أَنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ إِنَّمَا قَاتَلْتُكُمْ لِأَتَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ، فَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ ذَلِكَ وَأَنْتُمْ كَارِهُونَ.
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ عَمِلَ سَنَتَيْنِ عَمَلَ عُمَرَ مَا يَخْرِمُ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّهُ بَعِدَ.
وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ اللَّيْلِ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ لَمَّا قَدِمَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ: يَا مُذِلَّ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ: لَا تَقُلْ ذَلِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى يَمْلِكَ مُعَاوِيَةُ.
فَعَلِمْتُ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ وَاقِعٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ تُهْرَاقَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ دِمَاءُ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ بَعْدَ مَا رَجَعَ مِنْ صِفِّينَ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَكْرَهُوا إِمَارَةَ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّكُمْ لَوْ فَقَدْتُمُوهُ رَأَيْتُمُ الرُّءُوسَ تَنْدُرُ عَنْ كَوَاهِلِهَا كَأَنَّهَا الْحَنْظَلُ.
وَقَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، ثَنَا أَيُّوبُ بْنُ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَلَا تَعْجَبِينَ لِرَجُلٍ مِنَ الطُّلَقَاءِ يُنَازِعُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخِلَافَةِ؟ فَقَالَتْ: وَمَا تَعْجَبُ مِنْ
ذَلِكَ؟ هُوَ سُلْطَانُ اللَّهِ يُؤْتِيَهُ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ، وَقَدْ مَلَكَ فِرْعَوْنُ أَهْلَ مِصْرَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ يُرِيدُ الْحَجَّ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَكَلَّمَهَا خَالِيَيْنِ لَمْ يَشْهَدْ كَلَامَهُمَا أَحَدٌ إِلَّا ذَكْوَانُ أَبُو عَمْرٍو مَوْلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَمِنْتَ أَنْ أُخَبِّئَ لَكَ رَجُلًا يَقْتُلُكَ بِقَتْلِكَ أَخِي مُحَمَّدًا؟ فَقَالَ: صَدَقْتِ.
فَكَلَّمَهَا مُعَاوِيَةُ، فَلَمَّا قَضَى كَلَامَهُ مَعَهَا تَشَهَّدَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ ذَكَرَتْ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَالَّذِي سَنَّ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وَحَضَّتْ مُعَاوِيَةَ عَلَى اتِّبَاعِ أَمْرِهِمْ، فَقَالَتْ فِي ذَلِكَ فَلَمْ تَتَّرِكْ، فَلَمَّا قَضَتْ مَقَالَتَهَا قَالَ لَهَا مُعَاوِيَةُ: أَنْتِ وَاللَّهِ الْعَالِمَةُ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، النَّاصِحَةُ الْمُشْفِقَةُ الْبَلِيغَةُ الْمَوْعِظَةِ، حَضَضْتِ عَلَى الْخَيْرِ وَأَمَرْتِ بِهِ، وَلَمْ تَأْمُرِينَا إِلَّا بِالَّذِي هُوَ لَنَا، وَأَنْتِ أَهْلٌ أَنْ تُطَاعِي.
وَتَكَلَّمَتْ هِيَ وَمُعَاوِيَةُ كَلَامًا كَثِيرًا.
فَلَمَّا قَامَ مُعَاوِيَةُ اتَّكَأَ عَلَى ذَكْوَانَ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ خَطِيبًا لَيْسَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْلَغَ مِنْ عَائِشَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مُخَلَّدٍ الْبَجَلِيُّ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْمَدِينَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيَّ بِأَنْبِجَانِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَعْرِهِ، فَأَرْسَلَتْ بِهِ مَعِي أَحْمِلُهُ، حَتَّى دَخَلْتُ بِهِ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ الْأَنْبِجَانِيَّةَ، فَلَبِسَهَا، وَأَخَذَ
شَعْرَهُ فَدَعَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَهُ وَشَرِبَهُ، وَأَفَاضَ عَلَى جِلْدِهِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ، عَنِ الْهُذَلِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ عَامَ الْجَمَاعَةِ تَلَقَّتْهُ رِجَالٌ مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعَزَّ نَصْرَكَ، وَأَعْلَى أَمْرَكَ.
فَمَا رَدَّ عَلَيْهِمْ جَوَابًا حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَقَصَدَ الْمَسْجِدَ وَعَلَا الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا وَلِيتُ أَمْرَكُمْ حِينَ وَلِيتُهُ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَا تُسَرُّونَ بِوِلَايَتِي وَلَا تُحِبُّونَهَا، وَإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ، وَلَكِنِّي خَالَسْتُكُمْ بِسَيْفِي هَذَا مُخَالَسَةً، وَلَقَدْ رُمْتُ نَفْسِي عَلَى عَمَلِ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَلَمْ أَجِدْهَا تَقُومُ بِذَلِكَ، وَأَرَدْتُهَا عَلَى عَمَلِ ابْنِ الْخَطَّابِ، فَكَانَتْ أَشَدَّ نُفُورًا، وَحَاوَلْتُهَا عَلَى مِثْلِ سُنَيَّاتِ عُثْمَانَ، فَأَبَتْ عَلَيَّ، وَأَيْنَ مِثْلُ هَؤُلَاءِ؟ ! هَيْهَاتَ أَنْ يُدْرِكَ فَضْلَهُمْ أَحَدٌ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، رَحْمَةُ اللَّهِ وَرِضْوَانُهُ عَلَيْهِمْ، غَيْرَ أَنِّي سَلَكْتُ بِهَا طَرِيقًا لِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَلَكُمْ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلِكُلٍّ فِيهِ مُؤَاكَلَةٌ حَسَنَةٌ، وَمُشَارَبَةٌ جَمِيلَةٌ، مَا اسْتَقَامَتِ السِّيرَةُ وَحَسُنَتِ الطَّاعَةُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُونِي خَيْرَكُمْ فَأَنَا خَيْرٌ لَكُمْ، وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُ السَّيْفَ عَلَى مَنْ لَا سَيْفَ مَعَهُ، وَمَهْمَا تَقَدَّمَ مِمَّا قَدْ عَلِمْتُمُوهُ فَقَدْ جَعَلْتُهُ دَبْرَ أُذُنِي، وَإِنْ لَمْ تَجِدُونِي أَقُومُ بِحَقِّكُمْ كُلِّهِ فَارْضَوْا مِنِّي بِبَعْضِهِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِقَائِبَةِ قُوبِهَا، وَإِنَّ السَّيْلَ إِذَا جَاءَ تَتْرَى - وَإِنْ قَلَّ - أَغْنَى، وَإِيَّاكُمْ وَالْفِتْنَةَ فَلَا تَهُمُّوا بِهَا، فَإِنَّهَا تُفْسِدُ الْمَعِيشَةَ، وَتُكَدِّرُ النِّعْمَةَ، وَتُورِثُ الِاسْتِئْصَالَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
ثُمَّ نَزَلَ.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْقَائِبَةُ: الْبَيْضَةُ، وَالْقُوبُ: الْفَرْخُ، قَابَتِ
الْبَيْضَةُ تَقُوبُ إِذَا انْفَلَقَتْ عَنِ الْفَرْخِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْخُطْبَةَ كَانَتْ عَامَ حَجَّ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، أَوْ فِي سَنَةِ خَمْسِينَ، لَا فِي عَامِ الْجَمَاعَةِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دُوَادَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَوَّلَ حَجَّةٍ حَجَّهَا بَعْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ، فَلَقِيَهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَتَوَجَّهَ إِلَى دَارِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَلَمَّا دَنَا إِلَى بَابِ الدَّارِ صَاحَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ عُثْمَانَ، وَنَدَبَتْ أَبَاهَا، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِمَنْ مَعَهُ: انْصَرِفُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ فَإِنَّ لِي حَاجَةً فِي هَذِهِ الدَّارِ.
فَانْصَرَفُوا وَدَخَلَ، فَسَكَّنَ عَائِشَةَ، وَأَمَرَهَا بِالْكَفِّ، وَقَالَ لَهَا: يَا بِنْتَ أَخِي، إِنَّ النَّاسَ أَعْطَوْنَا سُلْطَانًا فَأَظْهَرْنَا لَهُمْ حِلْمًا تَحْتَهُ غَضَبٌ، وَأَظْهَرُوا لَنَا طَاعَةً تَحْتَهَا حِقْدٌ، فَبِعْنَاهُمْ هَذَا، وَبَاعُونَا هَذَا، فَإِنْ أَعْطَيْنَاهُمْ غَيْرَ مَا اشْتَرَوْا شَحُّوا عَلَى حَقِّهِمْ، وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ شِيعَةٌ، وَهُوَ يَرَى مَكَانَ شِيعَتِهِمْ، فَإِنْ نَكَثْنَاهُمْ نَكَثُوا بِنَا، ثُمَّ لَا نَدْرِي أَتَكُونُ لَنَا الدَّائِرَةُ أَمْ عَلَيْنَا؟ وَأَنْ تَكُونِي ابْنَةَ عُثْمَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَكُونِي أَمَةً مِنْ إِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَنِعْمَ الْخَلَفُ أَنَا لَكِ بَعْدَ أَبِيكِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَدِيٍّ، مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَمِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا، عَنْ
أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ مُعَاوِيَةَ عَلَى مِنْبَرِي فَاقْتُلُوهُ ".» أَسْنَدَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ ظُهَيْرٍ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا.
وَهَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ بِلَا شَكٍّ، وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَبَادَرَ الصَّحَابَةُ إِلَى فِعْلِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.
وَأَرْسَلَهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
قَالَ أَيُّوبُ: وَهُوَ كَذِبٌ.
وَرَوَاهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ بِإِسْنَادٍ مَجْهُولٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «إِذَا رَأَيْتُمْ مُعَاوِيَةَ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِي فَاقْبَلُوهُ فَإِنَّهُ أَمِينٌ مَأْمُونٌ ".»
