثَ الْفِدَاءِ، مَاتَ بِبَلَدِهِ فَأَعْجَبَ ذَلِكَ نُورَ الدِّينِ وَأَصْحَابَهُ، وَابْتَنَى نُورُ الدِّينِ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ الْبِيمَارَسْتَانَ الَّذِي بُنِيَ بِدِمَشْقَ، وَهُوَ أَحْسَنُ مِمَّا بُنِيَ مِنَ الْبِيمَارَسْتَانَاتِ بِالْبِلَادِ، وَمِنْ شَرْطِهِ أَنَّهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ بَعْضُ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي يَعِزُّ وُجُودُهَا إِلَّا فِيهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءُ، وَمَنْ جَاءَ مُسْتَوْصِفًا فَلَا يُمْنَعُ مِنْ شَرَابِهِ، وَلِهَذَا جَاءَ إِلَيْهِ نُورُ الدِّينِ وَشَرِبَ مِنْ شَرَابِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قُلْتُ: وَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّهُ لَمْ تَخْمُدْ مِنْهُ النَّارُ مُنْذُ بُنِيَ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ بَنَى الْخَانَاتِ فِي الطُّرُقِ وَالْأَبْرَاجَ، وَرَتَّبَ الْخُفَرَاءَ فِي الْأَمَاكِنِ الْمَخُوفَةِ، وَجَعَلَ فِيهَا الْحَمَامَ الْهَوَادِيَ الَّتِي تُطَالِعُ الْأَخْبَارَ فِي أَسْرَعِ مُدَّةٍ، وَبَنَى الرُّبُطَ وَالْخَانِقَاهَاتِ، وَكَانَ يَجْمَعُ الْفُقَهَاءَ عِنْدَهُ لِلْبَحْثِ، وَالْمَشَايِخَ وَالصُّوفِيَّةَ لِلزِّيَارَةِ، وَيُكْرِمُهُمْ وَيُعَظِّمُهُمْ وَقَدْ نَالَ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ عِنْدَهُ مِنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ ; وَهُوَ قُطْبُ الدِّينِ النَّيْسَابُورِيُّ، فَقَالَ لَهُ نُورُ الدِّينِ: وَيْحَكَ! إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَلَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ الْكَثِيرَةِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ مِمَّا يُكَفِّرُ عَنْهُ سَيِّئَاتِ مَا ذَكَرْتَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، عَلَى أَنِّي وَاللَّهِ لَا أُصَدِّقُكَ، وَإِنْ عُدْتَ ذَكَرْتَهُ أَوْ أَحَدًا غَيْرَهُ بِسُوءٍ لَأَدَّبْتُكَ.
قَالَ: فَكَفَّ عَنْهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَابْتَنَى بِدِمَشْقَ دَارًا لِسَمَاعِ الْحَدِيثِ وَإِسْمَاعِهِ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ بَنَى دَارَ حَدِيثٍ، وَقَدْ كَانَ مَهِيبًا وَقُورًا شَدِيدَ الْهَيْبَةِ فِي قُلُوبِ أُمَرَائِهِ ; لَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ يَجْلِسُ بِلَا إِذْنٍ سِوَى الْأَمِيرِ نَجْمِ الدِّينِ أَيُّوبَ ; وَأَمَّا أَسَدُ الدِّينِ شِيرَكُوهْ وَمَجْدُ الدِّينِ بْنُ الدَّايَةِ نَائِبُ حَلَبَ وَالْأَكَابِرُ وَغَيْرُهُمْ فَكَانُوا يَقِفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَعَ هَذَا إِذَا دَخَلَ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، قَامَ لَهُ وَمَشَى لَهُ خُطُوَاتٍ وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى سَجَّادَتِهِ، وَشَرَعَ يُحَادِثُهُ فِي وَقَارٍ وَسُكُونٍ، وَإِذَا أَعْطَى أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُ: هَؤُلَاءِ لَهُمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَقٌّ ; أَضْعَافُ مَا أُعْطِيهِمْ، فَإِذَا رَضُوا مِنَّا بِبَعْضِهِ فَلَهُمُ الْمِنَّةُ عَلَيْنَا.
وَقَدْ سُمِّعَ عَلَيْهِ جُزْءُ حَدِيثٍ وَفِيهِ: " «فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَقَلِّدًا السَّيْفَ» ". فَجَعَلَ يَتَعَجَّبُ مِنْ تَغْيِيرِ عَادَاتِ النَّاسِ، وَكَيْفَ يَرْبُطُ الْأَجْنَادُ السُّيُوفَ فِي أَوْسَاطِهِمْ وَلَا يَفْعَلُونَ هَذَا، ثُمَّ أَمَرَ الْجُنْدَ بِأَنْ لَا يَحْمِلُوا السُّيُوفَ إِلَّا مُتَقَلَّدِيهَا، ثُمَّ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي إِلَى الْمَوْكِبِ وَهُوَ مُتَقَلِّدُ السَّيْفَ، وَجَمِيعُ الْجَيْشِ كَذَلِكَ، يُرِيدُ بِهِ الِاقْتِدَاءَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَصَّ عَلَيْهِ وَزِيرُهُ مُوَفَّقُ الدِّينِ خَالِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرِ بْنِ صَغِيرِ ابْنِ الْقَيْسَرَانِيِّ الشَّاعِرُ أَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ يَغْسِلُ ثِيَابَ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتَبَ مَنَاشِيرَ بِوَضْعِ الْمُكُوسِ وَالضَّرَائِبِ عَنِ الْبِلَادِ، وَقَالَ: هَذَا تَفْسِيرُ رُؤْيَاكَ.
وَكَتَبَ إِلَى النَّاسِ يَسْتَعْجِلُ مِنْهُمْ فِي حِلٍّ مِمَّا كَانَ أَخَذَ مِنْهُمْ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا

صُرِفَ فِي قِتَالِ أَعْدَائِكُمْ مِنَ الْكَفَرَةِ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ وَلَعَنَهُمْ.
وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى سَائِرِ مَمَالِكِهِ وَبُلْدَانِ سُلْطَانِهِ، وَأَمَرَ الْوُعَّاظَ أَنْ يَسْتَحِلُّوا لَهُ مِنَ التُّجَّارِ لِنُورِ الدِّينِ، وَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْعَشَّارَ الْمَكَّاسَ.
وَقِيلَ: إِنَّ بُرْهَانَ الدِّينِ الْبَلْخِيَّ أَنْكَرَ عَلَى الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ فِي اسْتِعَانَتِهِ فِي الْحُرُوبِ بِأَمْوَالِ الْمُكُوسِ، وَقَالَ: كَيْفَ تُنْصَرُونَ وَفِي عَسَاكِرِكُمُ الْخُمُورُ وَالطُّبُولُ وَالزَّمُورُ؟! وَيُقَالُ: إِنَّ سَبَبَ وَضْعِهِ الْمُكُوسَ عَنِ النَّاسِ أَنَّ الْوَاعِظَ أَبَا عُثْمَانَ الْمُنْتَخَبَ بْنَ أَبِي مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيَّ - وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْكِبَارِ - أَنْشَدَ نُورَ الدِّينِ: مَثِّلْ وُقُوفَكَ أَيُّهَا الْمَغْرُورُ ... يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَمُورُ إِنْ قِيلَ نُورُ الدِّينِ رُحْتَ مُسَلِّمًا ... فَاحْذَرْ بِأَنْ تَبْقَى وَمَا لَكَ نُورُ أَنْهَيْتَ عَنْ شُرْبِ الْخُمُورِ وَأَنْتَ مِنْ ... كَأْسِ الْمَظَالِمِ طَافِحٌ مَخْمُورُ عَطَّلْتَ كَاسَاتِ الْمُدَامِ تَعَفُّفًا ... وَعَلَيْكَ كَاسَاتُ الْحَرَامِ تَدُورُ مَاذَا تَقُولُ إِذَا نُقِلْتَ إِلَى الْبِلَى ... فَرْدًا وَجَاءَكَ مُنْكَرٌ وَنَكِيرُ وَتَعَلَّقَتْ فَيكَ الْخُصُومُ وَأَنْتَ فِي ... يَوْمِ الْحِسَابِ مُسَحَّبٌ مَجْرُورُ وَتَفَرَّقَتْ عَنْكَ الْجُنُودُ وَأَنْتَ فِي ... ضِيقِ اللُّحُودِ مُوَسَّدٌ مَقْبُورُ وَوَدِدْتَ أَنَّكَ مَا وَلِيتَ وِلَايَةً ... يَوْمًا وَلَا قَالَ الْأَنَامُ أَمِيرُ

وَبَقِيُتَ بَعْدَ الْعِزِّ رَهْنَ حُفَيْرَةٍ ... فِي عَالَمِ الْمَوْتَى وَأَنْتَ حَقِيرُ وَحُشِرْتَ عُرْيَانًا حَزِينًا بَاكِيًا ... قَلِقًا وَمَا لَكَ فِي الْأَنَامِ مُجِيرُ أَرَضِيتَ أَنْ تَحْيَا وَقَلْبُكَ دَارِسٌ ... عَافِي الْخَرَابِ وَجِسْمُكَ الْمَعْمُورُ أَرَضِيتَ أَنْ يَحْظَى سِوَاكَ بِقُرْبِهِ ... أَبَدًا وَأَنْتَ مُبَعَّدٌ مَهْجُورُ مَهِّدْ لِنَفْسِكَ حُجَّةً تَنْجُو بِهَا ... يَوْمَ الْمَعَادِ لَعَلَّكَ الْمَعْذُورُ فَلَمَّا سَمِعَهَا الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ بَكَى وَأَمَرَ بِوَضْعِ الْمُكُوسَاتِ وَالضَّرَائِبِ فِي سَائِرِ بِلَادِهِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ عُمَرُ الْمَلَّاءُ مِنَ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَ الْوُلَاةَ بِهَا أَنْ لَا يَفْصِلُوا بِهَا أَمْرًا حَتَّى يُعْلِمُوهُ، فَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ شَيْءٍ امْتَثَلُوهُ - وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ الزَّاهِدِينَ، وَكَانَ نُورُ الدِّينِ يَسْتَقْرِضُ مِنْهُ فِي كُلِّ شَهْرِ رَمَضَانَ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ، فَكَانَ يُرْسِلُ إِلَيْهِ بِفَتِيتٍ وَرُقَاقٍ فَيُفْطِرُ عَلَيْهِ - كَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ الْمُفْسِدِينَ قَدْ كَثُرُوا وَيُحْتَاجُ إِلَى نَوْعِ سِيَاسَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجِيءُ إِلَّا بِقَتْلٍ وَصَلْبٍ وَضَرْبٍ، وَإِذَا أُخِذَ مَالُ إِنْسَانٍ فِي الْبَرِيَّةِ، مَنْ يَجِيءُ فَيَشْهَدَ لَهُ؟ فَكَتَبَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ عَلَى ظَهْرِ الْكِتَابِ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ وَشَرَعَ لَهُمْ شَرِيعَةً وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُهُمْ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ فِي الشَّرِيعَةِ زِيَادَةً فِي الْمَصْلَحَةِ لَشَرَعَهَا، فَمَا لَنَا حَاجَةٌ إِلَى الزِّيَادَةِ عَلَى مَا شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: فَجَمَعَ الشَّيْخُ عُمَرُ الْمَلَّاءُ جَمَعَ النَّاسَ بِالْمَوْصِلِ وَأَقْرَأَهُمُ الْكِتَابَ، وَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى كِتَابِ الزَّاهِدِ إِلَى الْمَلِكِ، وَكِتَابِ الْمَلِكِ إِلَى الزَّاهِدِ!

