البداية والنهايةصفحات 350-389

َ فَتْحُ الرَّيِّ

صفحات 350-389

اللَّهِ.
وَصَدَقَ فِي ذَلِكَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ كَانَ قَدْ بَايَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي أَوَاخِرِ دَوْلَةِ مَرْوَانَ الْحِمَارِ بِالْخِلَافَةِ، وَخَلَعَ مَرْوَانَ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ بَايَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ، وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْوِيلِ الدَّوْلَةِ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ، فَلَمَّا صَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ خَافَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ مِنْهُ خَوْفًا شَدِيدًا; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَوَهَّمَ مِنْهُمَا أَنْ يَخْرُجَا عَلَيْهِ، وَالَّذِي خَافَ مِنْهُ وَقَعَ فِيهِ، وَلَمَّا خَافَاهُ ذَهَبَا مِنْهُ هَرَبًا فِي الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ، فَصَارَا إِلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ سَارَا إِلَى الْهِنْدِ، ثُمَّ تَحَوَّلَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَاخْتَفَيَا بِهَا، فَدَلَّ عَلَى مَكَانِهِمَا الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، فَهَرَبَا إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، فَدَلَّ عَلَيْهِمَا ثُمَّ كَذَلِكَ، وَانْتَصَبَ أَلْبًا عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْمَنْصُورِ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُ مِنْ أَتْبَاعِهِمَا، وَاجْتَهَدَ الْمَنْصُورُ بِكُلِّ طَرِيقٍ عَلَى تَحْصِيلِهِمَا، فَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ ذَلِكَ إِلَى الْآنِ، فَلَمَّا سَأَلَ أَبَاهُمَا عَنْهُمَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ صَارَا إِلَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ ثُمَّ أَلَحَّ الْمَنْصُورُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فِي طَلَبِ وَلَدَيْهِ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَا تَحْتَ قَدَمَيَّ مَا دَلَلْتُكَ عَلَيْهِمَا.
فَغَضِبَ الْمَنْصُورُ، وَأَمَرَ بِسَجْنِهِ وَأَمَرَ بِبَيْعِ رَقِيقِهِ وَأَمْوَالِهِ، وَلَبِثَ فِي السِّجْنِ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَأَشَارُوا عَلَى الْمَنْصُورِ بِحَبْسِ بَنِي حَسَنٍ عَنْ آخِرِهِمْ فَحَبَسَهُمْ، وَجَدَّ فِي طَلَبِ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ جَدًّا، هَذَا وَهُمَا يَحْضُرَانِ الْحَجَّ فِي غَالِبِ السِّنِينَ، وَيَكْمُنَانِ فِي الْمَدِينَةِ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ، وَلَا يَشْعُرُ بِهِمَا مَنْ يَنِمُّ عَلَيْهِمَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَالْمَنْصُورُ يَعْزِلُ نَائِبًا عَنِ الْمَدِينَةِ وَيُوَلِّي عَلَيْهَا غَيْرَهُ، وَيُحَرِّضُهُ عَلَى إِمْسَاكِهِمَا وَالْفَحْصِ عَنْهُمَا، وَبِذْلِ الْأَمْوَالِ فِي طَلَبِهِمَا، وَتُعْجِزُهُ الْمَقَادِيرُ فِي ذَلِكَ لِمَا يُرِيدُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

وَقَدْ وَاطَأَهُمَا عَلَى أَمْرِهِمَا أَمِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْمَنْصُورِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو الْعَسَاكِرِ خَالِدُ بْنُ حَسَّانَ.
فَعَزَمُوا فِي بَعْضِ الْحَجَّاتِ عَلَى الْفَتْكِ بِأَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَنَهَاهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ لِشَرَفِ الْبُقْعَةِ.
وَقَدِ اطَّلَعَ الْمَنْصُورُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلِمَ بِمَا مَالَأَهُمَا ذَلِكَ الْأَمِيرُ، فَعَذَّبَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِمَا كَانُوا تَمَالَئُوا عَلَيْهِ مِنَ الْفَتْكِ بِهِ.
فَقَالَ: وَمَا الَّذِي صَرَفَكُمْ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ.
فَأَمَرَ بِهِ الْخَلِيفَةُ فَغُيِّبَ فِي الْأَرْضِ، فَلَمْ يَظْهَرْ حَتَّى الْآنَ.
وَقَدِ اسْتَشَارَ الْمَنْصُورُ مَنْ يَعْلَمُ مِنْ أُمَرَائِهِ وَوُزَرَائِهِ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ فِي أَمْرِ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، وَبَعَثَ الْجَوَاسِيسَ وَالْقُصَّادَ إِلَيْهِمَا، فَلَمْ يَقَعْ لَهُمَا عَلَى خَبَرٍ، وَلَا ظَهَرَ لَهُمَا عَلَى عَيْنٍ وَلَا أَثَرٍ، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ.
وَقَدْ جَاءَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ إِلَى أُمِّهِ فَقَالَ: يَا أُمَّهْ، إِنِّي قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أَبِي وَعُمُومَتِي، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَضَعَ يَدِي فِي أَيْدِي هَؤُلَاءِ لِأُرِيحَ أَهْلِي.
فَذَهَبَتْ أُمُّهُ إِلَيْهِمْ إِلَى السِّجْنِ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِمْ مَا قَالَ ابْنُهَا، فَقَالُوا: لَا، بَلْ نَصْبِرُ عَلَى أَمْرِهِ، فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى يَدَيْهِ خَيْرًا، وَنَحْنُ نَصْبِرُ، وَفَرَجُنَا بِيَدِ اللَّهِ.
وَتَمَالَئُوا كُلُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ نُقِلُوا مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى حَبْسٍ بِالْعِرَاقِ وَفِي أَرْجُلِهِمُ الْقُيُودُ، وَفِي أَعْنَاقِهِمُ الْأَغْلَالُ.
وَكَانَ ابْتِدَاءُ تَقْيِيدِهِمْ مِنَ الرَّبَذَةِ بِأَمْرِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَقَدْ أَشْخَصَ مَعَهُمْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْعُثْمَانِيَّ، وَكَانَ أَخَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَتِ ابْنَتُهُ تَحْتَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ حَمَلَتْ قَرِيبًا، فَاسْتَحْضَرَهُ الْخَلِيفَةُ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ حَلَفْتَ بِالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ إِنَّكَ لَمْ تَغُشَّنِي، وَهَذِهِ

ابْنَتُكَ حَامِلٌ! فَإِنْ كَانَ مِنْ زَوْجِهَا فَقَدْ حَنِثْتَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ فَأَنْتَ دَيُّوثٌ.
فَأَجَابَهُ الْعُثْمَانِيُّ بِجَوَابٍ أَحْفَظَهُ بِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُرِّدَتْ عَنْهُ ثِيَابُهُ، فَإِذَا جِسْمُهُ كَأَنَّهُ الْفِضَّةُ النَّقِيَّةُ، ثُمَّ ضُرِبَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ مِائَةً وَخَمْسِينَ سَوْطًا، مِنْهَا ثَلَاثُونَ فَوْقَ رَأْسِهِ، أَصَابَ أَحَدُّهَا عَيْنَهُ فَسَالَتْ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى السِّجْنِ وَقَدْ بَقِيَ كَأَنَّهُ عَبْدٌ أَسْوَدُ مِنْ زُرْقَةِ الضَّرْبِ، وَتَرَاكُمِ الدِّمَاءِ فَوْقَ جِلْدِهِ، فَأُجْلِسَ إِلَى جَانِبِ أَخِيهِ لِأُمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، فَاسْتَسْقَى فَمَا جَسَرَ أَحَدٌ أَنْ يَسْقِيَهُ حَتَّى سَقَاهُ خُرَاسَانِيٌّ مِنْ جُمْلَةِ الْجَلَاوِزَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِهِمْ، ثُمَّ رَكِبَ الْخَلِيفَةُ فِي هَوْدَجِهِ، وَأَرْكَبُوا أُولَئِكَ فِي مُحَامِلَ ضَيِّقَةٍ، وَعَلَيْهِمُ الْقُيُودُ وَالْأَغْلَالُ فَاجْتَازَ بِهِمُ الْمَنْصُورُ وَهُوَ فِي هَوْدَجِهِ، فَنَادَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ: وَاللَّهِ يَا أَبَا جَعْفَرٍ مَا هَكَذَا صَنَعْنَا بِأَسْرَاكُمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
فَأَخْسَأَهُ الْمَنْصُورُ، وَتَفَلَ عَلَيْهِ، وَنَفَرَ عَنْهُمْ.
وَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْعِرَاقِ حُبِسُوا بِالْهَاشِمِيَّةِ، وَكَانَ فِيهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَسَنٍ، وَكَانَ جَمِيلًا يَذْهَبُ النَّاسُ لِيَنْظُرُوا إِلَيْهِ مِنْ حُسْنِهِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الدِّيبَاجُ الْأَصْفَرُ.
فَأَحْضَرَهُ الْمَنْصُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: أَمَا وَاللَّهِ لِأَقْتُلُنَّكَ قِتْلَةً مَا قُتِلَهَا أَحَدٌ.
ثُمَّ أَلْقَاهُ بَيْنَ أُسْطُوَانَتَيْنِ، وَسَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ.
وَقَدْ هَلَكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي السِّجْنِ حَتَّى فُرِجَ عَنْهُمْ فِيمَا بَعْدُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
فَكَانَ فِيمَنْ هَلَكَ فِي السِّجْنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ، وَقَدْ قِيلَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ: إِنَّهُ قُتِلَ صَبْرًا.
وَأَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَسَنٍ، وَقَلَّ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ مِنَ الْحَبْسِ، وَقَدْ كَانُوا فِي سِجْنٍ لَا يَسْمَعُونَ فِيهِ التَّأْذِينَ، وَلَا يَعْرِفُونَ وَقْتَ الصَّلَاةِ إِلَّا بِالتِّلَاوَةِ، ثُمَّ

بَعَثَ أَهْلُ خُرَاسَانَ يَشْفَعُونَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُثْمَانِيِّ، فَأَمَرَ بِهِ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَأَرْسَلَ بِرَأْسِهِ إِلَى أَهْلِ خُرَاسَانَ.
وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الْأُمَوِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالدِّيبَاجِ، لِحُسْنِ وَجْهِهِ، وَأُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ وَطَاوُسٍ وَأَبِي الزِّنَادِ وَالزُّهْرِيِّ وَنَافِعٍ وَغَيْرِهِمْ، وَحَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَكَانَ أَخَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَتِ ابْنَتُهُ رُقَيَّةُ زَوْجَةَ ابْنِ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَبِسَبَبِهَا قَتَلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَكَانَ كَرِيمًا جَوَادًا مُمَدَّحًا.
قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: أَنْشَدَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَيَّاشٍ السَّعْدِيُّ لِأَبِي وَجْزَةَ السَّعْدِيِّ يَمْدَحُهُ: وَجَدْنَا الْمَحْضَ الَابْيَضَ مِنْ قُرَيْشٍ ... فَتًى بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَالرَّسُولِ أَتَاكَ الْمَجْدُ مِنْ هَنَّا وَهَنَّا ... وَكُنْتَ لَهُ بِمُعْتَلَجِ السُّيُولِ

فَمَا لِلْمَجْدِ دُونَكَ مِنْ مَبِيتٍ وَمَا لِلْمَجْدِ دُونَكَ مِنْ مَقِيلِ ... وَلَا مُمْضًى وَرَاءَكَ تَبْتَغِيهِ وَمَا هُوَ قَابِلٌ بِكَ مِنْ بَدِيلِ