وَقَدْ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ دُحَيْمٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: أَدْرَكَتْ خِلَافَةَ مُعَاوِيَةَ عِدَّةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ; مِنْهُمْ أُسَامَةُ، وَسَعْدٌ، وَجَابِرٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَرِجَالٌ أَكْثَرُ مِمَّنْ سَمَّيْنَا بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، كَانُوا مَصَابِيحَ الْهُدَى، وَأَوْعِيَةَ الْعِلْمِ، حَضَرُوا مِنَ الْكِتَابِ تَنْزِيلَهُ، وَأَخَذُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْوِيلَهُ ; وَمِنَ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مِنْهُمُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ، وَفِي أَشْبَاهٍ لَهُمْ لَمْ يَنْزِعُوا يَدًا عَنْ
مُجَامَعَةٍ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ دُحَيْمٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ غَازِيَةٌ تَغْزُو، حَتَّى كَانَ عَامُ الْجَمَاعَةِ فَأَغْزَا مُعَاوِيَةُ أَرْضَ الرُّومِ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً، تَذْهَبُ سَرِيَّةٌ فِي الصَّيْفِ وَتَشْتُو بِأَرْضِ الرُّومِ، ثُمَّ تَقْفِلُ وَتَعْقُبُهَا أُخْرَى، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَغَزَا ابْنُهُ يَزِيدُ، وَمَعَهُ خَلْقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَجَازَ بِهِمُ الْخَلِيجَ، وَقَاتَلُوا أَهْلَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ عَلَى بَابِهَا، ثُمَّ قَفَلَ بِهِمْ، وَكَانَ آخِرَ مَا أَوْصَى بِهِ مُعَاوِيَةُ أَنْ قَالَ: شُدُّوا خِنَاقَ الرُّومِ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَجَّ بِالنَّاسِ مُعَاوِيَةُ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَتْ أَيَّامُهُ عِشْرِينَ سَنَةً إِلَّا شَهْرًا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: حَجَّ بِالنَّاسِ مُعَاوِيَةُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَسَنَةَ خَمْسِينَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا بُكَيْرٌ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا بَعْدَ عُثْمَانَ أَقْضَى بِحَقٍّ مِنْ صَاحِبِ هَذَا الْبَابِ.
يَعْنِي مُعَاوِيَةَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
ثَنَا الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ - حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: سَلَّمْتُ عَلَيْهِ - فَقَالَ: مَا فَعَلَ طَعْنُكَ عَلَى الْأَئِمَّةِ يَا مِسْوَرُ؟ قَالَ: قُلْتُ: ارْفُضْنَا مِنْ هَذَا وَأَحْسِنْ فِيمَا قَدِمْنَا لَهُ.
فَقَالَ: لَتُكَلِّمَنِّي بِذَاتِ نَفْسِكَ.
قَالَ: فَلَمْ أَدَعْ شَيْئًا أَعِيبُهُ عَلَيْهِ إِلَّا أَخْبَرْتُهُ بِهِ.
فَقَالَ: لَا بَرَاءَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَهَلْ لَكَ مِنْ ذُنُوبٍ تَخَافُ أَنْ تُهْلِكَكَ إِنْ لَمْ يَغْفِرْهَا اللَّهُ لَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: فَمَا يَجْعَلُكَ أَحَقَّ بِأَنْ تَرْجُوَ الْمَغْفِرَةَ مِنِّي، فَوَاللَّهِ لَمَا أَلِيَ مِنَ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْأُمُورِ الْعِظَامِ الَّتِي نُحْصِيهَا وَالَّتِي لَا نُحْصِيهَا أَكْثَرُ مِمَّا تَلِي، وَإِنِّي لَعَلَى دِينٍ يَقْبَلُ اللَّهُ فِيهِ الْحَسَنَاتِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَوَاللَّهُ عَلَى ذَلِكَ مَا كُنْتُ لِأُخَيَّرَ بَيْنَ اللَّهِ وَغَيْرِهِ إِلَّا اخْتَرْتُ اللَّهَ عَلَى مَا سِوَاهُ.
قَالَ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ لِي مَا قَالَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ خَصَمَنِي.
قَالَ: فَكَانَ الْمِسْوَرُ إِذَا ذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ دَعَا لَهُ بِخَيْرٍ.
وَقَدْ رَوَاهُ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بِنَحْوِهِ.
وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْعُتْبِيِّ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا أَنَا بِخَيْرِكُمْ، وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي ; عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَغَيْرُهُمَا مَنَ الْأَفَاضِلِ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ أَكُونَ أَنْفَعَكُمْ وِلَايَةً، وَأَنْكَاكُمْ فِي عَدُوِّكُمْ، وَأَدَرَّكُمْ حَلْبًا.
وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
مُصْعَبٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ ثَابِتٍ مَوْلَى سُفْيَانَ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ خَطِيبُ دِمَشْقَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ وَاقَدٍ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ حَلْبَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ عَلَى مِنْبَرِ دِمَشْقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، اعْقِلُوا قَوْلِي، فَلَنْ تَجِدُوا أَعْلَمَ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنِّي، أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ وَصُفُوفَكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَتُقِيمُنَّ وُجُوهَكُمْ وَصُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، خُذُوا عَلَى أَيْدِي سُفَهَائِكُمْ، أَوْ لَيُسَلِّطُنَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَلْيَسُومُنَّكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، تَصَدَّقُوا وَلَا يَقُولُنَّ الرَّجُلُ: إِنِّي مُقِلٌّ.
فَإِنَّ صَدَقَةَ الْمُقِلِّ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ الْغَنِيِّ، وَإِيَّاكُمْ وَقَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ، وَأَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: سَمِعْتُ.
وَ: بَلَغَنِي.
فَلَوْ قَذَفَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً عَلَى عَهْدِ نُوحٍ لَسُئِلَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ طَهْمَانَ الرَّقَاشِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ مُعَاوِيَةُ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُتَّهَمْ.
وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ ضِمَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ قَالَ: كَانَ مُعَاوِيَةُ يَبْعَثُ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: أَبُو الْجَيْشِ.
فِي
كُلِّ يَوْمٍ، فَيَدُورُ عَلَى الْمَجَالِسِ يَسْأَلُ هَلْ وُلِدَ لِأَحَدٍ مَوْلُودٌ، أَوْ قَدِمَ أَحَدٌ مِنَ الْوُفُودِ، فَإِذَا أُخْبِرَ بِذَلِكَ أَثْبَتَ فِي الدِّيوَانِ.
يَعْنِي لِيُجْرِيَ عَلَيْهِ الرِّزْقَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ مُعَاوِيَةُ مُتَوَاضِعًا، لَيْسَ لَهُ مَجَالِدُ إِلَّا كَمَجَالِدِ الصِّبْيَانِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْمَخَارِيقَ، فَيَضْرِبُ بِهَا النَّاسَ.
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ وَاقَدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ قَالَ: رَأَيْتُ مُعَاوِيَةَ فِي سُوقِ دِمَشْقَ وَهُوَ مُرْدِفٌ وَرَاءَهُ وَصِيفًا، عَلَيْهِ قَمِيصٌ مَرْقُوعُ الْجَيْبِ، وَهُوَ يَسِيرُ فِي أَسْوَاقِ دِمَشْقَ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ رَأَيْتُمْ مُعَاوِيَةَ لَقُلْتُمْ: هَذَا الْمَهْدِيُّ.
وَقَالَ هُشَيْمٌ، عَنِ الْعَوَّامِ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْوَدَ مِنْ مُعَاوِيَةَ.
قَالَ: قُلْتُ: وَلَا عُمَرَ؟ قَالَ: كَانَ عُمَرُ خَيْرًا مِنْهُ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ أَسْوَدَ مِنْهُ.
وَرَوَاهُ أَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ بِهِ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْوَدَ مِنْ مُعَاوِيَةَ.
قِيلَ: وَلَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ خَيْرًا مِنْهُ، وَهُوَ أَسْوَدُ مِنْهُمْ.
وَرُوِيَ مَنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا كَانَ أَخْلَقَ بِالْمُلْكِ مِنْ مُعَاوِيَةَ.
وَقَالَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُتْبَةَ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: أَنَا أَوَّلُ الْمُلُوكِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ قَالَ: كَانَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ: أَنَا أَوَّلُ الْمُلُوكِ وَآخِرُ خَلِيفَةٍ.
قُلْتُ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يُقَالَ لِمُعَاوِيَةَ: مَلِكٌ.
وَلَا يُقَالُ لَهُ: خَلِيفَةٌ.
لِحَدِيثِ سَفِينَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا» ".
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يَوْمًا، وَذَكَرَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ فِي حِلْمِهِ وَاحْتِمَالِهِ وَكَرَمِهِ.
وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ جَابِرٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْظَمَ حِلْمًا، وَلَا أَكْثَرَ سُؤْدُدًا، وَلَا أَبَعْدَ أَنَاةً، وَلَا أَلْيَنَ مَخْرَجًا، وَلَا أَرْحَبَ بَاعًا بِالْمَعْرُوفِ مِنْ مُعَاوِيَةَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَسْمَعَ رَجُلٌ مُعَاوِيَةَ كَلَامًا شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ سَطَوْتَ عَلَيْهِ! فَقَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحْيِي أَنْ يَضِيقَ حِلْمِي عَنْ أَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِي.
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَحْلَمَكَ! فَقَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحْيِي أَنْ يَكُونَ جُرْمُ رَجُلٍ أَعْظَمَ مِنْ حِلْمِي.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنِّي لَأَسْتَحِي أَنْ يَكُونَ ذَنْبٌ أَعْظَمَ مِنْ عَفْوِي، أَوْ جَهْلٌ أَكْبَرَ مِنْ حِلْمِي، أَوْ تَكُونَ عَوْرَةٌ لَا أُوَارِيهَا بِسَتْرِي.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ - وَالْأَصْمَعِيُّ، عَنْ أَبِيهِ - قَالَا: جَرَى بَيْنَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: أَبُو الْجَهْمِ.
وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ كَلَامٌ، فَتَكَلَّمَ أَبُو الْجَهْمِ بِكَلَامٍ فِيهِ غَمٌّ لِمُعَاوِيَةَ، فَأَطْرَقَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا الْجَهْمِ، إِيَّاكَ وَالسُّلْطَانَ، فَإِنَّهُ يَغْضَبُ غَضَبَ الصِّبْيَانِ، وَيَأْخُذُ أَخْذَ الْأَسَدِ، وَإِنَّ قَلِيلَهُ يَغْلِبُ كَثِيرَ النَّاسِ.
ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِمَالٍ، فَقَالَ أَبُو الْجَهْمِ فِي ذَلِكَ يَمْدَحُ مُعَاوِيَةَ:
نَمِيلُ عَلَى جَوَانِبِهِ كَأَنَّا ... إِذَا مِلْنَا نَمِيلُ عَلَى أَبِينَا
نُقَلِّبُهُ لِنُخْبِرَ حَالَتَيْهِ ... فَنُخْبَرُ مِنْهُمَا كَرَمًا وَلِينًا
وَقَالَ الْأَعْمَشُ: طَافَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَكَانَ مُعَاوِيَةُ
يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ الْحَسَنُ: مَا أَشْبَهَ أَلْيَتَيْهِ بِأَلْيَتَيْ هِنْدَ.
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ يُعْجِبُ أَبَا سُفْيَانَ.
وَقَالَ ابْنُ أُخْتِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ لِمُعَاوِيَةَ: إِنَّ فُلَانًا يَشْتُمُنِي.
فَقَالَ لَهُ: تَطَأْطَأْ لَهَا تَمُرَّ فَتُجَاوِزَكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: قَالَ رَجُلٌ لِمُعَاوِيَةَ: مَا رَأَيْتُ أَنْذَلَ مِنْكَ.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: بَلَى، مَنْ وَاجَهَ الرِّجَالَ بِمِثْلِ هَذَا.
وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا يَسُرُّنِي بَدَلَ الْكَرَمِ حُمْرُ النَّعَمِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا بَنِي أُمَيَّةَ، قَارِبُوا قُرَيْشًا بِالْحِلْمِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَلْقَى الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيُوسِعُنِي شَتْمًا وَأَوْسِعُهُ حِلْمًا، فَأَرْجِعُ وَهُوَ لِي صَدِيقٌ، أَسْتَنْجِدُهُ فَيُنْجِدُنِي، وَأَثُورُ بِهِ فَيَثُورُ مَعِي، وَمَا رَفَعَ الْحِلْمُ عَنْ شَرِيفٍ شَرَفَهُ، وَلَا زَادَهُ إِلَّا كَرَمًا.
وَقَالَ: آفَةُ الْحِلْمِ الذُّلُّ.
وَقَالَ أَيْضًا: لَا يَبْلُغُ الرَّجُلُ مَبْلَغَ الرَّأْيِ حَتَّى يَغْلِبَ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَصَبْرُهُ شَهْوَتَهُ، وَلَا يَبْلُغُ ذَلِكَ إِلَّا بِقُوَّةِ الْحِلْمِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لِلَّهِ دَرُّ ابْنِ هِنْدَ، وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَنُفْرِقُهُ - وَمَا اللَّيْثُ عَلَى بَرَاثِنِهِ بِأَجْرَأَ مِنْهُ - فَيَتَفَارَقُ لَنَا، وَإِنْ كُنَّا لَنَخْدَعُهُ - وَمَا ابْنُ لَيْلَةٍ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ بِأَدْهَى مِنْهُ - فَيَتَخَادَعُ لَنَا، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّا مُتِّعْنَا بِهِ مَا دَامَ فِي هَذَا الْجَبَلِ حَجَرٌ.
وَأَشَارَ إِلَى أَبِي قُبَيْسٍ.
وَقَالَ رَجُلٌ لِمُعَاوِيَةَ: مَنْ أَسْوَدُ النَّاسِ؟ فَقَالَ: أَسْخَاهُمْ نَفْسًا حِينَ يُسْأَلُ، وَأَحْسَنُهُمْ فِي الْمَجَالِسِ خُلُقًا، وَأَحْلَمُهُمْ حِينَ يُسْتَجْهَلُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى: كَانَ مُعَاوِيَةُ يَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ كَثِيرًا:
فَمَا قَتَلَ السَّفَاهَةَ مِثْلُ حِلْمٍ ... يَعُودُ بِهِ عَلَى الْجَهْلِ الْحَلِيمُ
فَلَا تَسْفَهْ وَإِنْ مُلِّئْتَ غَيْظًا ... عَلَى أَحَدٍ فَإِنَّ الْفُحْشَ لَوْمُ
وَلَا تَقْطَعْ أَخًا لَكَ عِنْدَ ذَنْبٍ ... فَإِنَّ الذَّنْبَ يَغْفِرُهُ الْكَرِيمُ
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ بِمَ غَلَبَ مُعَاوِيَةُ النَّاسَ، كَانُوا إِذَا طَارُوا وَقَعَ، وَإِذَا وَقَعُوا طَارَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى نَائِبِهِ زِيَادٍ: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ نَسُوسَ النَّاسَ سِيَاسَةً وَاحِدَةً ; بِاللِّينِ فَيَمْرَحُوا، وَلَا بِالشِّدَّةِ فَنَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى الْمَهَالِكِ، وَلَكِنْ كُنْ أَنْتَ لِلشِّدَّةِ وَالْفَظَاظَةِ وَالْغِلْظَةِ، أَكُونُ أَنَا لِلِّينِ وَالْأُلْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَإِذَا خَافَ خَائِفٌ وَجَدَ بَابًا يَدْخُلُهُ.
وَقَالَ أَبُو مُسْهِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: قَضَى مُعَاوِيَةُ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ كَانَتْ عَلَيْهَا.
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَفَرَّقَتْهَا مِنْ يَوْمِهَا، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا دِرْهَمٌ، فَقَالَتْ لَهَا خَادِمَتُهَا: هَلَّا أَبْقَيْتِ لَنَا دِرْهَمًا نَشْتَرِي بِهِ لَحْمًا.
فَقَالَتْ: لَوْ أَذْكَرْتِنِي لَفَعَلْتُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ - وَهِيَ بِمَكَّةَ - بِطَوْقٍ قِيمَتُهُ مِائَةُ أَلْفٍ، فَقَبِلَتْهُ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ:
قَدِمَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: لَأُجِيزَنَّكَ بِجَائِزَةٍ لَمْ يُجِزْ بِهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي.
فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ أَلْفٍ.
وَوَفَدَ إِلَيْهِ مَرَّةً الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ فَأَجَازَهُمَا عَلَى الْفَوْرِ بِمِائَتَيْ أَلْفٍ، وَقَالَ لَهُمَا: مَا أَجَازَ بِهَا أَحَدٌ قَبْلِي.
فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: وَلَمْ تُعْطِ أَحَدًا أَفْضَلَ مِنَّا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: أَرْسَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَسْأَلَانِهِ الْمَالَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمَا أَوْ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا، فَقَالَ لَهُمَا: أَلَا تَسْتَحِيَانِ ; رَجُلٌ نَطْعَنُ فِي عَيْنِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً تَسْأَلَانِهِ الْمَالَ؟ ! فَقَالَا: بَلْ حَرَمْتَنَا وَجَادَ لَنَا.
وَرَوَى الْأَصْمَعِيُّ قَالَ: وَفَدَ الْحَسَنُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لِلْحَسَنِ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ، وَقَالَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ.
وَقَالَ أَبُو مَرْوَانَ الْمَرْوَانِيُّ: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ: لِجُلَسَائِهِ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ.
وَبَعَثَ إِلَى الْحُسَيْنِ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَسَمَهَا عَلَى جُلَسَائِهِ، وَكَانُوا عَشَرَةً، فَأَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ عَشَرَةَ آلَافٍ.
وَبَعَثَ إِلَى
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَاسْتَوْهَبَتْهَا مِنْهُ امْرَأَتُهُ، فَأَطْلَقَهَا لَهَا.
وَبَعَثَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَسَمَ مِنْهَا خَمْسِينَ أَلْفًا، وَحَبَسَ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَفَرَّقَ مِنْهَا تِسْعِينَ أَلْفًا، وَاسْتَبْقَى عَشَرَةَ آلَافٍ.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّهُ لَمُقْتَصِدٌ يُحِبُّ الِاقْتِصَادَ، وَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمِائَةِ أَلْفٍ فَقَالَ لِلرَّسُولِ: لِمَ جِئْتَ بِهَا بِالنَّهَارِ؟ هَلَّا جِئْتَ بِهَا بِاللَّيْلِ.
ثُمَّ حَبَسَهَا عِنْدَهُ، وَلَمْ يُعْطِ مِنْهَا أَحَدًا شَيْئًا، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّهُ لَخِبٌّ ضَبٌّ، كَأَنَّكَ بِهِ قَدْ رَفَعَ ذَنَبَهُ وَقُطِعَ.
وَقَالَ ابْنُ دَابٍّ: كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ، وَيَقْضِي لَهُ مَعَهَا مِائَةَ حَاجَةٍ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ عَامًا، فَأَعْطَاهُ الْمَالَ، وَقَضَى لَهُ الْحَاجَاتِ، وَبَقِيَتْ مِنْهَا حَاجَةٌ وَاحِدَةٌ، فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهُ إِذْ قَدِمَ أَصْبَهْبَذُ سِجِسْتَانَ يَطْلُبُ مِنْ مُعَاوِيَةَ أَنْ يُمَلِّكَهُ تِلْكَ الْبِلَادَ، وَوَعَدَ مَنْ قَضَى لَهُ هَذِهِ الْحَاجَةَ مِنْ مَالِهِ أَلْفَ أَلْفٍ، فَطَافَ عَلَى رُءُوسِ الْأُمَرَاءِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَأُمَرَاءِ الْعِرَاقِ، مِمَّنْ قَدِمَ مَعَ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ فَكُلُّهُمْ يَقُولُونَ لَهُ: عَلَيْكَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ.
فَقَصَدَهُ الدِّهْقَانُ، فَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ جَعْفَرٍ مُعَاوِيَةَ، فَقَضَى حَاجَتَهُ تَكْمِلَةَ الْمِائَةِ حَاجَةٍ، وَأَمَرَ الْكَاتِبَ فَكَتَبَ لَهُ عَهْدَهُ، وَخَرَجَ بِهِ ابْنُ جَعْفَرٍ إِلَى الدِّهْقَانِ، فَسَجَدَ لَهُ وَحَمَلَ إِلَيْهِ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ جَعْفَرٍ: اسْجُدْ لِلَّهِ، وَاحْمِلْ مَالَكَ إِلَى مَنْزِلِكَ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نُتْبِعُ الْمَعْرُوفَ بِالْمَنِّ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: لَأَنْ يَكُونَ يَزِيدُ قَالَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ خَرَاجِ الْعِرَاقِ، أَبَتْ بَنُو هَاشِمٍ إِلَّا كَرَمًا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ دَيْنٌ خَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ، فَاسْتَنْظَرَهُمْ حَتَّى يَقْدَمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَيَسْأَلَهُ أَنْ يُسْلِفَهُ شَيْئًا مِنَ الْعَطَاءِ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَقْدَمَكَ يَا ابْنَ جَعْفَرٍ؟ فَقَالَ: دَيْنٌ أَلَحَّ عَلِيَّ غُرَمَاؤُهُ.