وَجَاءَ إِلَيْهِ أَخُو الشَّيْخِ أَبِي الْبَيَانِ يَسْتَعْدِيهِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ يَسُبُّهُ وَيَرْمِيهِ بِأَنَّهُ مُرَاءٍ مُتَنَامِسٍ، وَجَعَلَ يُبَالِغُ فِي شِكَايَتِهِ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ السُّلْطَانُ: أَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63] فَسَكَتَ الشَّيْخُ وَلَمْ يُحِرْ جَوَابًا.
وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو الْفَتْحِ الْأَشْتَرِيُّ مُعِيدُ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ - وَكَانَ قَدْ جَمَعَ سِيرَةً مُخْتَصَرَةً لِنُورِ الدِّينِ - قَالَ: وَكَانَ يُحَافِظُ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا فِي جَمَاعَةٍ بِتَمَامِ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ، وَالِابْتِهَالِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا.
قَالَ: وَبَلَغَنَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنَّهُمْ دَخَلُوا بِلَادَ الْقُدْسِ لِلزِّيَارَةِ أَيَّامَ الْفِرِنْجِ، فَسَمِعَ الْكُفَّارَ يَقُولُونَ: ابْنُ الْقَسِيمِ - يَعْنُونُ نُورَ الدِّينِ - لَهُ مَعَ اللَّهِ سِرٌّ ; فَإِنَّهُ مَا يَظْفَرُ عَلَيْنَا بِكَثْرَةِ جُنْدِهِ وَجَيْشِهِ، وَإِنَّمَا يَظْفَرُ عَلَيْنَا بِالدُّعَاءِ وَصَلَاةِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ وَيَرْفَعُ يَدَهُ إِلَى اللَّهِ وَيَدْعُوهُ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، يَسْتَجِيبُ لَهُ دُعَاءَهُ، وَيُعْطِيهِ سُؤْلَهُ، وَمَا يَرُدُّ يَدَهُ خَائِبَةً، فَيَظْفَرُ عَلَيْنَا.
قَالَ: فَهَذَا كَلَامُ الْكُفَّارِ فِي حَقِّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَحَكَى الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَنَّ الْمَلِكَ نُورَ الدِّينِ وَقَفَ بُسْتَانَ الْمَيْدَانِ ; - سِوَى الْغَيْضَةِ الَّتِي تَلِيهِ - نِصْفَهُ عَلَى تَطْيِيبِ جَامِعِ دِمَشْقَ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يُقْسَمُ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا ; جُزْآنِ مِنْهَا عَلَى تَطْيِيبِ الْمَدْرَسَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالتِّسْعَةُ

أَجْزَاءٍ الْبَاقِيَةُ عَلَى تَطْيِيبِ الْمَسَاجِدِ التِّسْعَةِ ; وَهِيَ جَامِعُ الصَّالِحِينَ بِجَبَلِ قَاسِيُونَ، وَجَامِعُ الْقَلْعَةِ، وَمَسْجِدُ عَطِيَّةَ، وَمَسْجِدُ ابْنِ لَبِيدٍ بِالْفَسْقَارِ، وَمَسْجِدُ الرَّمَّاحِينَ، وَالْمَسْجِدُ الْعَبَّاسِيُّ، وَالْمَسْجِدُ الْمُعَلَّقُ بِالصَّاغَةِ، وَمَسْجِدُ دَارِ الْبِطِّيخِ الْمُعَلَّقُ، وَالْمَسْجِدُ الَّذِي جَدَّدَهُ نُورُ الدِّينِ جِوَارَ بَيْعَةِ الْيَهُودِ، لِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ جُزْءٌ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنَ النِّصْفِ.
وَمَنَاقِبُهُ وَمَآثِرُهُ وَمَحَاسِنُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَقَدْ ذَكَرْنَا نَبْذَةً مِنْ ذَلِكَ يُسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى مَا عَدَاهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ فِي أَوَّلِ " الرَّوْضَتَيْنِ " شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ، وَذَكَرَ مَا مُدِحَ بِهِ مِنَ الْقَصَائِدِ، وَقَدْ أَوْرَدْنَا فِي غُبُونِ دَوْلَتِهِ طَرَفًا صَالِحًا مِنْ عَدْلِهِ وَقَصْدِهِ الصَّالِحِ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ أَسَدُ الدِّينِ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ ثُمَّ مَاتَ، ثُمَّ تَوَلَّى صَلَاحُ الدِّينِ، هَمَّ بِعَزْلِهِ عَنْهَا وَاسْتِنَابَةِ غَيْرِهِ فِيهَا غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَكِنْ يَعُوقُهُ عَنْ ذَلِكَ الْقَدَرُ، وَيَصُدُّهُ اقْتِرَابُ أَجْلِهِ وَفَرَاغُ عَمَلِهِ، وَلَكِنْ كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ - وَهِيَ آخِرُ مُدَّتِهِ قَدْ صَمَّمَ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى عَسَاكِرَ مِنْ بِلَادِ الْمَوْصِلِ وَغَيْرِهَا ; لِيَكُونُوا بِبِلَادِ الشَّامِ وَيَرْكَبُ هُوَ فِي جُمْهُورِ جَيْشِهِ إِلَى مِصْرَ، وَقَدْ خَافَ مِنْهُ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ خَوْفًا شَدِيدًا.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عِيدِ الْفِطْرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ فِي الْمَيْدَانِ الْأَخْضَرِ الْقِبْلِيِّ وَصَلَّى بِهِ الْخَطِيبُ فِيهِ صَلَاةَ الْعِيدِ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَرَمَى الْقَبْقَ فِي الْمَيْدَانِ الْأَخْضَرِ

الشَّمَالِيِّ، وَالْقَدَرُ يَقُولُ لَهُ: هَذَا آخِرُ الْأَعْيَادِ.
وَمَدَّ يَوْمَ الْعِيدِ سِمَاطًا حَافِلًا، وَأَمَرَ بِانْتِهَابِهِ عَلَى الْعَادَةِ، وَطَهَّرَ وَلَدَهُ الْمَلِكَ الصَّالِحَ إِسْمَاعِيلَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَزُيِّنَ لَهُ الْبَلَدُ، وَضُرِبَتِ الْبَشَائِرُ لِلْعِيدِ وَلِلْخِتَانِ، وَرَكِبَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي الْمَوْكِبِ عَلَى الْعَادَةِ، ثُمَّ لَعِبَ بِالْكُرَةِ فِي يَوْمِهِ ; فَحَصَلَ لَهُ غَيْظٌ مِنْ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ سَجِيَّتِهِ فَبَادَرَ إِلَى الْقَلْعَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي غَايَةِ الْغَضَبِ وَحَصَلَ لَهُ انْزِعَاجٌ، وَدَخَلَ فِي حَيْرَةِ سُوءِ الْمِزَاجِ وَاشْتَغَلَ بِنَفْسِهِ وَانْزِعَاجِهِ، وَتَنَكَّرَتْ عَلَيْهِ جَمِيعُ حَوَاسِّهِ وَطِبَاعِهِ، وَاحْتَبَسَ أُسْبُوعًا عَنِ النَّاسِ، وَالنَّاسُ فِي شُغْلٍ عَنْهُ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ اللَّعِبِ وَالِانْشِرَاحِ بِالزِّينَةِ الَّتِي قَدْ نَصَبُوهَا، فَهَذَا يَجُودُ بِرُوحِهِ وَهَذَا يَرُوحُ بِجُودِهِ، وَانْعَكَسَتْ تِلْكَ الْأَفْرَاحُ بِالْأَتْرَاحِ، وَنَسَخَ الْجِدُّ ذَلِكَ الْمِزَاحَ، وَحَصَلَتْ لِلْمَلِكِ خَوَانِيقُ فِي حَلْقِهِ مَنَعَتْهُ مِنْ أَدَاءِ النُّطْقِ، وَهَذَا شَأْنُ أَوْجَاعِ الْحَنَقِ، وَكَانَ قَدْ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِالْفَصْدِ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ قُبِضَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَلَهُ فِي الْمُلْكِ ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ الْقَلْعَةِ بِدِمَشْقَ، وَدُفِنَ بِهَا حَتَّى حُوِّلَ إِلَى تُرْبَةٍ بُنِيَتْ لَهُ بِبَابِ الْمَدْرَسَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا لِلْحَنَفِيَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَبَلَّ بِالرَّحْمَةِ ثَرَاهُ، وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مَأْوَاهُ.
وَقَدْ رَثَاهُ الشُّعَرَاءُ بِمَرَاثٍ كَثِيرَةٍ قَدْ أَوْرَدَهَا أَبُو شَامَةَ فِي " الرَّوْضَتَيْنِ ". وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الْعِمَادُ:

عَجِبْتُ مِنَ الْمَوْتِ كَيْفَ اهْتَدَى ... إِلَى مَلِكٍ فِي سَجَايَا مَلَكْ وَكَيْفَ ثَوَى الْفَلَكُ الْمُسْتَدِي ... رُ فِي الْأَرْضِ وَالْأَرْضُ وَسْطَ الْفَلَكْ وَقَالَ حَسَّانُ الشَّاعِرُ الْمُلَقَّبُ بِالْعَرْقَلَةِ فِي مَدْرَسَةِ نُورِ الدِّينِ حِينَ دُفِنَ فِيهَا: وَمَدْرَسَةٍ سَيَدْرُسُ كُلُّ شَيْءٍ ... وَتَبْقَى فِي حِمَى عِلْمٍ وَنُسْكِ تَضَوَّعَ ذِكْرُهَا شَرْقًا وَغَرْبًا ... بِنُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِي يَقُولُ وَقَوْلُهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ ... بِغَيْرِ كِنَايَةٍ وَبِغَيْرِ شَكِّ دِمَشْقٌ فِي الْمَدَائِنِ بَيْتُ مُلْكِي ... وَهَذِي فِي الْمَدَارِسِ بَيْتُ مِلْكِي وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ بِدِمَشْقَ يُزَارُ وَيُخَلَّقُ شُبَّاكُهُ، فَيَطِيبُ بِرِيحِهِ كُلُّ مَارٍّ، وَإِنَّمَا يَقُولُ النَّاسُ: نُورُ الدِّينِ الشَّهِيدُ لِمَا حَصَلَ لَهُ فِي حَلْقِهِ مِنَ الْخَوَانِيقِ، وَكَذَا كَانَ يُقَالُ لِأَبِيهِ: الشَّهِيدُ.
وَيُلَقَّبُ بِالْقَسِيمِ، وَكَانَتِ الْفِرِنْجُ يَقُولُونَ لَهُ: ابْنُ الْقَسِيمِ.

صِفَةُ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ طَوِيلَ الْقَامَةِ، أَسْمَرَ اللَّوْنِ، حُلْوَ الْعَيْنَيْنِ، وَاسِعَ الْجَبِينِ، حَسَنَ الصُّورَةِ، تُرْكِيَّ الشَّكْلِ، لَيْسَ لَهُ لِحْيَةٌ إِلَّا فِي حَنَكِهِ، مَهِيبًا مُتَوَاضِعًا عَلَيْهِ جَلَالَةُ وَنُورُ الْإِسْلَامِ، وَتَعْظِيمُ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

فَصْلٌ فَلَمَّا مَاتَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، بُويِعَ مِنْ بَعْدِهِ بِالْمُلْكِ لِوَلَدِهِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، وَكَانَ صَغِيرًا، وَجَعَلَ أَتَابِكَهُ الْأَمِيرَ شَمْسَ الدِّينِ بْنَ مُقَدَّمٍ، فَاخْتَلَفَ الْأُمَرَاءُ، وَحَارَتِ الْآرَاءُ، وَظَهَرَتِ الشُّرُورُ، وَكَثُرَتِ الْخُمُورُ، وَانْتَشَرَتِ الْفَوَاحِشُ حَتَّى إِنَّ ابْنَ أَخِيهِ سَيْفَ الدِّينِ غَازِيَّ بْنَ مَوْدُودٍ صَاحِبَ الْمَوْصِلِ لَمَّا تَحَقَّقَ مَوْتَ عَمِّهِ - وَكَانَ مَحْصُورًا مِنْهُ - نَادَى مُنَادِيهِ بِالْبَلَدِ بِالْمُسَامَحَةِ فِي اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ وَالشَّرَابِ وَالطَّرَبِ، وَمَعَ الْمُنَادِي دُفٌّ وَقَدَحٌ وَمِزْمَارٌ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَقَدْ كَانَ ابْنُ أَخِيهِ هَذَا وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ الَّذِينَ لَهُ حُكْمٌ عَلَيْهِمْ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنَ الْمُنَاكِرِ وَالْفَوَاحِشِ، فَلَمَّا مَاتَ مَرَجَ أَمْرُهُمْ وَعَاثُوا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَتَحَقَّقَ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَلَا فَاسْقِنِي خَمْرًا وَقُلْ لِي هِيَ الْخَمْرُ ... وَلَا تَسْقِنِي سِرًّا إِذَا أَمْكَنَ الْجَهْرُ وَطَمِعَتِ الْأَعْدَاءُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَعَزَمَ الْفِرِنْجُ عَلَى قَصْدِ دِمَشْقَ وَانْتِزَاعِهَا مِنْ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، فَبَرَزَ إِلَيْهِمُ ابْنُ مُقَدِّمِ الْأَتَابِكِ فَوَاقَعَهُمْ عِنْدَ بَانِيَاسَ، فَضَعُفَ عَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ فَهَادَنَهُمْ مُدَّةً، وَدَفَعَ إِلَيْهِمْ أَمْوَالًا جَزِيلَةً عَجَّلَهَا لَهُمْ، وَلَوْلَا أَنَّهُ خَوَّفَهُمْ بِقُدُومِ الْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ لَمَا هَادَنُوهُ.
وَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ السُّلْطَانَ الْمَلِكَ صَلَاحَ الدِّينِ بْنَ أَيُّوبَ صَاحِبَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ كَتَبَ إِلَى الْأُمَرَاءِ - وَخَاصَّةً ابْنَ مُقَدَّمٍ - يَلُومُهُمْ عَلَى مَا صَنَعُوا مِنَ الْمُهَادَنَةِ وَدَفْعِ