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

فَمِمَّا كَانَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ مَخْرَجُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ بِالْمَدِينَةِ وَأَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ بِالْبَصْرَةِ، عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
أَمَّا مُحَمَّدٌ فَإِنَّهُ خَرَجَ عَلَى إِثْرِ ذَهَابِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ بِبَنِي حَسَنٍ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْعِرَاقِ عَلَى الصِّفَةِ وَالنَّعْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَسَجَنَهُمْ فِي مَكَانٍ سَاءَ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا، لَا يَسْمَعُونَ فِيهِ التَّأْذِينَ وَلَا يَعْرِفُونَ دُخُولَ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ إِلَّا بِالْأَذْكَارِ وَالتِّلَاوَاتِ.
وَقَدْ مَاتَ أَكْثَرُ أَكَابِرِهِمْ هُنَالِكَ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
هَذَا كُلُّهُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ مُخْتَفٍ بِالْمَدِينَةِ، حَتَّى إِنَّهُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ اخْتَفَى فِي بِئْرٍ; نَزَلَ فِيهَا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ سِوَى رَأْسِهِ، وَبَاقِيهِ مَغْمُورٌ بِالْمَاءِ، وَقَدْ تَوَاعَدَ هُوَ وَأَخُوهُ وَقْتًا مُعَيَّنًا يَظْهَرَانِ فِيهِ، هَذَا بِالْمَدِينَةِ وَإِبْرَاهِيمُ بِالْبَصْرَةِ، وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُؤَنِّبُونَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي اخْتِفَائِهِ وَعَدَمِ ظُهُورِهِ حَتَّى عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ، وَذَلِكَ لَمَّا أَضَرَّ بِهِ شِدَّةُ الِاخْتِفَاءِ مِنْ كَثْرَةِ إِلْحَاحِ رِيَاحٍ نَائِبِ الْمَدِينَةِ فِي طَلَبِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ وَضَاقَ الْحَالُ، وَاعَدَ مُحَمَّدٌ أَصْحَابَهُ عَلَى الظُّهُورِ فِي اللَّيْلَةِ الْفُلَانِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ جَاءَ بَعْضُ الْوُشَاةِ إِلَى مُتَوَلِّي الْمَدِينَةِ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ فَضَاقَ ذَرْعًا بِذَلِكَ وَانْزَعَجَ انْزِعَاجًا شَدِيدًا، وَرَكِبَ فِي جَحَافِلَ، فَطَافَ الْمَدِينَةَ وَحَوْلَهَا لِيَسْتَعْلِمَ مَكَانَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ

فَأَعْيَاهُ ذَلِكَ، وَقَدْ مَرَّ فِي رُجُوعِهِ عَلَى دَارِ مَرْوَانَ وَهُمْ بِهَا مُجْتَمِعُونَ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ بَعَثَ إِلَى بَنِي حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَجَمَعَهُمْ وَمَعَهُمْ رُءُوسٌ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ، فَوَعَظَهُمْ وَأَنَّبَهُمْ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَتَطَلَّبُ هَذَا الرَّجُلَ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، ثُمَّ مَا كَفَاكُمْ كِتْمَانُهُ حَتَّى بَايَعْتُمُوهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ؟ وَاللَّهِ لَا يَبْلُغُنِي عَنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَهُ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ.
فَأَنْكَرَ الَّذِينَ هُمْ هُنَالِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ أَوْ شُعُورٌ بِشَيْءٍ مِمَّا وَقَعَ مِمَّا يَقُولُهُ، وَقَالُوا: نَحْنُ نَأْتِيكَ بِرِجَالٍ مُتَسَلِّحِينَ يُقَاتِلُونَ دُونَكَ إِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَنَهَضُوا فَجَاءُوهُ بِجَمَاعَةٍ مُتَسَلِّحِينَ، فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَا إِذَنْ لَهُمْ، إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَدِيعَةً.
فَجَلَسَ أُولَئِكَ عَلَى الْبَابِ، وَمَكَثَ النَّاسُ جُلُوسًا حَوْلَ الْأَمِيرِ وَهُوَ وَاجِمٌ لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا قَلِيلًا، حَتَّى ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ مَا فُجِئَ النَّاسُ إِلَّا وَأَصْحَابُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ ظَهَرُوا وَأَعْلَنُوا بِالتَّكْبِيرِ، فَانْزَعَجَ النَّاسُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَشَارَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ عَلَى الْأَمِيرِ بِضَرْبِ أَعْنَاقِ بَنِي الْحُسَيْنِ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: عَلَامَ وَنَحْنُ مُقِرُّونَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ؟ وَاشْتَغَلَ الْأَمِيرُ عَنْهُمْ بِمَا فَجَأَهُ مِنَ الْأَمْرِ، فَاغْتَنَمُوا الْغَفْلَةَ، وَنَهَضُوا سِرَاعًا فَتَسَوَّرُوا جِدَارَ الدَّارِ، وَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ عَلَى كُنَاسَةٍ هُنَالِكَ.
وَأَقْبَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ فِي مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ فَارِسًا، فَأَقْبَلَ بِمَنْ مَعَهُ، فَمَرَّ بِالسِّجْنِ فَأَخْرَجَ مَنْ فِيهِ، وَجَاءَ دَارَ الْإِمَارَةِ، فَحَاصَرَهَا فَافْتَتَحَهَا، وَأَمْسَكَ عَلَى رِيَاحِ بْنِ عُثْمَانَ نَائِبِ الْمَدِينَةِ فَسَجَنَهُ فِي دَارِ مَرْوَانَ، وَسَجَنَ مَعَهُ

ابْنَ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ بِقَتْلِ بَنِي حُسَيْنٍ فِي أَوَّلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، فَنَجَوْا وَأُحِيطَ بِهِ، فَأَصْبَحَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ وَقَدِ اسْتَظْهَرَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَدَانَ لَهُ أَهْلُهَا، فَصَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ، وَقَرَأَ فِيهَا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1] . وَأَسْفَرَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةُ عَنْ مُسْتَهَلِّ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَقَدْ خَطَبَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَتَكَلَّمَ فِي بَنِي الْعَبَّاسِ، وَذَكَرَ عَنْهُمْ أَشْيَاءَ ذَمَّهُمْ بِهَا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلَدًا مِنَ الْبُلْدَانِ إِلَّا وَقَدْ دَخَلَهَا، وَأَنَّهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَبَايَعَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ كُلُّهُمْ إِلَّا الْقَلِيلَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَفْتَى بِمُبَايَعَتِهِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ فِي أَعْنَاقِنَا بَيْعَةَ الْمَنْصُورِ.
فَقَالَ: إِنَّمَا كُنْتُمْ مُكْرَهِينَ وَلَيْسَ لِمُكْرَهٍ بَيْعَةٌ.
فَبَايَعَهُ النَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَلَزِمَ مَالِكٌ بَيْتَهُ.
وَقَدْ قَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ حِينَ دَعَاهُ إِلَى بَيْعَتِهِ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّكَ مَقْتُولٌ.
فَارْتَدَعَ بَعْضُ النَّاسِ عَنْهُ، وَاسْتَمَرَّ جُمْهُورُهُمْ مَعَهُ، فَاسْتَنَابَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَلَى قَضَائِهَا عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيَّ، وَعَلَى شُرْطَتِهَا عُثْمَانَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلَى دِيوَانِ الْعَطَاءِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ.
وَتَلَقَّبَ بِالْمَهْدِيِّ; طَمَعًا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَوْعُودَ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَنُورِدُهَا

فِي الْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ، فَلَمْ يَكُنْ إِيَّاهُ، وَلَا تَمَّ لَهُ مَا تَمَنَّاهُ.
وَقَدِ ارْتَحَلَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَيْلَةَ دَخَلَهَا ابْنُ حَسَنٍ، فَطَوَى الْمَرَاحِلَ الْبَعِيدَةَ إِلَى الْمَنْصُورِ فِي سَبْعِ لَيَالٍ، فَوَرَدَ عَلَيْهِ، فَوَجَدَهُ نَائِمًا فِي اللَّيْلِ، فَقَالَ لِلرَّبِيعِ الْحَاجِبِ: اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى الْخَلِيفَةِ.
فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يُوقَظُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ.
فَقَالَ: إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ.
فَأَخْبَرَ الْخَلِيفَةَ، فَخَرَجَ فَقَالَ: وَيْحَكَ! مَا وَرَاءَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ خَرَجَ ابْنُ حَسَنٍ بِالْمَدِينَةِ.
فَلَمْ يُظْهِرْ لِذَلِكَ اكْتِرَاثًا وَلَا انْزِعَاجًا، بَلْ قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ: هَلَكَ وَاللَّهِ، وَأَهْلَكَ مَنِ اتَّبَعَهُ.
ثُمَّ أَمَرَ بِالرَّجُلِ فَسُجِنَ، ثُمَّ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ وَتَوَاتَرَتْ، فَأَطْلَقَهُ الْمَنْصُورُ، وَأَطْلَقَ لَهُ عَنْ كُلِّ لَيْلَةٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَاهُ سَبْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ.
وَلَمَّا تَحَقَّقَ الْمَنْصُورُ الْأَمْرَ مِنْ خُرُوجِهِ ضَاقَ ذَرْعًا بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْمُنَجِّمِينَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا عَلَيْكَ مِنْهُ، فَوَاللَّهِ لَوْ مَلَكَ الْأَرْضَ بِحَذَافِيرِهَا فَإِنَّهُ لَا يُقِيمُ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ يَوْمًا.
ثُمَّ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ جَمِيعَ رُءُوسِ الْأُمَرَاءِ أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى السِّجْنِ، فَيَجْتَمِعُوا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، فَيُخْبِرُوهُ بِمَا وَقَعَ وَبِخُرُوجِ مُحَمَّدٍ، وَيَسْمَعُوا مَا يَقُولُ لَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ أَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: مَا تَرَوْنَ ابْنَ سَلَامَةَ فَاعِلًا؟ - يَعْنِي الْمَنْصُورَ - قَالُوا: لَا نَدْرِي.
فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَتَلَ صَاحِبَكُمُ الْبُخْلُ، يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنْفِقَ الْأَمْوَالَ، وَيَسْتَخْدِمَ الرِّجَالَ، فَإِنْ ظَهَرَ فَاسْتِرْجَاعُ مَا أَنْفَقَ مِنَ الْأَمْوَالِ عَلَيْهِ سَهْلٌ،

وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِكُمْ شَيْءٌ فِي الْخَزَائِنِ، فَرَجَعُوا إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ.
وَأَشَارَ النَّاسُ عَلَى الْخَلِيفَةِ بِمُنَاجَزَتِهِ، وَاسْتَدْعَى عِيسَى بْنَ مُوسَى، فَنَدَبَهُ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي سَأَكْتُبُ إِلَيْهِ كِتَابًا أُنْذِرُهُ بِهِ قَبْلَ قِتَالِهِ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 33] [الْمَائِدَةِ: 33، 34] . ثُمَّ قَالَ: فَلَكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَذِمَّتُهُ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، لَئِنْ أَقْلَعْتَ وَرَجَعْتَ إِلَى الطَّاعَةِ لَأُؤَمِّنَنَّكَ وَمَنِ اتَّبَعَكَ، وَلَأُعْطِيَنَّكَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَأَدَعَنَّكَ تُقِيمُ فِي أَحَبِّ الْبِلَادِ إِلَيْكَ، وَلَأَقْضِيَنَّ جَمِيعَ حَوَائِجِكَ.
فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ: ﴿طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 1] [الْقِصَصِ: 1 - 5] . ثُمَّ قَالَ: وَإِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْكَ مِنَ الْأَمَانِ مِثْلَ مَا عَرَضْتَ عَلَيَّ، فَأَنَا أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ، وَأَنْتُمْ إِنَّمَا وَصَلْتُمْ إِلَيْهِ بِنَا، فَإِنَّ عَلِيًّا كَانَ الْوَصِيَّ، وَكَانَ الْإِمَامَ، فَكَيْفَ وَرَثْتُمْ وِلَايَتَهُ وَوَلَدُهُ أَحْيَاءٌ؟ وَنَحْنُ أَشْرَفُ أَهْلِ الْأَرْضِ نَسَبًا، فَرَسُولُ اللَّهِ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُ النَّاسِ، وَهُوَ جَدُّنَا، وَجَدَّتُنَا خَدِيجَةُ، وَهِيَ أَفْضَلُ زَوْجَاتِهِ، وَفَاطِمَةُ أُمُّنَا، وَهِيَ أَكْرَمُ بَنَاتِهِ، وَإِنَّ هَاشِمًا وَلَدَ عَلِيًّا مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّ حَسَنًا وَلَدَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ وَأَخُوهُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَدَنِي مَرَّتَيْنِ، فَإِنِّي أَوْسَطُ بَنِي هَاشِمٍ نَسَبًا، وَأَصْرَحُهُمْ نَسَبًا، فَأَنَا ابْنُ أَرْفَعِ النَّاسِ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ، وَأَخَفِّهِمْ عَذَابًا فِي النَّارِ، فَأَنَا أَوْلَى بِالْأَمْرِ مِنْكَ، وَأَوْفَى بِالْعَهْدِ، فَإِنَّكَ أَعْطَيْتَ ابْنَ هُبَيْرَةَ الْعَهْدَ وَنَكَثْتَهُ، وَكَذَلِكَ بِعَمِّكَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، وَبِأَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ جَوَابَ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ طَوِيلٍ، حَاصِلُهُ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي كَلَامُكَ، وَقَرَأْتُ كِتَابَكَ، فَإِذَا جَلَّ فَخْرُكَ بِقَرَابَةِ النِّسَاءِ لِتُضِلَّ بِهِ الْجُفَاةَ وَالْغَوْغَاءَ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ النِّسَاءَ كَالْعُمُومَةِ وَالْآبَاءِ، وَلَا كَالْعَصْبَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] . وَكَانَ لَهُ حِينَئِذٍ أَرْبَعَةُ أَعْمَامٍ، فَاسْتَجَابَ لَهُ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا أَبِي وَكَفَرَ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا أَبُوكَ فَقَطَعَ اللَّهُ وِلَايَتَهُمَا مِنْهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُمَا إِلًّا وَلَا ذِمَّةً، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي عَدَمِ إِسْلَامِ أَبِي طَالِبٍ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56] . وَقَدْ فَخَرْتَ بِهِ; لِأَنَّهُ أَخَفُّ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا، وَلَيْسَ فِي الشَّرِّ خِيَارٌ، وَلَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ الْفَخْرُ بِأَهْلِ النَّارِ، وَفَخَرْتَ بِأَنَّ عَلِيًّا وَلَدَهُ هَاشِمٌ مَرَّتَيْنِ، وَأَنَّ حَسَنًا وَلَدَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَرَّتَيْنِ، فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، إِنَّمَا

وَلَدَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَهَاشِمٌ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَقَوْلُكَ: إِنَّكَ لَمْ تَلِدْكَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ.
فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَارِيَةَ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ مِنْ أُمِّ وَلَدٍ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، وَكَذَلِكَ ابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ جَدَّتُهُمَا أُمُّ وَلَدٍ، وَهُمَا خَيْرٌ مِنْكَ، وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّكُمْ بَنُو رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40] . وَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ الَّتِي لَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْجَدَّ أَبَا الْأُمِّ وَالْخَالَ وَالْخَالَةَ لَا يُوَرَّثُونَ، وَلَمْ يَكُنْ لِفَاطِمَةَ مِيرَاثٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَصِّ الْحَدِيثِ، وَقَدْ مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُوكَ حَاضِرٌ، فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ، بَلْ أَمَرَ غَيْرَهُ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْدِلِ النَّاسُ بِأَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ; ثُمَّ قَدَّمُوا عَلَيْهِ عُثْمَانَ فِي الشُّورَى; ثُمَّ وَلَّوْهُ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، وَاتَّهَمَهُ بَعْضُهُمْ بِهِ، وَقَاتَلَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، وَامْتَنَعَ سَعْدٌ مِنْ مُبَايَعَتِهِ، ثُمَّ بَايَعَ بَعْدَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ طَلَبَهَا أَبُوكَ، وَقَاتَلَ عَلَيْهَا الرِّجَالُ، ثُمَّ اتَّفَقَ عَلَى التَّحْكِيمِ، فَلَمْ يَفِ بِهِ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى الْحَسَنِ فَبَاعَهَا بِخِرَقٍ وَدَرَاهِمَ، وَأَقَامَ بِالْحِجَازِ يَأْخُذُ مَالًا مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَسَلَّمَ الْأَمْرَ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، وَتَرَكَ شِيعَتَهُ فِي أَيْدِي مُعَاوِيَةَ، فَإِنْ كَانَتْ لَكُمْ فَقَدْ تَرَكْتُمُوهَا وَبِعْتُمُوهَا بِثَمَنِهَا، ثُمَّ خَرَجَ عَمُّكَ حُسَيْنٌ عَلَى ابْنِ مَرْجَانَةَ، فَكَانَ النَّاسُ مَعَهُ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَتَوْا بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجْتُمْ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَتَّلُوكُمْ وَصَلَّبُوكُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، وَحَرَّقُوكُمْ بِالنِّيرَانِ وَحَمَلُوا نِسَاءَكُمْ عَلَى الْإِبِلِ كَالسَّبَايَا إِلَى الشَّامِ، حَتَّى خَرَجْنَا عَلَيْهِمْ، فَأَخَذْنَا بِثَأْرِكُمْ، وَأَدْرَكْنَا بِدِمَائِكُمْ، وَأَوْرَثْنَاكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ، وَذَكَرْنَا فَضْلَ سَلَفِكُمْ، فَجَعَلْتَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْنَا، وَظَنَنْتَ أَنَّا إِنَّمَا ذَكَرْنَا فَضْلَهُ تَقْدِمَةً مِنَّا لَهُ عَلَى حَمْزَةَ وَالْعَبَّاسِ وَجَعْفَرٍ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ

كَمَا زَعَمْتَ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مَضَوْا وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي الْفِتَنِ، وَسَلِمُوا مِنَ الدُّنْيَا، وَابْتُلِيَ بِذَلِكَ أَبُوكَ، وَكَانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ تَلْعَنُهُ كَمَا تَلْعَنُ الْكَفَرَةَ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ، فَذَكَرْنَا فَضْلَهُ وَعَنَّفْنَاهُمْ بِمَا نَالُوا مِنْهُ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَكْرَمَتَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ سِقَايَةُ الْحَجِيجِ الْأَعْظَمِ، وَخِدْمَةُ زَمْزَمَ، وَحَكَمَ لَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِسْلَامِ.
وَلَمَّا قَحَطَ النَّاسُ زَمَنَ عُمَرَ اسْتَسْقَى بِأَبِينَا الْعَبَّاسِ، وَتَوَسَّلَ بِهِ إِلَى رَبِّهِ وَأَبُوكَ حَاضِرٌ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا الْعَبَّاسُ فَالسِّقَايَةُ سِقَايَتُهُ، وَالْوِرَاثَةُ وِرَاثَتُهُ، وَالْخِلَافَةُ فِي وَلَدِهِ، فَلَمْ يَبْقَ شَرَفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا وَالْعَبَّاسُ وَارِثُهُ وَمُوَرِّثُهُ.
فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ فِيهِ بَحْثٌ وَمُنَاظَرَةٌ وَفَصَاحَةٌ وَبَلَاغَةٌ.
وَقَدِ اسْتَقْصَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِطُولِهِ.

[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مَقْتَلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ]

بَعَثَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ فِي غُبُونِ ذَلِكَ رُسُلًا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ يَدْعُونَهُمْ إِلَى بَيْعَتِهِ وَخِلَافَتِهِ، فَأَبَوْا قَبُولَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَقَالُوا: قَدْ ضَجِرْنَا مِنَ الْحُرُوبِ، وَمَلِلْنَا مِنَ الْقِتَالِ.
وَلَمْ يَكْتَرِثُوا بِأَصْحَابِهِ، فَرَجَعُوا إِلَيْهِ بَعْدَ مَا خَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَجَعَلَ يَسْتَمِيلُ رُءُوسَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَهُ، وَمِنْهُمْ مَنِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: كَيْفَ أُبَايِعُكَ وَقَدْ ظَهَرْتَ فِي بَلَدٍ لَيْسَ فِيهِ مَالٌ

تَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى اسْتِخْدَامِ الرِّجَالِ؟ وَلَزِمَ مَنْزِلَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ.
وَبَعَثَ مُحَمَّدٌ الْحَسَنَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا وَنَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ فَوَارِسَ وَاسْتَنَابَهُ عَلَى مَكَّةَ إِنْ هُوَ دَخَلَهَا، فَسَارُوا إِلَيْهَا، فَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَهَا قُدُومُهُمْ خَرَجُوا إِلَيْهِمْ فِي أُلُوفٍ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، فَقَالَ لَهُمُ الْحَسَنُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: عَلَامَ تُقَاتِلُونَ وَقَدْ مَاتَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ؟ فَقَالَ السَّرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ زَعِيمُ أَهْلِ مَكَّةَ: إِنَّ بُرُدَهُ جَاءَتْنَا مِنْ أَرْبَعِ لَيَالٍ، وَقَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْهِ، فَأَنَا أَنْتَظِرُ جَوَابَهُ إِلَى أَرْبَعٍ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُونَ حَقًّا سَلَّمْتُكُمُ الْبَلَدَ، وَعَلَيَّ مُؤْنَةُ رِجَالِكُمْ وَخَيْلِكُمْ.
فَامْتَنَعَ الْحَسَنُ بْنُ مُعَاوِيَةَ مِنَ الِانْتِظَارِ وَأَبَى إِلَّا الْمُنَاجَزَةَ، وَحَلَفَ لَا يَبِيتُ اللَّيْلَةَ إِلَّا بِمَكَّةَ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ.
وَأَرْسَلَ إِلَى السَّرِيِّ أَنِ ابْرُزْ مِنَ الْحَرَمِ إِلَى الْحِلِّ حَتَّى لَا تُرَاقَ الدِّمَاءُ فِي الْحَرَمِ.
فَلَمْ يَخْرُجْ، فَتَقَدَّمُوا إِلَيْهِمْ فَصَافُّوهُمْ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمُ الْحَسَنُ وَأَصْحَابُهُ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ نَحْوَ سَبْعَةٍ، وَدَخَلُوا مَكَّةَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا خَطَبَ الْحَسَنُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّاسَ، وَعَزَّاهُمْ فِي أَبِي جَعْفَرٍ، وَدَعَا لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ الْمُلَقَّبِ بِالْمَهْدِيِّ.

[خُرُوجُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ]

وَظَهَرَ بِالْبَصْرَةِ أَيْضًا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، وَجَاءَ الْبَرِيدُ إِلَى أَخِيهِ

مُحَمَّدٍ بِذَلِكَ، فَانْتَهَى إِلَيْهِ لَيْلًا، فَاسْتُؤْذِنَ لَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ بِدَارِ مَرْوَانَ، فَطَرَقَ بَابَهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ طَوَارِقِ اللَّيْلِ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ.
ثُمَّ خَرَجَ فَأَخْبَرَهُ عَنْ أَخِيهِ بِذَلِكَ، فَاسْتَبْشَرَ جِدًّا، وَفَرِحَ كَثِيرًا، وَكَانَ يَقُولُ لِلنَّاسِ بَعْدَ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ: ادْعُوا اللَّهَ لِإِخْوَانِكُمْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَلِلْحَسَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِمَكَّةَ، وَاسْتَنْصِرُوهُ عَلَى أَعْدَائِكُمْ.
وَأَمَّا أَبُو جَعْفَرٍ، فَإِنَّهُ جَهَّزَ الْجُيُوشَ إِلَى مُحَمَّدٍ صُحْبَةَ عِيسَى بْنِ مُوسَى أَرْبَعَةَ آلَافِ فَارِسٍ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمُنْتَخَبِينَ، مِنْهُمْ; مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ، وَحُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ، وَجَعْفَرُ بْنُ حَنْظَلَةَ الْبَهْرَانِيُّ، وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدِ اسْتَشَارَهُ فِيهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ادْعُ مَنْ شِئْتَ مِمَّنْ تَثِقُ بِهِ مِنْ مَوَالِيكَ، فَيَنْزِلُ وَادِيَ الْقُرَى فَيَمْنَعُهُ مِيرَةَ الشَّامِ، فَيَمُوتُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ جُوعًا، فَإِنَّهُ بِبَلَدٍ لَيْسَ فِيهِ مَالٌ وَلَا رِجَالٌ وَلَا كُرَاعٌ وَلَا سِلَاحٌ.
وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ كُثَيِّرَ بْنَ الْحُصَيْنِ الْعَبْدِيَّ، وَقَدْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ لِعِيسَى بْنِ مُوسَى حِينَ وَدَّعَهُ: يَا عِيسَى، إِنِّي أَبْعَثُكَ إِلَى مَا بَيْنَ جَنْبَيَّ هَذَيْنِ، فَإِنْ ظَفِرْتَ بِالرَّجُلِ، فَشِمْ سَيْفَكَ، وَنَادِ فِي النَّاسِ بِالْأَمَانِ، وَإِنْ تَغَيَّبَ فَضَمِّنْهُمْ إِيَّاهُ حَتَّى يَأْتُوكَ بِهِ، فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ بِمَذَاهِبِهِ.
وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا إِلَى رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَدْفَعُهَا إِلَيْهِمْ خُفْيَةً، يَدْعُوهُمْ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الطَّاعَةِ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ

عِيسَى بْنُ مُوسَى مِنَ الْمَدِينَةِ بَعَثَهَا مَعَ رَجُلٍ، فَأَخَذَهُ حَرَسُ مُحَمَّدٍ فَوَجَدُوا مَعَهُ تِلْكَ الْكُتُبَ، فَدَفَعُوهَا إِلَى مُحَمَّدٍ فَاسْتَحْضَرَ جَمَاعَةً مِنْ أُولَئِكَ، فَعَاقَبَهُمْ ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقُيُودًا ثِقَالًا، وَأَوْدَعَهُمُ السِّجْنَ، ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي الْمُقَامِ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى يَأْتِيَ عِيسَى بْنُ مُوسَى، فَيُحَاصِرَهُمْ بِهَا، أَوْ أَنْ يَخْرُجَ بِمَنْ مَعَهُ فَيُقَاتِلَ أَهْلَ الْعِرَاقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَشَارَ بِهَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَشَارَ بِذَاكَ، ثُمَّ اتَّفَقَ الرَّأْيُ عَلَى الْمُقَامِ بِالْمَدِينَةِ - لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأَسَّفَ يَوْمَ أُحُدٍ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا - وَعَلَى حَفْرِ خَنْدَقٍ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَحَفَرَ مَعَ النَّاسِ فِي الْخَنْدَقِ بِيَدِهِ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ ظَهَرَ لَهُمْ لَبِنَةٌ مِنَ الْخَنْدَقِ الَّذِي كَانَ حَفَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرُوا وَكَبَّرُوا وَبَشَّرُوهُ بِالنَّصْرِ.
وَكَانَ مُحَمَّدٌ حَاضِرًا عَلَيْهِ قَبَاءٌ أَبْيَضُ، وَفِي وَسَطِهِ مِنْطَقَةٌ، وَكَانَ شَكِلًا ضَخْمًا، أَسْمَرَ عَظِيمَ الْهَامَةِ.
وَلَمَّا نَزَلَ عِيسَى بْنُ مُوسَى الْأَعْوَصُ، وَاقْتَرَبَ مِنَ الْمَدِينَةِ، صَعِدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَنَدَبَهُمْ إِلَيْهِ - وَكَانُوا قَرِيبًا مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ - فَقَالَ لَهُمْ فِي جُمْلَةِ مَا قَالَ: إِنِّي جَعَلْتُكُمْ فِي حِلٍّ مِنْ بَيْعَتِي، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهَا فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتْرُكَهَا فَلْيَفْعَلْ.
فَتَسَلَّلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا شِرْذِمَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَخَرَجَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ

بِأَهْلِيهِمْ مِنْهَا لِئَلَّا يَشْهَدُوا الْقِتَالَ بِهَا، فَنَزَلُوا الْأَعْرَاضَ وَرُءُوسَ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَ مُحَمَّدٌ أَبَا الْقَلَمَّسِ لِيَرُدَّهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ فِي أَكْثَرِهِمْ، وَاسْتَمَرُّوا ذَاهِبِينَ.
وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ لِرَجُلٍ: أَتَأْخُذُ سَيْفًا وَرُمْحًا وَتَرُدُّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِنْ أَعْطَيْتَنِي رُمْحًا أَطْعَنُهُمْ بِهِ وَهُمْ بِالْأَعْرَاضِ، وَسَيْفًا أَضْرِبُهُمْ بِهِ وَهُمْ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ فَعَلْتُ.
فَسَكَتَ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ! إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ قَدْ بَيَّضُوا - يَعْنِي لَبِسُوا الْبَيَاضَ - مُوَافَقَةً لِي وَخَلَعُوا السَّوَادَ.
فَقَالَ: وَمَا يَنْفَعُنِي أَنْ لَوْ بَقِيَتِ الدُّنْيَا زُبْدَةً بَيْضَاءَ وَأَنَا فِي مِثْلِ صُوفَةِ الدَّوَاةِ، وَهَذَا عِيسَى بْنُ مُوسَى نَازِلٌ بِالْأَعْوَصِ؟ ! ثُمَّ جَاءَ عِيسَى بْنُ مُوسَى، فَنَزَلَ بِجَيْشِهِ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، عَلَى مِيلٍ مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ دَلِيلُهُ ابْنُ الْأَصَمِّ: إِنِّي أَخْشَى إِذَا كَشَفْتُمُوهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ سَرِيعًا قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَهُمُ الْخَيْلُ.
ثُمَّ ارْتَحَلَ بِهِ فَأَنْزَلَهُ الْجَرْفَ عَلَى سِقَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ لِصُبْحِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَالَ: إِنَّ الرَّاجِلَ إِذَا هَرَبَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْهَرْوَلَةِ أَكْثَرَ مِنْ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَتُدْرِكُهُ الْخَيْلُ.
وَأَرْسَلَ عِيسَى بْنُ مُوسَى خَمْسَمِائَةِ فَارِسٍ فَنَزَلُوا عِنْدَ الشَّجَرَةِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ إِنْ هَرَبَ فَلَيْسَ لَهُ مَلْجَأٌ إِلَّا مَكَّةَ فَاقْتُلُوهُ وَحُولُوا

بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.
ثُمَّ أَرْسَلَ عِيسَى إِلَى مُحَمَّدٍ يَدْعُوهُ إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الْمُبَايَعَةِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ; فَإِنَّهُ قَدْ أَعْطَاهُ الْأَمَانَ لَهُ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ إِنْ هُوَ أَجَابَ إِلَى ذَلِكَ.
فَقَالَ مُحَمَّدٌ لِلرَّسُولِ: لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكَ.
ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى يَقُولُ لَهُ: إِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاحْذَرْ أَنْ تَمْتَنِعَ فَأَقْتُلَكَ فَتَكُونَ شَرَّ قَتِيلٍ، أَوْ تَقْتُلَنِي فَتَكُونَ قَدْ قَتَلْتَ مَنْ دَعَاكَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثُمَّ جَعَلَتِ الرُّسُلُ تَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، يَدْعُوهُ فِيهَا عِيسَى بْنُ مُوسَى إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الْجَمَاعَةِ، وَجَعَلَ عِيسَى يَقِفُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ عَلَى الثَّنِيَّةِ عِنْدَ سَلْعٍ فَيُنَادِي: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، إِنَّ دِمَاءَنَا عَلَيْنَا حَرَامٌ، فَمَنْ جَاءَ فَوَقَفَ تَحْتَ رَايَتِنَا فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَلَيْسَ لَنَا فِي قِتَالِكُمْ أَرَبٌ، وَإِنَّمَا نُرِيدُ مُحَمَّدًا وَحْدَهُ لِنَذْهَبَ بِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ.
فَجَعَلُوا يَسُبُّونَهُ وَيَنَالُونَ مِنْ أُمِّهِ، وَيَتَكَلَّمُونَ مَعَهُ بِكَلَامٍ شَنِيعٍ، وَيُخَاطِبُونَهُ مُخَاطَبَةً فَظِيعَةً، وَقَالُوا: هَذَا ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَنَا وَنَحْنُ مَعَهُ، وَنُقَاتِلُ دُونَهُ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ أَتَاهُمْ فِي خَيْلٍ وَرِجَالٍ وَسِلَاحٍ وَرِمَاحٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، فَنَادَاهُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَنِي أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ حَتَّى أَدْعُوَكَ إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَإِنْ فَعَلْتَ أَمَّنَكَ، وَقَضَى دَيْنَكَ، وَأَعْطَاكَ أَمْوَالًا وَأَرَاضِيَ، وَإِنْ أَبَيْتَ قَاتَلْتُكَ، فَقَدْ دَعَوْتُكَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
فَنَادَاهُ مُحَمَّدٌ: إِنَّهُ لَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي إِلَّا الْقِتَالُ.

فَنَشِبَتِ الْحَرْبُ حِينَئِذٍ بَيْنَهُمْ، وَكَانَ جَيْشُ عِيسَى بْنِ مُوسَى فَوْقَ الْأَرْبَعَةِ آلَافٍ، عَلَى الْمُقَدِّمَةِ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ مُحَمَّدٌ ابْنُ السَّفَّاحِ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ دَاوُدُ بْنُ كَرَّازٍ، وَعَلَى السَّاقَةِ الْهَيْثَمُ بْنُ شُعْبَةَ، وَمَعَهُمْ عُدَدٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، وَفَرَّقَ عِيسَى أَصْحَابَهُ، فِي كُلِّ قُطْرٍ طَائِفَةً، وَكَانَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى عِدَّةِ أَهْلِ بَدْرِ وَاقْتَتَلَ الْفَرِيقَانِ قِتَالًا شَدِيدًا جِدًّا، وَتَرَجَّلَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْأَرْضِ فَيُقَالُ: إِنَّهُ قَتَلَ بِيَدِهِ مِنْ أُولَئِكَ سَبْعِينَ رَجُلًا، وَأَحَاطَ بِهِمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ، فَقَتَلُوا طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، وَاقْتَحَمُوا عَلَيْهِمُ الْخَنْدَقَ الَّذِي كَانُوا حَفَرُوهُ، وَعَمِلُوا أَبْوَابًا عَلَى قَدْرِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ رَدَمُوهُ بِحَدَائِجِ الْإِبِلِ حَتَّى أَمْكَنَهُمْ أَنْ يَجُوزُوهُ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ، وَهَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمْ يَزَلِ الْقِتَالُ نَاشِبًا بَيْنَهُمْ مِنْ بُكْرَةِ النَّهَارِ حَتَّى صُلِّيَتِ الْعَصْرُ، فَلَمَّا صَلَّى مُحَمَّدٌ الْعَصْرَ نَزَلَ إِلَى مَسِيلِ الْوَادِي بِسَلْعٍ، فَكَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، وَعَقَرَ فَرَسَهُ، وَفَعَلَ أَصْحَابُهُ مِثْلَهُ، وَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْقِتَالِ وَحَمِيَتِ الْحَرْبُ حِينَئِذٍ جِدًّا، فَاسْتَظْهَرَ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَرَفَعُوا رَايَةً سَوْدَاءَ فَوْقَ سَلْعٍ، ثُمَّ دَنَوْا إِلَى الْمَدِينَةِ فَدَخَلُوهَا وَنَصَبُوا رَايَةً سَوْدَاءَ فَوْقَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ تَنَادَوْا: دُخِلَتِ الْمَدِينَةُ.
وَهَرَبُوا وَبَقِيَ مُحَمَّدٌ فِي شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ جِدًّا.
ثُمَّ بَقِيَ وَحْدَهُ وَفِي يَدِهِ سَيْفٌ صَلْتٌ يَضْرِبُ بِهِ مَنْ تَقَدَّمَ