فَقَالَ: وَكَمْ هُوَ: قَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ.
فَقَضَاهَا عَنْهُ.
وَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْأَلْفَ أَلْفٍ سَتَأْتِيكَ فِي وَقْتِهَا.
وَقَالَ ابْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا عَجَبًا لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ! شَرِبَ شَرْبَةَ عَسَلٍ يَمَانِيَّةً بِمَاءِ رُومَةَ فَقَضَى نَحْبَهُ.
ثُمَّ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَسُوءُكَ اللَّهُ وَلَا يُخْزِيكَ فِي الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمُعَاوِيَةَ: لَا يُخْزِينِي اللَّهُ وَلَا يَسُوءُنِي مَا أَبْقَى اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ: فَأَعْطَاهُ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَعُرُوضًا وَأَشْيَاءَ، وَقَالَ: خُذْهَا فَاقْسِمْهَا فِي أَهْلِكَ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ قَالَ: قِيلَ لِمُعَاوِيَةَ: أَيُّكُمْ كَانَ أَشْرَفَ ; أَنْتُمْ أَوْ بَنُو هَاشِمٍ؟ قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَشْرَافًا وَكَانُوا أَشْرَفَ وَاحِدًا ; لَمْ يَكُنْ فِي عَبْدِ مَنَافٍ مِثْلُ هَاشِمٍ، فَلَمَّا هَلَكَ كُنَّا أَكْثَرَ عَدَدًا وَأَكْثَرَ أَشْرَافًا، وَكَانَ فِيهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِينَا مِثْلُهُمْ، فَصِرْنَا أَكْثَرَ عَدَدًا وَأَكْثَرَ أَشْرَافًا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ وَاحِدٌ كَوَاحِدِنَا، فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا كَقَرَارِ الْعَيْنِ حَتَّى جَاءَ شَيْءٌ لَمْ يَسْمَعِ الْأَوَّلُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَا يَسْمَعُ الْآخِرُونَ بِمِثْلِهِ ; مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَصَّ عَلَى مُعَاوِيَةَ مَنَامًا رَأَى فِيهِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَهُمْ يُحَاسَبُونَ عَلَى مَا وُلُّوهُ فِي أَيَّامِهِمْ، وَرَأَى مُعَاوِيَةَ وَهُوَ مُوَكَّلٌ بِهِ رَجُلَانِ يُحَاسِبَانِهِ عَلَى مَا عَمِلَ فِي أَيَّامِهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا رَأَيْتَ ثَمَّ دَنَانِيرَ مِصْرَ؟ !
وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْعُتْبِيِّ قَالَ: دَخَلَ عَمْرٌو عَلَى مُعَاوِيَةَ وَقَدْ وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابٌ فِيهِ تَعْزِيَةٌ لَهُ فِي بَعْضِ الصَّحَابَةِ، فَاسْتَرْجَعَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ:
يَمُوتُ الصَّالِحُونَ وَأَنْتَ حَيٌّ ... تَخَطَّاكَ الْمَنَايَا لَا تَمُوتُ
فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ:
أَتَرْجُو أَنْ أَمُوتَ وَأَنْتَ حَيٌّ ... فَلَسْتُ بِمَيِّتٍ حَتَّى تَمُوتَ
وَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: كُلُّ النَّاسِ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُرْضِيَهُ إِلَّا حَاسِدَ نِعْمَةٍ ; فَإِنَّهُ لَا يُرْضِيَهُ إِلَّا زَوَالُهَا.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: الْمُرُوءَةُ فِي أَرْبَعٍ ; الْعَفَافِ فِي الْإِسْلَامِ، وَاسْتِصْلَاحِ الْمَالِ، وَحِفْظِ الْإِخْوَانِ، وَحِفْظِ الْجَارِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ: كَانَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ الشِّعْرَ، فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ قَالَ لَهُ أَهْلُهُ: قَدْ بَلَغْتَ الْغَايَةَ، فَمَاذَا تَصْنَعُ بِالشِّعْرِ؟ فَارْتَاحَ يَوْمًا فَقَالَ
سَرَحْتُ سَفَاهَتِي وَأَرَحْتُ حِلْمِي ... وَفِيَّ عَلَى تَحَلُّمِيَ اعْتِرَاضُ
عَلَى أَنِّي أُجِيبُ إِذَا دَعَتْنِي ... إِلَى حَاجَاتِهَا الْحَدَقُ الْمِرَاضُ
وَقَالَ مُغِيرَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ جَالِسًا مُعَاوِيَةُ حِينَ كَثُرَ شَحْمُهُ وَعَظُمَ بَطْنُهُ.
وَكَذَا رَوَى مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ جَالِسًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُعَاوِيَةُ.
وَقَالَ أَبُو الْمَلِيحِ، عَنْ مَيْمُونٍ: أَوَّلُ مَنْ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ مُعَاوِيَةُ، وَاسْتَأْذَنَ النَّاسَ فِي الْجُلُوسِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ مُعَاوِيَةُ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ: كَانَتْ أَبْوَابُ مَكَّةَ لَا أَغْلَاقَ لَهَا، وَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ لَهَا الْأَبْوَابَ مُعَاوِيَةُ.
وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: «مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ لَا يَرِثَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» ، وَأَوَّلُ مَنْ وَرَّثَ الْمُسْلِمَ مِنَ الْكَافِرِ مُعَاوِيَةُ، وَقَضَى بِذَلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ بَعْدَهُ، حَتَّى كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَرَاجَعَ السُّنَّةَ،
وَأَعَادَ هِشَامٌ مَا قَضَى بِهِ مُعَاوِيَةُ وَبَنُو أُمَيَّةَ مِنْ بَعْدِهِ.
وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ: «وَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ دِيَةَ الْمُعَاهَدِ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ» ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ أَوَّلَ مَنْ قَصَرَهَا إِلَى النِّصْفِ، وَأَخَذَ النِّصْفَ لِنَفْسِهِ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: اسْمَعْ يَا زُهْرِيُّ، مَنْ مَاتَ مُحِبًّا لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَشَهِدَ لِلْعَشَرَةِ بِالْجَنَّةِ، وَتَرَحَّمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، كَانَ حَقِيقًا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُنَاقِشَهُ الْحِسَابَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيُّ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: تُرَابٌ فِي أَنْفِ مُعَاوِيَةَ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: سُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: مَا أَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمْدَهُ ". فَقَالَ خَلْفَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ؟ ! فَقِيلَ لَهُ: أَيُّمَا أَفْضَلُ؟ هُوَ أَمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَقَالَ: لَتُرَابٌ فِي مَنْخَرَيْ مُعَاوِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: مُعَاوِيَةُ عِنْدَنَا مِحْنَةٌ فَمَنْ رَأَيْنَاهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ شَزْرًا اتَّهَمْنَاهُ عَلَى الْقَوْمِ.
يَعْنِي الصَّحَابَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِليُّ وَغَيْرُهُ: سُئِلَ الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ أَيُّمَا أَفْضَلُ مُعَاوِيَةُ أَمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَغَضِبَ وَقَالَ لِلسَّائِلِ: تَجْعَلُ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ رَجُلٍ مِنَ التَّابِعِينِ؟ ! مُعَاوِيَةُ صَاحِبُهُ وَصِهْرُهُ وَكَاتِبُهُ وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعَوْا لِي أَصْحَابِي وَأَصْهَارِي، فَمَنْ سَبَّهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ".» وَكَذَا قَالَ الْفَضْلُ بْنُ عَنْبَسَةَ.
وَقَالَ أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ الْحَلَبِيُّ: مُعَاوِيَةُ سِتْرٌ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا كَشَفَ الرَّجُلُ السِّتْرَ اجْتَرَأَ عَلَى مَا وَرَاءَهُ.
وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِذَا رَأَيْتَ رَجُلًا يَذْكُرُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ بِسُوءٍ فَاتَّهِمْهُ عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَنَقَّصَ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ: أَيُقَالُ لَهُ رَافِضِيٌّ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَجْتَرِ عَلَيْهِمَا إِلَّا وَلَهُ خَبِيئَةُ سُوءٍ، مَا انْتَقَصَ أَحَدٌ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَلَهُ دَاخِلَةُ سُوءٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ
قَالَ: مَا رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَرَبَ إِنْسَانًا قَطُّ إِلَّا إِنْسَانًا شَتَمَ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُ ضَرَبَهُ أَسْوَاطًا.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: بَيْنَا أَنَا عَلَى جَبَلٍ بِالشَّامِ إِذْ سَمِعْتُ هَاتِفًا يَقُولُ: مَنْ أَبْغَضَ الصِّدِّيقَ فَذَاكَ زِنْدِيقٌ، وَمَنْ أَبْغَضَ عُمَرَ فَإِلَى جَهَنَّمَ زُمَرَ، وَمَنْ أَبْغَضَ عُثْمَانَ فَذَاكَ خَصْمُهُ الرَّحْمَنُ، وَمَنْ أَبْغَضَ عَلِيَّ فَذَاكَ خَصْمُهُ النَّبِيُّ، وَمَنْ أَبْغَضَ مُعَاوِيَهْ، سَحَبَتْهُ الزَّبَانِيَهْ، إِلَى جَهَنَّمَ الْحَامِيَهْ، وَيُرْمَى بِهِ فِي الْهَاوِيَهْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا يَنْتَقِصُنَا.
فَكَأَنَّهُ انْتَهَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَا أَنْتَقِصُ هَؤُلَاءِ، وَلَكِنْ أَنْتَقِصُ هَذَا.
يَعْنِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَيْلَكَ! أَوَ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَصْحَابِي؟ ! قَالَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرْبَةً، فَنَاوَلَهَا مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: جَأْ بِهَا فِي لَبَّتِهِ.