الْأَمْوَالِ إِلَى الْفِرِنْجِ، وَهُمْ أَقَلُّ وَأَذَلُّ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى قَصْدِ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ لِيَحْفَظَهَا مِنَ الْفِرِنْجِ فَرَدُّوا إِلَيْهِ كِتَابًا فِيهِ غِلْظَةٌ، وَكَلَامٌ فِيهِ بَشَاعَةٌ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِمْ.
وَمِنْ شِدَّةِ خَوْفِهِمْ مِنْهُ كَتَبُوا إِلَى سَيْفِ الدِّينِ غَازِيٍّ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ لِيُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ ; لِيَدْفَعُوا بِهِ الْمَلِكَ النَّاصِرَ صَاحِبَ مِصْرَ فَلَمْ يَفْعَلْ ; لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُونَ مَكِيدَةً مِنْهُمْ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ هَرَبَ مِنْهُ الطَّوَاشِيُّ سَعْدُ الدَّوْلَةِ كُمُشْتِكِينَ الَّذِي كَانَ قَدْ جَعَلَهُ عِنْدَهُ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ عَيْنًا عَلَيْهِ وَحَافِظًا لَهُ مِنْ تَعَاطِي مَا لَا يَلِيقُ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالْخَمْرِ وَاللَّعِبِ وَاللَّهْوِ، فَلَمَّا مَاتَ نُورُ الدِّينِ وَنَادَى فِي الْمَوْصِلِ تِلْكَ الْمُنَادَاةَ الْقَبِيحَةَ خَافَ مِنْهُ الطَّوَاشِيُّ الْمَذْكُورُ أَنْ يُمْسِكَهُ فَهَرَبَ مِنْهُ سِرًّا، فَحِينَ تَحَقَّقَ غَازِيٌّ مَوْتَ عَمِّهِ تَعِبَ فِي طَلَبِ الْخَادِمِ فَفَاتَهُ، فَاسْتَحْوَذَ عَلَى حَوَاصِلِهِ وَدَخَلَ الطَّوَاشِيُّ حَلَبَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى دِمَشْقَ فَاتَّفَقَ مَعَ الْأُمَرَاءِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ ابْنَ أُسْتَاذِهِ الْمَلِكَ الصَّالِحَ إِسْمَاعِيلَ إِلَى حَلَبَ، فَيُرَبِّيَهُ هُنَالِكَ وَتَكُونَ دِمَشْقُ مُسَلَّمَةً إِلَى الْأَتَابِكِ شَمْسِ الدَّوْلَةِ بْنِ مُقَدَّمٍ وَالْقَلْعَةُ إِلَى الطَّوَاشِيِّ جَمَالِ الدِّينِ رَيْحَانٍ.
فَلَمَّا سَارَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ مِنْ دِمَشْقَ، خَرَجَ مَعَهُ الْأُمَرَاءُ وَالْكُبَرَاءُ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى حَلَبَ وَذَلِكَ فِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَحِينَ وَصَلُوا حَلَبَ جَلَسَ الصَّبِيُّ عَلَى سَرِيرِ مَمْلَكَتِهَا وَاحْتَاطُوا عَلَى بَنِي الدَّايَةِ ; شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الدَّايَةِ - أَخُو مَجْدِ الدِّينِ الَّذِي كَانَ رَضِيعَ نُورِ الدِّينِ - وَإِخْوَتِهِ الثَّلَاثَةِ، وَقَدْ كَانَ شَمْسُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ الدَّايَةِ يَظُنُّ أَنَّ ابْنَ نُورِ الدِّينِ يُسَلَّمُ إِلَيْهِ فَيُرَبِّيهِ ; لِأَنَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِذَلِكَ، فَخَيَّبُوا ظَنَّهُ وَسَجَنُوهُ وَإِخْوَتَهُ فِي الْجُبِّ، فَكَتَبَ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى الْأُمَرَاءِ يَلُومُهُمْ عَلَى نَقْلِ الْوَلَدِ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى حَلَبَ وَمِنْ سَجْنِهِمْ لِبَنِي الدَّايَةِ، وَقَدْ كَانُوا مِنْ خِيَارِ الْأُمَرَاءِ وَرُءُوسِ الْكُبَرَاءِ، وَلِمَ لَا يُسَلِّمُونَ الْوَلَدَ إِلَى مَجْدِ الدِّينِ بْنِ الدَّايَةِ الَّذِي هُوَ أَحْظَى

النَّاسِ عِنْدَ نُورِ الدِّينِ وَعِنْدَ النَّاسِ مِنْهُمْ؟! فَكَتَبُوا إِلَيْهِ يُسِيئُونَ عَلَيْهِ الْأَدَبَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُهُ حَنَقًا عَلَيْهِمْ، وَيُحَرِّضُهُ عَلَى الْقُدُومِ بِجَيْشِهِ إِلَيْهِمْ، وَلَكِنَّهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ فِي شُغْلٍ شَاغِلٍ لِمَا دَهَمَ بِلَادَهُ مِنَ الْأَمْرِ الْهَائِلِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ السَّنَةِ الْآتِيَةِ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْمَشَاهِيرِ: الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارُ أَبُو الْعَلَاءِ الْهَمَذَانِيُّ الْحَافِظُ سَمِعَ الْكَثِيرَ وَرَحَلَ إِلَى بُلْدَانٍ كَثِيرَةٍ اجْتَمَعَ، بِالْمَشَايِخِ وَقَدِمَ بَغْدَادَ وَحَصَّلَ الْكُتُبَ الْكَثِيرَةَ، وَاشْتَغَلَ بِعِلْمِ الْقِرَاءَاتِ وَاللُّغَةِ حَتَّى صَارَ أَوْحَدَ زَمَانِهِ فِي عِلْمَيِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَصَنَّفَ الْكُتُبَ الْكَثِيرَةَ الْمُفِيدَةَ، وَكَانَ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ مَرْضِيَّ الطَّرِيقَةِ، سَخِيًّا عَابِدًا زَاهِدًا، صَحِيحَ الِاعْتِقَادِ، حَسَنَ السَّمْتِ، لَهُ بِبَلَدِهِ الْمَكَانَةُ وَالْقَبُولُ التَّامُّ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَأَيَّامٍ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ فِي مَدِينَةٍ جَمِيعُ جُدْرَانِهَا كُتُبٌ وَحَوْلَهُ كُتُبٌ لَا تُحَدُّ، وَهُوَ مُشْتَغِلٌ بِمُطَالَعَتِهَا فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَشْغَلَنِي بِمَا كُنْتُ أَشْتَغِلُ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَأَعْطَانِي.
الْأَهْوَازِيُّ خَازِنُ كُتُبِ مَشْهَدِ أَبِي حَنِيفَةَ بِبَغْدَادَ، تُوُفِّيَ فَجْأَةً فِي رَبِيعٍ

الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَذَلِكَ تُوُفِّيَ أَبُوهُ وَأَخُوهُ فَجْأَةً كَمَا مَاتَ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِيِّ بْنِ آقْ سُنْقُرَ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ الْعَادِلُ نُورُ الدِّينِ صَاحِبُ بِلَادِ الشَّامِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبُلْدَانِ الْكَثِيرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ الْحَوَادِثِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: انْتَزَعَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ مَدِينَةً، وَقَدْ كَانَ يُكَاتِبُنِي وَأُكَاتِبُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى الْأُمَرَاءِ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ - يَعْنِي الصَّالِحَ إِسْمَاعِيلَ - وَجَدَّدَ الْعَهْدَ مَعَ صَاحِبِ طَرَابُلُسَ أَنْ لَا يُغِيرَ عَلَى الشَّامِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ مَادَّهُ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسَرَهُ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ وَأَسَرَ مَعَهُ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ دَوْلَتِهِ، فَافْتَدَى نَفْسَهُ مِنْهُ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَخَمْسِمِائَةِ حِصَانٍ وَخَمْسِمِائَةِ زَرَدِيَّةٍ وَمِثْلُهَا أَتْرَاسٌ وَقَنْطُورِيَّاتٌ وَخَمْسِمِائَةِ أَسِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَاهَدَهُ أَنْ لَا يُغِيرَ عَلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مُدَّةِ سَبْعِ سِنِينَ وَسَبْعَةِ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَأَخَذَ مِنْهُ رَهَائِنَ عَلَى ذَلِكَ ; مِائَةً مِنْ أَوْلَادِ أَكَابِرِ الْفِرِنْجِ وَبَطَارِقَتِهِمْ فَإِنْ نَكَثَ أَرَاقَ دِمَاءَهُمْ، وَكَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ شَرَّفَهُ اللَّهُ فَوَافَتْهُ الْمَنِيَّةُ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
وَهَذَا مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَمَعْنَاهُ.

الْخَضِرُ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ نَصْرٍ، الْإِرْبِلِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، أَوَّلُ مَنْ دَرَّسَ بِإِرْبِلَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ فَاضِلًا دَيِّنًا انْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ وَكَانَ قَدِ اشْتَغَلَ عَلَى إِلِكْيَا الْهَرَّاسِيِّ وَغَيْرِهِ بِبَغْدَادَ وَقَدِمَ دِمَشْقَ، فَأَرَّخَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ وَتَرْجَمَهُ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ فِي " الْوَفِيَّاتِ "، وَقَالَ: قَبْرُهُ يُزَارُ، وَقَدْ زُرْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِيهَا هَلَكَ مَلِكُ الْفِرِنْجِ مُرِّيٌّ لَعَنَهُ اللَّهُ وَأَظُنُّهُ مَلَكَ عَسْقَلَانَ وَنَحْوَهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَقَدْ كَانَ قَارَبَ أَنْ يَمْلِكَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

اسْتُهِلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالسُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ ; لِأَجْلِ حِفْظِهِ مِنْ أَيْدِي الْفِرِنْجِ الْمَخْذُولِ، وَلَكِنْ قَدْ دَهَمَهُ أَمْرٌ شَغَلَهُ عَنْهُ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْفِرِنْجَ قَدِمُوا إِلَى السَّاحِلِ الْمِصْرِيِّ فِي أُسْطُولٍ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ ; فِي كَثْرَةِ مَرَاكِبِهِ وَمَا فِيهِ مِنْ آلَاتِ الْحِصَارِ، وَكَثْرَةِ الرِّجَالِ وَالْمُقَاتِلَةِ ; مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ مِائَتَا شِينِيٍّ فِي كُلٍّ مِنْهَا مِائَةٌ وَخَمْسُونَ مُقَاتِلًا وَأَرْبَعُمِائَةِ قِطْعَةٍ أُخْرَى، وَكَانَ قُدُومُهُمْ مِنْ صِقِلِّيَةَ إِلَى ظَاهِرِ إِسْكَنْدَرِيَّةَ قَبْلَ رَأْسِ السَّنَةِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَنَصَبُوا الْمَنْجَنِيقَاتِ وَالدَّبَّابَاتِ حَوْلَ الْبَلَدِ، وَبَرَزَ إِلَيْهِمْ أَهْلُهَا فَقَاتَلُوهُمْ دُونَهَا قِتَالًا شَدِيدًا، وَاسْتَمَرَّ الْقِتَالُ أَيَّامًا، وَقُتِلَ مِنْ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَهْلُ الْبَلَدِ عَلَى تَحْرِيقِ مَا نَصَبُوهُ مِنَ الْمَنْجَنِيقَاتِ وَالدَّبَّابَاتِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَأَضْعَفَ ذَلِكَ قُلُوبَ الْفِرِنْجِ، ثُمَّ كَبَسَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً وَغَنِمُوا مِنْهُمْ مَا أَرَادُوا فَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَلْجَأٌ إِلَّا الْبَحْرُ أَوِ الْقَتْلُ أَوِ الْأَسْرُ، وَاسْتَحْوَذَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَثْقَالِهِمْ وَخُيُولِهِمْ وَخِيَامِهِمْ - وَبِالْجُمْلَةِ قَتَلُوا خَلْقًا مِنَ الرِّجَالِ وَغَنِمُوا شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْأَمْوَالِ - وَرَكِبَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ فِي الْأُسْطُولِ رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ خَائِبِينَ.
وَمِمَّا عَوَّقَ الْمَلِكَ النَّاصِرَ عَنِ الشَّامِ أَيْضًا، أَنَّ رَجُلًا يُعْرَفُ بِالْكَنْزِ - سَمَّاهُ