إِلَيْهِ، فَلَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ يَوْمَئِذٍ ذُو الْفَقَارِ.
ثُمَّ تَكَاثَرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ تَحْتَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ الْيُمْنَى فَسَقَطَ مُحَمَّدٌ لِرُكْبَتَيْهِ، وَجَعَلَ يَحْمِي نَفْسَهُ، وَيَقُولُ: وَيْحَكُمُ ابْنُ نَبِيِّكُمْ مَجْرُوحٌ مَظْلُومٌ.
وَجَعَلَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ يَقُولُ: وَيْحَكُمْ دَعُوهُ لَا تَقْتُلُوهُ.
فَأَحْجَمَ عَنْهُ النَّاسُ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ، فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، وَذَهَبَ بِهِ إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ حُمَيْدٌ قَدْ حَلَفَ أَنْ يَقْتُلَهُ مَتَى رَآهُ، فَمَا أَدْرَكَهُ إِلَّا كَذَلِكَ.
وَكَانَ مَقْتَلُ مُحَمَّدٍ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَقَدْ قَالَ عِيسَى بْنُ مُوسَى لِأَصْحَابِهِ حِينَ وُضِعَ رَأْسُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ: مَا تَقُولُونَ فِيهِ؟ فَنَالَ مِنْهُ أَقْوَامٌ وَتَكَلَّمُوا فِيهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: كَذَبْتُمْ وَاللَّهِ، لَقَدْ كَانَ صَوَّامًا قَوَّامًا، وَلَكِنَّهُ خَالَفَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَشَقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، فَقَتَلْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ.
فَسَكَتُوا حِينَئِذٍ.
وَأَمَّا سَيْفُهُ ذُو الْفَقَارِ فَإِنَّهُ صَارَ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ يَتَوَارَثُونَهُ بَيْنَهُمْ حَتَّى جَرَّبَهُ بَعْضُهُمْ، فَضَرَبَ بِهِ كَلْبًا، فَانْقَطَعَ السَّيْفُ.
ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ.
وَقَدْ بَلَغَ الْمَنْصُورَ فِي غُبُونِ هَذَا الْأَمْرِ أَنَّ مُحَمَّدًا فَرَّ مِنَ الْحَرْبِ، فَقَالَ: لَا، إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَفِرُّ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الْحَجَّاجِ قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ عَلَى رَأْسِ الْمَنْصُورِ، وَهُوَ مُسَائِلِي عَنْ مَخْرَجِ مُحَمَّدٍ، إِذْ بَلَغَهُ أَنَّ عِيسَى قَدْ هُزِمَ - وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ - فَضَرَبَ بِقَضِيبٍ مَعَهُ مُصَلَّاهُ وَقَالَ: كَلَّا، فَأَيْنَ لَعِبُ صِبْيَانِنَا بِهَا عَلَى الْمَنَابِرِ وَمَشُورَةُ النِّسَاءِ؟ مَا أَنَى لِذَلِكَ بَعْدُ! وَبَعَثَ عِيسَى بِالْبِشَارَةِ إِلَى الْمَنْصُورِ مَعَ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَسَنِ، وَبِالرَّأْسِ مَعَ ابْنِ أَبِي الْكِرَامِ، ثُمَّ أَذِنَ فِي دَفْنِ جُثَّةِ مُحَمَّدٍ فَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَأَمَرَ بِأَصْحَابِهِ الَّذِينَ قُتِلُوا مَعَهُ فَصُلِبُوا صَفَّيْنِ ظَاهِرَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ طُرِحُوا عَلَى مَقْبَرَةِ الْيَهُودِ عِنْدَ سَلْعٍ، ثُمَّ نُقِلُوا إِلَى خَنْدَقٍ هُنَاكَ، وَأَخَذَ أَمْوَالَ بَنِي حَسَنٍ كُلَّهَا، فَسَوَّغَهَا لَهُ الْمَنْصُورُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ رَدَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ.
حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَنُودِيَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْأَمَانِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ، وَتَرَفَّعَ عِيسَى بْنُ مُوسَى إِلَى الْجَرْفِ مِنْ مَطَرٍ أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَ قَتْلِ مُحَمَّدٍ، وَجَعَلَ يَنْتَابُ الْمَسْجِدَ مِنَ الْجَرْفِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ إِلَى الْيَوْمِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا قَاصِدًا مَكَّةَ، وَكَانَ بِهَا الْحَسَنُ بْنُ مُعَاوِيَةَ مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ لِيَقْدَمَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَكَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، تَلَقَّتْهُ الْأَخْبَارُ بِقَتْلِ مُحَمَّدٍ، فَاسْتَمَرَّ فَارًّا إِلَى الْبَصْرَةِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، الَّذِي كَانَ قَدْ خَرَجَ بِهَا، ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ أَخِيهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.

وَلَمَّا جِيءَ الْمَنْصُورُ بِرَأْسِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَمَرَ فَطِيفَ بِهِ فِي طَبَقٍ أَبْيَضَ، ثُمَّ طِيفَ بِهِ فِي الْأَقَالِيمِ بَعْدَ ذَلِكَ.
ثُمَّ شَرَعَ الْمَنْصُورُ فِي اسْتِدْعَاءِ مَنْ خَرَجَ مَعَ مُحَمَّدٍ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَتَلَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَضْرِبُهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْفُو عَنْهُ.
وَلَمَّا تَوَجَّهَ عِيسَى بْنُ مُوسَى إِلَى مَكَّةَ اسْتَنَابَ عَلَى الْمَدِينَةِ كُثَيِّرَ بْنَ حُصَيْنٍ، فَاسْتَمَرَّ شَهْرًا حَتَّى بَعَثَ الْمَنْصُورُ عَلَى نِيَابَتِهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الرَّبِيعِ فَعَاثَ جُنْدُهُ فِي الْمَدِينَةِ فَسَادًا، وَاشْتَرَوْا مِنَ النَّاسِ أَشْيَاءَ لَا يُعْطُونَهُمْ ثَمَنَهَا، وَإِنْ طُولِبُوا بِذَلِكَ ضَرَبُوا الْمُطَالِبَ، وَخَوَّفُوهُ بِالْقَتْلِ، فَثَارَ عَلَيْهِمْ طَائِفَةٌ مِنَ السُّودَانِ; وَاجْتَمَعُوا وَنَفَخُوا فِي بُوقٍ لَهُمْ، فَاجْتَمَعَ عَلَى صَوْتِهِ كُلُّ أَسْوَدٍ فِي الْمَدِينَةِ وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ حَمْلَةً وَاحِدَةً وَهُمْ ذَاهِبُونَ إِلَى الْجُمْعَةِ، لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - وَقِيلَ: لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ مِنْهَا - فَقَتَلُوا مِنْهُمْ طَائِفَةً كَثِيرَةً وَهَرَبَ نَائِبُ الْمَدِينَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ، وَتَرَكَ صَلَاةَ الْجُمْعَةِ، وَكَانَ رُؤَسَاءُ السُّودَانِ; وَثِيقٌ، وَيَعْقِلُ، وَرُمْقَةُ، وَحَدْيَا، وَعُنْقُودٌ، وَمِسْعَرٌ وَأَبُو قَيْسٍ، وَأَبُو النَّارِ، فَرَكِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ فِي جُنُودِهِ وَالْتَقَى مَعَ السُّودَانِ فَهَزَمُوهُ، وَمَضَى فَلَحِقُوهُ بِالْبَقِيعِ، فَأَلْقَى لَهُمْ دَرَاهِمَ شَغَلَهُمْ بِهَا، حَتَّى نَجَا بِنَفْسِهِ وَمَنِ اتَّبَعَهُ، فَلَحِقَ بِبَطْنِ نَخْلٍ عَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَوَقَعَ السُّودَانُ عَلَى طَعَامٍ لِلْمَنْصُورِ كَانَ

مَخْزُونًا فِي دَارِ مَرْوَانَ قَدْ قُدِمَ بِهِ فِي الْبَحْرِ لِأَجْلِ الْجُنْدِ الَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ; مِنْ دَقِيقٍ وَسَوِيقٍ وَزَيْتٍ وَقَسْبٍ، فَانْتَهَبُوهُ، وَبَاعُوهُ بِأَرْخَصِ ثَمَنٍ، وَذَهَبَ الْخَبَرُ إِلَى الْمَنْصُورِ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ السُّودَانِ، وَخَافَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ مَعَرَّةِ ذَلِكَ، فَاجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ وَخَطَبَهُمُ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ - وَكَانَ مَسْجُونًا - فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَفِي رِجْلَيْهِ الْقُيُودُ، فَحَثَّهُمْ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَنْصُورِ، وَخَوَّفَهُمْ شَرَّ مَا صَنَعَهُ مَوَالِيهِمْ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَكُفُّوا مَوَالِيَهُمْ وَيُفَرِّقُوهُمْ وَأَنْ يَذْهَبُوا إِلَى أَمِيرِهِمْ، فَيَرُدُّوهُ إِلَى عَمَلِهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَسَكَنَ الْأَمْرُ، وَهَدَأَ النَّاسُ، وَانْطَفَأَتِ الشُّرُورُ، وَرَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَطَعَ يَدَ وَثِيقٍ وَأَبِي النَّارِ وَيَعْقِلَ وَمِسْعَرٍ.

[ذِكْرُ خُرُوجِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ بِالْبَصْرَةِ وَكَيْفِيَّةِ مَقْتَلِهِ]

كَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ نَزَلَ فِي بَنِي ضُبَيْعَةَ مِنَ الْبَصْرَةِ، فِي دَارِ الْحَارِثِ بْنِ عِيسَى، وَكَانَ لَا يُرَى بِالنَّهَارِ، وَكَانَ قُدُومُهُ إِلَيْهَا بَعْدَ أَنْ طَافَ بِلَادًا كَثِيرَةً جِدًّا، وَجَرَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى أَخِيهِ خُطُوبٌ شَدِيدَةٌ هَائِلَةٌ، وَانْعَقَدَ أَسْبَابُ هَلَاكِهِمَا فِي أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، ثُمَّ كَانَ آخِرَ مَا اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ بِالْبَصْرَةِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ

وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، بَعْدَ مُنْصَرَفِ الْحَجِيجِ.
وَقِيلَ: إِنَّ أَوَّلَ قُدُومِهِ إِلَيْهَا كَانَ فِي مُسْتَهَلِّ رَمَضَانَ، سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، بَعَثَهُ أَخُوهُ إِلَيْهَا بَعْدَ ظُهُورِهِ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ.
قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ.
قَالَ: وَكَانَ يَدْعُو فِي السِّرِّ إِلَى أَخِيهِ، فَلَمَّا قُتِلَ أَخُوهُ أَظْهَرَ الدَّعْوَةَ إِلَى نَفْسِهِ وَمُخَالَفَةَ الْمَنْصُورِ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ قَدِمَهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ أَظْهَرَ الدَّعْوَةَ فِي حَيَاةِ أَخِيهِ، كَمَا قَدَّمْنَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا دَخَلَ الْبَصْرَةَ أَوَّلَ قُدُومِهِ إِلَيْهَا نَزَلَ عِنْدَ يَحْيَى بْنِ زِيَادِ بْنِ حَسَّانَ النَّبَطِيِّ، وَكَانَ مُخْتَفِيًا عِنْدَهُ هَذِهِ الْمُدَّةَ كُلَّهَا، حَتَّى ظَهَرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ أَوَّلُ ظُهُورِهِ فِي دَارِ أَبِي فَرْوَةَ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَهُ نُمَيْلَةَ بْنَ مُرَّةَ، وَعَفْوَ اللَّهِ بْنَ سُفْيَانَ، وَعَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ زِيَادٍ، وَعَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ الْهُجَيْمِيَّ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ يَحْيَى بْنِ حُضَيْنٍ الرَّقَاشِيَّ، وَنَدَبُوا النَّاسَ إِلَيْهِ، فَاسْتَجَابَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَتَحَوَّلَ إِلَى دَارِ أَبِي مَرْوَانَ فِي وَسَطِ الْبَصْرَةِ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ، وَبَايَعَهُ فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، وَتَفَاقَمَ الْخَطْبُ بِهِ، وَبَلَغَ خَبَرُهُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، فَازْدَادَ غَمًّا إِلَى غَمِّهِ بِأَخِيهِ مُحَمَّدٍ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ظَهَرَ قَبْلَ مَقْتَلِ أَخِيهِ، كَمَا ذَكَرْنَا وَإِنَّمَا كَانَ السَّبَبُ فِي تَعْجِيلِهِ الظُّهُورَ بِالْبَصْرَةِ كِتَابَ أَخِيهِ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، فَامْتَثَلَ أَمْرَهُ، وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، فَانْتَظَمَ أَمْرُهُ بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَ نَائِبُهَا لِلْمَنْصُورِ سُفْيَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مُمَالِئًا لِإِبْرَاهِيمَ فِي الْبَاطِنِ وَيُبْلِغُهُ أَخْبَارَهُ، فَلَا يَكْتَرِثُ لَهَا، وَيُكَذِّبُ