فَضَرَبَهُ بِهَا، وَانْتَبَهْتُ فَبَكَّرْتُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَإِذَا ذَلِكَ الرَّجُلُ قَدْ أَصَابَتْهُ الذَّبْحَةُ مِنَ اللَّيْلِ وَمَاتَ.
وَهُوَ رَاشِدٌ الْكِنْدِيُّ.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مُعَاوِيَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنَ الْعُلَمَاءِ الْكِبَارِ، وَلَكِنِ ابْتُلِيَ بِحُبِّ الدُّنْيَا.
وَقَالَ الْعُتْبِيُّ: قِيلَ لِمُعَاوِيَةَ: أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ.
فَقَالَ: كَيْفَ لَا وَلَا أَزَالُ أَرَى رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ قَائِمًا عَلَى رَأْسِي يُلْقِحُ لِي كَلَامًا يُلْزِمُنِي جَوَابَهُ، فَإِنْ أَصَبْتُ لَمْ أُحْمَدْ، وَإِنْ أَخْطَأْتُ سَارَتْ بِهَا الْبُرُدُ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ: أَصَابَتْ مُعَاوِيَةَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ لَقْوَةٌ.
وَذَكَرَ ابْنَ جَرِيرٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَدِمَ فِي وَفْدِ أَهْلِ مِصْرَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُمْ فِي الطَّرِيقِ: إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَلَا تُسَلِّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ ; فَإِنَّهُ لَا يُحِبُّ ذَلِكَ.
فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرٌو قَبْلَهُمْ قَالَ مُعَاوِيَةُ لِحَاجِبِهِ: أَدْخِلْهُمْ.
وَأَوْعَزَ إِلَيْهِ أَنْ يُخَوِّفَهُمْ فِي الدُّخُولِ وَيُرْعِبَهُمْ، وَقَالَ: إِنِّي لَأَظُنُّ عَمْرًا قَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ.
فَلَمَّا أَدْخَلُوهُمْ عَلَيْهِ - وَقَدْ أَهَانُوهُمْ - جَعَلَ أَحَدُهُمْ إِذَا دَخَلَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَلَمَّا نَهَضَ عَمْرٌو مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: قَبَّحَكُمُ اللَّهُ!
نَهَيْتُكُمْ عَنْ أَنْ تُسَلِّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ فَسَلَّمْتُمْ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ!
وَذَكَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ مِنْ مُعَاوِيَةَ أَنْ يُسَاعِدَهُ فِي بْناءِ دَارٍ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ جِذْعٍ مِنَ الْخَشَبِ.
فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَيْنَ دَارُكَ؟ قَالَ: بِالْبَصْرَةِ.
وَكَمِ اتِّسَاعُهَا؟ قَالَ: فَرْسَخَانِ فِي فَرْسَخَيْنِ.
قَالَ: لَا تَقُلْ دَارِي بِالْبَصْرَةِ، وَلَكِنْ قُلِ الْبَصْرَةُ فِي دَارِي.
وَذَكَرَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ بِابْنٍ مَعَهُ، فَجَلَسَا عَلَى سِمَاطِ مُعَاوِيَةَ، فَجَعَلَ وَلَدُهُ يَأْكُلُ أَكْلًا ذَرِيعًا، فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ يُلَاحِظُهُ، وَجَعَلَ أَبُوهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَفْطِنُ، فَلَمَّا خَرَجَا لَامَهُ أَبُوهُ، وَقَطَعَهُ عَنِ الدُّخُولِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَيْنَ ابْنُكَ التِّلْقَامَةُ؟ قَالَ: اشْتَكَى.
قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَكْلَهُ سَيُورِثُهُ دَاءً.
قَالَ: وَنَظَرَ مُعَاوِيَةُ إِلَى رَجُلٍ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ يُخَاطِبُهُ وَعَلَيْهِ عَبَاءَةٌ، فَجَعَلَ يَزْدَرِيهِ.
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ لَا تُخَاطِبُ الْعَبَاءَةَ، إِنَّمَا يُخَاطِبُكَ مَنْ فِيهَا.
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ عَقَلَ وَحَلُمَ ; مَنْ إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا غَضِبَ كَظَمَ، وَإِذَا قَدَرَ غَفَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَنْجَزَ، وَإِذَا أَسَاءَ اسْتَغْفَرَ.
وَكَتَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
إِذَا الرِّجَالُ وَلَدَتْ أَوْلَادُهَا ... وَاضْطَرَبَتْ مِنْ كِبَرٍ أَعَضَادُهَا
وَجَعَلَتْ أَسْقَامُهَا تَعْتَادُهَا ... فَهِيَ زُرُوعٌ قَدْ دَنَا حَصَادُهَا
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ نَعَى إِلَيَّ نَفْسِي.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ السَّهْمِيِّ، حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ كُلْثُومٍ، أَنَّ آخِرَ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ أَنْ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي مِنْ زَرْعٍ قَدِ اسْتَحْصَدَ، وَإِنِّي قَدْ وَلِيتُكُمْ، وَلَنْ يَلِيَكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي إِلَّا مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنِّي، كَمَا كَانَ مَنْ وَلِيَكُمْ قَبْلِي خَيْرًا مِنِّي، وَيَا يَزِيدُ، إِذَا وَفَى أَجْلِي فَوَلِّ غُسْلِي رَجُلًا لَبِيبًا ; فَإِنَّ اللَّبِيبَ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ، فَلْيُنْعِمِ الْغُسْلَ وَلْيَجْهَرْ بِالتَّكْبِيرِ، ثُمَّ اعْمِدْ إِلَى مَنْدِيلٍ فِي الْخِزَانَةِ فِيهِ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقُرَاضَةٌ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ، فَاسْتَوْدِعِ الْقُرَاضَةَ أَنْفِي وَفَمِي وَأُذُنَيَّ وَعَيْنَيَّ، وَاجْعَلِ الثَّوْبَ يَلِي جِلْدِي دُونَ أَكْفَانِي، وَيَا يَزِيدُ، احْفَظْ وَصِيَّةَ اللَّهِ فِي الْوَالِدَيْنِ، فَإِذَا أَدْرَجْتُمُونِي فِي جَرِيدَتِي، وَوَضَعْتُمُونِي فِي حُفْرَتِي فَخَلُّوا مُعَاوِيَةَ وَأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا احْتُضِرَ مُعَاوِيَةُ جَعَلَ يَقُولُ:
لَعَمْرِي لَقَدْ عُمِّرْتُ فِي الدَّهْرِ بُرْهَةً ... وَدَانَتْ لِيَ الدُّنْيَا بِوَقْعِ الْبَوَاتِرِ
وَأُعْطِيتُ حُمْرَ الْمَالِ وَالْحُكْمَ وَالنُّهَى ... وَسِلْمَ قَمَاقِيمِ الْمُلُوكِ الْجَبَابِرِ
فَأَضْحَى الَّذِي قَدْ كَانَ مِمَّا يَسُرُّنِي
كَحُلْمٍ مَضَى فِي الْمُزْمِنَاتِ الْغَوَابِرِ ... فَيَا لَيْتَنِي لَمْ أُعْنَ فِي الْمُلْكِ سَاعَةً
وَلَمْ أُعْنَ فِي لَذَّاتِ عَيْشٍ نَوَاضِرِ ... وَكُنْتُ كَذِي طِمْرَيْنِ عَاشَ بِبُلْغَةٍ
مِنَ الْعَيْشِ حَتَّى زَارَ ضِيقَ الْمَقَابِرِ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا احْتُضِرَ أَوْصَى بْنصْفِ مَالِهِ أَنْ يُرَدَّ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُطَيَّبَ لَهُ ; لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَاسَمَ عُمَّالَهُ.
وَذَكَرُوا أَنَّهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ اشْتَدَّ بِهِ الْبَرْدُ، فَكَانَ إِذَا لَبِسَ أَوْ تَغَطَّى بِشَيْءٍ ثَقِيلٍ يَغُمُّهُ، فَاتُّخِذَ لَهُ ثَوْبٌ مِنْ حَوَاصِلِ الطَّيْرِ، ثُمَّ ثَقُلَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: تَبًّا لَكِ مِنْ دَارٍ، مَلَكْتُكِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ; عِشْرِينَ أَمِيرًا، وَعِشْرِينَ خَلِيفَةً، ثُمَّ هَذَا حَالِي فِيكِ، وَمَصِيرِي مِنْكِ، تَبًّا لِلدُّنْيَا وَمُحِبِّيهَا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنَا أَبُو عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ مُعَاوِيَةُ وَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّهُ بِالْمَوْتِ قَالَ لِأَهْلِهِ: احْشُوَا عَيْنَيَّ إِثْمِدًا، وَأَوْسِعُوا رَأْسِي دُهْنًا.
فَفَعَلُوا وَبَرَّقُوا وَجْهَهُ بِالدُّهْنِ، ثُمَّ مُهِّدَ لَهُ فَجَلَسَ وَقَالَ: أَسْنَدُونِي.
ثُمَّ قَالَ: ائْذَنُوا لِلنَّاسِ فَلْيُسَلِّمُوا عَلَيَّ قِيَامًا وَلَا يَجْلِسْ أَحَدٌ.
فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ قَائِمًا فَيَرَاهُ مُتَكَحِّلًا مُتَدَهِّنًا، فَيَقُولُ مُتَقَوِّلُ النَّاسِ: هُوَ لَمًّا بِهِ، وَهُوَ أَصَحُّ النَّاسِ.
فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ مُعَاوِيَةُ:
وَتَجَلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ ... أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ
وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا ... أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ
قَالَ: وَكَانَ بِهِ الْتِفَاتَةٌ، يَعْنِي لَقْوَةً، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ: لَمَّا نَزَلَ بِمُعَاوِيَةَ الْمَوْتَ قَالَ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ بِذِي طَوًى وَلَمْ أَلِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ شَيْئًا.
وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ الْمَخْزُومِيُّ: لَمَّا حَضَرَتْ مُعَاوِيَةَ الْوَفَاةُ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
إِنْ تُنَاقِشْ يَكُنْ نِقَاشُكَ يَا رَبِّ ... عَذَابًا لَا طَوْقَ لِي بِالْعَذَابِ
أَوْ تُجَاوِزْ تَجَاوُزَ الْعَفْوِ فَاصْفَحْ ... عَنْ مُسِيءٍ ذُنُوبُهُ كَالتُّرَابِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا احْتُضِرَ مُعَاوِيَةُ جَعَلَ أَهْلُهُ يُقَلِّبُونَهُ فَقَالَ لَهُمْ: أَيَّ شَيْخٍ تُقَلِّبُونَ؟ إِنْ نَجَّاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ غَدًا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: جَعَلَ مُعَاوِيَةُ لَمَّا احْتُضِرَ يَضَعُ خَدًّا عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يُقَلِّبُ وَجْهَهُ، وَيَضَعُ الْخَدَّ الْآخَرَ، وَيَبْكِي وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ فِي كِتَابِكَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] . اللَّهُمَّ فَاجْعَلْنِي مِمَّنْ تَشَاءُ أَنْ تَغْفِرَ لَهُ.
وَقَالَ الْعُتْبِيُّ عَنْ أَبِيهِ: تَمَثَّلَ مُعَاوِيَةُ عِنْدَ مَوْتِهِ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ وَهُوَ فِي السِّيَاقِ:
هُوَ الْمَوْتُ لَا مَنْجَى مِنَ الْمَوْتِ وَالَّذِي ... نُحَاذِرُ بَعْدَ الْمَوْتِ أَدْهَى وَأَفْظَعُ
ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَقِلِ الْعَثْرَةَ، وَاعْفُ عَنِ الزَّلَّةِ، وَتَجَاوَزْ بِحِلْمِكَ عَنْ جَهْلِ مَنْ لَمْ يَرْجُ غَيْرَكَ، فَإِنَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ، لَيْسَ لِذِي خَطِيئَةٍ مِنْ خَطِيئَتِهِ مَهْرَبٌ إِلَّا إِلَيْكَ.
وَرَوَاهُ ابْنُ دُرَيْدٍ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَزَادَ: ثُمَّ مَاتَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: اتَّقُوا اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقِي مَنِ اتَّقَاهُ، وَلَا يَقِي مَنْ لَا يَتَّقِي.
ثُمَّ مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو مِخْنَفٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ صَعِدَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَأَكْفَانُ مُعَاوِيَةَ عَلَى يَدَيْهِ، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَنَاءِ عَلَيْهِ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ الَّذِي كَانَ عَوْدَ الْعَرَبِ وَحَدَّ الْعَرَبِ، قَطَعَ اللَّهُ بِهِ الْفِتْنَةَ، وَمَلَّكَهُ عَلَى الْعِبَادِ، وَفَتَحَ بِهِ الْبِلَادَ، أَلَا إِنَّهُ قَدْ مَاتَ وَهَذِهِ أَكْفَانُهُ، فَنَحْنُ مُدْرِجُوهُ فِيهَا، وَمُدْخِلُوهُ قَبْرَهُ وَمُخَلُّونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمَلِهِ، ثُمَّ هُوَ الْبَرْزَخُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَشْهَدَهُ فَلْيَحْضُرْ عِنْدَ الْأُولَى.
ثُمَّ نَزَلَ وَبَعَثَ الْبَرِيدَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ يُعْلِمُهُ وَيَسْتَحِثُّهُ عَلَى الْمَجِيءِ.
وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، تُوُفِّيَ بِدِمَشْقَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ.
فَقَالَ جَمَاعَةٌ: لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِلنِّصْفِ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ.
وَقِيلَ: لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ.
قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقِيلَ: لِأَرْبَعٍ خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ.
قَالَهُ اللَّيْثُ.
وَقَالَ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: لِمُسْتَهَلِّ رَجَبٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالشَّافِعِيُّ: صَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ يَزِيدُ.
وَقَدْ وَرَدَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ أَوْصَى إِلَيْهِ أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي كَسَاهُ إِيَّاهُ، وَكَانَ مُدَّخَرًا عِنْدَهُ لِهَذَا الْيَوْمِ، وَأَنْ يَجْعَلَ مَا عِنْدَهُ مِنْ شَعْرِهِ وَقُلَامَةِ أَظْفَارِهِ فِي فَمِهِ وَأَنْفِهِ
وَعَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ ابْنُهُ يَزِيدُ غَائِبًا، فَصَلَّى عَلَيْهِ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِمَسْجِدِ دِمَشْقَ، ثُمَّ دُفِنَ فَقِيلَ: بِدَارِ الْإِمَارَةِ.
وَهِيَ الْخَضْرَاءُ، وَقِيلَ: بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ.
وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَ عُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ ثَمَانِيًا وَسَبْعِينَ سَنَةً.
وَقِيلَ: جَاوَزَ الثَّمَانِينَ.
وَهُوَ الْأَشْهَرُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَكِبَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ فِي جَيْشٍ، وَخَرَجَ لِيَتَلَقَّى يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ يَزِيدُ بِحُوَّارِينَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ تَلَقَّتْهُمْ أَثْقَالُ يَزِيدَ، وَإِذَا يَزِيدُ رَاكِبٌ عَلَى بُخْتِيٍّ وَعَلَيْهِ الْحُزْنُ ظَاهِرٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ النَّاسُ بِالْإِمَارَةِ، وَعَزَّوْهُ فِي أَبِيهِ، وَهُوَ يَخْفِضُ صَوْتَهُ فِي رَدِّهِ عَلَيْهِمْ، وَالنَّاسُ صَامِتُونَ لَا يَتَكَلَّمُ مَعَهُ إِلَّا الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ، فَانْتَهَى إِلَى بَابِ تُومَاءَ، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَدْخُلُ مِنْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَجَازَهُ مَعَ السُّورِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَابِ الشَّرْقِيِّ، فَقِيلَ: يَدْخُلُ مِنْهُ.
لِأَنَّهُ بَابُ خَالِدٍ، فَجَازَهُ حَتَّى أَتَى الْبَابَ الصَّغِيرَ، فَعَرَفَ النَّاسُ أَنَّهُ قَاصِدٌ قَبْرَ أَبِيهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَابِ الصَّغِيرِ تَرَجَّلَ عِنْدَ الْمَقْبَرَةِ، ثُمَّ دَخَلَ، فَصَلَّى عَلَى أَبِيهِ بَعْدَ مَا دُفِنَ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْمَقْبَرَةِ أَتَى بِمَرَاكِبِ الْخِلَافَةِ، فَرَكِبَ، ثُمَّ دَخَلَ الْبَلَدَ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ فِي النَّاسِ أَنِ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ.
وَدَخَلَ الْخَضْرَاءَ، فَاغْتَسَلَ وَلَبِسَ ثِيَابًا حَسَنَةً، ثُمَّ خَرَجَ فَخَطَبَ النَّاسَ أَوَّلَ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَنَاءِ عَلَيْهِ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَبَضَهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ خَيْرٌ مِمَّنْ بَعْدَهُ، وَدُونَ مَنْ قَبْلَهُ، وَلَا أُزَكِّيهِ عَلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، هُوَ أَعْلَمُ بِهِ، إِنْ عَفَا عَنْهُ فَبِرَحْمَتِهِ، وَإِنْ عَاقَبَهُ
فَبِذَنْبِهِ، وَقَدْ وَلِيتُ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَسْتُ آسَى عَلَى طَلَبٍ، وَلَا أَعْتَذِرُ مِنْ تَفْرِيطٍ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ شَيْئًا كَانَ.
وَقَالَ لَهُمْ فِي خُطْبَتِهِ هَذِهِ: وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يُغْزِيكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَإِنِّي لَسْتُ حَامِلًا أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْبَحْرِ، وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يُشَتِّيكُمْ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَلَسْتُ مُشَتِّيًا أَحَدًا بِأَرْضِ الرُّومِ، وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يُخْرِجُ لَكُمُ الْعَطَاءَ أَثْلَاثًا، وَأَنَا أَجْمَعُهُ لَكُمْ كُلَّهُ.
قَالَ: فَافْتَرَقَ النَّاسُ عَنْهُ وَهُمْ لَا يُفَضِّلُونَ عَلَيْهِ أَحَدًا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ وَهُوَ مَرِيضٌ إِلَى ابْنِهِ يَزِيدَ، فَلَمَّا جَاءَهُ الْبَرِيدُ رَكِبَ وَهُوَ يَقُولُ:
جَاءَ الْبَرِيدُ بِقِرْطَاسٍ يَخُبُّ بِهِ ... فَأَوْجَسَ الْقَلْبُ مِنْ قِرْطَاسِهِ فَزَعًا
قُلْنَا لَكَ الْوَيْلُ مَاذَا فِي صَحِيفَتِكُمْ ... قَالَ الْخَلِيفَةُ أَمْسَى مُثْبَتًا وَجِعًا
فَمَادَتِ الْأَرْضُ أَوْ كَادَتْ تَمِيدُ بِنَا ... كَأَنَّ أَغْبَرَ مِنْ أَرْكَانِهَا انْقَلَعَا
ثُمَّ انْبَعَثْنَا إِلَى خُوصٍ مُضَمَّرَةٍ ... نَرْمِي الْفِجَاجَ بِهَا مَا نَأْتَلِي سُرَعًا
فَمَا نُبَالِي إِذَا بَلَّغْنَ أَرْحُلَنَا ... مَا مَاتَ مِنْهُنَّ بِالْمَوْمَاةِ أَوْ ظَلَعَا
وَزَادَ غَيْرُهُ:
لَمَّا انْتَهَيْنَا وَبَابُ الدَّارِ مُنْصَفِقٌ ... بِصَوْتِ رَمْلَةَ رِيعَ الْقَلْبُ فَانْصَدَعَا
مَنْ لَا تَزَلْ نَفْسُهُ تُوفِي عَلَى شَرَفٍ ... تُوشِكُ مَقَادِيرُ تِلْكَ النَّفْسِ أَنْ تَقَعَا
أَوْدَى ابْنُ هِنْدَ وَأَوْدَى الْمَجْدُ يَتْبَعُهُ ... كَانَا جَمِيعًا خَلِيطًا سَالِمَيْنِ مَعَا
أَغَرُّ أَبْلَجُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِهِ ... لَوْ قَارَعَ النَّاسَ عَنْ أَحْلَامِهِمْ قَرَعَا
لَا يَرْقَعُ النَّاسُ مَا أَوْهَى وَإِنْ جَهِدُوا ... أَنْ يَرْقَعُوهُ وَلَا يُوهُونَ مَا رَقَعَا
قَالَ الشَّافِعِيُّ: سَرَقَ يَزِيدُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ مِنَ الْأَعْشَى.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ دَخَلَ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ دِمَشْقَ، وَأَنَّهُ أَوْصَى إِلَيْهِ.