بَعْضُهُمْ عَبَّاسَ بْنَ شَادِيٍّ - وَكَانَ مِنْ مُقَدِّمِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَمِنَ الدَّوْلَةِ الْفَاطِمِيَّةِ - وَإِنَّمَا هِيَ الْعُبَيْدِيَّةُ - كَانَ قَدِ انْتَزَحَ إِلَى أَسْوَانَ، وَجَعَلَ يَجْمَعُ عَلَيْهِ النَّاسَ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الرَّعَاعِ مِنَ الْحَاضِرَةِ وَالْعُرْبَانِ، وَكَانَ يَزْعُمُ لَهُمْ أَنَّهُ سَيُعِيدُ الدَّوْلَةَ الْفَاطِمِيَّةَ وَيَدْحَضُ الْأَتَابِكَةَ التُّرْكِيَّةَ فَالْتَفَّ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ، ثُمَّ قَصَدَ قُوصَ وَأَعْمَالَهَا، وَقَتَلَ طَائِفَةً مِنْ أُمَرَائِهَا وَرِجَالِهَا، فَجَرَّدَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ طَائِفَةً مِنَ الْجَيْشِ الْمِصْرِيِّ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَخَاهُ الْمَلِكَ الْعَادِلَ سَيْفَ الدِّينِ أَبَا بَكْرٍ الْكُرْدِيَّ، فَلَمَّا الْتَقَيَا هَزَمَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَسَرَ أَهْلَهُ وَقَتَلَهُ كَمَا جَرَى لِمُقَدَّمِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَلِهَذَا جَعَلَ اللَّهُ دَوْلَةَ بَنِي أَيُّوبَ عَالِيَةً مَنِيفَةً.

فَصْلٌ لَمَّا تَمَهَّدَتِ الدِّيَارُ الْمِصْرِيَّةُ، وَلَمْ يَبْقَ بِهَا رَأْسٌ مِنْ بَقِيَّةِ الدَّوْلَةِ الْعُبَيْدِيَّةِ، بَرَزَ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ فِي الْجُيُوشِ التُّرْكِيَّةِ قَاصِدًا الْبِلَادَ الشَّامِيَّةَ وَذَلِكَ حِينَ مَاتَ سُلْطَانُهَا نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِيِّ وَأُخِيفَ سُكَّانُهَا وَتَضَعْضَعَتْ أَرْكَانُهَا، وَاخْتَلَفَ حُكَّامُهَا وَفَسَدَ نَقْضُهَا وَإِبْرَامُهَا، وَقَصْدُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ جَمْعُ شَمْلِهَا وَالْإِحْسَانُ إِلَى أَهْلِهَا وَأَمْنُ سَهْلِهَا وَجَبَلِهَا وَنُصْرَةُ الْإِسْلَامِ وَدَفْعُ الطَّغَامِ وَإِظْهَارُ الْقُرَآنِ وَإِخْفَاءُ سَائِرِ الْأَدْيَانِ وَتَكْسِيرُ الصُّلْبَانِ وَرِضَا الرَّحْمَنِ وَإِرْغَامُ الشَّيْطَانِ فَخَرَجَ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ إِلَى الْبِرْكَةِ فِي مُسْتَهَلِّ صَفَرٍ، وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْعَسْكَرُ، وَقَدِ اسْتَنَابَ عَلَى مِصْرَ أَخَاهُ سَيْفَ الدِّينِ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَى بِلْبِيسَ فِي الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ

الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَاقَ حَتَّى اجْتَازَ بِمَدِينَةِ بُصْرَى فَسَارَ فِي خِدْمَتِهِ صَاحِبُهَا صِدِّيقُ بْنُ جَاوْلِي، فَدَخَلَ مَدِينَةَ دِمَشْقَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ سَلْخَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَنْتَطِحْ فِيهَا عَنْزَانِ، وَلَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ سَيْفَانِ ; وَذَلِكَ أَنَّ نَائِبَهَا شَمْسَ الدِّينِ بْنَ مُقَدَّمٍ، كَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ أَوَّلًا فَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْكِتَابِ، فَلَمَّا رَأَى أَمْرَهُ مُتَوَجِّهًا جَعَلَ يُكَاتِبُهُ وَيَسْتَحِثُّهُ عَلَى الْقُدُومِ إِلَى دِمَشْقَ وَيَعِدُهُ بِتَسْلِيمِ الْبَلَدِ، فَلَمَّا رَأَى الْجِدَّ لَمْ يُمْكِنْهُ الْمُخَالَفَةُ فَسَلَّمَ الْبَلَدَ إِلَيْهِ بِلَا مُدَافَعَةٍ فَنَزَلَ السُّلْطَانُ أَوَّلًا فِي دَارِ وَالِدِهِ ; وَهِيَ دَارُ الْعَقِيقِيِّ الَّتِي بُنِيَتْ مَدْرَسَةً لِلْمَلِكِ الظَّاهِرِ، وَجَاءَ الْقَاضِي وَأَعْيَانُ الدَّمَاشِقَةِ لِلسَّلَامِ عَلَى السُّلْطَانِ فَرَأَوْا مِنْهُ غَايَةَ الْإِحْسَانِ، وَكَانَ فِي الْقَلْعَةِ إِذْ ذَاكَ الطَّوَاشِيُّ جَمَالُ الدِّينِ رَيْحَانٌ الْخَادِمُ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَاتِبُهُ وَيَفْتِلُ لَهُ فِي الذُّرْوَةِ وَالْغَارِبِ حَتَّى اسْتَمَالَهُ وَأَجْزَلَ ثَوَابَهُ فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، وَوَفَدَ عَلَيْهِ، وَمَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَكْرَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَظْهَرَ الْمَلِكُ النَّاصِرُ أَنَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِتَرْبِيَةِ وَلَدِ نُورِ الدِّينِ ; لِمَا لِنُورِ الدِّينِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِحْسَانِ الْمَتِينِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ خَطَبَ لِنُورِ الدِّينِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَضَرَبَ بِاسْمِهِ السِّكَّةَ، ثُمَّ عَامَلَ النَّاسَ بِالْإِحْسَانِ وَأَمَرَ بِإِبْطَالِ مَا أُحْدِثَ بَعْدَ نُورِ الدِّينِ مِنَ الْمُكُوسِ وَالضَّرَائِبِ وَأَقَامَ الْحُدُودَ وَأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ.

فَصْلٌ فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ لَهُ دِمَشْقُ بِحَذَافِيرِهَا لَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَهَضَ إِلَى حَلَبَ مُسْرِعًا ; لِمَا فِيهَا مِنَ التَّخْبِيطِ وَالتَّخْلِيطِ وَاسْتَنَابَ عَلَى دِمَشْقَ أَخَاهُ طُغْتِكِينَ بْنَ أَيُّوبَ،

الْمُلَقَّبَ بِسَيْفِ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا اجْتَازَ بِحِمْصَ أَخَذَ رَبَضَهَا وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِقَلْعَتِهَا لِعِلْمِهِ بِحُصُولِهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى حَمَاةَ فَتَسَلَّمَهَا مِنْ صَاحِبِهَا عِزِّ الدِّينِ جُرْدَيْكَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكُونَ سَفِيرَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَلَبِيِّينَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَحَذَّرَهُمْ بَأْسَ صَلَاحِ الدِّينِ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يُعَوِّلُوا عَلَيْهِ بَلْ أَمَرُوا بِسَجْنِهِ وَاعْتِقَالِهِ فَجَمَعُوا بَيْنَهُ وَبِبَنِي الدَّايَةِ فِي الْبِئْرِ الَّذِي هُمْ فِيهِ فَأَبْطأَ الْجَوَابَ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ كِتَابًا بَلِيغًا يَلُومُهُمْ فِيهِ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَعَدَمِ الِائْتِلَافِ فَرَدُّوا عَلَيْهِ أَسْوَأَ جَوَابٍ، وَأَحَدَّ مِنَ الْحِرَابِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يُذَكِّرُهُمْ أَيَّامَهُ وَأَيَّامَ أَبِيهِ وَعَمِّهِ فِي خِدْمَةِ نُورِ الدِّينِ فِي الْمَوَاقِفِ الْمَحْمُودَةِ الَّتِي يَشْهَدُ لَهُمْ بِهَا أَهْلُ الدِّينِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى حَلَبَ فَنَزَلَ عَلَى جَبَلِ جَوْشَنَ فَخَافَ مِنْ سَطْوَتِهِ كُلُّ ذِي جَوْشَنٍ، فَنُودِيَ فِي أَهْلِ حَلَبَ بِالْحُضُورِ فِي مَيْدَانِ بَابِ الْعِرَاقِ فَاجْتَمَعُوا فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمُ ابْنُ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ فَتَوَدَّدَ إِلَيْهِمْ وَتَبَاكَى لَدَيْهِمْ وَحَرَّضَهُمْ عَلَى قِتَالِ صَلَاحِ الدِّينِ وَذَلِكَ عَنْ إِشَارَةِ الْأُمَرَاءِ الْمُقَدَّمِينَ فَأَجَابَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ بِوُجُوبِ طَاعَتِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ الرَّوَافِضُ مِنْهُمْ أَنْ يُعَادَ الْأَذَانُ بِ: حَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَأَنْ يُذْكَرَ فِي الْأَسْوَاقِ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي الْجَامِعِ الْجَانِبُ الشَّرْقِيُّ، وَأَنْ يُذْكَرَ أَسْمَاءُ الْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ بَيْنَ يَدَيِ الْجَنَائِزِ وَأَنْ يُكَبِّرُوا عَلَى الْجِنَازَةِ خَمْسًا وَأَنْ تَكُونَ عُقُودُ أَنْكِحَتِهِمْ إِلَى

الشَّرِيفِ الطَّاهِرِ أَبِي الْمَكَارِمِ حَمْزَةَ بْنِ زَهْرَةَ الْحُسَيْنِيِّ فَأُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فَأُذِّنَ فِي الْجَامِعِ وَغَيْرِهِ بِسَائِرِ الْبَلَدِ بِ حَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَعَجَزَ أَهْلُ الْبَلَدِ عَنْ مُقَاوَمَةِ النَّاصِرِ، وَأَعْمَلُوا فِي مَكِيدَتِهِ كُلَّ خَاطِرٍ فَأَرْسَلُوا أَوَّلًا إِلَى سِنَانٍ صَاحِبِ الْحُشَيْشِيَّةِ فَأَرْسَلَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى النَّاصِرِ ; لِيَقْتُلُوهُ فَلَمْ يَظْفَرُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ، بَلْ قَتَلُوا بَعْضَ الْأُمَرَاءِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، فَرَاسَلُوا عِنْدَ ذَلِكَ الْقُومَصَ صَاحِبَ طَرَابُلُسَ الْفِرِنْجيَّ، وَوَعَدُوهُ بِأَمْوَالٍ جَزِيلَةٍ إِنْ هُوَ رَحَّلَ عَنْهُمُ السُّلْطَانَ الْمَلِكَ النَّاصِرَ، وَكَانَ هَذَا الْقُومَصُ قَدْ أَسَرَهُ نُورُ الدِّينِ وَهُوَ مُعْتَقَلٌ عِنْدَهُ مُدَّةَ عَشْرِ سِنِينَ، ثُمَّ افْتَدَى نَفْسَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَأَلْفِ أَسِيرٍ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ لَا يَنْسَاهَا لِنُورِ الدِّينِ رَحِمهُ اللَّهُ، فَرَكِبَ الْقُومَصُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - مِنْ بَلَدِهِ طَرَابُلُسَ فِي جَيْشِهِ، فَلَمْ يَتَجَاسَرْ عَلَى مُقَاتَلَةِ السُّلْطَانِ، بَلْ قَصَدَ حِمْصَ لِيَأْخُذَهَا بَغْتَةً، فَرَكِبَ إِلَيْهِ السُّلْطَانُ النَّاصِرُ، وَقَدْ أَرْسَلَ سَرِيَّةً إِلَى بَلَدِهِ فَقَتَلُوا مِنْهَا وَأَسَرُوا وَغَنِمُوا، فَلَمَّا اقْتَرَبَ السُّلْطَانُ مِنْهُ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَكَرَّ رَاجِعًا إِلَى بَلَدِهِ، وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَجَابَهُمْ إِلَى مَا أَرَادُوا مِنْهُ، فَلَمَّا رَجَعَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى حِمْصَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَخَذَ قَلْعَتَهَا فِي ذَهَابِهِ فَتَصَدَّى لِأَخْذِهَا فَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَنْجَنِيقَاتِ الَّتِي مَلَّكَتْهُ إِيَّاهَا قَسْرًا، وَقَهَرَتْ سَاكِنِيهَا قَهْرًا، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى حَلَبَ فَأَنَالَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْكَرَّةِ مَا طَلَبَ.