بِمَا يُخْبَرُ بِهِ مِنْهَا وَيَوَدُّ أَنْ لَوْ صَحَّ أَمْرُ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ أَمَدَّهُ الْمَنْصُورُ بِأَمِيرَيْنِ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ مَعَهُمَا أَلْفَا فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَأَنْزَلَهُمَا عِنْدَهُ لِيَتَقَوَّى بِهِمَا عَلَى مُحَارَبَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَتَحَوَّلَ الْمَنْصُورُ مِنْ بَغْدَادَ - وَكَانَ قَدْ شَرَعَ فِي عِمَارَتِهَا - إِلَى الْكُوفَةِ وَجَعَلَ كُلَّمَا اتَّهَمَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي أَمْرِ إِبْرَاهِيمَ، بَعَثَ إِلَيْهِ مَنْ يَقْتُلُهُ فِي اللَّيْلِ فِي مَنْزِلِهِ، وَكَانَ الْفُرَافِصَةُ الْعِجْلِيُّ قَدْ هَمَّ بِالْوُثُوبِ بِالْكُوفَةِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ لِمَكَانِ الْمَنْصُورِ بِهَا، وَجَعَلَ النَّاسُ يَقْصِدُونَ الْبَصْرَةَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِمُبَايَعَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَيَفِدُونَ إِلَيْهَا جَمَاعَاتٍ وَفُرَادًى، وَجَعَلَ الْمَنْصُورُ يَرْصُدُ لَهُمُ الْمَسَالِحَ، فَيَقْتُلُونَهُمْ فِي الطُّرُقَاتِ، وَيَأْتُونَهُ بِرُءُوسِهِمْ فَيَصْلُبُهَا بِالْكُوفَةِ لِيَتَّعِظَ بِهَا النَّاسُ، وَأَرْسَلَ الْمَنْصُورُ إِلَى حَرْبٍ الرَّاوَنْدِيِّ - وَكَانَ مُرَابِطًا بِالْجَزِيرَةِ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ لِقِتَالِ الْخَوَارِجِ - يَسْتَدْعِيهِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَأَقْبَلَ بِمَنْ مَعَهُ، فَلَمَّا اجْتَازَ بِبَلْدَةٍ بِهَا أَنْصَارٌ لِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالُوا لَهُ: لَا نَدَعُكَ تَجْتَازُ; لِأَنَّكَ إِنَّمَا طَلَبَكَ لِيُحَارِبَ إِبْرَاهِيمَ.
فَقَالَ: وَيْحَكُمْ! دَعُونِي.
فَأَبَوْا فَقَاتَلَهُمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَمْسَمِائَةٍ، وَأَرْسَلَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَقَالَ: هَذَا أَوَّلُ الْفَتْحِ.
وَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْاِثْنَيْنِ مُسْتَهَلَّ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ فِي اللَّيْلِ إِلَى مَقْبَرَةِ بَنِي يَشْكُرَ فِي بِضْعَةَ عَشَرَ فَارِسًا، وَقَدِمَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَبُو حَمَّادٍ الْأَبْرَصُ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ مِدَادًا لِسُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَأَنْزَلَهُمُ الْأَمِيرُ

فِي الْقَصْرِ، وَمَالَ إِبْرَاهِيمُ وَأَصْحَابُهُ وَمَنِ الْتَفَّ عَلَيْهِ وَصَارَ إِلَيْهِ إِلَى دَوَابِّ أُولَئِكَ الْعَسْكَرِ وَأَسْلِحَتِهِمْ، فَأَخَذُوهَا جَمِيعًا، فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ مَا أَصَابَ، وَمَا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ إِلَّا وَقَدِ اسْتَظْهَرَ جِدًّا، فَصَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَالْتَفَّتِ الْخَلَائِقُ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ نَاظِرٍ وَنَاصِرٍ، وَتَحَصَّنَ سُفْيَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نَائِبُ الْخَلِيفَةِ بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ، وَجَلَسَ عِنْدَهُ الْجُنُودُ، فَحَاصَرَهُمْ إِبْرَاهِيمُ بِمَنْ مَعَهُ، فَطَلَبَ سُفْيَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْأَمَانَ، فَأَعْطَاهُ الْأَمَانَ، وَدَخَلَ إِبْرَاهِيمُ قَصْرَ الْإِمَارَةِ، فَبُسِطَتْ لَهُ حَصِيرٌ لِيَجْلِسَ عَلَيْهَا فِي مُقَدَّمِ إِيوَانِ الْقَصْرِ، فَهَبَّتِ الرِّيحُ، فَقَلَبَتِ الْحَصِيرَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، فَتَطَيَّرَ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّا لَا نَتَطَيَّرُ.
وَجَلَسَ عَلَى ظَهْرِ الْحَصِيرِ، وَأَمَرَ بِحَبْسِ سُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مُقَيَّدًا، وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يُبَرِّئَ سَاحَتَهُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى مَا كَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا فِيهِ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ، وَقِيلَ: أَلْفَا أَلْفٍ.
فَقَوِيَ بِذَلِكَ جِدًّا.
وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ جَعْفَرٌ وَمُحَمَّدٌ ابْنَا سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُمَا ابْنَا عَمِّ الْخَلِيفَةِ الْمَنْصُورِ، فَرَكِبَا فِي سِتِّمِائَةِ فَارِسٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا إِبْرَاهِيمُ الْمَضَّاءَ بْنَ الْقَاسِمِ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَارِسًا وَثَلَاثِينَ رَاجِلًا، فَهَزَمَ بِهَؤُلَاءِ سِتَّمِائَةِ فَارِسٍ، وَأَمَّنَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، وَبَعَثَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِ الْأَهْوَازِ، فَبَايَعُوا لَهُ وَأَطَاعُوهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى نَائِبِهَا مِائَتَيْ فَارِسٍ عَلَيْهِمُ الْمُغِيرَةُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُصَيْنِ نَائِبُ الْبِلَادِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَهَزَمَهُ الْمُغِيرَةُ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى الْبِلَادِ، وَبَعَثَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ فَأَخَذَهَا، وَكَذَلِكَ وَاسِطُ وَالْمَدَائِنُ وَالسَّوَادُ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ جِدًّا، وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَهُ نَعْيُ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ انْكَسَرَ جِدًّا، وَصَلَّى بِالنَّاسِ يَوْمَ الْعِيدِ وَهُوَ مَكْسُورٌ،

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْمَوْتَ فِي وَجْهِهِ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ، فَنَعَى إِلَى النَّاسِ أَخَاهُ مُحَمَّدًا، فَازْدَادَ النَّاسُ حَنَقًا عَلَى الْمَنْصُورِ، وَأَصْبَحَ فَعَسْكَرَ بِالنَّاسِ، وَاسْتَنَابَ عَلَى الْبَصْرَةِ نُمَيْلَةَ، وَخَلَّفَ ابْنَهُ حَسَنًا مَعَهُ.
وَلَمَّا بَلَغَ الْمَنْصُورَ خَبَرُهُ تَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ، وَجَعَلَ يَتَأَسَّفُ عَلَى مَا فَرَّقَ مِنْ جُنْدِهِ فِي الْمَمَالِكِ، وَكَانَ قَدْ بَعَثَ مَعَ ابْنِهِ الْمَهْدِيِّ ثَلَاثِينَ أَلْفًا إِلَى الرَّيِّ، وَبَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَالْبَاقُونَ مَعَ عِيسَى بْنِ مُوسَى بِالْحِجَازِ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ فِي مُعَسْكَرِهِ سِوَى أَلْفَيْ فَارِسٍ فَكَانَ يَأْمُرُ بِالنِّيرَانِ الْكَثِيرَةِ، فَتُوقَدُ لَيْلًا، فَيَحْسَبُ النَّاظِرُ أَنَّ هُنَاكَ جُنُودًا كَثِيرَةً، ثُمَّ كَتَبَ الْمَنْصُورُ إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى وَهُوَ بِالْحِجَازِ بَعْدَ قَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ: إِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي هَذَا، فَأَقْبِلْ مِنْ فَوْرِكَ، وَدَعْ كُلَّ مَا أَنْتَ فِيهِ.
فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بِالْبَصْرَةِ وَلَا يَهُولَنَّكَ كَثْرَةُ مَنْ مَعَهُ، فَإِنَّهُمَا جَمَلَا بَنِي هَاشِمٍ الْمَقْتُولَانِ جَمِيعًا، فَابْسُطْ يَدَكَ، وَثِقْ بِمَا عِنْدَكَ، وَسَتَذْكُرُ مَا أَقُولُ لَكَ، فَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْمَنْصُورُ.
وَكَتَبَ الْمَنْصُورُ إِلَى ابْنِهِ الْمَهْدِيِّ أَنْ يُوَجِّهَ خَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَذَهَبَ إِلَيْهَا، فَأَخْرَجَ مِنْهَا نَائِبَ إِبْرَاهِيمَ - وَهُوَ الْمُغِيرَةُ - وَأَبَاحَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَرَجَعَ الْمُغِيرَةُ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَكَذَلِكَ بَعَثَ إِلَى كُلِّ كُورَةٍ مِنْ هَذِهِ الْكُوَرِ الَّتِي خَلَعَتْ يَرُدُّونَهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ.
قَالُوا: وَلَزِمَ الْمَنْصُورُ مَوْضِعَ مُصَلَّاهُ، فَلَا يَبْرَحُ فِيهِ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا فِي بِذْلَةِ ثِيَابٍ عَلَيْهِ قَدِ اتَّسَخَتْ، فَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا هُنَاكَ

بِضْعًا وَخَمْسِينَ يَوْمًا، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ فِي غُبُونِ ذَلِكَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ نِسَاءَكَ قَدْ خَبُثَتْ أَنْفُسُهُنَّ لِغَيْبَتِكَ عَنْهُنَّ.
فَانْتَهَرَ الْقَائِلَ، وَقَالَ: وَيْحَكَ! لَيْسَتْ هَذِهِ أَيَّامَ نِسَاءٍ حَتَّى أَرَى رَأْسَ إِبْرَاهِيمَ بَيْنَ يَدَيَّ أَوْ يُحْمَلَ رَأْسِي إِلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: دَخَلْتُ عَلَى الْمَنْصُورِ وَهُوَ مَهْمُومٌ مِنْ كَثْرَةِ مَا وَقَعَ مِنَ الشُّرُورِ وَالْفُتُوقِ وَالْخُرُوقِ وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُتَابِعَ الْكَلَامَ مِنْ شِدَّةِ كَرْبِهِ وَهَمِّهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ أَعَدَّ لِكُلِّ أَمْرٍ مَا يَسُدُّ خَلَلَهُ، وَقَدْ خَرَجَتْ عَنْ يَدِهِ الْبَصْرَةُ وَالْأَهْوَازُ وَأَرْضُ فَارِسَ وَوَاسِطُ وَالْمَدَائِنُ وَأَرْضُ السَّوَادِ، وَفِي الْكُوفَةِ عِنْدَهُ مِائَةُ أَلْفِ سَيْفٍ مُغْمِدَةٌ، تَنْتَظِرُ بِهِ صَيْحَةً وَاحِدَةً، فَيَثِبُونَ عَلَيْهِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَعْرُكُ النَّوَائِبَ وَيَمْرُسُهَا، وَلَمْ تَقْعُدْ بِهِ نَفْسُهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصَامَا ... وَعَلَّمَتْهُ الْكَرَّ وَالْإِقْدَامَا فَصَيَّرَتْهُ مَلِكًا هُمَامَا وَأَقْبَلَ إِبْرَاهِيمُ قَاصِدًا مَنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ فِي مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ عِيسَى بْنَ مُوسَى فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ فَنَزَلَ فِي بَاخَمْرَا فِي جَحَافِلَ عَظِيمَةٍ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ: إِنَّكَ قَدِ اقْتَرَبْتَ مِنَ الْمَنْصُورِ، فَلَوْ أَنَّكَ سِرْتَ إِلَيْهِ بِطَائِفَةٍ مِنْ جَيْشِكَ هَذَا لَأَخَذْتَ بِقَفَاهُ; فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الْجُيُوشِ أَحَدٌ يَرُدُّونَ عَنْهُ.
فَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: إِنَّ الْأَوْلَى أَنْ نُنَاجِزَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بِإِزَائِنَا، ثُمَّ هُوَ فِي قَبْضَتِنَا.
فَثَنَاهُمْ