وَهَذَا قَدْ قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ يَزِيدَ لَمْ يَدْخُلْ دِمَشْقَ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، وَأَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ بِالنَّاسِ، كَمَا قَدَّمْنَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَبُو الْوَرْدِ الْعَنْبَرِيُّ يَرْثِي مُعَاوِيَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
أَلَا أَنْعَى مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ ... نَعَاهُ الْحِلُّ لِلشَّهْرِ الْحَرَامِ
نَعَاهُ النَّاعِجَاتُ بِكُلِّ فَجٍّ ... خَوَاضِعَ فِي الْأَزِمَّةِ كَالسِّهَامِ
فَهَاتِيكَ النُّجُومُ وَهُنَّ خُرْسٌ ... يَنُحْنَ عَلَى مُعَاوِيَةَ الشَّآمِ
وَقَالَ أَيْمَنُ بْنُ خُرَيْمٍ يَرْثِيهِ أَيْضًا: رَمَى الْحِدْثَانُ نِسْوَةَ آلِ حَرْبٍ ... بِمِقَدْارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودَا فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضَا ... وَرَدَّ وُجُوهَهُنَّ الْبِيضَ سُودَا فَإِنَّكَ لَوْ شَهِدْتَ بُكَاءَ هِنْدَ ... وَرَمْلَةَ إِذْ يُصَفِّقْنَ الْخُدُودَا بَكَيْتَ بُكَاءَ مُعْوِلَةٍ قَرِيحٍ ... أَصَابَ الدَّهْرُ وَاحِدَهَا الْفَرِيدَا
[ذِكْرُ مَنْ تَزَوَّجَ مِنَ النِّسَاءِ وَمَنْ وُلِدَ لَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ]
كَانَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ ضَعِيفَ الْعَقْلِ، وَأُمُّهُمَا فَاخِتَةُ بِنْتُ قَرَظَةَ بْنِ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَقَدْ تَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا مُنْفَرِدَةً عَنْهَا بَعْدَهَا، وَهِيَ كَنُودُ بِنْتُ قَرَظَةَ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ حِينَ افْتَتَحَ قُبْرُسَ، وَتَزَوَّجَ نَائِلَةَ بِنْتَ عُمَارَةَ الْكَلْبِيَّةَ، فَأَعْجَبَتْهُ، وَقَالَ لِمَيْسُونَ
بِنْتِ بَحْدَلٍ: ادْخُلِي فَانْظُرِي إِلَى ابْنةِ عَمِّكِ، فَدَخَلَتْ فَسَأَلَهَا عَنْهَا، فَقَالَتْ: إِنَّهَا لَكَامِلَةُ الْجَمَالِ، وَلَكِنْ رَأَيْتُ تَحْتَ سُرَّتِهَا خَالًا، وَإِنِّي لَأُرَى هَذِهِ يُقْتَلُ زَوْجُهَا، وَيُوضَعُ رَأْسُهُ فِي حِجْرِهَا.
فَطَلَّقَهَا مُعَاوِيَةُ فَتَزَوُّجَهَا بَعْدَهُ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيُّ، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا بَعْدَهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، فَقُتِلَ وَوُضِعَ رَأْسُهُ فِي حِجْرِهَا.
وَمِنْ أَشْهَرِ أَوْلَادِهِ يَزِيدُ، وَأُمُّهُ مَيْسُونُ بِنْتُ بَحْدَلِ بْنِ أُنَيْفِ بْنِ دُلْجَةَ بْنِ قُنَافَةَ الْكَلْبِيِّ، وَهِيَ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَى نَائِلَةَ، فَأَخْبَرَتْ مُعَاوِيَةَ عَنْهَا بِمَا أَخْبَرَتْهُ، وَكَانَتْ حَازِمَةً عَظِيمَةَ الشَّأْنِ جَمَالًا وَرِيَاسَةً وَعَقْلًا وَدِينًا، دَخَلَ عَلَيْهَا مُعَاوِيَةُ يَوْمًا وَمَعَهُ خَادِمٌ خَصِيٌّ، فَاسْتَتَرَتْ مِنْهُ، وَقَالَتْ: مَا هَذَا الرَّجُلُ مَعَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ خَصِيٌّ، فَاظْهَرِي عَلَيْهِ.
فَقَالَتْ: مَا كَانَتِ الْمُثْلَةُ لِتُحِلَّ لَهُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَحَجَبَتْهُ عَنْهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: إِنَّ مُجَرَّدَ مُثْلَتِكَ لَهُ لَنْ تُحِلَّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ وَلِيَ ابْنُهَا يَزِيدُ الْخِلَافَةَ بَعْدَ أَبِيهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ مَيْسُونَ هَذِهِ وَلَدَتْ لِمُعَاوِيَةَ بِنْتًا أُخْرَى يُقَالُ لَهَا: أَمَةُ رَبِّ الْمَشَارِقِ.
مَاتَتْ صَغِيرَةً.
وَرَمْلَةُ، تَزَوَّجَهَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، كَانَتْ دَارُهَا بِدِمَشْقَ عِنْدَ عَقَبَةِ السَّمَكِ تُجَاهَ زُقَاقِ الرُّمَّانِ.
قَالَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، قَالَ: وَلَهَا طَاحُونٌ مَعْرُوفَةٌ إِلَى الْآنَ.
وَهِنْدُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ، تَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ بِالْخَضْرَاءِ، أَرَادَهَا عَنْ نَفْسِهَا فَتَمَنَّعَتْ عَلَيْهِ، وَأَبَتْ أَشَدَّ الْإِبَاءِ، فَضَرَبَهَا فَصَرَخَتْ، فَلَمَّا سَمِعَ الْجَوَارِيَ صَوْتَهَا صَرَخْنَ وَعَلَتْ أَصْوَاتُهُنَّ، فَسَمِعَ مُعَاوِيَةُ، فَنَهَضَ إِلَيْهِنَّ، فَاسْتَعْلَمَهُنَّ مَا الْخَبَرُ، فَقُلْنَ: سَمِعْنَا صَوْتَ سَيِّدَتِنَا فَصِحْنَا.
فَدَخَلَ فَإِذَا بِهَا تَبْكِي مِنْ ضَرْبِهِ، فَقَالَ لِابْنِ عَامِرٍ: وَيْحَكَ! مِثْلُ هَذِهِ تُضْرَبُ فِي مِثْلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ ! ثُمَّ قَالَ لَهُ: اخْرُجْ مِنْ هَاهُنَا.
فَخَرَجَ وَخَلَا بِهَا مُعَاوِيَةُ فَقَالَ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ، إِنَّهُ زَوْجُكِ الَّذِي أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكِ، أَوَ مَا سَمِعْتِ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
مِنَ الْخَفِرَاتِ الْبِيضِ أَمَّا حَرَامُهَا ... فَصَعْبٌ وَأَمَّا حِلُّهَا فَذَلُولُ
ثُمَّ خَرَجَ مُعَاوِيَةُ مِنْ عِنْدِهَا، وَقَالَ لِزَوْجِهَا: ادْخُلْ فَقَدْ مَهَّدْتُ لَكَ خُلُقَهَا وَوَطَّأْتُهُ، فَدَخَلَ ابْنُ عَامِرٍ، فَوَجَدَهَا قَدْ طَابَتْ أَخْلَاقُهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصَلُ مَنِ اتَّخَذَهُمْ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْقَضَاءِ وَالْحِرَاسَةِ وَالْحِجَابَةِ وَالشُّرْطَةِ]
فَصْلٌ (فِيمَنِ اتَّخَذَهُمْ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْقَضَاءِ وَالْحِرَاسَةِ وَالْحِجَابَةِ وَالشُّرْطَةِ) وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ مُعَاوِيَةَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، ثُمَّ مَاتَ فَضَالَةُ فَوَلَّى أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ.
وَكَانَ عَلَى حَرَسِهِ رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي يُقَالُ لَهُ: الْمُخْتَارُ.
وَقِيلَ: مَالِكٌ.
وَيُكَنَّى أَبَا الْمُخَارِقِ، مَوْلًى لِحِمْيَرَ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ الْحَرَسَ، وَكَانَ عَلَى حُجَّابِهِ سَعْدٌ مَوْلَاهُ، وَعَلَى الشُّرْطَةِ قَيْسُ بْنُ حَمْزَةَ، ثُمَّ زِمْلُ بْنُ عَمْرٍو الْعُذْرِيُّ، ثُمَّ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْفِهْرِيُّ، وَكَانَ صَاحِبَ أَمْرِهِ سَرْجُونُ بْنُ مَنْصُورٍ الرُّومِيُّ.
وَكَانَ مُعَاوِيَةُ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ دِيوَانَ الْخَاتَمِ وَخَزْمِ الْكُتُبِ.
[فَصْلُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ]
وَمِمَّنْ ذُكِرَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ سِتِّينَ - صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ بْنِ رَحَضَةَ بْنِ الْمُؤَمَّلِ بْنِ خُزَاعِيٍّ، أَبُو عَمْرٍو، وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْمُرَيْسِيعُ، وَكَانَ فِي السَّاقَةِ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ الَّذِي رَمَاهُ أَهْلُ الْإِفْكِ بِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ وَإِيَّاهَا مِمَّا قَالُوا، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ يَنَامُ نَوْمًا شَدِيدًا حَتَّى إِنَّهُ كَانَ رُبَّمَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ نَائِمٌ لَا يَسْتَيْقِظُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا اسْتَيْقَظْتَ فَصَلِّ» ". وَقَدْ قُتِلَ صَفْوَانُ شَهِيدًا.
وَأَبُو مُسْلِمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثُوَبٍ الْخَوْلَانِيُّ الْيَمَنِيُّ
مِنْ خَوْلَانَ بِبِلَادِ الْيَمَنِ.
دَعَاهُ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ إِلَى أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا أَسْمَعُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
فَأَجَّجَ لَهُ نَارًا، وَأَلْقَاهُ فِيهَا، فَلَمْ تَضُرَّهُ، وَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ، فَكَانَ يُشَبَّهُ بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، ثُمَّ هَاجَرَ فَوَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ، فَقَدِمَ عَلَى الصِّدِّيقِ، فَأَجْلَسَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُمَرَ، وَقَالَ لَهُ عُمَرُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى أَرَانِي فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ.
وَقَبَّلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَكَانَتْ لَهُ أَحْوَالٌ وَمُكَاشَفَاتٌ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِيهَا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[إِمَارَةُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَمَا جَرَى فِي أَيَّامِهِ مِنَ الْحَوَادِثِ وَالْفِتَنِ]
بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ أَبِيهِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ، فَكَانَ يَوْمَ بُويِعَ ابْنَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَأَقَرَّ نُوَّابُ أَبِيهِ عَلَى الْأَقَالِيمِ، لَمْ يَعْزِلْ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَهَذَا مِنْ ذَكَائِهِ.
قَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ لُوطِ بْنِ يَحْيَى الْكُوفِيِّ الْأَخْبَارِيِّ: وَلِيَ يَزِيدُ فِي هِلَالِ رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ، وَأَمِيرُ الْمَدِينَةِ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَمِيرُ الْكُوفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَأَمِيرُ الْبَصْرَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، وَأَمِيرُ مَكَّةَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَزِيدَ هِمَّةٌ حِينَ وَلِيَ إِلَّا بَيْعَةُ النَّفَرِ الَّذِينَ أَبَوْا عَلَى مُعَاوِيَةَ الْبَيْعَةَ لِيَزِيدَ، فَكَتَبَ إِلَى نَائِبِ الْمَدِينَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ يَزِيدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، أَكْرَمَهُ اللَّهُ وَاسْتَخْلَفَهُ وَخَوَّلَهُ وَمَكَّنَ لَهُ، فَعَاشَ بِقَدَرٍ، وَمَاتَ بِأَجَلٍ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَدْ عَاشَ مَحْمُودًا، وَمَاتَ بَرًّا تَقِيًّا، وَالسَّلَامُ.
وَكَتَبَ إِلَيْهِ فِي صَحِيفَةٍ كَأَنَّهَا أُذُنُ الْفَأْرَةِ: أَمَّا بَعْدُ، فَخُذْ حُسَيْنًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ بِالْبَيْعَةِ أَخْذًا شَدِيدًا لَيْسَتْ فِيهِ رُخْصَةٌ حَتَّى يُبَايِعُوا، وَالسَّلَامُ.
فَلَمَّا أَتَاهُ نَعْيُ مُعَاوِيَةَ فَظِعَ بِهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِ، فَبَعَثَ إِلَى مَرْوَانَ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَاسْتَشَارَهُ فِي أَمْرِ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ، فَقَالَ: أَرَى أَنْ تَدْعُوَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِمَوْتِ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَإِنْ أَبَوْا ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ.
فَأَرْسَلَ مِنْ فَوْرِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ إِلَى الْحُسَيْنِ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُمَا: أَجِيبَا الْأَمِيرَ.
فَقَالَا: انْصَرِفِ، الْآنَ نَأْتِيهِ.
فَلَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُمَا قَالَ الْحُسَيْنُ لِابْنِ الزُّبَيْرِ: إِنِّي أَرَى طَاغِيَتَهُمْ قَدْ هَلَكَ.
قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: وَأَنَا مَا أَظُنُّ غَيْرَهُ.
قَالَ: ثُمَّ نَهَضَ حُسَيْنٌ فَأَخَذَ مَعَهُ مَوَالِيَهُ، وَجَاءَ بَابَ الْأَمِيرِ، فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ وَحْدَهُ، وَأَجْلَسَ مَوَالِيَهُ عَلَى الْبَابِ، وَقَالَ: إِنْ سَمِعْتُمْ أَمْرًا يُرِيبُكُمْ فَادْخُلُوا.
فَسَلَّمَ وَجَلَسَ وَمَرْوَانُ عِنْدَهُ، فَنَاوَلَهُ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ الْكِتَابَ، وَنَعَى إِلَيْهِ
مُعَاوِيَةَ، فَاسْتَرْجَعَ وَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ مُعَاوِيَةَ، وَعَظَّمَ لَكَ الْأَجْرَ.
فَدَعَاهُ الْأَمِيرُ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: إِنَّ مِثْلِي لَا يُبَايِعُ سِرًّا، وَمَا أَرَاكَ تَجْتَزِئُ مِنِّي بِهَذَا، وَلَكِنْ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ دَعَوْتَنَا مَعَهُمْ، فَكَانَ أَمْرًا وَاحِدًا.
فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ وَكَانَ يُحِبُّ الْعَافِيَةَ: فَانْصَرِفْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ حَتَّى تَأْتِيَنَا فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ.
فَقَالَ مَرْوَانُ لِلْوَلِيدِ: وَاللَّهِ لَئِنْ فَارَقَكَ وَلَمْ يُبَايِعِ السَّاعَةَ، لَيَكْثُرَنَّ الْقَتْلُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، فَاحْبِسْهُ وَلَا تُخْرِجْهُ حَتَّى يُبَايِعَ، وَإِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ.
فَنَهَضَ الْحُسَيْنُ وَقَالَ: يَابْنَ الزَّرْقَاءِ، أَنْتَ تَقْتُلُنِي؟ ! كَذَبْتَ وَاللَّهِ وَأَثِمْتَ.
ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى دَارِهِ، فَقَالَ مَرْوَانُ لِلْوَلِيدِ: وَاللَّهِ لَا تَرَاهُ بَعْدَهَا أَبَدًا.
فَقَالَ الْوَلِيدُ: وَاللَّهِ يَا مَرْوَانُ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَأَنِّي قَتَلْتُ الْحُسَيْنَ، سُبْحَانَ اللَّهِ! أَقْتُلُ حُسَيْنًا أَنْ قَالَ: لَا أُبَايِعُ؟ ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ مَنْ يَقْتُلُ الْحُسَيْنَ يَكُونُ خَفِيفَ الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَبَعَثَ الْوَلِيدُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ وَمَاطَلَهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ رَكِبَ فِي مَوَالِيهِ وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ أَخَاهُ جَعْفَرًا، وَسَارَ إِلَى مَكَّةَ عَلَى طَرِيقِ الْفُرْعِ، وَبَعَثَ الْوَلِيدُ خَلْفَ ابْنِ الزُّبَيْرِ الرِّجَالَ وَالْفُرْسَانَ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى رَدِّهِ، وَقَدْ قَالَ جَعْفَرٌ لِأَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُمَا سَائِرَانِ، مُتَمَثِّلًا بِقَوْلِ صَبِرَةَ الْحَنْظَلِيِّ:
وَكُلُّ بَنِي أُمٍّ سَيُمْسُونَ لَيْلَةً ... وَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَعْقَابِهِمْ غَيْرُ وَاحِدِ
فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا أَرَدْتَ إِلَى هَذَا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِهِ شَيْئًا يَسُوءُكَ.
فَقَالَ: إِنْ كَانَ إِنَّمَا جَرَى عَلَى لِسَانِكَ فَهُوَ أَكْرَهُ إِلَيَّ.
قَالُوا: وَتَطَيَّرَ بِهِ.
وَأَمَّا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فَإِنَّ الْوَلِيدَ تَشَاغَلَ عَنْهُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، وَجَعَلَ كُلَّمَا بَعَثَ
إِلَيْهِ يَقُولُ: حَتَّى تَنْظُرَ وَنَنْظُرَ.
ثُمَّ جَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِيهِ، وَرَكِبَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ، لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، بَعْدَ خُرُوجِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِلَيْلَةٍ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ سِوَى مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ: وَاللَّهِ يَا أَخِي، لَأَنْتَ أَعَزُّ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلِيَّ، وَإِنِّي نَاصِحٌ لَكَ ; لَا تَدْخُلَنَّ مِصْرًا مِنْ هَذِهِ الْأَمْصَارِ، وَلَكِنِ اسْكُنِ الْبَوَادِيَ وَالرِّمَالَ، وَابْعَثْ إِلَى النَّاسِ، فَإِذَا بَايَعُوكَ وَاجْتَمَعُوا عَلَيْكَ فَادْخُلِ الْمِصْرَ، وَإِنْ أَبَيْتَ إِلَّا سُكْنَى الْمِصْرِ فَاذْهَبْ إِلَى مَكَّةَ، فَإِنْ رَأَيْتَ مَا تُحِبُّ، وَإِلَّا تَرَفَّعْتَ إِلَى الرِّمَالِ وَالْجِبَالِ.
فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ نَصَحْتَ وَأَشْفَقْتَ.
وَسَارَ الْحُسَيْنُ إِلَى مَكَّةَ، فَاجْتَمَعَ هُوَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ بِهَا، وَبَعَثَ الْوَلِيدُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ: بَايِعْ لِيَزِيدَ.
فَقَالَ: إِذَا بَايَعَ النَّاسُ بَايَعْتُ.
فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ يَخْتَلِفَ النَّاسُ وَيَقْتَتِلُوا حَتَّى يَتَفَانَوْا، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ غَيْرُكَ بَايَعُوكَ! فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا أُحِبُّ شَيْئًا مِمَّا قُلْتَ، وَلَكِنْ إِذَا بَايَعَ النَّاسُ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرِي بَايَعْتُ.
قَالَ: فَتَرَكُوهُ، وَكَانُوا لَا يَتَخَوَّفُونَهُ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: لَمْ يَكُنِ ابْنُ عُمَرَ بِالْمَدِينَةِ حِينَ قَدِمَ نَعْيُ مُعَاوِيَةَ، وَإِنَّمَا كَانَ هُوَ وَابْنُ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ، فَلَقِيَهُمَا وَهُمَا مُقْبِلَانِ مِنْهَا، الْحُسَيْنُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَا: مَا وَرَاءَكُمَا؟ قَالَا: مَوْتُ مُعَاوِيَةَ وَالْبَيْعَةُ لِيَزِيدَ.
فَقَالَ لَهُمَا ابْنُ عُمَرَ: اتَّقِيَا اللَّهَ، وَلَا تُفَرِّقَا بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدِمَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا جَاءَتِ الْبَيْعَةُ مِنَ الْأَمْصَارِ بَايَعَا مَعَ النَّاسِ، وَأَمَّا الْحُسَيْنُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ، فَإِنَّهُمَا قَدِمَا مَكَّةَ