وَكَتَبَ إِلَيْهِمُ الْقَاضِي الْفَاضِلُ عَلَى لِسَانِ السُّلْطَانِ كِتَابًا بَلِيغًا فَصِيحًا رَائِقًا فَائِقًا عَلَى يَدَيِ الْخَطِيبِ شَمْسِ الدِّينِ يَقُولُ فِيهِ: فَإِذَا قَضَى التَّسْلِيمُ حَقَّ اللِّقَاءِ، وَاسْتَدْعَى الْإِخْلَاصُ جُهْدَ الدُّعَاءِ فَلْيَعُدْ وَلِيُعَدَّ حَوَادِثَ مَا كَانَتْ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَجَوَارِيَ أُمُورٍ إِنْ قَالَ فِيهَا كَثِيرًا، فَأَكْثَرُ مِنْهُ مَا قَدْ جَرَى، وَلْيَشْرَحْ صَدْرًا مِنْهَا لَعَلَّهُ يَشْرَحُ مِنَّا صَدْرًا، وَلْيُوَضِّحِ الْأَحْوَالَ الْمُسْتَسِرَّةَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعْبَدُ سِرًّا: وَمِنَ الْغَرَائِبِ أَنْ تَسِيرَ غَرَائِبٌ ... فِي الْأَرْضِ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْمَأْمُولُ كَالْعِيسِ أَقْتَلُ مَا يَكُونُ لَهَا الصَّدَى ... وَالْمَاءُ فَوْقَ ظُهُورِهَا مَحْمُولُ فَإِنَّا كُنَّا نَقْتَبِسُ النَّارَ بِأَكُفِّنَا وَغَيْرُنَا يَسْتَنِيرُ، وَنَسْتَنْبِطُ الْمَاءَ بِأَيْدِينَا وَسِوَانَا يَسْتَمِيرُ، وَنَلْقَى السِّهَامَ بِنُحُورِنَا وَغَيْرُنَا يَعْتَمِدُ التَّصْوِيرَ، وَنُصَافِحُ الصُّفَّاحَ بِصُدُورِنَا وَغَيْرُنَا يَدَّعِي التَّصْدِيرَ، وَلَابُدَّ أَنْ نَسْتَرِدَّ بِضَاعَتَنَا بِمَوْقِفِ الْعَدْلِ الَّذِي تُرَدُّ بِهِ الْغُصُوبُ، وَتَظْهَرَ طَاعَتُنَا فَنَأْخُذَ بِحَظِّ الْأَلْسُنِ كَمَا أَخَذْنَا بِحَظِّ الْقُلُوبِ، وَكَانَ أَوَّلَ أَمْرِنَا أَنَّا كُنَّا فِي الشَّامِ نَفْتَحُ الْفُتُوحَ مُبَاشِرِينَ بِأَنْفُسِنَا، وَنُجَاهِدُ الْكَفَّارَ مُتَقَدِّمِينَ بِعَسَاكِرِنَا، نَحْنُ وَوَالِدُنَا وَعَمُّنَا، فَأَيُّ مَدِينَةٍ فُتِحَتْ أَوْ مَعْقِلٍ مُلِكَ أَوْ عَسْكَرٍ لِلْعَدُوِّ كُسِرَ أَوْ مَصَافٍّ لِلْإِسْلَامِ مَعَهُ ضُرِبَ وَلَمْ نَكُنْ فِيهِ؟ فَمَا يَجْهَلُ أَحَدٌ صُنْعَنَا، وَلَا يَجْحَدُ عَدُوُّنَا أَنَّا نَصْطَلِي الْجَمْرَةَ وَنَمْلِكُ الْكَرَّةَ، وَنَتَقَدَّمُ الْجَمَاعَةَ

وَنُرَتِّبُ الْمُقَاتِلَةَ، وَنُدَبِّرُ التَّعْبِئَةَ، إِلَى أَنْ ظَهَرَتْ فِي الشَّامِ الْآثَارُ الَّتِي لَنَا أَجْرُهَا، وَلَا يَضُرُّنَا أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِنَا ذِكْرُهَا.
ثُمَّ ذَكَرَ مَا صَنَعُوا بِمِصْرَ مِنْ كَسْرِ الْكُفْرِ وَإِزَالَةِ الْمُنْكَرِ وَقَمْعِ الْفِرِنْجِ وَهَدْمِ الْبِدَعِ الَّتِي كَانَتْ هُنَالِكَ، وَمَا بُسِطَ مِنَ الْعَدْلِ وَمُدَّ مِنَ الْفَضْلِ، وَمَا أَقَامَهُ مِنَ الْخُطَبِ الْعَبَّاسِيَّةِ بِبِلَادِ مِصْرَ وَالْيَمَنِ وَالنُّوبَةِ وَإِفْرِيقِيَّةَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ بِكَلَامٍ بَسِيطٍ حَسَنٍ.
فَلَمَّا وَصَلَهُمُ الْكِتَابُ أَسَاءُوا الْجَوَابَ، وَقَدْ كَانُوا كَاتَبُوا صَاحِبَ الْمَوْصِلِ سَيْفَ الدِّينِ غَازِيَّ بْنَ مَوْدُودٍ أَخِي نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِيٍّ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ أَخَاهُ عِزَّ الدِّينِ فِي عَسَاكِرِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فِي دَسَاكِرِهِ، فَانْضَافَ إِلَيْهِمُ الْحَلَبِيُّونَ وَقَصَدُوا حَمَاةَ فِي غَيْبَةِ النَّاصِرِ وَاشْتِغَالِهِ بِقَلْعَةِ حِمْصَ وَعِمَارَتِهَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبُرُهُمْ سَارَ إِلَيْهِمْ فِي قُلٍّ مِنَ الْجَيْشِ فَانْتَهَى إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي جَحَافِلَ كَثِيرَةٍ، فَوَاقَفُوهُ وَطَمِعُوا فِيهِ لِقِلَّةِ مَنْ مَعَهُ، وَهَمُّوا بِمُنَاجَزَتِهِ فَجَعَلَ يُدَارِيهِمْ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُصَالَحَةِ لَعَلَّ الْجَيْشَ يَلْحَقُونَهُ حَتَّى قَالَ لَهُمْ فِي جُمْلَةِ مَا قَالَ: أَنَا أَقْنَعُ بِدِمَشْقَ وَحَدَهَا، وَأُقِيمُ بِهَا الْخُطْبَةَ لِلْمَلِكِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَتْرُكُ مَا عَدَاهَا مِنْ أَرْضِ الشَّامِ.
فَامْتَنَعَ مِنَ الْمُصَالَحَةِ الْخَادِمُ سَعْدُ الدِّينِ كُمُشْتِكِينَ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الرَّحْبَةَ الَّتِي هِيَ بِيَدِ ابْنِ عَمِّهِ نَاصِرِ الدِّينِ بْنِ أَسَدِ الدِّينِ، فَقَالَ: لَيْسَ لِي ذَلِكَ، وَلَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ.
فَأَبَوُا الصُّلْحَ وَأَقْدَمُوا عَلَى الْقِتَالِ فَجَعَلَ جَيْشَهُ كُرْدُوسًا وَاحِدًا، وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَحَدِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ عِنْدَ قُرُونِ حَمَاةَ وَصَبَرَ صَبْرًا عَظِيمًا، وَجَاءَهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَالِ ابْنُ أَخِيهِ تَقِيُّ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ شَاهِنْشَاهْ وَمَعَهُ أَخُوهُ فَرُّوخْشَاهْ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ، وَقَدْ تَرَجَّحَ دَسْتُهُ عَلَيْهِمْ، وَخَلَصَ رُعْبُهُ

إِلَيْهِمْ فَوَلَّوْا هُنَالِكَ هَارِبِينَ، وَتَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ فَأُسَرَ مَنْ أُسِرَ مِنْ رُءُوسِهِمْ وَنَادَى أَنْ لَا يُتْبَعَ مُدْبِرٌ وَلَا يُذَفَّفَ عَلَى جَرِيحٍ، ثُمَّ أَطْلَقَ مَنْ وَقَعَ فِي أَسْرِهِ وَسَارَ عَلَى الْفَوْرِ إِلَى حَلَبَ وَقَدِ انْعَكَسَ عَلَيْهِمُ الْحَالُ، وَآلَوْا إِلَى شَرِّ مَآلٍ ; فَبِالْأَمْسِ كَانَ يَطْلُبُ مِنْهُمُ الْمُصَالَحَةَ وَالْمُسَالَمَةَ، وَهُمُ الْيَوْمَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُمْ وَيَرْجِعَ، عَلَى أَنَّ الْمَعَرَّةَ وَكَفْرَطَابَ وَبَارَيْنَ لَهُ زِيَادَةً عَلَى مَا بِيَدِهِ مِنْ أَرَاضِي حَمَاةَ وَحِمْصَ وَبَعْلَبَكَّ مَعَ دِمَشْقَ فَقَبِلَ ذَلِكَ، وَكَفَّ عَنْهُمْ، وَحَلَفَ عَلَى أَنْ لَا يَغْزُوَ بَعْدَهَا الْمَلِكَ الصَّالِحَ، وَأَنْ يَدْعُوَ لَهُ عَلَى سَائِرِ مَنَابِرِ بِلَادِهِ، وَشَفَعَ فِي بَنِي الدَّايَةِ أَخُوهُ مَجْدُ الدِّينِ أَنْ يُخْرَجُوا مِنَ السِّجْنِ، فَفُعِلَ ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا مُسَلَّمًا مَحْبُورًا.
فَلَمَّا كَانَ بِحَمَاةَ وَصَلَتْ إِلَيْهِ رُسُلُ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَمَعَهُمُ الْخِلَعُ السَّنِيَّةُ وَالتَّشْرِيفَاتُ الْعَبَّاسِيَّةُ وَالْأَعْلَامُ السُّودُ وَتَوْقِيعٌ مِنَ الدِّيوَانِ بِالسَّلْطَنَةِ بِبِلَادِ مِصْرَ وَالشَّامِ، وَأُفِيضَتِ الْخِلَعُ عَلَى أَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَصْهَارِهِ وَأَعْوَانِهِ وَأَنْصَارِهِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا وَاسْتَنَابَ عَلَى حَمَاةَ ابْنَ خَالِهِ وَصِهْرَهُ الْأَمِيرَ شِهَابَ الدِّينِ مَحْمُودًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى حِمْصَ فَأَطْلَقَهَا إِلَى ابْنِ عَمِّهِ نَاصِرِ الدِّينِ، كَمَا كَانَتْ مِنْ قَبْلِهِ لِأَبِيهِ شِيرَكُوهْ أَسَدِ الدِّينِ، ثُمَّ إِلَى بَعْلَبَكَّ ثُمَّ إِلَى الْبِقَاعِ وَرَجَعَ إِلَى دِمَشْقَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ رَجُلٌ مِنْ قَرْيَةِ مَشْغَرَا مِنْ مُعَامَلَةِ دِمَشْقَ وَكَانَ مَغْرِبِيًّا فَادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَأَظْهَرَ شَيْئًا مِنَ الْمَخَارِيقِ وَالْمَخَايِيلِ وَالشَّعْبَذَةِ وَالْأَبْوَابِ النِّيرِنْجِيَّةِ،

فَافْتَتَنَ بِهِ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ مِنَ الطَّغَامِ وَالْهَمَجِ وَالْعَوَامِّ فَتَطَلَّبَهُ السُّلْطَانُ فَهَرَبَ فِي اللَّيْلِ مِنْ مَشْغَرَا إِلَى مُعَامَلَةِ حَلَبَ فَالْتَفَّ عَلَيْهِ كُلُّ مَقْطُوعِ الذَّنَبِ وَأَضَلَّ خَلْقًا مِنَ الْفَلَّاحِينَ لَا الْمُفْلِحِينَ، وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً أَحَبَّهَا، وَكَانَتْ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبِطَاحِ فَعَلَّمَهَا أَنِ ادَّعَتِ النُّبُوَّةَ فَأَشْبَهَا قِصَّةَ مُسَيْلِمَةَ وَسَجَاحَ، فَلَعَنَهُمَا اللَّهُ كُلَّمَا غَبَّ الْحَمَامُ وَهَدَرَ، وَكُلَّمَا ضَبَّ الْغَمَامُ وَقَطَرَ.
وَفِيهَا هَرَبَ وَزِيرُ الْخَلِيفَةِ وَنُهِبَتْ دَارُهُ.
وَفِيهَا دَرَّسَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ بِمَدْرَسَةٍ أُنْشِئَتْ لِلْحَنَابِلَةِ فَحَضَرَ عِنْدَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الدَّامَغَانِيِّ وَالْفُقَهَاءُ وَالْكُبَرَاءُ وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا وَخُلِعَتْ عَلَيْهِ خِلْعَةٌ سَنِيَّةٌ.