ذَلِكَ عَنِ الرَّأْيِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ فَعَلُوهُ لَتَمَّ لَهُمُ الْأَمْرُ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: خَنْدِقْ حَوْلَ الْجَيْشِ.
فَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ هَذَا الْجَيْشَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى خَنْدَقٍ حَوْلَهُ.
فَتَرَكَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَشَارَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يُبَيِّتَ جَيْشَ عِيسَى بْنِ مُوسَى، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّى لَا أَرَى ذَلِكَ.
فَتَرَكَهُ، ثُمَّ أَشَارَ آخَرُونَ بِأَنْ يَجْعَلَ جَيْشَهُ كَرَادِيسَ، فَإِنْ غُلِبَ كُرْدُوسٌ ثَبَتَ الْآخَرُ، فَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ الْأَوْلَى أَنْ نُقَاتِلَ صُفُوفًا; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4] . وَأَقْبَلَ الْجَيْشَانِ، فَتَصَافُّوا فِي بَاخَمْرَا، وَهِيَ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا مِنَ الْكُوفَةِ فَاقْتَتَلُوا بِهَا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُقَدِّمَةِ، فَجَعَلَ عِيسَى يُنَاشِدُهُمُ اللَّهَ فِي الرُّجُوعِ وَالْكَرَّةِ، فَلَا يَلْوِي عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَثَبَتَ عِيسَى بْنُ مُوسَى فِي مِائَةِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ تَنَحَّيْتَ مِنْ مَكَانِكَ هَذَا لِئَلَّا يَحْطِمَكَ جَيْشُ إِبْرَاهِيمَ.
فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَزُولُ عَنْهُ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لِي أَوْ أُقْتَلَ هَاهُنَا.
وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ بَعْضُ الْمُنَجِّمِينَ; أَنَّ النَّاسَ يَكُونُ لَهُمْ جَوْلَةٌ مَعَ عِيسَى بْنِ مُوسَى، ثُمَّ يَقُومُونَ إِلَيْهِ وَتَكُونُ الْعَاقِبَةُ لَهُ، فَاسْتَمَرَّ الْمُنْهَزِمُونَ ذَاهِبِينَ فَانْتَهَوْا إِلَى نَهْرٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ خَوْضُهُ فَكَّرُوا رَاجِعِينَ بِأَجْمَعِهِمْ، فَكَانَ أَوَّلَ رَاجِعٍ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ الَّذِي كَانَ أَوَّلَ مَنِ انْهَزَمَ، ثُمَّ اجْتَلَدُوا هُمْ وَأَصْحَابُ إِبْرَاهِيمَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَقُتِلَ مِنْ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ انْهَزَمَ أَصْحَابُ إِبْرَاهِيمَ، وَثَبَتَ هُوَ فِي خَمْسِمِائَةٍ، وَقِيلَ: فِي أَرْبَعِمِائَةٍ.
وَقِيلَ: فِي سَبْعِينَ رَجُلًا.
وَاسْتَظْهَرَ عِيسَى بْنُ مُوسَى وَأَصْحَابُهُ، وَقُتِلَ إِبْرَاهِيمُ فِي جُمْلَةِ مَنْ قُتِلَ، وَاخْتَلَطَ رَأْسُهُ مَعَ رُءُوسِ أَصْحَابِهِ، فَجَعَلَ حُمَيْدٌ

يَأْتِي بِالرُّءُوسِ فَيَعْرِضُهَا عَلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى حَتَّى عَرَفُوا رَأْسَ إِبْرَاهِيمَ، فَبَعَثُوهُ مَعَ الْبَشِيرِ إِلَى الْمَنْصُورِ، وَكَانَ نِيبُخْتُ الْمُنَجِّمُ قَدْ دَخَلَ قَبْلَ مَجِيءِ الْبَشِيرِ عَلَى الْمَنْصُورِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَبْشِرْ فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ مَقْتُولٌ.
فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ لَمْ تُصَدِّقْنِي فَاحْبِسْنِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتُ لَكَ فَاقْتُلْنِي.
فَبَيْنَا هُوَ عِنْدَهُ إِذْ جَاءَ الْبَشِيرُ بِهَزِيمَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمَّا جِيءَ بِالرَّأْسِ تَمَثَّلَ الْمَنْصُورُ بِبَيْتِ مُعَقِّرِ بْنِ حِمَارٍ الْبَارِقِيِّ: فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى ... كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالْإِيَابِ الْمُسَافِرُ وَيُقَالُ: إِنَّ الْمَنْصُورَ لَمَّا نَظَرَ إِلَى الرَّأْسِ بَكَى حَتَّى جَعَلَتْ دُمُوعُهُ تَسْقُطُ عَلَى الرَّأْسِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ لِهَذَا كَارِهًا، وَلَكِنَّكَ ابْتُلِيتَ بِي وَابْتُلِيتُ بِكَ.
ثُمَّ أَمَرَ بِالرَّأْسِ، فَنُصِبَ لِلنَّاسِ بِالسُّوقِ.
وَأَقْطَعُ نِيبُخْتَ الْمُنَجِّمَ أَلْفَيْ جَرِيبٍ.
وَذَكَرَ صَالِحٌ مَوْلَى الْمَنْصُورِ قَالَ: لَمَّا جِيءَ بِرَأْسِ إِبْرَاهِيمَ جَلَسَ الْمَنْصُورُ مَجْلِسًا عَامًّا، وَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ فَيُهَنِّئُونَهُ، وَيَنَالُونَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ،

وَيُقَبِّحُونَ الْكَلَامَ فِيهِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الْمَنْصُورِ، وَالْمَنْصُورُ وَاجِمٌ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ لَا يَتَكَلَّمُ، حَتَّى دَخَلَ جَعْفَرُ بْنُ حَنْظَلَةَ الْبَهْرَانِيُّ، فَوَقَفَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي ابْنِ عَمِّكَ، وَغَفَرَ لَهُ مَا فَرَّطَ مِنْ حَقِّكَ.
قَالَ: فَاصْفَرَّ لَوْنُ الْمَنْصُورِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَبَا خَالِدٍ، مَرْحَبًا وَأَهْلًا، هَاهُنَا؟! فَعَلِمَ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ مِنْهُ فَجَعَلَ كُلُّ مَنْ جَاءَ يَقُولُ كَمَا قَالَ جَعْفَرُ بْنُ حَنْظَلَةَ.
قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ: كَانَ ذَلِكَ فِي لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
يَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ.

[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ]

وَقَدْ قُتِلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ أَهْلِ الْبَيْتِ، مِنْهُمْ; عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ وَابْنَاهُ إِبْرَاهِيمُ وَمُحَمَّدٌ، وَأَخُوهُ حَسَنُ بْنُ حَسَنٍ، وَأَخُوهُ لِأُمِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الْمُلَقَّبُ بِالدِّيبَاجِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ فِي آخِرِ الْجُزْءِ الَّذِي قَبْلَهُ.
فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ

فَتَابِعِيٌّ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - وَهُوَ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ - وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ; سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، وَمَالِكٌ.
وَكَانَ مُعَظَّمًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مُبَجَّلًا، وَكَانَ عَابِدًا كَبِيرَ الْقَدْرِ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا.
وَفَدَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَكْرَمَهُ، وَوَفَدَ عَلَى السَّفَّاحِ فَعَظَّمَهُ وَأَعْطَاهُ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا وَلِيَ الْمَنْصُورُ عَكَسَ هَذَا الْإِكْرَامَ، وَأَخَذَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ مُقَيَّدِينَ مَغْلُولِينَ مُهَانِينَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْهَاشِمِيَّةِ، فَأَوْدَعَهُمُ السِّجْنَ الضَّيِّقَ كَمَا قَدَّمْنَا، فَمَاتَ أَكْثَرُهُمْ فِيهِ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ هَذَا أَوَّلَ مَنْ مَاتَ فِيهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِ وَلَدِهِ مُحَمَّدٍ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ قُتِلَ عَمْدًا.
وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ خَمْسًا وَسَبْعِينَ سَنَةً.
وَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ.

ثُمَّ مَاتَ بَعْدَهُ أَخُوهُ حَسَنٌ، فَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ.
ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَهُ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى خُرَاسَانَ، كَمَا قَدَّمْنَا.
وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَرَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَنَافِعٍ، وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كَيْفِيَّةِ الْهُوِيِّ إِلَى السُّجُودِ، وَحَدَثَّ عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ أُمَّهُ حَمَلَتْ بِهِ أَرْبَعَ سِنِينَ.
وَكَانَ طَوِيلًا سَمِينًا أَسْمَرَ ضَخْمًا، مُفَخَّمًا ذَا هِمَّةٍ سَامِيَّةٍ، وَسَطْوَةٍ عَالِيَةٍ، وَكَانَ مَقْتَلُهُ بِالْمَدِينَةِ فِي مُنْتَصَفِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَلَهُ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً.
وَقَدْ حُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى الْمَنْصُورِ، وَطَيْفَ بِهِ فِي الْأَقَالِيمِ.
وَأَمَّا أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ ظُهُورُهُ بِالْبَصْرَةِ بَعْدَ ظُهُورِ أَخِيهِ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَقَدْ حَكَى أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ

وَأَخُوهُ مُحَمَّدٌ خَارِجِيِّينَ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَبِئْسَمَا قَالَ، هَذَا رَأْيُ الزَّيْدِيَّةِ.
قُلْتُ: وَقَدْ حُكِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُمْ مَالُوا إِلَى ظُهُورِهِمَا وَفِي هَذَا نَظَرٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا أَيْضًا مِنَ الْمَشَاهِيرِ: الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَإِسْمَاعِيلُ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ فِي قَوْلٍ، وَحَبِيبٌ ابْنُ الشَّهِيدِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَعُمَرُ مَوْلَى عَفْرَةَ، وَيَحْيَى

بْنُ الْحَارِثِ الذِّمَّارِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، وَرُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ - وَالْعَجَّاجُ لَقَبٌ، وَاسْمُهُ أَبُو الشَّعْثَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُؤْبَةَ - أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ الْبَصْرِيُّ، الرَّاجِزُ ابْنُ الرَّاجِزِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا دِيوَانُ رَجَزٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا بَارِعٌ فِي فَنِّهِ، لَا يُجَارَى وَلَا يُمَارَى، عَالِمٌ بِاللُّغَةِ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُقَفَّعِ الْكَاتِبُ الْمُفَوَّهُ، أَسْلَمَ عَلَى يَدِ عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ عَمِّ السَّفَّاحِ وَالْمَنْصُورِ، وَكَتَبَ لَهُ، وَلَهُ رَسَائِلُ وَأَلْفَاظٌ فَصِيحَةٌ، وَكَانَ يُتَّهَمُ بِالزَّنْدَقَةِ، وَهُوَ الَّذِي صَنَّفَ كِتَابَ " كَلَيْلَةَ وَدِمْنَةَ "، وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ الَّذِي عَرَّبَهَا مِنَ الْمَجُوسِيَّةِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ.
قَالَ الْمَهْدِيُّ ابْنُ الْمَنْصُورِ: مَا وَجَدْتُ كِتَابَ زَنْدَقَةٍ إِلَّا وَأَصْلُهُ مِنِ ابْنِ الْمُقَفَّعِ.
قَالَ الْجَاحِظُ: الزَّنَادِقَةُ ثَلَاثَةٌ; ابْنُ الْمُقَفَّعِ، وَمُطِيعُ بْنُ إِيَاسٍ، وَيَحْيَى بْنُ زِيَادٍ.
قَالُوا: وَنَسِيَ الْجَاحِظُ نَفْسَهُ، وَهُوَ رَابِعُهُمْ.
وَكَانَ مَعَ هَذَا فَاضِلًا بَارِعًا فَصِيحًا.

قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: قِيلَ لِابْنِ الْمُقَفَّعِ: مَنْ أَدَّبَكَ؟ قَالَ: نَفْسِي; إِذَا رَأَيْتُ مِنْ غَيْرِي قَبِيحًا أَبَيْتُهُ، وَإِذَا رَأَيْتُ حَسَنًا أَتَيْتُهُ.
وَمِنْ كَلَامِهِ: شَرِبْتُ مِنَ الْخُطَبِ رَيًّا، وَلَمْ أَضْبُطْ لَهَا رَوِيًّا، فَغَاضَتْ ثُمَّ فَاضَتْ، فَلَا هِيَ هِيَ نِظَامًا، وَلَيْسَتْ غَيْرَهَا كَلَامًا.
وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَى يَدِ سُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ ابْنِ أَبِي صُفْرَةَ نَائِبِ الْبَصْرَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَعْبَثُ بِهِ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يُسَمِّيهِ ابْنَ الْمُغْتَلِمَةِ، وَكَانَ كَبِيرَ الْأَنْفِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمَا.
عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: مَا نَدِمْتُ عَلَى سُكُوتٍ قَطُّ.
فَقَالَ: صَدَقْتَ، الْخَرَسُ خَيْرٌ لَكَ.
فَاتَّفَقَ أَنَّ الْمَنْصُورَ تَغَضَّبَ عَلَى ابْنِ الْمُقَفَّعِ، فَكَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ سُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ هَذَا أَنْ يَقْتُلَهُ، فَأَخَذَهُ فَأَحْمَى لَهُ تَنُّورًا، وَجَعَلَ يُقَطِّعُهُ إِرَبًا إِرَبًا، وَيُلْقِيهِ فِي ذَلِكَ التَّنُّورِ حَتَّى أَحْرَقَهُ كُلَّهُ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى أَطْرَافِهِ كَيْفَ تُقْطَعُ، ثُمَّ تُحْرَقُ.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي صِفَةِ قَتْلِهِ.
قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: ابْنُ الْمُقَفَّعِ نِسْبَةً إِلَى بَيْعِ الْقِفَاعِ،

وَهِيَ مِنَ الْجَرِيدِ كَالزِّنْبِيلِ بِلَا آذَانٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ، وَهُوَ أَبُوهُ دَاذَوَيْهِ، كَانَ الْحَجَّاجُ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْخَرَاجِ، فَخَانَ فَعَاقَبَهُ حَتَّى تَقَفَّعَتْ يَدَاهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهَا خَرَجَتِ التُّرْكُ وَالْخَزَرُ بِبَابِ الْأَبْوَابِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَرْمِينِيَّةَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ السَّرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ نَائِبُ مَكَّةَ، وَكَانَ نَائِبَ الْمَدِينَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ الْحَارِثِيُّ، وَعَلَى الْكُوفَةِ عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَعَلَى الْبَصْرَةِ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، وَعَلَى مِصْرَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ.

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ]

[الْأَحْدَاثُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا]

فِيهَا تَكَامَلَ بِنَاءُ مَدِينَةِ السَّلَامِ بَغْدَادَ، وَسَكَنَهَا الْمَنْصُورُ بَانِيهَا فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ مُقِيمًا قَبْلَ ذَلِكَ بِالْهَاشِمِيَّةِ الْمُتَاخِمَةِ لِلْكُوفَةِ، وَكَانَ قَدْ شَرَعَ فِي بِنَائِهَا فِي السَّنَةِ الْخَارِجَةِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ كَانَ السَّبَبَ الْبَاعِثَ لَهُ عَلَى بِنَائِهَا أَنَّ الرَّاوِنْدِيَّةَ لَمَّا وَثَبُوا عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ، وَوَقَى اللَّهُ شَرَّهُمْ، فَقَهَرَهُمْ وَقَتَلَهُمْ، كَمَا تَقَدَّمَ، بَقِيَتْ مِنْهُمْ بَقِيَّةٌ، فَخَشِيَ عَلَى جُنْدِهِ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ مِنَ الْكُوفَةِ يَرْتَادُ لَهُمْ مَوْضِعًا لِبِنَاءِ مَدِينَةٍ، فَسَارَ فِي الْأَرْضِ حَتَّى بَلَغَ الْجَزِيرَةَ، فَلَمْ يَرَ مَوْضِعًا أَحْسَنَ لِوَضْعِ الْمَدِينَةِ مِنْ مَوْضِعِ بَغْدَادَ الَّذِي هِيَ فِيهِ الْآنَ، وَذَلِكَ بِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يُغْدَى إِلَيْهِ وَيُرَاحُ بِخَيِّرَاتِ مَا حَوْلَهُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَهُوَ مُحَصَّنٌ بِدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَتَوَصَّلَ إِلَى مَوْضِعِ الْخَلِيفَةِ إِلَّا عَلَى جِسْرٍ، وَقَدْ بَاتَ بِهِ الْمَنْصُورُ قَبْلَ بِنَائِهِ، فَرَأَى الرِّيَاحَ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَطِيبَ الْهَوَاءِ فِي تِلْكَ الْمَحَلَّةِ، وَقَدْ كَانَ مَوْضِعُهَا قُرًى وَدُيُورَةً لِعُبَّادِ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ - ذَكَرَ ذَلِكَ مُفَصَّلًا بِأَسْمَائِهِ وَتَعْدَادِهِ أَبُو جَعْفَرٍ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ - فَحِينَئِذٍ أَمَرَ الْمَنْصُورُ بِاخْتِطَاطِهَا، فَرَسَمُوهَا لَهُ بِالرَّمَادِ، فَمَشَى فِي طُرُقِهَا وَمَسَالِكِهَا، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ سَلَّمَ كُلَّ رُبْعٍ مِنْهَا لِأَمِيرٍ يَقُومُ

عَلَى بِنَائِهِ، وَأَحْضَرَ مِنْ كُلِّ الْبِلَادِ فُعَّالًا وَصُنَّاعًا وَمُهَنْدِسِينَ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ أُلُوفٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ كَانَ هُوَ أَوَّلَ مَنْ وَضَعَ لَبِنَةً فِيهَا بِيَدِهِ، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْأَرْضُ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
ثُمَّ قَالَ: ابْنُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ.
وَأَمَرَ بِبِنَائِهَا مُدَوَّرَةً، سُمْكُ سُورِهَا مِنْ أَسْفَلِهِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا، وَمِنْ أَعْلَاهُ عِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَجَعَلَ لَهَا ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ فِي السُّورِ الْبَرَانِيِّ، وَمِثْلَهَا فِي الْجَوَّانِيِّ، وَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ تُجَاهَ الْآخَرِ، وَلَكِنِ أَزْوَرُ عَنِ الَّذِي يُقَابِلُهُ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ بَغْدَادُ الزَّوْرَاءَ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِازْوِرَارِهَا بِسَبَبِ انْحِرَافِ دِجْلَةَ عِنْدَهَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبَنَى قَصْرَ الْإِمَارَةِ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ لِيَكُونَ النَّاسُ مِنْهُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَاخْتَطَّ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ إِلَى جَانِبِ الْقَصْرِ، وَكَانَ الَّذِي وَضَعَ قِبْلَتَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُقَالُ: إِنَّ فِي قِبْلَتِهِ انْحِرَافًا يَحْتَاجُ الْمُصَلِّي فِيهِ أَنْ يَنْحَرِفَ إِلَى نَاحِيَةِ بَابِ الْبَصْرَةِ.
وَذَكَرَ أَنَّ مَسْجِدَ الرُّصَافَةِ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ مِنْهُ; لِأَنَّهُ بُنِيَ قَبْلَ الْقَصْرِ، وَجَامِعُ الْمَدِينَةِ بُنِيَ عَلَى الْقَصْرِ.
فَاخْتَلَّتْ قُبْلَتُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مَجَالِدٍ، أَنَّ الْمَنْصُورَ أَرَادَ أَبَا حَنِيفَةَ النُّعْمَانَ بْنَ ثَابِتٍ عَلَى الْقَضَاءِ فَامْتَنَعَ، فَحَلَفَ الْمَنْصُورُ أَنْ يَتَوَلَّى لَهُ، وَحَلَفَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ لَا يَفْعَلَ، فَوَلَّاهُ الْقِيَامَ بِأَمْرِ الْمَدِينَةِ وَضَرْبِ اللَّبِنَ وَعَدِّهِ، وَأَخْذِ الرِّجَالِ بِالْعَمَلِ، فَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ الْمُتَوَلِّيَ لِذَلِكَ، حَتَّى فَرَغَ مِنَ اسْتِتْمَامِ حَائِطِ الْمَدِينَةِ مِمَّا

يَلِي الْخَنْدَقَ، وَكَانَ اسْتِتْمَامُهُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَذُكِرَ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ أَنَّ الْمَنْصُورَ عَرَضَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ الْقَضَاءَ وَالْمَظَالِمَ فَامْتَنَعَ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يُقْلِعَ عَنْهُ حَتَّى يَعْمَلَ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَدَعَا بِقَصَبَةٍ، فَعَدَّ اللَّبِنَ لِيُبِرَّ بِذَلِكَ يَمِينَ أَبِي جَعْفَرٍ، وَمَاتَ أَبُو حَنِيفَةَ بِبَغْدَادَ.
وَذَكَرَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ بَرْمَكَ هُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَى الْمَنْصُورِ بِبِنَائِهَا، وَأَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِثًّا فِيهَا، وَقَدْ شَاوَرَ الْمَنْصُورُ الْأُمَرَاءَ فِي نَقْلِ الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَى بَغْدَادَ لِأَجْلِ قَصْرِ الْإِمَارَةِ بِهَا، فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ فَإِنَّهُ آيَةٌ فِي الْعَالَمِ، وَفِيهِ مُصَلَّى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَخَالَفَهُ وَنَقَلَ مِنْهُ شَيْئًا كَثِيرًا، فَلَمْ يَفِ مَا تَحَصَّلَ مِنْهُ بِأُجْرَةِ مَا يُصْرَفُ فِي حَمْلِهِ، فَتَرَكَهُ، وَنَقَلَ أَبْوَابَ وَاسِطَ إِلَى أَبْوَابِ بَغْدَادَ، وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ نَقَلَهَا مِنْ مَدِينَةٍ هُنَاكَ كَانَتْ مِنْ بِنَاءِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، وَكَانَتِ الْجِنُّ قَدْ عَمِلَتْ تِلْكَ الْأَبْوَابَ.
وَقَدْ كَانَتِ الْأَسْوَاقُ قَرِيبًا مِنْ قَصْرِ الْإِمَارَةِ، فَكَانَتْ أَصْوَاتُ الْبَاعَةِ وَهَوْشَاتُ الْأَسْوَاقِ تُسْمَعُ مِنْهُ، فَعَابَ ذَلِكَ بَعْضُ بَطَارِقَةِ النَّصَارَى مِمَّنْ قَدِمَ فِي بَعْضِ الرَّسَائِلِ مِنَ الرُّومِ، فَأَمَرَ الْمَنْصُورُ بِنَقْلِ الْأَسْوَاقِ مِنْ هُنَاكَ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، وَأَمَرَ

جارٍ التحميل