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: رَوْحُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو طَالِبٍ الْحَدِيثِيُّ قَاضِي الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَكَانَ ابْنُهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُ أَبِيهِ مَرِضَ بَعْدَهُ فَمَاتَ بَعْدَ أَيَّامٍ وَكَانَ يُنْبَذُ بِالرَّفْضِ.
شُمْلَةُ التُّرْكُمَانِيُّ كَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى بِلَادِ فَارِسَ وَاسْتَحْدَثَ قِلَاعًا وَتَغَلَّبَ عَلَى السَّلْجُوقِيَّةِ وَانْتَظَمَ لَهُ الدَّسْتُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ إِنَّهُ حَارَبَهُ بَعْضُ التُّرْكُمَانِ فَقَتَلُوهُ.

قَايْمَازُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قُطْبُ الدِّينِ الْمُسْتَنْجَدِيُّ وَزَرَ لِلْخَلِيفَةِ الْمُسْتَضِيءِ، وَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الْعَسَاكِرِ كُلِّهِمْ ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْخَلِيفَةِ وَقَصَدَ أَنْ يَنْهَبَ دَارَ الْخِلَافَةِ فَصَعِدَ الْخَلِيفَةُ فَوْقَ سَطْحٍ فِي دَارِهِ وَأَمَرَ الْعَامَّةَ بِنَهْبِ دَارِ قَايْمَازَ فَنُهِبَتْ وَكَانَ ذَلِكَ بِإِفْتَاءِ الْفُقَهَاءِ فَهَرَبَ فَهَلَكَ وَهَلَكَ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَهَامِهِ وَالْقِفَارِ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

فِيهَا طَلَبَ الْفِرِنْجُ مِنَ السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ - وَكَانَ قَدْ أَقَامَ بِدِمَشْقَ فِي مَرْجِ الصُّفَّرِ - أَنْ يُهَادِنَهُمْ فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ الشَّامَ كَانَ مُجْدِبًا وَيَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ.
وَأَرْسَلَ جَيْشَهُ صُحْبَةَ الْقَاضِي الْفَاضِلِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ ; لِيَسْتَغِلُّوا الْمُغَلَّ ثُمَّ يُقْبِلُوا، وَعَزَمَ هُوَ عَلَى الْمُقَامِ بِالشَّامِ وَاعْتَمَدَ عَلَى كَاتِبِهِ الْعِمَادِ عِوَضًا عَنْ أَفْصَحِ الْعِبَادِ بِتِلْكَ الْبِلَادِ، وَهُوَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ قُدْوَةُ الْعُلَمَاءِ وَالْأَفَاضِلِ وَرِحْلَةُ الطَّالِبِينَ وَزَيْنُ الْمَحَافِلِ زَيْنُ الْإِسْلَامِ وَمَنْ لِسَانُهُ أَحَدُّ، مِنْ حُسَامٍ وَلَكِنِ احْتَاجَ السُّلْطَانُ إِلَى إِرْسَالِهِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ ; لِيُكَونَ عَيْنًا وَعَوْنًا لَهُ بِهَا، وَلِسَانًا فَصِيحًا يُعَبِّرُ عَنْهَا فَاحْتَاجَ إِلَى أَنْ يَتَعَوَّضَ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَعَزَّ عَلَيْهِ وَلَا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ: وَمَا عَنْ رِضًا كَانَتْ سُلَيْمَى بَدِيلَةً ... بِلَيْلَى وَلَكِنْ لِلضَّرُورَاتِ أَحْكَامُ وَكَانَتْ إِقَامَتُهُ بِبِلَادِ الشَّامِ وَإِرْسَالُ الْجَيْشِ صُحْبَةَ الْقَاضِي الْفَاضِلِ غَايَةَ الْحَزْمِ وَالتَّدْبِيرِ وَالِاهْتِمَامِ ; لِيَحْفَظَ مَا اسْتَجَدَّ مِنَ الْمَمَالِكِ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنْ سَطْوَةِ مَنْ هُنَالِكَ.
فَلَمَّا أَرْسَلَ الْجُيُوشَ إِلَى مِصْرَ وَبَقِيَ هُوَ فِي طَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ مِنْ عَسْكَرِهِ، وَاللَّهُ قَدْ

تَكَفَّلَ لَهُ وَلَهُمْ بِالنَّصْرِ كَتَبَ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ سَيْفُ الدِّينِ غَازِيٌّ ابْنُ أَخِي نُورِ الدِّينِ إِلَى جَمَاعَةِ الْحَلَبِيِّينَ يَلُومُهُمْ عَلَى مَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ مِنَ الْمُصَالَحَةِ، وَقَدْ كَانَ إِذْ ذَاكَ مَشْغُولًا بِمُحَاصَرَةِ أَخِيهِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِيٍّ بِسِنْجَارَ - وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِفِعْلَةٍ صَالِحَةٍ - وَمَا كَانَ سَبَبُ قِتَالِهِ لِأَخِيهِ إِلَّا انْتِمَاؤُهُ إِلَى طَاعَةِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ وَذَوِيهِ فَاصْطَلَحَ مَعَ أَخِيهِ حِينَ عَرَفَ قُوَّةَ النَّاصِرِ وَنَاصِرِيهِ، ثُمَّ حَرَّضَ الْحَلَبِيِّينَ عَلَى نَبْذِ الْعُهُودِ إِلَى الْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ بِالْعُهُودِ الَّتِي عَاهَدُوهُ عَلَيْهَا وَدَعَوْهُ إِلَيْهَا، فَاسْتَعَانَ عَلَيْهِمْ بِاللَّهِ وَأَرْسَلَ إِلَى الْجُيُوشِ الْمِصْرِيَّةِ لِيَقْدَمُوا إِلَيْهِ فَأَقْبَلَ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ فِي عَسَاكِرِهِ وَمُشَارِيهِ وَدَسَاكِرِهِ.
وَاجْتَمَعَ بِابْنِ عَمِّهِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ عِمَادِ الدِّينِ إِسْمَاعِيلَ، وَسَارَ فِي عِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ عَلَى الْخُيُولِ الضُّمَّرِ الْجُرْدِ الْأَبَابِيلِ، وَسَارَ نَحْوَهُمُ النَّاصِرُ وَهُوَ كَالْهِزَبْرِ الْكَاسِرِ، وَإِنَّمَا مَعَهُ أَلْفُ فَارِسٍ مِنَ الْحُمَاةِ وَ ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 249] وَلَكِنَّ الْجُيُوشَ قَدْ خَرَجَتْ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي جَحَافِلَ كَالْجِبَالِ وَعُدَّةٍ وَعَدَدٍ كَالرِّمَالِ، فَاجْتَمَعَ الْفَرِيقَانِ وَتَدَاعَوْا لِلنِّزَالِ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الْعَاشِرِ مِنْ شَوَّالٍ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا هَائِلًا، حَتَّى حَمَلَ السُّلْطَانُ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ، وَكَانَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ الْهَزِيمَةُ، فَقَتَلُوا خَلْقًا مِنَ الْحَلَبِيِّينَ وَالْمَوَاصِلَةِ وَأَخَذُوا مَضَارِبَ الْمَلِكِ سَيْفِ الدِّينِ غَازِيٍّ وَحَوَاصِلَهُ وَأَسَرُوا جَمَاعَةً مِنْ رُءُوسِهِمْ فَأَطْلَقَهُمُ السُّلْطَانُ بَعْدَمَا أَفَاضَ الْخِلَعَ عَلَى أَبْدَانِهِمْ وَرُءُوسِهِمْ، وَقَدْ كَانُوا اسْتَعَانُوا بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْفِرِنْجِ فِي حَالِ الْقِتَالِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ صَنِيعِ الصَّنَادِيدِ الْأَبْطَالِ.
وَقَدْ وَجَدَ السُّلْطَانُ فِي مُخَيَّمِ السُّلْطَانِ غَازِيٍّ شَيْئًا مِنَ الْأَقْفَاصِ الَّتِي فِيهَا الطُّيُورُ الْمُطْرِبَةُ - وَذَلِكَ فِي مَجْلِسِ شَرَابِهِ الْمُسْكِرِ - وَكَيْفَ مَنْ كَانَ هَذَا

مَسْلَكَهُ وَمَذْهَبَهُ يَنْتَصِرُ؟! فَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِرَدِّهَا عَلَيْهِ وَتَسْيِيرِهَا إِلَيْهِ، وَقَالَ لِلرَّسُولِ: قُلْ لَهُ بَعْدَ وُصُولِكَ إِلَيْهِ وَسَلَامِكَ عَلَيْهِ: اشْتِغَالُكَ بِهَذِهِ الطُّيُورِ أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا رَأَيْتَ مِنَ الْمَحْذُورِ.
وَغَنِمَ السُّلْطَانُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا فَفَرَّقَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ وَأَحْبَابِهِ وَأَنْصَارِهِ غُيَّبًا كَانُوا أَوْ حُضُورًا، وَأَنْعَمَ بِخَيْمَةِ الْمَلِكِ سَيْفِ الدِّينِ غَازِيٍّ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ عِزِّ الدِّينِ فَرُّوخْشَاهْ بْنِ شَاهِنْشَاهْ بْنِ نَجْمِ الدِّينِ، وَرَدَّ مَا كَانَ فِي وِطَاقِهِ مِنَ الْجَوَارِي وَالْمُغَنِّيَاتِ، وَقَدْ كَانَ مَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ مُغَنِّيَةٍ وَرَدَّ الْأَقْفَاصَ وَآلَاتِ اللَّعِبِ إِلَى حَلَبَ وَقَالَ: قُولُوا لَهُ: هَذَا أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنَ الْحَرْبِ.
وَوَجَدَ عَسْكَرَ الْمَوَاصِلَةِ كَالْحَانَةِ مِنْ كَثْرَةِ الْخُمُورِ وَالْبَرَابِطِ وَالْمَلَاهِي، وَهَذِهِ سَبِيلُ مَنْ هُوَ عَنْ طَرِيقِ الْخَيْرِ سَاهٍ لَاهٍ.

فَصْلٌ لَمَّا رَجَعَ الْحَلَبِيُّونَ إِلَى حَلَبَ وَقَدِ انْقَلَبُوا شَرَّ مُنْقَلَبٍ وَنَدِمُوا عَلَى نَقْضِهِمُ الْأَيْمَانَ وَمُخَالَفَتِهِمْ طَاعَةَ الرَّحْمَنِ وَشَقِّهِمُ الْعَصَا عَلَى السُّلْطَانِ حَصَّنُوا الْبَلَدَ خَوْفًا مِنْ وُثُوبِ الْأَسَدِ، وَأَسْرَعَ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ فَوَصَلَهَا، وَمَا صَدَّقَ حَتَّى دَخَلَهَا، وَأَمَّا السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ فَإِنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِسْمَةِ مَا غَنِمَ مِمَّا تَرَكَهُ مَنْ عَطِبَ وَمَنْ سَلِمَ، أَسْرَعَ الْمَسِيرَ إِلَى حَلَبَ الشَّهْبَاءِ وَهُوَ فِي غَايَةِ السَّطْوَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْعِزَّةِ الْقَعْسَاءِ، فَوَجَدَهُمْ قَدْ حَصَّنُوهَا، وَالْقَلْعَةَ قَدْ أَحْكَمُوهَا فَقَالَ: مِنَ الْمَصْلَحَةِ أَنْ نُبَادِرَ إِلَى فَتْحِ الْحُصُونِ الَّتِي حَوْلَ الْبَلَدِ، ثُمَّ نَعُودَ إِلَيْهِمْ فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْنَا

مِنْهُمْ أَحَدٌ.
فَشَرَعَ يَفْتَحُ الْحُصُونَ حِصْنًا حِصْنًا ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِمْ وَيَهْدِمُ مِنْ أَرْكَانِ دَوْلَتِهِمْ رُكْنًا رُكْنًا فَفَتَحَ بُزَاغَةَ وَمَنْبِجَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى عَزَازَ فَأَرْسَلَ الْحَلَبِيُّونَ إِلَى سِنَانٍ، فَأَرْسَلَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ لِيَقْتُلُوا صَلَاحَ الدِّينِ فَدَخَلَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فِي جَيْشِهِ فِي زِيِّ الْجُنْدِ فَقَاتَلُوا أَشَدَّ الْقِتَالِ حَتَّى اخْتَلَطُوا بِهِمْ فَوَجَدُوا فُرْصَةً ذَاتَ يَوْمٍ وَالسُّلْطَانُ ظَاهِرٌ لِلنَّاسِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَضَرَبَهُ بِسِكِّينٍ عَلَى رَأْسِهِ فَإِذَا هُوَ مُحْتَرِسٌ مِنْهُمْ بِاللَّأْمَةِ فَسَلَّمَهُ اللَّهُ غَيْرَ أَنَّ السِّكِّينَ مَرَّتْ عَلَى خَدِّهِ فَجَرَحَتْهُ جُرْحًا هَيِّنًا ثُمَّ أَخَذَ الْفِدَاوِيُّ رَأْسَ السُّلْطَانِ فَوَضَعَهُ عَلَى الْأَرْضِ لِيَذْبَحَهُ، وَمَنْ حَوْلَهُ قَدْ أَخَذَتْهُمْ دَهْشَةٌ، ثُمَّ ثَابَ إِلَيْهِمْ عَقْلُهُمْ فَبَادَرُوا إِلَى الْفِدَاوِيِّ فَقَتَلُوهُ وَقَطَّعُوهُ ثُمَّ هَجَمَ آخَرُ فِي السَّاعَةِ الرَّاهِنَةِ عَلَى السُّلْطَانِ فَقُتِلَ، ثُمَّ هَجَمَ آخَرُ عَلَى بَعْضِ الْأُمَرَاءِ فَقُتِلَ أَيْضًا، وَهَرَبَ الرَّابِعُ فَأُدْرِكَ فَقُتِلَ، وَبَطَلَ الْقِتَالُ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
ثُمَّ صَمَّمَ السُّلْطَانُ عَلَى الْبَلَدِ فَفَتَحَهُ وَأَقْطَعَهُ ابْنَ أَخِيهِ تَقِيَّ الدِّينِ عُمَرَ بْنَ شَاهِنْشَاهْ بْنِ أَيُّوبَ وَقَدِ اشْتَدَّ حَنَقُهُ عَلَى أَهْلِ حَلَبَ لِمَا فَعَلُوا وَلِمَا أَرْسَلُوا مِنَ الْفِدَاوِيَّةِ إِلَيْهِ وَإِقْدَامِهِمْ عَلَيْهِ، فَجَاءَ فَنَزَلَ تُجَاهَ الْبَلَدِ عَلَى جَبَلِ جَوْشَنَ وَضُرِبَتْ خَيْمَتُهُ عَلَى رَأْسِ الْبَادُوقِيَّةِ، وَذَلِكَ فِي خَامِسَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ وَجَبَى الْأَمْوَالَ وَأَخَذَ الْخَرَاجَ مِنَ الْقُرَى وَمَنَعَ أَنْ يَدْخُلَ الْبَلَدَ شَيْءٌ أَوْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ وَاسْتَمَرَّ حِصَارُهُ إِيَّاهَا حَتَّى انْسَلَخَتِ السَّنَةُ.
وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَادَ شَمْسُ الدَّوْلَةِ تُورَانْشَاهْ أَخُو

السُّلْطَانِ مِنْ بِلَادِ الْيَمَنِ، وَذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ اشْتِيَاقِهِ إِلَى أَخِيهِ وَذَوِيِهِ وَإِلَى الشَّامِ وَطِيبِهِ وَظِلَالِهِ ; لِأَنَّهُ ضَجِرَ مِنْ حَرِّ الْيَمَنِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَصَلَ عَلَى أَمْوَالٍ جَزِيلَةٍ مِنْ مَالِهِ، فَفَرِحَ بِهِ أَخُوهُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ، وَاشْتَدَّ أَزْرُهُ بِسَبَبِهِ، وَلَمَّا اجْتَمَعَا قَالَ النَّاصِرُ النَّاصِحُ الْبَرُّ الْوَفِيُّ: أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي، وَقَدِ اسْتَنَابَ شَمْسَ الدِّينِ عَلَى بِلَادِ الْيَمَنِ وَإِنَّمَا اسْتَنَابَ عَلَى مُخَالِفِيهَا مَنْ لَا يُخَالِفُهُ مِنْ ذِي قَرَابَاتِهِ وَمَنْ لَهُ سَالِفُ الْمِنَنِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ عِنْدَ أَخِيهِ اسْتَنَابَهُ عَلَى دِمَشْقَ وَأَعْمَالِهَا، وَقِيلَ: إِنَّ قُدُومَهُ كَانَ قَبْلَ وَقْعَةِ الْمَوَاصِلَةِ وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ الْفَتْحِ وَالنَّصْرِ ; لِشَهَامَتِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَفُرُوسِيَّتِهِ وَبَسَالَتِهِ.
وَفِيهَا أَنْفَذَ تَقِيُّ الدِّينِ عُمَرُ ابْنُ أَخِي السُّلْطَانِ مَمْلُوكَهُ بَهَاءَ الدِّينِ قَرَاقُوشَ فِي جَيْشٍ إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ فَفَتَحَ بِلَادًا كَثِيرَةً هُنَالِكَ وَغَنِمَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً ثُمَّ عَادَ إِلَى مِصْرَ وَطَابَتْ لَهُ وَتَرَكَ تِلْكَ الْبِلَادِ.
وَفِيهَا قَدِمَ إِلَى دِمَشْقَ الْوَاعِظُ الْكَبِيرُ أَبُو الْفُتُوحِ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَلِّدٍ التَّنُوخِيُّ الدِّمَشْقِيُّ الْأَصْلُ الْبَغْدَادِيُّ الْمَنْشَأُ ذَكَرَهُ الْعِمَادُ فِي الْخَرِيدَةِ، قَالَ: وَكَانَ صَاحِبِي وَجَلَسَ لِلْوَعْظِ وَحَضَرَ عِنْدَهُ السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ.
وَأَوْرَدَ لَهُ مُقَطِّعَاتِ أَشْعَارٍ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ يَقُولُ فِي مَجْلِسِهِ: يَا مَالِكًا مُهْجَتِي يَا مُنْتَهَى أَمَلِي ... يَا حَاضِرًا شَاهِدًا فِي الْقَلْبِ وَالْفِكْرِ خَلَقْتَنِي مِنْ تُرَابٍ أَنْتَ خَالِقُهُ ... حَتَّى إِذَا صِرْتُ تِمْثَالًا مِنَ الصُّوَرِ أَجْرَيْتَ فِي قَالِبِي رُوحًا مُنَوَّرَةً ... تَمُرُّ فِيهِ كَجَرْيِ الْمَاءِ فِي الشَّجَرِ

جَمَعْتَ بَيْنَ صَفَا رُوحٍ مُنَوَّرَةٍ ... وَهَيْكَلٍ صُغْتَهُ مِنْ مَعْدِنٍ كَدِرِ إِنْ غِبْتُ فِيكَ فَيَا فَخْرِي وَيَا شَرَفِي ... وَإِنْ حَضَرْتُ فَيَا سَمْعِي وَيَا بَصَرِي إِنِ احْتَجَبْتَ فَسِرِّي فِيكَ فِي وَلَهٍ ... وَإِنْ خَطَرْتَ فَقَلْبِي مِنْكَ فِي خَطَرِ تَبْدُو فَتَمْحُو رُسُومِي ثُمَّ تُثْبِتُهَا ... وَإِنْ تَغَيَّبْتَ عَنِّي عِشْتُ بِالْأَثَرِ

[مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَسَاكِرَ أَبُو الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيُّ أَحَدُ أَكَابِرِ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَمَنْ عُنِيَ بِهِ سَمَاعًا وَجَمْعًا وَتَصْنِيفًا وَاطِّلَاعًا وَحِفْظًا لِأَسَانِيدِهِ وَمُتُونِهِ وَإِتْقَانًا لِأَسَالِيبِهِ وَفُنُونِهِ صَنَّفَ " تَارِيخَ الشَّامِ " فِي ثَمَانِينَ مُجَلَّدَةً فَهِيَ بَاقِيَةٌ بَعْدَهُ مُخَلَّدَةٌ، وَقَدْ بَرَزَ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ وَأَتْعَبَ مَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ فَحَازَ فِيهِ قَصَبَ السِّبَاقِ وَجَازَ حَدًّا يَأْمَنُ فِيهِ اللِّحَاقَ، وَمَنْ نَظَرَ فِيهِ وَتَأَمَّلَهُ وَرَأَى مَا وَصَفَهُ فِيهِ وَأَصَّلَهُ، حَكَمَ بِأَنَّهُ فَرِيدٌ فِي التَّوَارِيخِ، وَأَنَّهُ فِي الذُّرْوَةِ الْعُلْيَا مِنَ الشَّمَارِيخِ هَذَا مَعَ مَا لَهُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ مِنْ كُتُبٍ مُفِيدَةٍ، وَمَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالطَّرَائِقِ الْحَمِيدَةِ، فَلَهُ: " أَطْرَافُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ "، " وَالشُّيُوخُ النُّبَّلُ " وَ " تَبْيِينُ كَذِبِ الْمُفْتَرِي عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ "، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَالْأَجْزَاءِ وَالْأَسْفَارِ، وَقَدْ أَكْثَرَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ مِنَ التِّرْحَالِ وَالْأَسْفَارِ، وَجَابَ الْمُدُنَ وَالْأَقَالِيمَ وَالْأَمْصَارَ وَجَمَعَ مِنَ الْكُتُبِ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ أَحَدٌ مِنَ الْحُفَّاظِ نَسْخًا وَاسْتِنْسَاخًا وَمُقَابَلَةً وَتَصْحِيحًا

لِلْأَلْفَاظِ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ بُيُوتَاتِ الدَّمَاشِقَةِ، وَرِيَاسَتُهُ فِيهِمْ عَالِيَةٌ بَاسِقَةٌ، مِنْ ذَوِي الْأَقْدَارِ وَالْهَيْئَاتِ وَالْأَمْوَالِ الْجَزِيلَةِ وَالصِّلَاتِ، كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الْحَادِي عَشَرَ مِنْ رَجَبٍ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَحَضَرَ السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ جِنَازَتَهُ وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَكَانَ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ وَلَهُ أَشْعَارٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا قَوْلُهُ: أَيَا نَفْسُ وَيْحَكِ جَاءَ الْمَشِيبُ ... فَمَاذَا التَّصَابِي وَمَاذَا الْغَزَلْ؟ تَوَلَّى شَبَابِي كَأَنْ لَمْ يَكُنْ ... وَجَاءَ الْمَشِيبُ كَأَنْ لَمْ يَزَلْ كَأَنِّي بِنَفْسِي عَلَى غِرَّةٍ ... وَخَطْبُ الْمَنُونِ بِهَا قَدْ نَزَلْ فَيَا لَيْتَ شِعْرِيَ مِمَّنْ أَكُونُ ... وَمَا قَدَّرَ اللَّهُ لِي فِي الْأَزَلْ قَالَ: وَقَدِ الْتَزَمَ فِيهَا مَا لَمْ يَلْزَمْ ; وَهُوَ الزَّايُ قَبْلَ اللَّامِ.
قَالَ: وَكَانَ أَخُوهُ صَائِنُ الدِّينِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ مُحَدِّثًا فَقِيهًا اشْتَغَلَ بِبَغْدَادَ عَلَى أَسْعَدَ الْمِيهَنِيِّ، ثُمَّ قَدِمَ دِمَشْقَ فَدَرَّسَ بِالْغَزَّالِيَّةِ وَتُوفِّيَ بِهَا فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّانَا بِمَنِّهِ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ]

[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

اسْتُهِلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالسُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ مُحَاصِرٌ حَلَبَ وَقَدْ أَشْرَفَ مِنْهَا عَلَى نَيْلِ الطَّلَبِ، فَسَأَلُوهُ وَتَوَسَّلُوا إِلَيْهِ أَنْ يُصَالِحَهُمْ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ تَكُونَ حَلَبُ وَأَعْمَالُهَا لِلْمَلِكِ الصَّالِحِ فَقَطْ، فَكُتِبَ بِذَلِكَ الْكِتَابُ، وَأُبْرِمَ الْحِسَابُ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ بَعَثَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ إِلَى الْمَلِكِ النَّاصِرِ يَسْأَلُ مِنْهُ زِيَادَةَ قَلْعَةِ عَزَازَ، عَلَى مَا شَرَّفَهُ بِهِ مِنَ الْإِعْزَازِ، وَأَرْسَلَ بِأُخْتٍ لَهُ صَغِيرَةٍ وَهِيَ الْخَاتُونُ بِنْتُ نُورِ الدِّينِ ; لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى قَبُولِ السُّؤَالِ، وَأَنْجَعَ لِحُصُولِ النَّوَالِ، فَحِينَ رَآهَا النَّاصِرُ قَامَ كَالْقَضِيبِ النَّاضِرِ، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ، وَأَجَابَهَا إِلَى سُؤَالِهَا، وَأَطْلَقَ لَهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالتُّحَفِ مَا رَأَى أَنَّهُ عَلَيْهِ فَرْضٌ، ثُمَّ تَرَحَّلَ عَنْ حَلَبَ فَقَصَدَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا عَلَيْهِ فَحَاصَرَ حِصْنَهُمْ مِصْيَابَ فَقَتَلَ وَضَرَبَ وَسَبَى، وَأَخَذَ أَبْقَارَهُمْ، وَخَرَّبَ دِيَارَهُمْ، وَقَصَّرَ أَعْمَارَهُمْ، حَتَّى شَفَعَ فِيهِمْ خَالُهُ شِهَابُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ تِكِشَ صَاحِبُ حَمَاةَ ; لِأَنَّهُمْ جِيرَانُهُ، فَقَبِلَ شَفَاعَتَهُ، وَقَدْ أَحْضَرَ إِلَيْهِ نَائِبُ بَعْلَبَكَّ الْأَمِيرُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُقَدَّمٍ -

الَّذِي كَانَ نَائِبَ دِمَشْقَ - جَمَاعَةً مِنْ أُسَارَى الْفِرِنْجِ الَّذِينَ عَاثُوا بِالْبِقَاعِ فِي غَيْبَةِ السُّلْطَانِ وَاشْتِغَالِهِ بِحِصَارِ مِصْيَابَ، فَجَدَّدَ لَهُ الْعَزْمَ عَلَى غَزْوِ الْفِرِنْجِ وَالِانْبِعَاثِ فَصَالَحَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةَ أَصْحَابَ سِنَانٍ، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى دِمَشْقَ فِي حِرَاسَةِ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ تَلَقَّاهُ أَخُوهُ شَمْسُ الدَّوْلَةِ تُورَانْشَاهْ فَتَسَالَمَا وَتَعَانَقَا وَتَنَاشَدَا الْأَشْعَارَ، وَلَمَّا دَخَلَ السُّلْطَانُ إِلَى دِمَشْقَ فِي سَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ فَوَّضَهَا إِلَى أَخِيهِ شَمْسِ الدَّوْلَةِ تُوارَنْشَاهْ وَلَقَّبَهُ الْمَلِكَ الْمُعَظَّمَ، وَعَزَمَ السُّلْطَانُ عَلَى السَّفَرِ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَ الْقَاضِي كَمَالُ الدَّيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّهْرُزُورِيُّ قَدْ تُوُفِّيَ فِي سَادِسِ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْقُضَاةِ، وَأَخَصِّ النَّاسِ بِنُورِ الدِّينِ الشَّهِيدِ، فَوَّضَ إِلَيْهِ نَظَرَ الْجَامِعِ وَدَارَ الضَّرْبِ وَعِمَارَةَ الْأَسْوَارِ وَالنَّظَرَ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.
وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى بِالْقَضَاءِ لِابْنِ أَخِيهِ ضِيَاءِ الدِّينِ بْنِ تَاجِ الدِّينِ الشَّهْرُزُورِيِّ، فَأَمْضَى ذَلِكَ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدِّينِ ; رِعَايَةً لِحَقِّ الْكَمَالِ الشَّهْرُزُورِيِّ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَجِدُ عَلَيْهِ ; بِسَبَبِ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِينَ كَانَ صَلَاحُ الدِّينِ شِحْنَةً بِدِمَشْقَ، وَكَانَ يُعَاكِسُهُ وَيُخَالِفُهُ، وَمَعَ هَذَا أَمْضَى وَصِيَّتَهُ لِابْنِ أَخِيهِ، فَجَلَسَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ عَلَى عَادَةِ عَمِّهِ وَقَاعِدَتِهِ وَرَسْمِهِ، وَبَقِيَ فِي نَفْسِ السُّلْطَانِ مِنْ تَوْلِيَةِ شَرَفِ الدِّينِ أَبَى سَعْدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَصْرُونَ الْحَلَبِيِّ، وَكَانَ قَدْ هَاجَرَ إِلَى السُّلْطَانِ إِلَى دِمَشْقَ فَوَعْدَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ قَضَاءَهَا، فَأَسَرَّ بِذَلِكَ إِلَى الْقَاضِي الْفَاضِلِ، فَأَشَارَ الْقَاضِي الْفَاضِلُ عَلَى الضِّيَاءِ أَنْ يَسْتَعْفِيَ مِنْ

الْقَضَاءِ فَاسْتَعْفَى فَأُعْفِيَ، وَتُرِكَ لَهُ وَكَالَةُ بَيْتِ الْمَالِ، وَوَلَّى السُّلْطَانُ ابْنَ أَبِي عَصْرُونَ عَلَى أَنْ يَسْتَنِيبَ الْقَاضِي مُحْيِي الدِّينِ أَبَا الْمَعَالِي مُحَمَّدَ بْنَ زَكِيِّ الدِّينِ، وَالْأَوْحَدَ، عَنْهُ فَفَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدَ سَنَوَاتٍ اسْتَقَلَّ بِالْحُكْمِ مُحْيِي الدِّينِ ; أَبُو حَامِدِ بْنُ أَبِي عَصْرُونَ عِوَضًا عَنْ أَبِيهِ شَرَفِ الدِّينِ ; بِسَبَبِ ضَعْفِ بَصَرِهِ.
وَفِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَقَفَ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ قَرْيَةَ حَزْمٍ عَلَى الزَّاوِيَةِ الْغَزَّالِيَّةِ، وَمَنْ يَشْتَغِلُ بِهَا بِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، أَوْ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْفَقِيهُ، وَجَعَلَ النَّظَرَ لِقُطْبِ الدِّينِ النَّيْسَابُورِيِّ مُدَرِّسِهَا.
وَفِي هَذَا الشَّهْرِ تَزَوَّجَ السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ بِالسِّتِّ خَاتُونَ عِصْمَةِ الدِّينِ بِنْتِ مُعِينِ الدِّينِ أَنُرَ، وَكَانَتْ زَوْجَةَ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ، فَأَقَامَتْ بَعْدَهُ فِي الْقَلْعَةِ مُحْتَرَمَةً مُكَرَّمَةً، وَوَلِيَ تَزْوِيجَهَا مِنْهُ أَخُوهَا الْأَمِيرُ سَعْدُ الدِّينِ مَسْعُودُ بْنُ أَنُرَ، وَحَضَرَ الْقَاضِي ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ الْعَقْدَ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعُدُولِ، وَبَاتَ النَّاصِرُ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا، ثُمَّ سَافَرَ إِلَى مِصْرَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ مِنَ الدُّخُولِ بِهَا، فَرَكِبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَنَزَلَ بِمَرْجِ الصُّفَّرِ، ثُمَّ سَافَرَ فَعَشَا قَرِيبًا مِنَ الصَّنَمَيْنِ، ثُمَّ أَجَدَّ السَّيْرَ حَتَّى كَانَ دُخُولُهُ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ يَوْمَ السَّبْتِ سَادِسَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فِي أُبَّهَةِ الْمُلْكِ.
وَقَدْ تَلَقَّاهُ أَخُوهُ

وَنَائِبُهُ الْمَلِكُ الْعَادِلُ سَيْفُ الدِّينِ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عِنْدَ بَحْرِ الْقُلْزُمِ وَمَعَهُ مِنَ الْهَدَايَا شَيْءٌ كَثِيرٌ وَلَا سِيَّمَا الْمَآكِلُ الْمُتَنَوِّعَةُ، وَكَانَ فِي صُحْبَةِ السُّلْطَانِ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ، وَلَمْ يَكُنْ وَرَدَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَشَرَعَ يَذْكُرُ مَحَاسِنَهَا، وَمَا اخْتُصَّتْ بِهِ مِنْ بَيْنِ الْبُلْدَانِ، وَوَصَفَ الْهَرَمَيْنِ، وَشَبَّهَهُمَا بِأَنْوَاعٍ مِنَ التَّشْبِيهَاتِ، وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ حَسْبَ مَا ذَكَرَ فِي " الرَّوْضَتَيْنِ ". وَفِي شَعْبَانَ رَكِبَ السُّلْطَانُ النَّاصِرُ بْنُ أَيُّوبَ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَأَسْمَعَ وَلَدَيْهِ الْأَفْضَلَ عَلِيًّا، وَالْعَزِيزَ عُثْمَانَ عَلَى الْحَافِظِ السَّلَفِيِّ، وَتَرَدَّدَ بِهِمَا إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ; الْخَمِيسَ وَالْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ رَابِعَ رَمَضَانَ، وَعَزَمَ السُّلْطَانُ عَلَى الصِّيَامِ بِهَا، وَقَدْ كَمَّلَ عِمَارَةَ السُّورِ عَلَى الْبَلَدِ، وَأَمَرَ بِتَجْدِيدِ الْأُسْطُولِ وَإِصْلَاحِ مَرَاكِبِهِ وَسُفُنِهِ وَشَحْنِهِ بِالرِّجَالِ وَالْمُقَاتِلَةِ، وَأَمَرَهُمْ بِغَزْوِ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، وَأَقْطَعَهُمُ الْإِقْطَاعَاتِ الْجَزِيلَةَ، وَأَرْصَدَ لِصَالِحِ الْأُسْطُولِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ لِجَمِيعِ شُئُونِهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْقَاهِرَةِ فِي أَثْنَاءِ رَمَضَانَ فَأَكْمَلَ صَوْمَهُ بِهَا.
وَفِيهَا أَمَرَ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدِّينِ بِبِنَاءِ مَدْرَسَةٍ لِلشَّافِعِيَّةِ عَلَى قَبْرِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَجَعَلَ الشَّيْخَ نَجْمَ الدِّينِ الْخُبُوشَانِيَّ مُدَرِّسَهَا وَنَاظِرَهَا.
وَفِيهَا أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَارَسْتَانِ بِالْقَاهِرَةِ، وَوَقَفَ عَلَيْهِ أَوْقَافًا كَثِيرَةً.
وَفِيهَا بَنَى الْأَمِيرُ مُجَاهِدُ الدِّينِ قَايْمَازُ نَائِبُ قَلْعَةِ الْمَوْصِلِ جَامِعًا حَسَنًا وَرِبَاطًا وَمَدْرَسَةً وَمَارَسْتَانًا

جارٍ التحميل